سورة
اية:

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ

تفسير بن كثير

يخبرنا تعالى عن المجرمين أنهم في ضلال عن الحق { وسُعُر} مما هم فيه من الشكوك والاضطراب في الآراء، وهذا يشمل كل من اتصف بذلك من كافر ومبتدع من سائر الفرق، ثم قال تعالى: { يوم يسحبون في النار على وجوههم} أي كما كانوا في سعر وشك وتردد أورثهم ذلك النار، ويقال لهم تقريعاً وتوبيخاً { ذوقوا مس سقر} ، وقوله تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر} ، كقوله { وخلق كل شيء فقدره تقديراً} ، وكقوله تعالى { والذي قدّر فهدى} أي قدر قدراً وهدى الخلائق إليه، ولهذا يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة، على إثبات قدر اللّه السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قبل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها على الفرقة القدرية الذين نبغوا في أواخر عصر الصحابة، روى أحمد، عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يخاصمونه في القدر، فنزلت: { يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر} ""أخرجه مسلم وأحمد والترمذي"". وعن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينتزع من زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه فقلت له: قد تُكِلِّمَ في القدر، فقال: أو قد فعلوها؟ قلت: نعم، قال: فواللّه ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: { ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر} أولئك أشرار هذه الأمة، فلا تعودوا مرضاهم ولا تصلوا على موتاهم، إن رأيت أحداً منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين ""أخرجه ابن أبي حاتم"". وعن عبد اللّه بن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لكل أمة مجوس، ومجوس أمتي الذين يقولون لا قدر، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (كل شيء بقدر حتى العجز والكيس) ""رواه مسلم وأحمد عن ابن عمر مرفوعاً"". وفي الحديث الصحيح: (استعن باللّه ولا تعجز، فإن أصابك أمر فقل: قدر اللّه وما شاء فعل، ولا تقل لو أني فعلت لكان كذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان) وروى الإمام أحمد، عن الوليد بن عبادة قال: دخلت على عبادة وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني، فلما أجلسوه، قال: يا بني إنك لن تطعم الإيمان ولن تبلغ حق حقيقة العلم باللّه، حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قلت: يا أبتاه وكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن يصيبك، وما أصابك لم يكن يخطئك، يا بني إني سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (إن أول ما خلق اللّه القلم ثم قال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة مما هو كائن إلى يوم القيامة) يا بني إن مت ولست على ذلك دخلت النار ""أخرجه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: حسن صحيح غريب"". وقد ثبت في صحيح مسلم، عن عبد اللّه بن عمرو قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن اللّه كتب مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة) زاد ابن وهب: { وكان عرشه على الماء} ""أخرجه مسلم والترمذي"". وقوله تعالى: { وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} وهذا إخبار عن نفوذ مشيئته في خلقه، كما أخبر بنفوذ قدره فيهم، فقال: { وما أمرنا إلا واحدة} أي إنما نأمر بالشيء مرة واحدة، لا نحتاج إلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك موجوداً كلمح البصر لا يتأخر طرفة عين، وما أحسن ما قال بعض الشعراء: إذا ما أراد اللّه أمراً فإنما ** يقول له: كن - قولة - فيكون وقوله تعالى: { ولقد أهلكنا أشياعكم} يعني أمثالكم وسلفكم من الأمم السابقة المكذبين بالرسل، { فهل من مدّكر} ؟ أي فهل من متعظ بما أخزى اللّه أولئك، وقدَّر لهم من العذاب، كما قال تعالى: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل} ، وقوله تعالى { وكل شيء فعلوه في الزبر} أي مكتوب عليهم في الكتب التي بأيدي الملائكة عليهم السلام، { وكل صغير وكبير} أي من أعمالهم { مستطر} أي مجموع عليهم ومسطّر في صحائفهم، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وقد روى الإمام أحمد، عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (يا عائشة إياك ومحقرات الذنوب، فإن لها من اللّه طالباً) ""أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجة""، وقوله تعالى: { إن المتقين في جنات ونهر} أي بعكس ما الأشقياء فيه من الضلال والسعر، والسحب في النار على وجوههم، مع التوبيخ والتقريع والتهديد، وقوله تعالى: { في مقعد صدق} أي في دار كرامة اللّه ورضوانه، وفضله وامتنانه، وجوده وإحسانه { عند مليك مقتدر} أي عند الملك العظيم، الخالق للأشياء كلها ومقدرها، وهو مقتدر على ما يشاء مما يطلبون ويريدون، وقد روى الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن عمرو يبلغ به النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (المقسطون عند اللّه على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) ""أخرجه مسلم وأحمد والنسائي"". سورة الرحمن روى الترمذي، عن محمد بن المنكدر، عن جابر رضي اللّه عنه قال: خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا فقال: (لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله تعالى: { فبأي آلاء ربكما تكذبان} قالوا: لاشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد) ""أخرجه الترمذي ورواه الحافظ البزار وابن جرير بنحوه"". بسم اللّه الرحمن الرحيم

