سورة
اية:

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ

تفسير بن كثير

يقول اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : { قل لا أقول لكم عندي خزائن اللّه} أي لستُ أملكها ولا أتصرف فيها، { ولا أعلم الغيب} أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم اللّه عزَّ وجلَّ، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، { ولا أقول لكم إني ملك} أي ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر يوحى إليَّ من اللّه عزَّ وجلَّ شرفني بذلك وأنعم عليّ به، ولهذا قال: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه، { قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه فلم ينقد له { أفلا تتفكرون} ؟ وهذه كقوله تعالى: { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب} وقوله: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} أي وأنذر بهذا القرآن يا محمد، { الذين هم من خشية ربهم مشفقون} ، { الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} ، { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} أي يوم القيامة { ليس لهم} أي يومئذ { من دونه ولي ولا شفع} أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم { لعلهم يتَّقون} أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا اللّه عزَّ وجلَّ { لعلهم يتقون} فيعملون في هذه الدار عملاً ينجيهم اللّه به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه، وقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أي لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كقوله: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} ، وقوله: { يدعون ربهم} أي يعبدونه ويسألونه { بالغداة والعشي} قال سعيد بن المسيب: المراد به الصلاة المكتوبة وهو قول مجاهد والحسن وقتادة وهذا كقوله: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} أي أتقبل منكم، وقوله: { يريدون وجهه} أي يريدون بذلك العمل وجه اللّه الكريم وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات، وقوله: { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} كقول نوح عليه السلام في جواب الذين قالوا: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} ، { وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} أي إنما حسابهم على اللّه عزَّ وجلَّ، وليس عليّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء وقوله: { فتطردهم فتكون من الظالمين} أي إن فعلت هذا والحالة هذه. روى ابن جرير عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد: أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منَّ اللّه عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك، فنزلت هذه الآية: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ، { وكذلك فتنا بعضهم ببعض} إلى آخر الآية، وقال ابن أبي حاتم عن خباب في قول اللّه عزَّ وجلَّ: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى اللّه عليه وسلم حقّروهم في نفر من أصحابه فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا: فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: (نعم)، قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم} الآية، فرمى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه ""أخرجه ابن أبي حاتم ورواه ابن جرير أيضاً من حديث أسباط بن نصر""وقال سعد نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم، منهم ابن مسعود قال: كنا نستبق إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وندنو منه، فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا، فنزلت: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} ""رواه الحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين وأخرجه ابن حبان في صحيحه""وقوله تعالى: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض} أي ابتلينا واختبرنا، وامتحنا بعضهم ببعض { ليقولوا أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا} ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} الآية، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل فقال له فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا؟ أي ما كان اللّه ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيراً ويدعنا كقولهم: { لو كان خيراً ما سبقونا إليه،} وكقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً} قال اللّه تعالى في جواب ذلك: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئيا} ، وقال في جوابهم حين قالوا: { أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا} { أليس اللّه بأعلم بالشاكرين} ؟ أي أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن اللّه لمع المحسنين} وفي الحديث الصحيح: (إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ""أخرجه مسلم بلفظ: (إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم..)الحديث."" وقوله تعالى: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} أي فأكرمهم برد السلام عليهم وبشرهم برحمة اللّه الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال: { كتب ربكم على نفسه الرحمة} أي أوجبها على نفسه الكريمة تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً { أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة} ، قال بعض السلف: كل من عصى اللّه فهو جاهل وقال بعضهم: الدنيا كلها جهالة: { ثم تاب من بعده وأصلح} أي رجع عما كان عليه من المعاصي وأقلع، وعزم على أن لا يعود وأصلح العمل في المستقبل { فإنه غفور رحيم} قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لما قضى اللّه على الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي) أخرجاه في الصحيحين.

