سورة
اية:

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: ويستخبرونك { أحق هو} أي المعاد بعد صيرورة الأجسام تراباً { قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} أي ليس صيرورتكم تراباً بمعجز اللّه عن إعادتكم كما بدأكم من العدم { فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} ، وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر اللّه تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ، { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} ، وفي التغابن: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على اللّه يسير} ، ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب اللّه بملء الأرض ذهباً، { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط} أي بالحق { وهم لا يظلمون} .

تفسير الجلالين

{ ولو أن لكل نفس ظلمت } كفرت { ما في الأرض } جميعا من الأموال { لافتدت به } من العذاب يوم القيامة { وأسرُّوا الندامة } على ترك الإيمان { لما رأوا العذاب } أخفاها رؤساؤهم عن الضعفاء الذين أضلوهم مخافة التعيير { وقضي بينهم } بين الخلائق { بالقسط } بالعدل { وهم لا يظلمون } شيئا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْس ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْض لَافْتَدَتْ بِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْس كَفَرَتْ بِاَللَّهِ . وَظُلْمهَا فِي هَذَا الْمَوْضِع : عِبَادَتهَا غَيْر مَنْ يَسْتَحِقّ عِبَادَة وَتَرْكهَا طَاعَة مَنْ يَجِب عَلَيْهَا طَاعَته . { مَا فِي الْأَرْض } مِنْ قَلِيل أَوْ كَثِير , { لَافْتَدَتْ بِهِ } يَقُول : لَافْتَدَتْ بِذَلِكَ كُلّه مِنْ عَذَاب اللَّه إِذَا عَايَنَتْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْس ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْض لَافْتَدَتْ بِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْس كَفَرَتْ بِاَللَّهِ . وَظُلْمهَا فِي هَذَا الْمَوْضِع : عِبَادَتهَا غَيْر مَنْ يَسْتَحِقّ عِبَادَة وَتَرْكهَا طَاعَة مَنْ يَجِب عَلَيْهَا طَاعَته . { مَا فِي الْأَرْض } مِنْ قَلِيل أَوْ كَثِير , { لَافْتَدَتْ بِهِ } يَقُول : لَافْتَدَتْ بِذَلِكَ كُلّه مِنْ عَذَاب اللَّه إِذَا عَايَنَتْهُ .' وَقَوْله : { وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ } يَقُول : وَأَخْفَتْ رُؤَسَاء هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ وُضَعَائِهِمْ وَسَفَلَتهمْ النَّدَامَة حِين أَبْصَرُوا عَذَابَ اللَّه قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ , وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ وَاقِع بِهِمْ .وَقَوْله : { وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ } يَقُول : وَأَخْفَتْ رُؤَسَاء هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ وُضَعَائِهِمْ وَسَفَلَتهمْ النَّدَامَة حِين أَبْصَرُوا عَذَابَ اللَّه قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ , وَأَيْقَنُوا أَنَّهُ وَاقِع بِهِمْ .' يَقُول : وَقَضَى اللَّه يَوْمَئِذٍ بَيْنَ الْأَتْبَاع وَالرُّؤَسَاء مِنْهُمْ بِالْعَدْلِ .يَقُول : وَقَضَى اللَّه يَوْمَئِذٍ بَيْنَ الْأَتْبَاع وَالرُّؤَسَاء مِنْهُمْ بِالْعَدْلِ .' وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعَاقِب أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا بِجَرِيرَتِهِ وَلَا يَأْخُذهُ بِذَنْبِ أَحَد وَلَا يُعَذِّب إِلَّا مَنْ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَأَنْذَرَ وَتَابَعَ عَلَيْهِ الْحُجَج .وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُعَاقِب أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا بِجَرِيرَتِهِ وَلَا يَأْخُذهُ بِذَنْبِ أَحَد وَلَا يُعَذِّب إِلَّا مَنْ قَدْ أَعْذَرَ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَأَنْذَرَ وَتَابَعَ عَلَيْهِ الْحُجَج .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولو أن لكل نفس ظلمت} أي أشركت وكفرت. { ما في الأرض} أي ملكا. { لافتدت به} أي من عذاب الله، يعني ولا يقبل منها؛ كما قال: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به} [آل عمران : 91] وقد تقدم. قوله تعالى: { وأسروا الندامة} أي أخفوها؛ يعني رؤساءهم، أي أخفوا ندامتهم عن اتباعهم. { لما رأوا العذاب} وهذا قبل الإحراق بالنار، فإذا وقعوا في النار ألهتهم النار عن التصنع؛ بدليل قولهم: { ربنا غلبت علينا شقوتنا} المؤمنون : 106]. فبين أنهم لا يكتمون ما بهم. وقيل: { أسروا} أظهروا، والكلمة من الأضداد، ويدل عليه أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر. وقيل : وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم؛ لأن الندامة لا يمكن إظهارها. قال كثير : فأسررت الندامة يوم نادى ** بسرد جمال غاضرة المنادي وذكر المبرد فيه وجها ثالثا : أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم، وهي تكاسير الجبهة، واحدها سرار. والندامة : الحسرة لوقوع شيء أو فوت شيء، وأصلها اللزوم؛ ومنه النديم لأنه يلازم المجالس. وفلان نادم سادم. والسدم اللهج بالشيء. وندم وتندم بالشيء أي اهتم به. قال الجوهري : السدم (بالتحريك) الندم والحزن؛ وقد سدم بالكسر أي اهتم وحزن ورجل نادم سادم، وندمان سدمان؛ وقيل : هو اتباع. وماله هم ولا سدم إلا ذلك. وقيل : الندم مقلوب الدمن، والدمن اللزوم؛ ومنه فلان مدمن الخمر. والدمن : ما اجتمع في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار؛ سمي به للزومه. والدمنة : الحقد الملازم للصدر، والجمع دمن. وقد دمنت قلوبهم بالكسر؛ يقال : دمنت على فلان أي ضغنت. { وقضي بينهم بالقسط} أي بين الرؤساء والسفل بالعدل. { وهم لا يظلمون} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 49 - 55

