سورة
اية:

ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه { وله الدين واصبا} ، قال ابن عباس ومجاهد: أي دائما، وعن ابن عباس أيضا: أي واجبا، وقال مجاهد: أي خالصا له، أي له العبادة وحده ممن في السماوات والأرض، كقوله: { ألا لله الدين الخالص} ، ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعباد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليهم، وإحسانه إليهم، { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} أي لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجأون إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة إليه مستغيثين به، كقوله تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} ، وقال هاهنا: { ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون . ليكفروا بما آتيناهم} قيل اللام هاهنا لام العاقبة، وقيل: لام التعليل. بمعنى قضينا لهم ذلك ليكفروا أي يستروا ويجحدوا نعم اللّه عليهم، مع أنه المسدي إليهم النعم، الكاشف عنهم النقم، ثم توعدهم قائلاً: { فتمتعوا} أي اعملوا ما شئتم بما أنتم فيه قليلا { فسوف تعلمون} أي عاقبة ذلك.

تفسير الجلالين

{ ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيق مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ إِذَا وَهَبَ لَكُمْ رَبّكُمْ الْعَافِيَة , وَرَفَعَ عَنْكُمْ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ الْمَرَض فِي أَبْدَانكُمْ وَمِنْ الشِّدَّة فِي مَعَاشكُمْ , وَفَرَّجَ الْبَلَاء عَنْكُمْ ; { إِذَا فَرِيق مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } يَقُول : إِذَا جَمَاعَة مِنْكُمْ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتهمْ , فَيَعْبُدُونَ الْأَوْثَان وَيَذْبَحُونَ لَهَا الذَّبَائِح شُكْرًا لِغَيْرِ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفَرَجِ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ الضُّرّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيق مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ إِذَا وَهَبَ لَكُمْ رَبّكُمْ الْعَافِيَة , وَرَفَعَ عَنْكُمْ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ الْمَرَض فِي أَبْدَانكُمْ وَمِنْ الشِّدَّة فِي مَعَاشكُمْ , وَفَرَّجَ الْبَلَاء عَنْكُمْ ; { إِذَا فَرِيق مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } يَقُول : إِذَا جَمَاعَة مِنْكُمْ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتهمْ , فَيَعْبُدُونَ الْأَوْثَان وَيَذْبَحُونَ لَهَا الذَّبَائِح شُكْرًا لِغَيْرِ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالْفَرَجِ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ الضُّرّ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وما بكم من نعمة فمن الله} قال الفراء. { ما} بمعنى الجزاء. والباء في { بكم} متعلقة بفعل مضمر، تقديره : وما يكن بكم. { من نعمة} أي صحة جسم وسعة رزق وولد فمن الله. وقيل : المعنى وما بكم من نعمة فمن الله هي. { ثم إذا مسكم الضر} أي السقم والبلاء والقحط. { فإليه تجأرون} أي تضجون بالدعاء. يقال : جأر يجار جؤارا. والجؤار مثل الخوار؛ يقال : جأر الثور يجأر، أي صاح. وقرأ بعضهم { عجلا جسدا له جؤار} ؛ حكاه الأخفش. وجأر الرجل إلى الله، أي تضرع بالدعاء. وقال الأعشى يصف بقرة : فطافت ثلاثا بين يوم وليلة ** وكان النكير أن تضيف وتجأرا { ثم إذا كشف الضر عنكم} أي البلاء والسقم. { إذا فريق منكم بربهم يشركون} بعد إزالة البلاء وبعد الجؤار. فمعنى الكلام التعجيب من الإشراك بعد النجاة من الهلاك، وهذا المعنى مكرر في القرآن، وقال الزجاج : هذا خاص بمن كفر. { ليكفروا بما آتيناهم} أي ليجحدوا نعمة الله التي أنعم بها عليهم من كشف الضر والبلاء. أي أشركوا ليجحدوا، فاللام لام كي. وقيل لام العاقبة. وقيل { ليكفروا بما آتيناهم} أي ليجعلوا النعمة سببا للكفر، وكل هذا فعل خبيث؛ كما قال : والكفر مخبثة لنفس المنعم { فتمتعوا} أمر تهديد. وقرأ عبدالله { قل تمتعوا} . { فسوف تعلمون} أي عاقبة أمركم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 53 - 62

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فمن الناس مَنْ إذا أصابه الله بضُرٍّ أو نزل به بأْسٌ تضرّع وصرخ ولجأ إلى الله ودعاه، وربما سالتْ دموعه، وأخذ يُصلّي ويقول: يا فلان ادْعُ لي الله وكذا وكذا.. فإذا ما كشف الله عنه ضُرَّه عاود الكَرّة من جديد؛ لذلك يقول تعالى في آية أخرى:
{  وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ... }
[يونس: 12].

