سورة
اية:

فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

تفسير بن كثير

قال عطاء الخُرساني: نزلت هذه الآية { ولمن خاف مقام ربه جنتان} في أبي بكر الصديق، وقال عطية بن قيس: نزلت في الذي قال: أحرقوني بالنار لعلي أضل اللّه، قال تاب يوماً وليلة، بعد أن تكلم بهذا فقبل اللّه منه وأدخله الجنة ""رواه ابن أبي حاتم""، والصحيح أن هذه الآية عامة كما قاله ابن عباس وغيره، يقول اللّه تعالى: { ولمن خاف مقام ربه} بين يدي اللّه عزَّ وجلَّ يوم القيامة { ونهى النفس عن الهوى} ولم يطع ولا آثر الحياة الدنيا، وعلم أن الآخرة خير وأبقى، فأدى فرائض اللّه واجتنب محارمه، فله يوم القيامة عند ربه جنتان، كما روى البخاري رحمه اللّه: عن عبد اللّه بن قيس، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (جنتان من فضة أنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم عزَّ وجلَّ إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن) ""أخرجه البخاري وبقية أفراد الجماعة إلا أبا داود""، وقال حماد: ولا أعلمه إلا قد رفعه في قوله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه جنتان} ، وفي قوله: { ومن دونهما جنتان} ، جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين. وقال عطاء بن يسار، أخبرني أبو الدرداء أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قرأ يوماً هذه الآية { ولمن خاف مقام ربه جنتان} فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: { ولمن خاف مقام ربه جنتان} فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال: { ولمن خاف مقام ربه جنتان} فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول اللّه؟ فقال: (وإن ... رغم أنف أبي الدرداء) ""رواه النسائي مرفوعاً وموقوفاً""، وهذه الآية عامة في الإنس والجن، فهي من أدل دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا واتقوا، ولهذا امتن اللّه تعالى على الثقلين بهذا الجزاء فقال: { ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان} ثم نعت هاتين الجنتين فقال: { ذواتا أفنان} أي أغصان نضرة حسنة، تحمل من كل ثمرة نضيجة، { فبأي آلاء ربكما تكذبان} ؟ هكذا قال عطاء وجماعة: أن الأفنان أغصان الشجر يمس بعضها بعضاً، وقال عكرمة { ذواتا أفنان} يقول: ظل الأغصان على الحيطان، ألم تسمع قول الشاعر: ما هاج شوقك من هديل حمامة ** تدعو على فنن الغصون حماما وعن ابن عباس { ذواتا أفنان} : ذواتا ألوان، ومعنى هذا القول أن فيهما من الملاذ واختاره ابن جرير، وقال عطاء: كل غصن يجمع فنوناً من الفاكهة، وقال الربيع بن أنس: { ذواتا أفنان} واسعتا الفناء، وكل هذه الأقوال صحيحة ولا منافاة بينها واللّه أعلم، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وذكر سدرة المنتهى فقال: (يسير في ظل الفنن منها الراكب مائة سنة - أو قال يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب - فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال) ""أخرجه الترمذي في سننه"" { فيهما عينان تجريان} أي تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان، فتثمر من جميع الألوان. قال الحسن البصري: إحداهما يقال لها تسنيم، والأخرى السلسبيل، وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين، ولهذا قال بعد هذا: { فيهما من كل فاكهة زوجان} أي من جميع أنواع الثمار، مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر { فبأي آلاء ربكما تكذبان} قال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة، وليس في الدنيا مما في الأخرة إلا الأسماء، يعني أن بين ذلك بوناً عظيماً وفرقاً بيناً في التفاضل.

تفسير الجلالين

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } .

تفسير الطبري

فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى أَهْل طَاعَته مِنْ ذَلِكَ تُكَذِّبَانِ .فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى أَهْل طَاعَته مِنْ ذَلِكَ تُكَذِّبَانِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى‏ { ‏فيهما من كل فاكهة زوجان‏} ‏ أي صنفان وكلاهما حلو يستلذ به‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو‏.‏ وقيل‏:‏ ضربان رطب ويابس لا يقصر هذا عن ذلك في الفضل والطيب‏.‏ وقيل‏:‏ أراد تفضيل هاتين الجنتين على الجنتين اللتين دونهما، فإنه ذكرها هنا عينين جاريتين، وذكر ثم عينين تنضحان بالماء والنضح دون الجري، فكأنه قال‏:‏ في تينك الجنتين من كل فاكهة نوع، وفي هذه الجنة من كل فاكهة نوعان‏.‏ ‏ { ‏متكئين على فرش‏} ‏ هو نصب على الحال‏.‏ والفرش جمع فراش‏.‏ وقرأ أبو حيوة ‏ { ‏فرش‏} ‏ بإسكان الراء ‏ { ‏بطائنها من إستبرق‏} ‏ جمع بطانة وهي التي تحت الظهارة والإستبرق ما غلظ من الديباج وخشن، أي إذا كانت البطانة التي تلي الأرض هكذا فما ظنك بالظهارة، قاله ابن مسعود وأبو هريرة‏.‏ وقيل لسعيد بن جبير‏:‏ البطائن من إستبرق فما الظواهر‏؟‏ قال‏:‏ هذا مما قال الله‏ { ‏فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين‏} [‏السجدة‏:‏ 17‏]‏‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ إنما وصف لكم بطائنها لتهتدي إليه قلوبكم، فأما الظواهر فلا يعلمها إلا الله‏.‏ وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏ { ‏ظواهرها نور يتلألأ‏} ‏‏.‏ وعن الحسن‏:‏ بطائنها من إستبرق، وظواهرها من نور جامد‏.‏ وعن الحسن أيضا‏:‏ البطائن هي الظواهر، وهو قول الفراء، وروي عن قتادة‏.‏ والعرب تقول للظهر بطنا، فيقولون‏:‏ هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء، لظاهرها الذي نراه‏.‏ وأنكر ابن قتيبة وغيره هذا، وقالوا‏:‏ لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين إذا ولي كل واحد منهما قوما، كالحائط بينك وبين قوم، وعلى ذلك أمر السماء‏.‏ ‏ { ‏وجنى الجنتين دان‏} ‏ الجنى ما يجتنى من الشجر، يقال‏:‏ أتانا بجناة طيبة لكل ما يجتنى‏.‏ وثمر جني على فعيل حين جني، وقال‏:‏ هذا جناي وخياره فيه ** إذ كل جان يده إلى فيه وقرئ ‏ { ‏جنى‏} ‏ بكسر الجيم‏.‏ ‏ { ‏دان‏} ‏ قريب‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ تدنو الشجرة حتى يجتنيها ولي الله إن شاء قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء مضطجعا، لا يرد يده بعدٌ ولا شوك‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الرحمن الايات 24 - 78


www.alro7.net