سورة
اية:

قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى إخباراً عن الملك حين تحقق براءة يوسف عليه السلام ونزاهة عرضه مما نسب إليه قال: { ائتوني به أستخلصه لنفسي} أي أجعله من خاصتي وأهل مشورتي، { فلما كلمه} أي خاطبه الملك وعرفه ورأى فضله وبراعته وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال قال له الملك: { إنك اليوم لدينا مكين أمين} أي إنك عندنا ذا مكانة وأمانة، فقال يوسف عليه السلام: { اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} مدح نفسه، ويجوز للرجل إذا جُهل أمره للحاجة، وذكر أنه { حفيظ} أي خازن أمين، { عليم} ذو علم وبصيرة بما يتولاه، وقال شيبة بن نعامة: حفيظ لما استودعتني، عليم بسني الجدب ""رواه ابن أبي حاتم""، وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه، ولما فيه من المصالح للناس، وإنا سأله أن يجعله على خزائن الأرض ليتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له.

تفسير الجلالين

{ قال } يوسف { اجعلني على خزائن الأرض } أرض مصر { إني حفيظ عليم } ذو حفظ وعلم بأمرها، وقيل كاتب حاسب .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ يُوسُف لِلْمَلِكِ : اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن أَرْضك , وَهِيَ جَمْع خِزَانَة , وَالْأَلِف وَاللَّام دَخَلَتَا فِي الْأَرْض خَلَفًا مِنَ الْإِضَافَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر وَالْأَحْلَام غَيْرُ عَوَازِب وَهَذَا مِنْ يُوسُف صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ مَسْأَلَة مِنْهُ لِلْمَلِكِ أَنْ يُوَلِّيَهُ أَمْر طَعَام بَلَده وَخَرَاجهَا , وَالْقِيَام بِأَسْبَابِ بَلَده , فَفَعَلَ ذَلِكَ الْمَلِك بِهِ فِيمَا بَلَغَنِي . كَمَا 14864 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض } قَالَ : كَانَ لِفِرْعَوْن خَزَائِن غَيْر الطَّعَام , قَالَ : فَأَسْلَمَ سُلْطَانه كُلّه إِلَيْهِ , وَجَعَلَ الْقَضَاء إِلَيْهِ , أَمْره وَقَضَاؤُهُ نَافِذ 14865 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن الْمُخْتَار , عَنْ شَيْبَة الضَّبِّيّ , فِي قَوْله : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض } قَالَ : عَلَى حِفْظ الطَّعَام الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَالَ يُوسُف لِلْمَلِكِ : اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن أَرْضك , وَهِيَ جَمْع خِزَانَة , وَالْأَلِف وَاللَّام دَخَلَتَا فِي الْأَرْض خَلَفًا مِنَ الْإِضَافَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر وَالْأَحْلَام غَيْرُ عَوَازِب وَهَذَا مِنْ يُوسُف صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ مَسْأَلَة مِنْهُ لِلْمَلِكِ أَنْ يُوَلِّيَهُ أَمْر طَعَام بَلَده وَخَرَاجهَا , وَالْقِيَام بِأَسْبَابِ بَلَده , فَفَعَلَ ذَلِكَ الْمَلِك بِهِ فِيمَا بَلَغَنِي . كَمَا 14864 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض } قَالَ : كَانَ لِفِرْعَوْن خَزَائِن غَيْر الطَّعَام , قَالَ : فَأَسْلَمَ سُلْطَانه كُلّه إِلَيْهِ , وَجَعَلَ الْقَضَاء إِلَيْهِ , أَمْره وَقَضَاؤُهُ نَافِذ 14865 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن الْمُخْتَار , عَنْ شَيْبَة الضَّبِّيّ , فِي قَوْله : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض } قَالَ : عَلَى