تفسير الجلالين

{ إن المتقين في جنات } بساتين { ونَهر } أريد به الجنس، وقرئ بضم النون والهاء جمعا كأسد وأسد، والمعنى أنهم يشربون من أنهار الماء واللبن والعسل والخمر .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَهَرٍ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا عِقَاب اللَّه بِطَاعَتِهِ وَأَدَاء فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيهِ فِي بَسَاتِينَ يَوْم الْقِيَامَة , وَأَنْهَار , وَوَحَّدَ النَّهَر فِي اللَّفْظ وَمَعْنَاهُ الْجَمْع , كَمَا وَحَّدَ الدُّبُر , وَمَعْنَاهُ الْأَدْبَار فِي قَوْله : { يُوَلُّونَ الدُّبُر } وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي سَعَة يَوْم الْقِيَامَة وَضِيَاء , فَوَجَّهُوا مَعْنَى قَوْله : { وَنَهَر } إِلَى مَعْنَى النَّهَار , وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّهُ سَمِعَ بَعْض الْعَرَب يُنْشِد : إِنْ تَكُ لَيْلِيًّا فَإِنِّي نَهِرْ مَتَى أَتَى الصُّبْح فَلَا أَنْتَظِرْ وَقَوْله : " نَهِر " عَلَى هَذَا التَّأْوِيل مَصْدَر مِنْ قَوْلهمْ : نَهَرْت أَنْهَر نَهَرًا . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : " فَإِنِّي نَهِرْ " : أَيْ إِنِّي لَصَاحِب نَهَار : أَيْ لَسْت بِصَاحِبِ لَيْلَة .وَقَوْله : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَهَرٍ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا عِقَاب اللَّه بِطَاعَتِهِ وَأَدَاء فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيهِ فِي بَسَاتِينَ يَوْم الْقِيَامَة , وَأَنْهَار , وَوَحَّدَ النَّهَر فِي اللَّفْظ وَمَعْنَاهُ الْجَمْع , كَمَا وَحَّدَ الدُّبُر , وَمَعْنَاهُ الْأَدْبَار فِي قَوْله : { يُوَلُّونَ الدُّبُر } وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي سَعَة يَوْم الْقِيَامَة وَضِيَاء , فَوَجَّهُوا مَعْنَى قَوْله : { وَنَهَر } إِلَى مَعْنَى النَّهَار , وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّهُ سَمِعَ بَعْض الْعَرَب يُنْشِد : إِنْ تَكُ لَيْلِيًّا فَإِنِّي نَهِرْ مَتَى أَتَى الصُّبْح فَلَا أَنْتَظِرْ وَقَوْله : " نَهِر " عَلَى هَذَا التَّأْوِيل مَصْدَر مِنْ قَوْلهمْ : نَهَرْت أَنْهَر نَهَرًا . وَعَنَى بِقَوْلِهِ : " فَإِنِّي نَهِرْ " : أَيْ إِنِّي لَصَاحِب نَهَار : أَيْ لَسْت بِصَاحِبِ لَيْلَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وما أمرنا إلا واحدة} أي إلا مرة واحدة. { كلمح بالبصر} أي قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر. واللمح النظر بالعجلة؛ يقال : لمح البرق ببصره. وفي الصحاح : لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف، والاسم اللمحة، ولمح البرق والنجم لمحا أي لمع. قوله تعالى: { ولقد أهلكنا أشياعكم} أي أشباهكم في الكفر من الأمم الخالية. وقيل : أتباعكم وأعوانكم. { فهل من مدكر} أي من يتذكر. قوله تعالى { وكل شيء فعلوه في الزبر} أي جميع ما فعلته الأمم قبلهم من خير أو شر كان مكتوبا عليهم؛ وهذا بيان قوله { إنا كل شيء خلقناه بقدر} . { في الزبر} أي في اللوح المحفوظ. وقيل : في كتب الحفظة. وقيل : في أم الكتاب. { وكل صغير وكبير مستطر} أي كل ذنب كبير وصغير مكتوب على عامله قبل أن يفعله ليجازى به، ومكتوب إذا فعله؛ سطر يسطر سطرا كتب؛ واستطر مثله. قوله تعالى { إن المتقين في جنات ونهر} لما وصف الكفار وصف المؤمنين أيضا. { ونهر} يعني أنهار الماء والخمر والعسل واللبن؛ قاله ابن جريج. ووحد لأنه رأس الآية، ثم الواحد قد ينبئ عن الجميع. وقيل : في { نهر} في ضياء وسعة؛ ومنه النهار لضيائه، ومنه أنهرت الجرح؛ قال الشاعر : ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ** يرى قائم من دونها ما وراءها وقرأ أبو مجلز وأبو نهيك والأعرج وطلحة بن مصرف وقتادة { ونهر} بضمتين كأنه جمع نهار لا ليل لهم؛ كسحاب وسحب. قال الفراء : أنشدني بعض العرب : إن تلك ليليا فإني نهر ** متى أرى الصبح فلا أنتظر أي صاحب النهار. وقال آخر : لولا الثريدان هلكنا بالضمر ** ثريد ليل وثريد بالنهر { في مقعد صدق} أي مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وهو الجنة { عند مليك مقتدر} أي يقدر على ما يشاء. و { عند} ها هنا عندية القربة والزلفة والمكانة والرتبة والكرامة والمنزلة. قال الصادق : مدح الله المكان الصدق فلا يقعد فيه إلا أهل الصدق. وقرأ عثمان البتي { في مقاعد صدق} بالجمع؛ والمقاعد مواضع قعود الناس في الأسواق وغيرها. قال عبدالله بن بريدة : إن أهل الجنة يدخلون كل يوم على الجبار تبارك وتعالى، فيقرءون القرآن على ربهم تبارك وتعالى، وقد جلس كل إنسان مجلسه الذي هو مجلسه، على منابر من الدر والياقوت والزبرجد والذهب والفضة بقدر أعمالهم، فلا تقر أعينهم بشيء قط كما تقر بذلك، ولم يسمعوا شيئا أعظم ولا أحسن منه، ثم ينصرفون إلى منازلهم، قريرة أعينهم إلى مثلها من الغد. وقال ثور بن يزيد عن خالد بن معدان : بلغنا أن الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون : يا أولياء الله انطلقوا؛ فيقولون : إلى أين؟ فيقولون : إلى الجنة؛ فيقول المؤمنون : إنكم تذهبون بنا إلى غير بغيتنا. فيقولون : فما بغيتكم؟ فيقولون : مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقد روي هذا الخبر على الخصوص بهذا المعنى؛ ففي الخبر : أن طائفة من العقلاء بالله عز وجل تزفها الملائكة إلى الجنة والناس في الحساب، فيقولون للملائكة : إلى أين تحملوننا؟ فيقولون إلى الجنة. فيقولون : إنكم لتحملوننا إلى غير بغيتنا؛ فيقولون : وما بغيتكم؟ فيقولون : المقعد الصدق مع الحبيب كما أخبر { في مقعد صدق عند مليك مقتدر} والله أعلم. تم تفسير سورة القمر والحمد لله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة القمر الايات 17 - 55

