سورة
اية:

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ۙ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ ۚ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحدٍ إلا بسبب ذنب ارتكبه، كقوله تعالى: { إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ، وقوله: { كدأب آل فرعون} أي كصنعه بآل فرعون وأمثالهم حين كذبوا بآياته، كلهم بسبب ذنوبهم وسلبهم تلك النعمة التي أسداها إليهم من جنات وعيون، ونعمة كانوا فاكهينن وما ظلمهم اللّه في ذلك بل كانوا هم الظالمين.

تفسير الجلالين

{ كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذَّبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون } قومه معه { وكلّ } من الأمم المكذبة { كانوا ظالمين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : غَيْر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ الْمَقْتُولُونَ بِبَدْرٍ , نِعْمَة رَبّهمْ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ , بِابْتِعَاثِهِ مُحَمَّدًا مِنْهُمْ وَبَيْن أَظْهُرهمْ , دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى الْهُدَى , بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَحَرْبهمْ لَهُ . { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } كَسُنَّةِ آل فِرْعَوْن وَعَادَتهمْ , وَفِعْلهمْ بِمُوسَى نَبِيّ اللَّه فِي تَكْذِيبهمْ إِيَّاهُ , وَتَصَدِّيهمْ لِحَرْبِهِ وَعَادَة مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة رُسُلهَا وَصَنِيعهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن وَاَلَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : غَيْر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ الْمَقْتُولُونَ بِبَدْرٍ , نِعْمَة رَبّهمْ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ , بِابْتِعَاثِهِ مُحَمَّدًا مِنْهُمْ وَبَيْن أَظْهُرهمْ , دَاعِيًا لَهُمْ إِلَى الْهُدَى , بِتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ وَحَرْبهمْ لَهُ . { كَدَأْبِ آل فِرْعَوْن } كَسُنَّةِ آل فِرْعَوْن وَعَادَتهمْ , وَفِعْلهمْ بِمُوسَى نَبِيّ اللَّه فِي تَكْذِيبهمْ إِيَّاهُ , وَتَصَدِّيهمْ لِحَرْبِهِ وَعَادَة مَنْ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة رُسُلهَا وَصَنِيعهمْ .' { فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } بَعْضًا بِالرَّجْفَةِ , وَبَعْضًا بِالْخَسْفِ , وَبَعْضًا بِالرِّيحِ . { فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ } بَعْضًا بِالرَّجْفَةِ , وَبَعْضًا بِالْخَسْفِ , وَبَعْضًا بِالرِّيحِ .' فِي الْيَمّ .فِي الْيَمّ .' يَقُول : كُلّ هَؤُلَاءِ الْأُمَم الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا كَانُوا فَاعِلِينَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِعْله مِنْ تَكْذِيبهمْ رُسُل اللَّه وَالْجُحُود لِآيَاتِهِ , فَكَذَلِكَ أَهْلَكْنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ بِبَدْرٍ , إِذْ غَيَّرُوا نِعْمَة اللَّه عِنْدهمْ بِالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ , وَأَذْلَلْنَا بَعْضهمْ بِالْإِسَارِ وَالسَّبَاء .يَقُول : كُلّ هَؤُلَاءِ الْأُمَم الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا كَانُوا فَاعِلِينَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِعْله مِنْ تَكْذِيبهمْ رُسُل اللَّه وَالْجُحُود لِآيَاتِهِ , فَكَذَلِكَ أَهْلَكْنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَهْلَكْنَاهُمْ بِبَدْرٍ , إِذْ غَيَّرُوا نِعْمَة اللَّه عِنْدهمْ بِالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ , وَأَذْلَلْنَا بَعْضهمْ بِالْإِسَارِ وَالسَّبَاء .'

تفسير القرطبي

ليس هذا بتكرير، لأن الأول للعادة في التكذيب، والثاني للعادة في التغيير، وباقي الآية بين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 49 - 54


سورة الانفال الايات 54 - 61

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يتساءل البعض: لماذا عاد الحق سبحانه وتعالى إلى آل فرعون ولم يأت بها مع الآية الأولى؟. نقول: لأن هناك فرقا دقيقا بين كل منهما. فالآية الأولى يقول فيها الحق تبارك وتعالى:
{  كَفَرُواْ بِآيَاتِ ٱللَّهِ }
[الآنفال: 52] في الآية الثانية يقول فيها:

{ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ } [الأنفال: 54].