حِفْظ الطَّعَام ' وَقَوْله : { إِنِّي حَفِيظ عَلِيم } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنِّي حَفِيظ لِمَا اسْتَوْدَعْتنِي عَلِيم بِمَا وَلَّيْتنِي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14866 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق : { إِنِّي حَفِيظ عَلِيم } إِنِّي حَافِظ لِمَا اسْتَوْدَعْتنِي , عَالِم بِمَا وَلَّيْتنِي . قَالَ : : قَدْ فَعَلْت 14867 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنِّي حَفِيظ عَلِيم } يَقُول : حَفِيظ لِمَا وُلِّيت , عَلِيم بِأَمْرِهِ 14868 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن الْمُخْتَار , عَنْ شَيْبَة الضَّبِّيّ فِي قَوْله : { إِنِّي حَفِيظ عَلِيم } يَقُول : إِنِّي حَفِيظ لِمَا اسْتَوْدَعْتنِي , عَلِيم بِسِنِي الْمَجَاعَة وَقَالَ آخَرُونَ : إِنِّي حَافِظ لِلْحِسَابِ , عَلِيم بِالْأَلْسُنِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14869 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنِ الْأَشْجَعِيّ : { إِنِّي حَفِيظ عَلِيم } : حَافِظ لِلْحِسَابِ , عَلِيم بِالْأَلْسُنِ وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنِّي حَافِظ لِمَا اسْتَوْدَعْتنِي , عَالِم بِمَا أَوْلَيْتنِي ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيب قَوْله : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض } وَمَسْأَلَته الْمَلِك اسْتِكْفَاءَهُ خَزَائِن الْأَرْض , فَكَانَ إِعْلَامه بِأَنَّ عِنْده خِبْرَة فِي ذَلِكَ , وَكِفَايَته إِيَّاهُ , أَشْبَهَ مِنْ إِعْلَامه حِفْظه الْحِسَاب وَمَعْرِفَته بِالْأَلْسُنِ .وَقَوْله : { إِنِّي حَفِيظ عَلِيم } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنِّي حَفِيظ لِمَا اسْتَوْدَعْتنِي عَلِيم بِمَا وَلَّيْتنِي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14866 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق : { إِنِّي حَفِيظ عَلِيم } إِنِّي حَافِظ لِمَا اسْتَوْدَعْتنِي , عَالِم بِمَا وَلَّيْتنِي . قَالَ : : قَدْ فَعَلْت 14867 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنِّي حَفِيظ عَلِيم } يَقُول : حَفِيظ لِمَا وُلِّيت , عَلِيم بِأَمْرِهِ 14868 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا إِبْرَاهِيم بْن الْمُخْتَار , عَنْ شَيْبَة الضَّبِّيّ فِي قَوْله : { إِنِّي حَفِيظ عَلِيم } يَقُول : إِنِّي حَفِيظ لِمَا اسْتَوْدَعْتنِي , عَلِيم بِسِنِي الْمَجَاعَة وَقَالَ آخَرُونَ : إِنِّي حَافِظ لِلْحِسَابِ , عَلِيم بِالْأَلْسُنِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14869 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنِ الْأَشْجَعِيّ : { إِنِّي حَفِيظ عَلِيم } : حَافِظ لِلْحِسَابِ , عَلِيم بِالْأَلْسُنِ وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنِّي حَافِظ لِمَا اسْتَوْدَعْتنِي , عَالِم بِمَا أَوْلَيْتنِي ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيب قَوْله : { اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِن الْأَرْض } وَمَسْأَلَته الْمَلِك اسْتِكْفَاءَهُ خَزَائِن الْأَرْض , فَكَانَ إِعْلَامه بِأَنَّ عِنْده خِبْرَة فِي ذَلِكَ , وَكِفَايَته إِيَّاهُ , أَشْبَهَ مِنْ إِعْلَامه حِفْظه الْحِسَاب وَمَعْرِفَته بِالْأَلْسُنِ .'