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

قال الله تعالى : (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ { 54} فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) [القمر].
سأل سائل: لم وحد تعالى: (النهر) في هذه الآية ولم يجمعه مع أن الجنات قبله جمع بخلاف المواضع الأخرى من القرآن الكريم، فإنه إذا جمع الجنة، جمع النهر أيضاً فيقول: (جنات تجري من تحتها الأنهار)

والجواب: أنه جمع في لفظ (النهر) عدة معان وأعطى أكثر من فائدة لا يفيدها فيما لو قال: (أنهار) ذلك أنه علاوة على أن فواصل الآيات، تقتضي (النهر) لا (الأنهار) لأن آيات السورة على هذا الوزن فقد جاء قبلها: (وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر) وجاء بعدها: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر) فإن المعنى أيضاً ذلك من جهات أخرى منها:
أنة النهر اسم جنس بمعنى الأنهار، وهو بمعنى الجمع[1] والكثرة، ومنه قوله r: "أهلك الناس الدينار والدرهم" والمراد بالدينار والدرهم الجنس لا الواحد.
وجاء في (معاني القرآن): "ونهر معناه أنهار وهو في مذهبه كقوله: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) [2] وزعم الكسائي أنه سمع العرب يقولون: أتينا فلاناً فكنا في لحمة ونبيذة فوحد ومعناه الكثير"[3] .
ومنها: أن معاني (النهر) أيضاً السعة[4] والسعة ههنا عامة تشمل سعة المنازل وسعة الرزق والمعيشة، وكل ما يقتضي تمام السعادة السعة فيه. جاء في (البحر المحيط): "ونهر: وسعة في الأرزاق والمنازل"[5] . وجاء في (روح المعاني): "وعن ابن عباس تفسيره بالسعة والمراد بالسعة سعة المنازل على ما هو الظاهر، وقيل: سعة الرزق والمعيشة، وقيل: ما يعمهما"[6].
ومنها: أن من معاني (النهر) أيضاً الضياء[7] .
جاء في (لسان العرب): "وأما قوله ـ عز وجل ـ(إن المتقين في جنات ونهر) فقد يجوز أن يعني به السعة والضياء
، وأن يعني به النهر الذي هو مجرى الماء، على وضع الواحد موضع الجميع... وقيل في قوله: (جنات ونهر) أي: في ضياء وسعة، لأن الجنة ليس فيها ليل، إنما هو نور يتلألأ"[8] .
وجاء في (معاني القرآن) لفراء: "ويقال: (إن المتقين في جنات ونهر) في ضياء وسعة"[9] .
وهذه المعاني كلها مرادة مطلوبة، فإن المتقين في جنات وأنهار كثيرة جارية، وفي سعة من العيش والرزق والسكن وعموم ما يقتضي السعة، وفي ضياء ونور يتلألأ ليس عندهم ليل ولا ظلمة.

فانظر كيف جمعت هذه الكلمة هذه المعاني كلها، إضافة إلى ما تقتضيه موسيقى فواصل الآيات بخلاف ما لو قال (أنهار)، فإنها لا تعني إلا شيئاً واحداً.
ثم انظر كيف أنهه لما كان المذكورون هم من خواص المؤمنين، وهم المتقون وليسوا عموم المؤمنين أعلى أجرهم ودرجتهم، فقال: (ونهر) ولم يقل: (وأنهار) ولما أعلى أجرهم ودرجتهم وبالغ في إنعامهم وإكرامهم جاء بالصفة والموصوف بما يدل على المبالغة فقال: (عند ملك مقتدر) ولم يقل: (ملك قادر) فإن (مليك) أبلغ من (ملك) و(مقتدر) أبلغ من (قادر) فإن كلمة (مليك) على صيغة (فعيل) وهي أبلغ واثبت من صيغة (فعل) [10].
جاء في (روح المعاني): "عند مليك، أي: ملك عظيم الملك، وهو صيغة مبالغة، وليست الياء من الإشباع"[11] .
ولما جاء بالصيغة الدالة على الثبوت، قال: (في مقعد صدق) "ذلك لأن هذا المقعد ثابت لا يزول، فهو وحده مقعد الصدق، وكل المقاعد الأخرى كاذبة، لأنها تزول إما بزوال الملك صاحبه، وإما بزوال القعيد، وإما بطرده، وهذا المقعد وحده الذي لا يزول، وقد يفيد أيضاً أنه المقعد الذي صدقوا في الخبر به"[12].
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إن معنى الصدق ههنا يفيد معنى الخير أيضاً والجودة والصلاح[13] فجمعت كلمة (الصدق) ههنا معنيي الخير والصدق معاً، كما جمع (النهر) أكثر من معنى ثم انظر كيف أنهم لما صدقوا في إيمانهم وعملهم، كان لهم مقعد الصدق.
و(المقتدر) أبلغ أيضاً من (القادر) ذلك أن (المقتدر) اسم فاعل من (اقتدر) وهذا أبلغ من (قدر) فإن صيغة (افتعل) قد تفيد المبالغة والتصرف والاجتهاد والطلب في تحصيل الفعل بخلاف فعل[14] ومنه اكتسب واصطبر واجتهد قال تعالى: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) [البقرة].
جاء في (الكشاف) في هذه الآية: "فإن قلت: لم خص الخير بالكسب والشر بالاكتساب؟

