سورة
اية:

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

تفسير بن كثير

قد ذكر كثير من المفسرين ههنا قصة الغرانيق وما كان من رجوع كثير من المهاجرة إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، وخلاصتها عن سعيد بن جبير قال: قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمكة (النجم فلما بلغ هذا الموضع: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} قال: فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)، قالوا: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم فسجد وسجدوا، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ هذه الآية: { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان ثم يحكم اللّه آياته والله عليم حكيم} ؛ وقد ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة بنحو من هذا، وكلها مرسلات ومنقطعات واللّه أعلم. وقد ساقها البغوي في تفسيره ثم سأل ههنا سؤالاً: كيف وقع مثل هذا مع العصمة المضمونة من اللّه تعالى لرسوله صلاة اللّه وسلامه عليه؟ ثم حكى أجوبة عن الناس، من ألطفها: أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك، فتوهموا أنه صدر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وليس كذلك في نفس الأمر، بل إنما كان من صنيع الشيطان، لا عن رسول الرحمن صلى اللّه عليه وسلم واللّه أعلم. وقوله: { إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} هذا فيه تسلية من اللّه لرسوله صلاة اللّه وسلامه عليه، قال البخاري قال ابن عباس { في أمنيته} إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه، فيبطل اللّه ما يلقي الشيطان { ثم يحكم اللّه آياته} . وقال مجاهد: { إذا تمنى} يعني إذا قال؛ ويقال أمنيته قراءته { إلا أماني} يقرؤون ولا يكتبون. قال البغوي: وأكثر المفسرين قالوا: معنى قوله: { تمنى} أي تلا وقرأ كتاب اللّه { ألقى الشيطان في أمنيته} أي في تلاوته، قال الشاعر في عثمان حين قتل: تمنّى كتاب اللّه أول ليلة ** وآخرها لاقى حمام المقادر وقال الضحاك { إذا تمنى} : إذا تلا، قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام. وقوله تعالى: { فينسخ اللّه ما يلقي الشيطان} حقيقة النسخ لغة الإزالة والرفع، قال ابن عباس: أي فيبطل اللّه سبحانه وتعالى ما ألقى الشيطان قال السيوطي بعدما ذكر هذه الروايات في اللباب: وكلها إما ضعيفة وإما منقطعة، قال الحافظ ابن حجر: لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً، وقال ابن العربي: إن هذه الروايات باطلة لا أصل لها ؛ وقال الضحاك: نسخ جبريل بأمر اللّه ما ألقى الشيطان وأحكم اللّه آياته، وقوله: { واللّه عليم} أي بما يكون من الأمور والحوداث لا تخفى عليه خافية { حكيم} أي في تقديره وخلقه وأمره، له الحكمة التامة والحجة البالغة، ولهذا قال: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض} أي شك وشرك وكفر ونفاق كالمشركين حين فرحوا بذلك واعتقدوا أنه صحيح من عند اللّه وإنما كان من الشيطان، قال ابن جريج { للذين في قلوبهم مرض} هم المنافقون، { والقاسية قلوبهم} هم المشركون، وقال مقاتل بن حيان: هم اليهود، { وإن الظالمين لفي شقاق بعيد} أي في ضلال ومخالفة وعناد بعيد أي من الحق والصواب، { وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به} أي وليعلم الذين أوتوا العلم النافع الذي يفرقون به بين الحق والباطل، والمؤمنون باللّه ورسوله أن ما أوحيناه إليك، هو الحق من ربك الذي أنزله بعلمه وحفظه، وحرسه أن يختلط به غيره، بل هو كتاب عزيز { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} ، وقوله: { فيؤمنوا به} أي يصدقوه وينقادوا له { فتخبت له قلوبهم} أي تخضع وتذل له قلوبهم، { وإن اللّه لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم} أي في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فيرشدهم إلى الحق واتباعه ويوفقهم لمخالفة الباطل واجتنابه، وفي الآخرة يهديهم الصراط المستقيم الموصل إلى درجات الجنات، ويزحزحهم عن العذاب الأليم والدركات.