تفسير الجلالين

{ وكذلك فَتنَا } ابتلينا { بعضهم ببعض } أي الشريف بالوضيع والغني بالفقير بأن قدَّمناه بالسبق إلى الإيمان { ليقولوا } أي الشرفاء والأغنياء منكرين { أهؤلاء } الفقراء { منَّ الله عليهم من بيننا } بالهداية أي لو كان ما هم عليه هدى ما سبقونا إليه قال تعالى: { أليس الله بأعلم بالشاكرين } له فيهديهم: بلى .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرهُ بِقَوْلِهِ : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } وَكَذَلِكَ اِخْتَبَرْنَا وَابْتَلَيْنَا . كَاَلَّذِي : 10354 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } يَقُول : اِبْتَلَيْنَا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ . وَقَدْ دَلَلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَلَى مَعْنَى الْفِتْنَة , وَأَنَّهَا الِاخْتِبَار وَالِابْتِلَاء , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَإِنَّمَا فِتْنَة اللَّه تَعَالَى بَعْض خَلْقه بِبَعْضٍ , مُخَالَفَته بَيْنهمْ فِيمَا قَسَمَ لَهُمْ مِنْ الْأَرْزَاق وَالْأَخْلَاق , فَجَعَلَ بَعْضًا غَنِيًّا وَبَعْضًا فَقِيرًا وَبَعْضًا قَوِيًّا وَبَعْضًا ضَعِيفًا , فَأَحْوَجَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْض , اِخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ بِذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10355 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ بَعْضهمْ أَغْنِيَاء وَبَعْضهمْ فُقَرَاء , فَقَالَ الْأَغْنِيَاء لِلْفُقَرَاءِ : أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا ! يَعْنِي : هَدَاهُمْ اللَّه . وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ اِسْتِهْزَاء وَسُخْرِيَة . وَأَمَّا قَوْله : { لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا } يَقُول تَعَالَى : اخْتَبَرْنَا النَّاس بِالْغِنَى وَالْفَقْر وَالْعِزّ وَالذُّلّ وَالْقُوَّة وَالضَّعْف وَالْهُدَى وَالضَّلَال , كَيْ يَقُول مَنْ أَضَلَّهُ اللَّه وَأَعْمَاهُ عَنْ سَبِيل الْحَقّ لِلَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّه وَوَفَّقَهُمْ : أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ بِالْهُدَى وَالرُّشْد وَهُمْ فُقَرَاء ضُعَفَاء أَذِلَّاء مِنْ بَيْننَا وَنَحْنُ أَغْنِيَاء أَقْوِيَاء ! اِسْتِهْزَاء بِهِمْ , وَمُعَادَاة لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله . يَقُول تَعَالَى : { أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } وَهَذَا مِنْهُ تَعَالَى إِجَابَة لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُون اللَّه هَدَى أَهْل الْمَسْكَنَة وَالضَّعْف لِلْحَقِّ , وَخَذَلَهُمْ عَنْهُ وَهُمْ أَغْنِيَاء , وَتَقْرِير لَهُمْ أَنَّا أَعْلَم بِمَنْ كَانَ مِنْ خَلْقِي شَاكِرًا نِعْمَتِي مِمَّنْ هُوَ كَافِر , فَمَنِّي عَلَى مَنْ مَنَنْت عَلَيْهِ مِنْهُمْ بِالْهِدَايَةِ جَزَاء شُكْره إِيَّايَ عَلَى نِعْمَتِي , وَتَخَذُّلِي مَنْ خَذَلْت مِنْهُمْ عَنْ سَبِيل الرَّشَاد عُقُوبَة كُفْرَانه إِيَّايَ نِعْمَتِي لَا لِغِنَى الْغَنِيّ مِنْهُمْ وَلَا لِفَقْرِ الْفَقِير ; لِأَنَّ الثَّوَاب وَالْعِقَاب لَا يَسْتَحِقّهُ أَحَد إِلَّا جَزَاء عَلَى عَمَله الَّذِي اِكْتَسَبَهُ لَا عَلَى غِنَاهُ وَفَقْرِهِ ; لِأَنَّ الْغِنَى وَالْفَقْر وَالْعَجْز وَالْقُوَّة لَيْسَ مِنْ أَفْعَال خَلْقِي . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرهُ بِقَوْلِهِ : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } وَكَذَلِكَ اِخْتَبَرْنَا وَابْتَلَيْنَا . كَاَلَّذِي : 10354 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } يَقُول : اِبْتَلَيْنَا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ . وَقَدْ دَلَلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا عَلَى مَعْنَى الْفِتْنَة , وَأَنَّهَا الِاخْتِبَار وَالِابْتِلَاء , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَإِنَّمَا فِتْنَة اللَّه تَعَالَى بَعْض خَلْقه بِبَعْضٍ , مُخَالَفَته بَيْنهمْ فِيمَا قَسَمَ لَهُمْ مِنْ الْأَرْزَاق وَالْأَخْلَاق , فَجَعَلَ بَعْضًا غَنِيًّا وَبَعْضًا فَقِيرًا وَبَعْضًا قَوِيًّا وَبَعْضًا ضَعِيفًا , فَأَحْوَجَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْض , اِخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ بِذَلِكَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10355 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ بَعْضهمْ أَغْنِيَاء وَبَعْضهمْ فُقَرَاء , فَقَالَ الْأَغْنِيَاء لِلْفُقَرَاءِ : أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا ! يَعْنِي : هَدَاهُمْ اللَّه . وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ اِسْتِهْزَاء وَسُخْرِيَة . وَأَمَّا قَوْله : { لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا } يَقُول تَعَالَى : اخْتَبَرْنَا النَّاس بِالْغِنَى وَالْفَقْر وَالْعِزّ وَالذُّلّ وَالْقُوَّة وَالضَّعْف وَالْهُدَى وَالضَّلَال , كَيْ يَقُول مَنْ أَضَلَّهُ اللَّه وَأَعْمَاهُ عَنْ سَبِيل الْحَقّ لِلَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّه وَوَفَّقَهُمْ : أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ بِالْهُدَى وَالرُّشْد وَهُمْ فُقَرَاء ضُعَفَاء أَذِلَّاء مِنْ بَيْننَا وَنَحْنُ أَغْنِيَاء أَقْوِيَاء ! اِسْتِهْزَاء بِهِمْ , وَمُعَادَاة لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله . يَقُول تَعَالَى : { أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } وَهَذَا مِنْهُ تَعَالَى إِجَابَة لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُون اللَّه هَدَى أَهْل الْمَسْكَنَة وَالضَّعْف لِلْحَقِّ , وَخَذَلَهُمْ عَنْهُ وَهُمْ أَغْنِيَاء , وَتَقْرِير لَهُمْ أَنَّا أَعْلَم بِمَنْ كَانَ مِنْ خَلْقِي شَاكِرًا نِعْمَتِي مِمَّنْ هُوَ كَافِر , فَمَنِّي عَلَى مَنْ مَنَنْت عَلَيْهِ مِنْهُمْ بِالْهِدَايَةِ جَزَاء شُكْره إِيَّايَ عَلَى نِعْمَتِي , وَتَخَذُّلِي مَنْ خَذَلْت مِنْهُمْ عَنْ سَبِيل الرَّشَاد عُقُوبَة كُفْرَانه إِيَّايَ نِعْمَتِي لَا لِغِنَى الْغَنِيّ مِنْهُمْ وَلَا لِفَقْرِ الْفَقِير ; لِأَنَّ الثَّوَاب وَالْعِقَاب لَا يَسْتَحِقّهُ أَحَد إِلَّا جَزَاء عَلَى عَمَله الَّذِي اِكْتَسَبَهُ لَا عَلَى غِنَاهُ وَفَقْرِهِ ; لِأَنَّ الْغِنَى وَالْفَقْر وَالْعَجْز وَالْقُوَّة لَيْسَ مِنْ أَفْعَال خَلْقِي .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وكذلك فتنا بعضهم ببعض} أي كما فتنا من قبلك كذلك فتنا هؤلاء. والفتنة الاختبار؛ أي عاملناهم معاملة المختبرين. { ليقولوا} نصب بلام كي، يعني الأشراف والأغنياء. { أهؤلاء} يعني الضعفاء والفقراء. { من الله عليهم من بيننا} قال النحاس : وهذا من المشكل؛ لأنه يقال : كيف فتنوا ليقولوا هذه الآية؟ لأنه إن كان إنكارا فهو كفر منهم. وفي هذا جوابان : أحدهما : أن المعنى اختبر الأغنياء بالفقراء أن تكون مرتبتهم واحدة عند النبي صلى الله عليه وسلم، ليقولوا على سبيل الاستفهام لا على سبيل الإنكار { أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا} والجواب الآخر : أنهم لما اختبروا بهذا قال عاقبته إلى أن قالوا هذا على سبيل الإنكار، وصار مثل قوله { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا} [القصص : 8]. { أليس الله بأعلم بالشاكرين} فيمن عليهم بالإيمان دون الرؤساء الذين علم الله منهم الكفر، وهذا استفهام تقرير، وهو جواب لقولهم { أهؤلاء من الله عليهم من بيننا} وقل : المعنى أليس الله بأعلم من يشكر الإسلام إذا هديته إليه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 52 - 56