قلت: في الاكتساب اعتمال، فلما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي منجذبة إليه وأمارة به كانت في تحصيله أعمل وأجد، فجعلت لذلك مكتسبة فيه، ولما لم تكن كذلك في باب الخير وصفت بما لا دلالة فيه على الاعتمال"[15].
وجاء في (البحر المحيط): "والذي يظهر لي أن الحسنات، هي مما تكتسب دون تكلف والسيئات ببناء المبالغة"[16] .
وقال سيبويه: "كسب: أصاب، واكتسب: تتصرف واجتهد"[17] .
فجاء ههنا، أي: في قوله: (مقتدر) بالصيغة الدالة على القدرة البالغة مع الملك الواسع الثابت.
فانظر كيف بالغ وأعظم في الأجر، وبالغ وأعظم في الملك، وبالغ وأعظم في القدرة لمن بالغ وجد في عمله وصدق فيه وهم المتقون.
ونريد أن نشير إلى أمر، وهو إطلاق وصف (المبالغة) على صفات الله نحو علام، وعليم، وغفور، وما إلى ذلك فقد توهم بعضهم أنه ينبغي أن لا يطلق على صفات الله وصف المبالغة، لأنها صفات الله وصف المبالغة، لأنها صفات حقيقية وليست مبالغاً فيها. وقد اعترض علي معترض ذات مرة بنحو هذا. مع أنهه من الواضح أن ليس المقصود كما ظن الظان أو توهم فالمقصود أن هذا البناء يفيد كثرة وقوع الفعل، وليس المقصود أن الأمر مبالغ فيه. فـ (عليم) أبلغ من (عالم) و(صبور) أبلغ من (صابر) ذلك أن الموصوف بعليم معناه أنه موصوف بكثرة العلم، وليس المقصود أن صاحبه وصف بهذا الوصف وهو لا يستحق أن يوصف به فكان الوصف به مبالغة.
ولا نريد أنم نطيل في كشف هذه الشبهة، فإنها فيما أحسب لا تستحق أكثر من هذا.
---
[1] الكشاف 3/186، والبحر المحيط 8/184، روح المعاني 27/958
[2] سورة القمر 45
[3] معاني القرآن 3/111
[4] لسان العرب (نهر 7/96، القاموس المحيط (نهر 2/150، تاج العروس 3/591، الكشاف 3/186[5] البحر المحيط 8/184
[6] روح المعاني 27/95
[7] لسان العرب (نهر 7/96، تاج العروس (نهر 3/591، الكشاف 3/186
[8] لسان العرب 7/96
[9] معاني القرآن 3/111 وانظر الكشاف 3/186

[10] انظر كتاب (معاني الأبنية بابي صيغ المبالغة والصفة المشبهة.
[11] روح المعاني 27/96
[12] البحر المحيط 8/184
[13] البحر المحيط 8/184
[14] انظر كتاب سيبويه 2/241 شرح الشافيه للرضي 1/110، البحر المحيط 2/366
[15] الكشاف 1/308
[16] البحر المحيط 2/366
[17] كتاب سيبويه 2/241، وانظر لسان العرب(كسب 2/211)
.



www.alro7.net