تفسير الجلالين

{ وليعلم الذين أوتوا العلم } التوحيد والقرآن { أنه } أي القرآن { الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت } نطمئن { له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط } طريق { مستقيم } أي دين الإسلام .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِيَعْلَم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم أَنَّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَيْ يَعْلَم أَهْل الْعِلْم بِاللَّهِ أَنَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّه مِنْ آيَاته الَّتِي أَحْكَمَهَا لِرَسُولِهِ وَنَسَخَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَان فِيهِ , أَنَّهُ الْحَقّ مِنْ عِنْد رَبّك يَا مُحَمَّد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19170 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج : { وَلِيَعْلَم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم أَنَّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّك } قَالَ : يَعْنِي الْقُرْآن . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِيَعْلَم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم أَنَّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَيْ يَعْلَم أَهْل الْعِلْم بِاللَّهِ أَنَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّه مِنْ آيَاته الَّتِي أَحْكَمَهَا لِرَسُولِهِ وَنَسَخَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَان فِيهِ , أَنَّهُ الْحَقّ مِنْ عِنْد رَبّك يَا مُحَمَّد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19170 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج : { وَلِيَعْلَم الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم أَنَّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّك } قَالَ : يَعْنِي الْقُرْآن . ' يَقُول : فَيُصَدِّقُوا بِهِ.يَقُول : فَيُصَدِّقُوا بِهِ.' يَقُول : فَتَخْضَع لِلْقُرْآنِ قُلُوبهمْ , وَتُذْعِن بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَالْإِقْرَار بِمَا فِيهِ .يَقُول : فَتَخْضَع لِلْقُرْآنِ قُلُوبهمْ , وَتُذْعِن بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَالْإِقْرَار بِمَا فِيهِ .' وَإِنَّ اللَّه لَمُرْشِد الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُوله إِلَى الْحَقّ الْقَاصِد وَالْحَقّ الْوَاضِح , بِنَسْخِ مَا أَلْقَى الشَّيْطَان فِي أُمْنِيَّة رَسُوله , فَلَا يَضُرّهُمْ كَيْد الشَّيْطَان وَإِلْقَاؤُهُ الْبَاطِل عَلَى لِسَان نَبِيّهمْ.وَإِنَّ اللَّه لَمُرْشِد الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُوله إِلَى الْحَقّ الْقَاصِد وَالْحَقّ الْوَاضِح , بِنَسْخِ مَا أَلْقَى الشَّيْطَان فِي أُمْنِيَّة رَسُوله , فَلَا يَضُرّهُمْ كَيْد الشَّيْطَان وَإِلْقَاؤُهُ الْبَاطِل عَلَى لِسَان نَبِيّهمْ.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وليعلم الذين أوتوا العلم} أي من المؤمنين. وقيل : أهل الكتاب. { أنه} أي أن الذي أحكم من آيات القرآن هو { الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم} أي تخشع وتسكن. وقيل : تخلص. { وإن الله لهادي الذين آمنوا} قرأ أبو حيوة { وإن الله لهاد الذين آمنوا} بالتنوين. { إلى صراط مستقيم} أي يثبتهم على الهداية.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 52 - 55

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { وَلِيَعْلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } [الحج: 54] يعني: يتأكدوا تأكيداً واضحاً أن هذا هو الحق، مهما شوَّشَ عليه المشوِّشُون، ومهما قالوا عنه: إنه سحر، أو كذب، أو أساطير الأولين؛ لأن الله سيُبطل هذا كله، وسيقف أهل العلم والنظر على صِدْق القرآن بما لديهم من حقائق ومقدمات واستدلالات يعرفون بها أنه الحق.

وما دام هو الحق الذي لم تزعزعه هذه الرياح الكاذبة فلا بُدّ أن يؤمنوا به { فَيُؤْمِنُواْ بِهِ } [الحج: 54] ثم يتبع هذا الإيمان عملٌ وتطبيق { فَتُخْبِتَ لَهُ } [الحج: 54] يعني: تخشع وتخضع وتلين وتستكين.

ثم يقول سبحانه: { وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [الحج: 54].

فمسألة كيد الشيطان وإلقائه لم تنته بموت الرسول، بل هو قاعد لأمته من بعده؛ فالشيطان يقعد لأمة محمد كلها، ولكل مَنْ حمل عنه الدعوة.

يقول تعالى:
{  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ }
[الأنعام: 112].

يعني: دعهم جانباً فالله لهم بالمرصاد، فلماذا - إذن - فعلوه؟ وما الحكمة؟ يقول تعالى:
{  وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ.. }
[آل عمران: 141].