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وساعة ياتي العذاب فالإنسان يرغب في الفرار منه، ولو بالافتداء.

وانظر كيف يحاول الإنسان أن يتخلص من كل ما يملك افتداء لنفسه، حتى ولو كان يملك كل ما في السموات وما في الأرض.

ولكن هل يتأتى لأحد ـ غير الله سبحانه ـ أن يملك السموات والأرض؟

طبعاً لا.

إذن: فالشر لا يتأتَّى. وهَبْ أنه تأتَّى، فلن يصلح الافتداء بملك ما في السموات وما في الأرض؛ لأن الإنسان الظالم في الدنيا قد أخذ حق الغير، وهذا الغير قد كسب بطريق مشروع ما أخذه الظالم منه، والظالم إنما يأخذ ثمرة عمل غيره، ولو صحَّ ذلك لتحوَّل البعض إلى مغتصبِين لحقوق الغير، ولأخذوا عرق وكدح غيرهم، ولتعطلت حركة الحياة.

ولذلك إن لم يردع الله ـ سبحانه وتعالى ـ الظالم في الدنيا قبل الآخرة لاستشرى الظلم، وإذا استشرى الظلم في مجتمع، فالبطالة تنتشر فيه، ويحاول كل إنسان أن يأخذ من دم وعرق غيره، وبهذا يختلّ ميزان العدل وتفسد حركة الحياة كلها.

وهَبْ أن الظالم أخذ مُلْك الدنيا كلها، وأراد أن يفتدى به نفسه ساعة يأتي العذاب، ويفاجأ بأن كسبه من حرام لا يُقْبَل فداءً، أليس هذا هو الخسران الكبير؟ وهذه ظاهرة موجودة في دنيا الناس.

وهَبْ أن واحداً ارتشى أو اختلس أو سرق، ويفاجئه القانون ليمسكه من تلابيبه فيقول: خذوا ما عندي واتركوني. ولن يقبل القائمون على القانون ذلك. وإن كان مثل هذا التنازل يحدث في (الجمارك) فنرى من يتنازل عن البضائع المهربة مقابل الإفراج عنه، هذا ما يحدث في الدنيا، لكنه لن يحدث في الآخرة.

وفي سورة البقرة يقول الحق سبحانه:


{  وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ }
[البقرة: 48].