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نحن هنا أمام " بعضين ": بعض قد استعلى أن يجتمع ببعض آخر مستضعف عند رسول أرسله الله. ويمتحن الله البعض بالفتنة، والفتنة هي الاختبار. إن بعضاً من الناس يظن أن الفتنة أمر مذموم، لا، إن الفتنة لا تذم لذاتها، وإنما تذم لما تؤول إليه. فالاختبار - إذن - لا يذم لذاته، وإنما يذم لما يؤول إليه. وتأتي الفتنة ليُرى صدق اليقين الإيماني، وها هوذا الحق سبحانه وتعالى يقول:
{  أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَاذِبِينَ }
[العنكبوت: 2-3].

إن الحق سبحانه يختبر مدى صدق الإنسان حين يعلن الإيمان، إنه - سبحانه - يختبرهم بالمحن والنعم، وقد اختبر الحق الأمم السابقة بالتكاليف والنعم والمحن ويظهر ويبرز إلى الوجود ما سبق أن علمه سبحانه أزلاً، ويميز أهل الصدق في الإيمان عن الكاذبين في الإيمان. فمن صبر على الاختبار والفتنة فقد ثبت صدقه ويقينه، ومن لم يصبر فقد دّل بعمله هذا على أنه كان يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به ورضي، وإن أصابه شر وفتنة انقلب على وجهه ونكص على عقبيه فخسر الدنيا والآخرة.

إذن فالفتنة مجرد اختبار. والوجود الذي نراه مبني كله على المفارقات، وعلى هذه المفارقات نشأت حركة الحياة. ويجب الإيمان بقدر الله في خلقه؛ فهذا طويل، وذاك قصير، هذا أبيض، وذاك أسود، هذا مبصر وذلك أعمى، هذا غني، وذلك فقير، هذا صحيح، وذلك سقيم، وذلك ليكون كل نقيض فتنة للآخر.

فالمريض - على سبيل المثال - فتنة للصحيح، والصحيح فتنة للمريض، ويستقبل المريض قدر الله في نفسه ولا ينظر بحقد أو غيظ للصحيح، ولكن له أن ينظر هل يستعلي الصحيح عليه ويستذله، أو يقدم له المساعدة؟ والفقير فتنة للغني، وهو ينظر إلى الغني ليعرف أيحتقره، أيحرجه، أيستغله، والغني فتنة للفقير، يتساءل الغني أينظر إليه الفقير نظرة الحاسد. أم الراضي عن عطاء الله لغيره. وهكذا تكون الفتن.