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى { قال اجعلني على خزائن الأرض} قال سعيد بن منصور : سمعت مالك بن أنس يقول : مصر خزانة الأرض؛ أما سمعت إلى قوله { اجعلني على خزائن الأرض} أي على حفظها، فحذف المضاف. { إني حفيظ} لما وليت { عليم} بأمره. وفي التفسير : إني حاسب كاتب؛ وأنه أول من كتب في القراطيس. وقيل { حفيظ} لتقدير الأقوات { عليم} بسني المجاعات. قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (رحم الله أخي يوسف لو لم يقل اجعلني على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكن أخر ذلك عنه سنة) قال ابن عباس : لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الملك فتوجه ورداه بسيفه، ووضع له سريرا من ذهب، مكللا بالدر والياقوت، وضرب عليه حلة من إستبرق؛ وكان طول السرير ثلاثين ذراعا وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشا وستون مرفقه، ثم أمره أن يخرج، فخرج متوجا، لونه كالثلج، ووجهه كالقمر؛ يرى الناظر وجهه من صفاء لون وجهه، فجلس على السرير ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته مع نسائه، وفوض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عما كان عليه وجعل يوسف مكانه. قال ابن زيد : كان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة غير الطعام، فسلم سلطانه كله إليه، وهلك قطفير تلك الليالي، فزوج الملك يوسف راعيل امرأة العزيز، فلما دخل عليها قال : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟! فقالت : أيها الصديق لا تلمني؛ فإني كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله من الحسن فغلبتني نفسي. فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له رجلين : إفراثيم بن يوسف، ومنشا بن يوسف. وقال وهب بن منبه : إنما كان تزويجه زليخاء امرأة العزيز بين دخلتي الإخوة، وذلك أن زليخاء مات زوجها ويوسف في السجن، وذهب مالها وعمي بصرها بكاء على يوسف، فصارت تتكفف الناس، فمنهم من يرحمها ومنهم من لا يرحمها، وكان يوسف يركب في كل أسبوع مرة في موكب زهاء مائة ألف من عظماء قومه، فقيل لها : لو تعرضت له لعله يسعفك بشيء؛ ثم قيل لها : لا تفعلي، فربما ذكر بعض ما كان منك من المراودة والسجن فيسيء إليك، فقالت : أنا أعلم بخلق حبيبي منكم، ثم تركته حتى إذا ركب في موكبه، قامت فنادت بأعلى صوتها : سبحان من جعل الملوك عبيدا بمعصيتهم، وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم، فقال يوسف : ما هذه؟ فأتوا بها؛ فقالت : أنا التي كنت أخدمك على صدور قدمي، وأرجل جمتك بيدي، وتربيت في بيتي، وأكرمت مثواك، لكن فرط ما فرط من جهلي وعتوي فذقت وبال أمري، فذهب مالي، وتضعضع ركني، وطال ذلي، وعمي بصري، وبعدما كنت مغبوطة أهل مصر صرت مرحومتهم، أتكفف الناس، فمنهم من يرحمني، ومنهم من لا يرحمني، وهذا جزاء المفسدين؛ فبكى يوسف بكاء شديدا، ثم قال لها : هل بقيت تجدين مما كان في نفسك من حبك لي شيئا؟ فقالت : والله لنظرة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا بحذافيرها، لكن ناولني صدر سوطك، فناولها فوضعته على صدرها، فوجد للسوط في يده اضطرابا وارتعاشا من خفقان قلبها، فبكى ثم مضى إلى منزله فأرسل إليها رسولا : إن كنت أيما تزوجناك، وإن كنت ذات بعل أغنيناك، فقالت للرسول : أعوذ بالله أن يستهزئ بي الملك! لم يردني أيام شبابي وغناي ومالي وعزي أفيريدني اليوم وأنا عجوز عمياء فقيرة؟! فأعلمه الرسول بمقالتها، فلما ركب في الأسبوع الثاني تعرضت له، فقال لها : ألم يبلغك الرسول؟ فقالت : قد أخبرتك أن نظرة واحدة إلى وجهك أحب إلي من الدنيا وما فيها؛ فأمر بها فأصلح من شأنها وهيئت، ثم زفت إليه، فقام يوسف يصلي ويدعو الله، وقامت وراءه، فسأل الله تعالى أن يعيد إليها شبابها وجمالها وبصرها، فرد الله عليها شبابها وجمالها وبصرها حتى عادت أحسن ما كانت يوم راودته، إكراما ليوسف عليه السلام لما عف عن محارم الله، فأصابها فإذا هي عذراء، فسألها؛ فقالت : يا نبي الله إن زوجي كان عنينا لا يأتي النساء، وكنت أنت من الحسن والجمال بما لا يوصف؛ قال : فعاشا في خفض عيش، في كل يوم يجدد الله لهما خيرا، وولدت له ولدين؛ إفراثيم ومنشا. وفيما روي أن الله تعالى ألقى في قلب يوسف من محبتها أضعاف ما كان في قلبها، فقال لها : ما شأنك لا تحبينني كما كنت في أول مرة؟ فقالت له : لما ذقت محبة الله تعالى شغلني ذلك عن كل شيء. الثانية: قال بعض أهل العلم : في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر، بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء؛ وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك. وقال قوم : إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليوم غير جائز؛ والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه. والله أعلم. قال الماوردي : فان كان المولي ظالما فقد اختلف الناس في جواز الولاية من قبله على قولين : أحدهما - جوازها إذا عمل بالحق فيما تقلده؛ لأن يوسف ولي من قبل فرعون، ولأن الاعتبار في حقه بفعله لا بفعل غيره. الثاني : أنه لا يجوز ذلك؛ لما فيه من تولي الظالمين بالمعونة لهم، وتزكيتهم بتقلد أعمالهم؛ فأجاب من ذهب إلى هذا المذهب عن ولاية يوسف من قبل فرعون بجوابين : أحدهما : أن فرعون يوسف كان صالحا، وإنما الطاغي فرعون موسى. الثاني : أنه نظر في أملاكه دون أعماله، فزالت عنه التبعة فيه. قال الماوردي : والأصح من إطلاق هذين القولين أن يفصل ما يتولاه من جهة الظالم على ثلاثة أقسام : أحدها : ما يجوز لأهله فعله من غير اجتهاد في تنفيذه كالصدقات والزكوات، فيجوز توليه من جهة الظالم، لأن النص على مستحقه قد أغنى عن الاجتهاد فيه، وجواز تفرد أربابه به قد أغنى عن التقليد. والقسم الثاني : ما لا يجوز أن يتفردوا به ويلزم الاجتهاد في مصرفه كأموال الفيء، فلا يجوز توليه من جهة الظالم؛ لأنه يتصرف بغير حق، ويجتهد فيما لا يستحق. والقسم الثالث : ما يجوز أن يتولاه لأهله، وللاجتهاد فيه مدخل كالقضايا والأحكام، فعقد التقليد محلول، فإن كان النظر تنفيذا للحكم بين متراضيين، وتوسطا بين مجبورين جاز، وإن كان إلزام إجبار لم يجز. الثالثة: ودلت الآية أيضا على جواز أن يخطب الإنسان عملا يكون له أهلا؛ فإن قيل : فقد روى مسلم عن عبدالرحمن بن سمرة قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يا عبدالرحمن لا تسأل الإمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها). وعن أبي بردة قال قال أبو موسى : أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعي رجلان من الأشعريين، أحدهما عن يميني والآخر عن يساري، فكلاهما سأل العمل، والنبي صلى الله عليه وسلم يستاك، فقال : (ما تقول يا أبا موسى - أو يا عبدالله بن قيس). قال قلت : والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل، قال : وكأني أنظر إلى سواكه تحت شفته وقد قلصت، فقال : (لن - أو - لا نستعمل على عملنا من أراده) وذكر الحديث؛ خرجه مسلم أيضا وغيره؛ فالجواب : أولا : أن يوسف عليه السلام إنما طلب الولاية لأنه علم أنه لا أحد يقوم مقامه في العدل والإصلاح وتوصيل الفقراء إلى حقوقهم فرأى أن ذلك فرض متعين عليه فإنه لم يكن هناك غيره، وهكذا الحكم اليوم، لو علم إنسان من نفسه أنه يقوم بالحق في القضاء أو الحسبة ولم يكن هناك من يصلح ولا يقوم مقامه لتعين ذلك عليه، ووجب أن يتولاها ويسأل ذلك، ويخبر بصفاته التي يستحقها به من العلم والكفاية وغير ذلك، كما قال يوسف عليه السلام، فأما لو كان هناك من يقوم بها ويصلح لها وعلم بذلك فالأولى ألا يطلب؛ لقوله عليه السلام، لعبدالرحمن : (لا تسأل، الإمارة...) وأيضا فإن في سؤالها والحرص عليها مع العلم بكثرة آفاتها وصعوبة التخلص منها دليل على، أنه يطلبها لنفسه ولأغراضه، ومن كان هكذا يوشك أن تغلب عليه نفسه فيهلك؛ وهذا معنى قوله عليه السلام : (وكل إليها) ومن أباها لعلمه بآفاتها، ولخوفه من التقصير في حقوقها فر منها، ثم إن ابتلي بها فيرجى له التخلص منها، وهو معنى قوله : (أُعين عليها). الثاني : أنه لم يقل : إني حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم) ولا قال : إني جميل مليح، إنما قال: { إني حفيظ عليم} فسألها بالحفظ والعلم، لا بالنسب والجمال. الثالث : إنما قال ذلك عند من لا يعرفه فأراد تعريف نفسه، وصار ذلك مستثنى من قوله تعالى { فلا تزكوا أنفسكم} . الرابع : أنه رأى ذلك فرضا متعينا عليه؛ لأنه لم يكن هنالك غيره، وهو الأظهر، والله أعلم، ودلت الآية أيضا على أنه يجوز للإنسان أن يصف نفسه بما فيه من علم وفضل؛ قال الماوردي : وليس هذا على الإطلاق في عموم الصفات، ولكنه مخصوص فيما اقترن بوصله، أو تعلق بظاهر من مكسب، وممنوع منه فيما سواه، لما فيه من تزكية ومراءاة، ولو ميزه الفاضل عنه لكان أليق بفضله؛ فإن يوسف دعته الضرورة إليه لما سبق من حاله، ولما يرجو من الظفر بأهله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 54 - 76