ومن لُطْف الأداء القرآني هنا أن يقول:

{ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } [النحل: 54].

أي: جماعة منكم وليس كلكم، أما الباقي فيمكن أنْ يثبتُوا على الحق، ويعتبروا بما نزل بهم فلا يعودون.. فالناس ـ إذن ـ مختلفون في هذه القضية: فواحد يتضرّع ويلتفت إلى الله من ضُرٍّ واحد أصابه، وآخر يلتفت إلى الله من ضُرّيْن، وهكذا.

وقد وجدنا في الأحداث التي مرَّتْ ببلادنا على أكابر القوم أحداثاً عظاماً تلفتهم إلى الله، فرأينا مَنْ لا يعرف طريق المسجد يُصلّي، ومَنْ لا يفكر في حج بيت الله، ويسرع إليه ويطوف به ويبكى هناك عند الملتزم، وما ألجأهم إلى الله ولفتهم إليه سبحانه إلا ما مرَّت بهم من أحداث.

أليست هذه الأحداث، وهذه الأزمات والمصائب خيراً في حقهم؟.. بلى إنها خير.

وأيضاً قد يُصاب الإنسان بمرض يُلِمّ به، وربما يطول عليه، فيذهب إلى الأطباء، ويدعو الله ويلجأ إليه، ويطلب من الناس الدعاء له بالشفاء، ويعمل كذا وكذا.. فإذا ما كشف الله عنه المرض وأَذِن له بالشفاء قال: أنا اخترتُ الطبيب الحاذق، الطبيب النافع، وعملتُ وعملتُ.. سبحان الله!

لماذا لا تترك الأمر لله، وتُعفِي نفسك من هذه العملية؟

وفي قوله تعالى:

{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } [النحل: 54].

صمام أَمْن اجتماعي في الكون، يقول للناس: إياكم أن تأخذوا على غيركم حين تُقدمون إليهم جميلاً فيُنكرونه.. إياكم أنْ تكُّفوا عن عمل الجميل على غيركم؛ لأن هذا الإنكار للجميل قد فعلوه مع أعلى منكم، فعلوه مع الله سبحانه، فلا يُزهدك إنكارهم للجميل في فِعْله، بل تمسَّك به لتكون من أهله.

والحق تبارك وتعالى يضرب لنا مثلاً لإنكار الجميل في قصة سيدنا موسى عليه السلام:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهاً }
[الأحزاب: 69].

فقد اتهمه قومه وقعدوا يقولون فيه كذباً وبُهْتاناً، فقال موسى: يا ربّ أسألك ألاَّ يُقَال فيَّ ما ليس فيَّ.. فقال تعالى لموسى: أنا لم افعل ذلك لنفسي، فكيف أفعلها لك؟

ولماذا لم يفعلها الحق سبحانه لنفسه؟.. لم يفعلها الحق سبحانه لنفسه ليعطينا نحن أُسْوة في تحمُّل هذا الإنكار، فقد خلق الله الخَلْق ورزقهم ووَسِعهم، ومع ذلك كفروا به، ومع ذلك ما يزال الحق سبحانه خالقاً رازقاً واسعاً لهم.

إذن: في الآية تقنين وأمان للمجتمع أن يتفشى فيه مرض الزُّهْد في عمل الخير.

وقَوْل الحق سبحانه:

{ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } [النحل: 54].

تشمل الآية مَنْ أنكر الجميل من المؤمنين، ومن الكافرين.

ولكن لماذا يشركون؟

يقول الحق تبارك وتعالى: { لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ... }.


www.alro7.net