إن من البشر من هو موهوب هبة ما، وهناك من سلب الله منه هذه الهبة، وهذا العطاء وذلك السلب كلاهما فتنة؛ لنؤمن بأن خالق الوجود نثر المواهب على الخلق ولم يجعل من إنسان واحد مجمع مواهب؛ حتى يحتاج كل إنسان إلى مواهب غيره، وليقوم التعاون بين الناس، وينشأ الارتباط الاجتماعي.

وعندما يخلق الله الإنسان بعاهة من العاهات فهو سبحانه يعوضه بموهبة ما. هكذا نرى أن العالم كله قد فتن الله بعضه ببعض، وكذلك كانت الجماعة المؤمنة فتنة للجماعة الكافرة، وكانت الجماعة الكافرة فتنة لرسول الله، ورسول الله فتنة لهم فساعة يرى رسول الله الكفار وهم يجترئون عليه ويقولون:
{  وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }
[الزخرف: 31].

يعرف أن هؤلاء القوم يستكثرون عليه أن ينزل عليه هذا القرآن العظيم، وفي هذا القول فتنة واخْتبار لرسول الله، وهو يصبر على ذلك ويمضي إلى إتمام البلاغ عن الله ولا يلتفت إلى ما يقولون، بل يأخذ هذا دليلاً على قوة المعجزة الدالة على صدق رسالته.

والجماعة التي استكبرت وطلبت طرد المستضعفين هم فتنة للمستضعفين، والمستضعفون فتنة لهم، فلو أن الإيمان قد اختمر في نفوس المستكبرين لما استكبروا أن يسبقهم الضعاف إلى الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم.

إذن فكلنا يفتن بعضنا بعضًا. وكل إنسان عندما يرى موهوباً بموهبة لا توجد لديه فليعلم أنها فتنة له وعليه أن يقبلها ويرضى بها في غيره. وما عُبِدَ الله بشيء خيرا من أن يحترم خلق الله قدر الله في بعضهم بعضًا، ولذلك يختبرنا الحق جميعاً، فإن كنت مؤمنا بالله فاحترم قدر الله في خلق الله حتى يجعل الله غيرك من الناس يحترمون قدر الله فيك.

والحق سبحانه وتعالى يقول: { وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ } [الأنعام: 53].

ووجه الفتنة هنا أن قومًا طلبوا طرد المستضعفين وقالوا كما حكى الله عنهم: { أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ }؟ كأنهم تساءلوا عن المركز الاجتماعي للمستضعفين من المؤمنين، ويأتيهم الرد من الله: { أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ }. فسبحانه هو العليم أزلاً بالبشر، ولا يقترح عليه أحد ما يقرره. وقد سبق للذين كفروا أن قالوا: { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }.

وجاءهم الرد من الحق سبحانه وتعالى فقال:
{  أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً }
[الزخرف: 32].

وهكذا نعلم أن الحق سبحانه وتعالى لم يضع مفاتيح الرسالة في أيدي المشركين أو غيرهم، ليوزعوا هم الأمور ويقوموا بتدبير الأمر. بل هو سبحانه وتعالى الذي يوزع المواهب في البشر رزقاً منه ليعتمد كل إنسان على الآخرين في مواهبهم التي يعجز عنها، ويعتمد عليها الآخرون في موهبته التي يعجزون عنها. ومسألة النبوة هي اصطفاء إلهي يكبر ويسمو على كل مقامات الدنيا. ويدل السياق إذن على أن بعضاًَ من كبار العرب طلبوا أن يطرد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضاً من المستضعفين، فأراد الله أن يطمئن المستضعفين بشيء عجل لهم به في الدنيا وإن كان قد جعله لبقية المؤمنين في الآخرة. لذلك يقول الحق: { وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ... }


www.alro7.net