وقال الحق سبحانه في آية أخرى:


{  وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ }
[البقرة: 123].

وقال بعض المشككين أن الآيتين متشابهتان، ولم يلتفتوا إلى أن كل آية تختلف عن الأخرى في التقديم للعدل، والتأخير للشفاعة.

والبلاغة الحقَّة تتجلَّى في الآيتين؛ لأن القارىء لصَدْر كل آية منهما، والفاهم للمَلَكه اللغوية العربية أن عَجُز كل آية يناسب صدرها.

ومن يقرأ قول الحق سبحانه:


{  وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ }
[البقرة: 48].

يرى أنه أمام نفسين: النفس الأولى هي التي تقدِّم الشفاعة، والنفس الثانية هي المشفوع لها. والشفاعة هنا لا تُقبل من النفس الأولى الشافعة، وكذلك لا يُقبل العدل.

وفي الآية الثانية لاتُقبل الشفاعة ولا العدل من النفس المشفوع لها، فهي تحاول أن تقدم العدل أولاً، ثم حين لا ينفعها تأتي بالشفيع.وهكذا جاء التقديم والتأخير في الآيتين مناسباً للموقف في كل منهما.

وهنا يقول الحق سبحانه:

{ وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ } [يونس: 54].

وفي هذا القول تعذُّرِ ملْك النفس الواحدة لكل ما في الأرض، ولو افترضنا أن هذه النفس ملكته فلن تستطيع الافتداء به؛ وتكون النتيجة هي ما يقوله الحق سبحانه:

{ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } [يونس: 54].

أي: أخفوا الحسرة التي تأتي إلى النفس، وليس لها ظاهر من انزعاج لفظي أو حركي.

إن كلاّ منهم يكتم هَمَّه في قبله؛ لأنه ساعة يرى العذاب ينبهر ويُصعَق ويُبهَت من هول العذاب، فتجمد دماؤه، ولا يستطيع حتى أن يصرخ، وهو بذلك إنما يكبت ألمه في نفسه؛ لأن هول الموقف يجمِّد كل دم في عروقهم، ويخرس ألسنتهم، ولا يستطيع أن ينطق؛ لأنه يعجز عن التعبير الحركي من الصراخ أو الألم.

ونحن نعلم أن التعبير الحركي لون من التنفيس البدني، وحين لا يستطيعه الإنسان، فهو يتألم أكثر.

هم ـ إذن ـ يُسرُّون الندامة حين يرون العذاب المفزع المفجع، والكلام هنا عن الظالمين، وهم على الرغم من ظلمهم، فالحق سبحانه يقول: { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [يونس: 54].

وهؤلاء رغم كفرهم واستحقاقهم للعذاب يلقون العدل من الله، فَهَبْ أن كافراً بالله بمنأى عن الدين ظلم كافراً آخر، أيقف الله سبحانه من هذه المسألة موقفاً محايداً.

لا؛ لأن حق خَلْق الله سبحانه ـ الكافر المظلوم ـ يقتضى أن يقتص الله سبحانه له من أخيه الكافر الظالم؛ لأن الظالم الكافر، إنما ظلم مخلوقاً لله، حتى وإن كان هذا المظلوم كافراً.

ولذلك يقضي الله بينهم بالحق، أي: يخفِّف عن المظلوم بعضاً من العذاب بقدر ما يثقله على الظالم.

هذا هو معنى { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } لأنها تتطلب قضاء، أي: عدم تحيز، وتتطلب الفصل بين خصومتين.

ويترتب على هذا القضاء حكم؛ لذلك يبين لنا الحق سبحانه أنهم ـ وإن كانوا كافرين به ـ إلا أنه إن وقع من أحدهم ظلم على الآخر، فالحق رب الجميع وخالق الجميع، كما أعطاهم بقانون الربوبية كل خير مثلما أعطى المؤمنين، فهو سبحانه الذي أعطى الشمس، والماء، والهواء، وكل وسائل الرزق والقُوت لكل الناس ـ مؤمنهم، وكافرهم ـ فإذا ما حدث ظلم بين متدينين بدين واحد، أو غير متدينين، فلا بد أن يقضي فيه الحق سبحانه بالفصل والحكم بالعدل.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ }


www.alro7.net