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذا القول تأكيد لثقة يوسف أن القادم في هذا البلد يحتاج لحكمة إدارة، لا تبعثر ما سوف يأتي في سنين الخصب؛ لتضمن الاطمئنان في سنين الشدة، وتلك مهمة تتطلب الحفظ والعلم.

وقد تقدم ما يثبت أن هاتين الصفتين يتحلَّى بهما يوسف عليه السلام.

وقد يقول قائل: أليس في قول يوسف شبهة طلب الولاية؟ والقاعدة تقول: إن طالب الولاية لا يولَّى.

فيوسف عليه السلام لم يطلب ولاية، وإنما طلب الإصلاح ليتخذ من إصلاحه سبيلاً لدعوته وتحقيقاً لرسالته، حيث أنه كان آمراً فيستجاب، ولم يكن مأموراً للإيجاب حيث أنه كان واثقاً بالإيمان ومؤمناً بوثوق.

وقد تأتي ظروف لا تحتمل التجربة مع الناس، فمن يثق بنفسه أنه قادر على القيام بالمهمة فله أن يعرض نفسه.

ومثال ذلك: لنفترض أن قوماً قد ركبوا سفينة؛ ثم هاجتْ الرياح وهبَّتْ العاصفة؛ وتعقَّدت الأمور؛ وارتبك القبطان، وجاءه مَنْ يخبره أنه قادر على أن يحل له هذا الأمر، ويُحسن إدارة قيادة المركب، وسبق للقبطان أن علم عنه ذلك.

هنا يجب على القبطان أن يسمح لهذا الخبير بقيادة السفينة؛ وبعد أن ينتهي الموقف؛ على القبطان أن يُوجِّه الشكر لهذا الخبير؛ ويعود لقيادة السفينة.

إذن: فمن حقِّ الإنسان أن يطلب الولاية إذا تعيَّن عليه ذلك، بأن يرى أمراً يتعرض له غير ذي خبرة يُفسد هذا الأمر، وهو يعلم وَجْه الصلاح فيه. وهنا يكون التدخل فرض عين من أجل إنقاذ المجتمع.

وفي مثل هذه الحالة نجد مَنْ طلب الولاية وهو يملك شجاعتين:

الشجاعة الأولى: أنه طلب الولاية لنفسه؛ لثقته في إنجاح المهمة.