وقال:
{  وَلِتَصْغَىۤ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ }
[الأنعام: 113]

فمهمة الشيطان أنْ يستغلّ ضعاف الإيمان، ومَنْ يعبدون الله على حرف من أصحاب الاحتجاجات التبريرية الذين يريدون أنْ يبرروا لأنفسهم الانغماس في الشهوة والسير في طريق الشيطان، وهؤلاء يحلو لهم الطعن في الدين، ويتمنون أن يكون الدين والقيامة والرب أوهاماً لا حقيقة لها، لأنهم يخافون أن تكون حقيقة، وأن يتورطوا بأعمالهم السيئة ونهايتهم المؤلمة، فهم - إذن - يستبعدون القيامة ويقولون:
{  أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ }
[الصافات: 16].

لماذا؟ لأنه يريد أنْ يبرر سلوكه، إنه يريد أنْ يُخرِج نفسه من ورطة، لا مخرج منها، وهؤلاء يتبعون كل ناعق، ويجْرُون وراء كل شبهة في دين الله يتلقفونها ويرددونها، ومرادهم أن يهدموا الدين من أساسه.

نسمع من هؤلاء المسرفين على أنفسهم مثلاً مَنْ يعترض على تحريم الميتة وأكل الذبيحة، وهذا دليل على خميرة الشرك والكفر في نفوسهم، ولهم حجج واهية لا تنطلي إلا على أمثالهم من الكفرة والمنافقين، وهذه مسألة واضحة، فالموت غير القتل، غير الذبح.

الموت: أن تخرج الروح أولاً دون نَقْض بِنْية الجسم، وبعد خروج الروح ينقض بناء الجسد، أما القتل فيكون بنقض البنية أولاً، ويترتب على نَقْض البنية خروج الروح، كأن يُضرب الإنسان أو الحيوان على رأسه مثلاً، فيموت بعد أنْ اختلّ مخه وتهشَّم، فلم يعُدْ صالحاً لبقاء الروح فيه.

يقول تعالى:
{  وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ.. }
[آل عمران: 144] إذن: فالموت غير القتل.

وقد مثَّلْنا لذلك بضوء الكهرباء الذي نراه، والذي يسري في الأسلاك، ويظهر أثره في هذه اللمبات، نحن لا نعرف حتى الآن كُنْه هذه الكهرباء وماهية هذا الضوء، إنما نراه وننعَم به، فإذا ما كُسِرت هذه اللمبة ينطفئ النور؛ لأنها لم تعُدْ صالحة لاستقبال هذا النور، رغم أنه موجود في الأسلاك، إذن: لا يظهر نور الكهرباء إلا في بنية سليمة لهذا الشكل الزجاجي المفرَّغ من الهواء.

كذلك الروح لا تسكن الجسم، ولا تبقى فيه إلا إذا كانت له مواصفات معينة، فإن اختلَّتْ هذه المواصفات خرجتْ الروح من الجسد.

أما الذبح فهو أيضاً إزهاق روح، لكن بأمر الله خالقها وبرخصة منه سبحانه، كأن يُقتلَ إنسان في قصاص، أو في قتال مشروع، أو نذبح الحيوان الذي أحلَّه الله لنا وأمرنا بذبحه، ولولا أمْر الله بذبحه ما ذبحناه، ولولا أحلَّه ما أكلناه، بدليل أننا لا نأكل ما لم يحِل لنا من الحيوانات الأخرى.

والذين يجادلون في عملية الذَّبْح الشرعية، ويُزهقون أرواح الحيوان بالخنق مثلاً غفلوا عن الحكمة من الذبح: الذبح إراقة للدم، وفي الدم مواد ضارة بالإنسان يجب أن يتخلص منها بتصفية دم ذبيحته؛ لأن بها كمية من الدم الفاسد الذي لم يمرّ على الكلية لتنقيه.

فالمسلم حريص على أن يحمل منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحريص على أن يسود هذا المنهج حركة الحياة، لكن لن يدَعَه الشيطان يُحقِّق هذه الأمنية، كما لم يدع رسوله صلى الله عليه وسلم من قبل، فكيْده وإلقاؤه لم ينتهِ بموت الرسول، وإنما هو بَاقٍ، وإلى أنْ تقومَ الساعة.

لذلك يقول تعالى في الآية بعدها: { وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى.. }

.


www.alro7.net