والآية الأولى تدل على أنهم كفروا بالآيات الكونية المثبتة لوجود الله تعالى وآيات الرسل وآيات الكتب التي أنزلت إليهم، وفي هذه الآية كذبوا بآيات ربهم أي لم يصونوا النعم التي أعطاها الله لهم، فنعم الله عطاء ربوبية، وتكاليفه ومنهجه عطاء ألوهية، وهم في الآية الأولى كذبوا بعطاء الألوهية، أي كفروا بالله. وفي الآية الثانية كذبوا بعطاء الربوبية أي بنعم الله، فعطاء الربوبية هو عطاء رب خلق من عَدم وأمَد من عُدم لتكتمل للإنسان مقومات حياته. والله يساوي في عطاء الربوبية بين المؤمن والكافر وبين العاصي والطائع، ولا يفرّق بينهم بسبب الإيمان أو الكفر.

وهنا يقول المولى سبحانه وتعالى:

{ وَأَغْرَقْنَآ آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ } [الأنفال: 54].

أي لم يكن بينهم مؤمن وكافر بحيث يكون هنا تفرقة بأن ينجي المؤمنين ويغرق الكافرين، بل كلهم ظلموا أنفسهم بالكفر؛ لذلك قال الحق سبحانه وتعالى: { وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ } ، وذكر سبحانه آل فرعون بالتخصيص؛ لأنهم الأمة الوحيدة التي بقيت حضارتها تدل على مدى تقدمها، هذا التقدم الذي لم نصل إلى كل أسراره حتى الآن. ولا يمكن أن تنتهي مثل هذه الحضارة إلا بقوة أعلى من قوتها. فكأن الحق قد أراد أن يلفتنا إلى آل فرعون بالذات؛ لأنه قدر للبشرية أن تكتشف آثار آل فرعون، وآثارهم لافتة للعالم أجمع، ووضع في قلوب البشر حب أن يأتوا ليروا حضارة آل فرعون، ويتعجبوا كيف وصلوا إلى هذه المنزلة العالية من الحضارة، ثم انهارت هذه الحضارة كدليل على وجود قوة أعلى وهي الله سبحانه وتعالى، وقد أهلكهم الحق لأنهم كفروا بالألوهية واتخذوا فرعون إلها وربا من دون الله، وكفروا بنعمة الربوبية التي أعطاها الله لهم، والتي يذكر الله جزءا منها في قوله الكريم:
{  كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ }
[الدخان: 25-27].

إذن فالله تعالى قد أعطاهم الزرع والماء ولم يعطهم بتقتير، بل أعطاهم بوفرة وسعة؛ لذلك قال تعالى: { جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ }

وأعطاهم الثروة والقوة التي تحفظ لهم كرامتهم؛ وتجعلهم أسياد الأرض في عصرهم، وحققت لهم مقاماً كريماً ولم يجرؤ أحد على أن يهينهم، ولا أن يعتدي عليهم، فقد كان عندهم كنوز الأرض؛ وعندهم القوة التي تحفظ لهم الكرامة في قوله تعالى:
{  وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ }
[الدخان: 26-27]

وأعطاهم من العلم ما يوفر لهم الترف والحياة الطيبة الرغدة المريحة في كل شيء، ولكنهم كفروا بنعم الربوبية هذه، كما كفروا بنعمة الألوهية؛ فاستحقوا العقاب، وبقيت آثارهم تدل عليهم؛ نجد فيها الذهب والكنوز، وقد دفنت مع موتاهم، ونجد فيها الحضارة والقوة في المعارك التي صوروها على معابدهم بتوضيح وإتقان. ونرى فيها النعمة الهائلة التي كان يعيش فيها فرعون وقومه، ولكنهم لم يؤدوا حقها وكفروا بالخلق واهب النعم.

ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ... }


www.alro7.net