والشجاعة الثانية: إنه حجب من ليس له خبرة أن يتولى منصباً لا يعلم إدارته، وبهذا يصير الباطل متصرفاً.

وبذلك يُظهر وَجْه الحق؛ ويُزيل سيطرة الباطل.

ولذلك نجد يوسف عليه السلام يقول للملك:

{ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [يوسف: 55].

والخزائن يوجد فيها ما يُمكّن المسيطر عليها من قيادة الاقتصاد.

وقالوا: إن يوسف طلب من الملك أن يجعله على خزائن الأرض، لوضع سياسة اقتصادية يواجهون بها سبع سنين من الجَدْب، وتلك مسألة تتطلب حكمة وحِفْظاً وعِلْماً.

وكان يوسف عليه السلام يأخذ من كل راغبٍ في المَيْرة الأثمان من ذهب وفضة، ومَنْ لا يملك ذهباً وفضة كان يُحضر الجواهر من الأحجار الكريمة؛ أو يأتي بالدواب ليأخذ مقابلها طعاماً.

ومَنْ لا يملك كان يُحضر بعضاً من أبنائه للاسترقاق، أي: يقول رَبُّ الأسرة الفقيرة: خُذْ هذا الولد ليكون عبداً لقاء أن آخذ طعاماً لبقية أفراد الأسرة.

وكان يوسف عليه السلام يُحسِن إدارة الأمر في سنوات الجَدْب ليشُد كل إنسان الحزام على البطن، فلا يأكل الواحد في سبعة أمعاء بل يأكل في مِعىً واحد، كما يقول رسولنا صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف: " المؤمن يأكلَ في مِعيٍّ واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ".

وكان التموين في سنوات الجَدْب يقتضي دِقَّة التخطيط، ولا يحتمل أيَّ إسراف.

وما دام لكل شيء ثمن يجب أن يُدفع، فكل إنسان سيأخذ على قَدْر ما معه، وبعد أن انتهت سنوات الجَدْب، وجاءت سنوات الرخاء؛ أعاد يوسف لكل إنسان ما أخذه منه.

وحين سُئِل: ولماذا أخذتَ منهم ما دُمْتَ قد قررت أن تردَّ لهم ما أخذته؟

أجاب: كي يأخذ كل إنسان في أقلَّ الحدود التي تكفيه في سنوات الجدب.

ومثل هذا يحدث عندنا حين نجد البعض، وهو يشتري الخبز المُدعَّم ليُطعِم به الماشية، وحين يرتفع ثمن الخبز نجد كل إنسان يشتري في حدود ما معه من نقود، ويحرص على ألاَّ يُلقِي مما اشترى شيئاً.

وكانت قدرة الدولة أيام الجفاف محدودة؛ لذلك وجب على كل فرد أن يعمل لنفسه.

ونحن نرى ذلك الأمر، وهو يتكرر في حياتنا؛ فحين لا يجد أحد ثمن اللحم فقد لا تهفو نفسه إلى اللحم، وقد يعلن في كبرياء: " إن معدتي لم تَعُدْ تتحمل اللحم ".

وقد يعلن الفقير حُبَّه للسمك الصغير؛ لأن لحمه طيِّب، عكس السمك الكبير الذي يكون لحمه " مِتفِّلاً " ، أو يعلن إعجابه بالفجل الطازج، لأنه لذيذ الطعم.

وقديماً في بدايات العمر كنا حين ندخل إلى المنزل، ونحن نعيش بعيداً عن بيوت الأهل في سنوات الدراسة، ولا نجد إلا قرصاً واحداً من " الطعمية " ، كنا نقسم هذا القرص ليكفي آخر لقمة في الرغيف، أما إذا دخلنا ووجدنا خمسة أقراص من الطعمية، فكان الواحد منا يأكل نصف قرص من الطعمية مع لقمة واحدة.

وهكذا يتحمل كل واحد على قَدْر حركته وقدرته.

والشاعر يقول:
والنفسُ راغبةٌ إذَا رغَّبتَها   وإذَا تُرَدُّ إلى قَليلٍ تَقْنَعُ
ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا... }.


www.alro7.net