سورة
اية:

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ ۖ قُلْ لَا تُقْسِمُوا ۖ طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن أهل النفاق الذين كانوا يحلفون للرسول صلى اللّه عليه وسلم لئن أمرتهم بالخروج في الغزو ليخرجن، قال اللّه تعالى: { قل لا تقسموا} أي لا تحلفوا، وقوله: { طاعة معروفة} قيل: معناه طاعتكم طاعة معروفة، أي قد علم طاعتكم إنما هي قول لا فعل معه، وكلما حلفتم كذبتم، كما قال تعالى: { يحلفون لكم لترضوا عنهم} الآية. وقال تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة} الآية، فهم من سجيتهم الكذب حتى فيما يختارونه، كما قال تعالى: { ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصركم واللّه يشهد إنهم لكاذبون} ، وقيل المعنى { طاعة معروفة} أي ليكن أمركم طاعة معروفة، أي بالمعروف من غير حلف ولا أقسام، كما يطيع اللّه ورسوله المؤمنون بغير حلف، فكونوا أنتم مثلهم { إن اللّه خبير بما تعملون} أي هو خبير بكم وبمن يطيع ممن يعصي، فالحلف وإظهار الطاعة وإن راج على المخلوق فالخالق تعالى يعلم السر وأخفى، لا يروج عليه شيء من التدليس، بل هو خبير بضمائر عباده وإن أظهروا خلافها. ثم قال تعالى: { قل أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول} أي اتبعوا كتاب اللّه وسنّة رسوله، وقوله تعالى: { فإن تولوا} أي تتولوا عنه وتتركوا ما جاءكم به { فإنما عليه ما حمّل} أي إبلاغ الرسالة وأداء الأمانة، { وعليكم ما حملتم} أي بقبول ذلك وتعظيمه والقيام بمقتضاه، { وإن تطيعوه تهتدوا} وذلك لأنه يدعو إلى صراط مستقيم { صراط اللّه الذي له ما في السماوات والأرض} الآية، وقوله تعالى: { وما على الرسول إلا البلاغ المبين} ، كقوله تعالى: { فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} .

تفسير الجلالين

{ وأقسموا بالله جهد إيمانهم } غايتها { لئن أمرتهم } بالجهاد { ليخرجنَّ قل } لهم { لا تقسموا طاعة معروفة } للنبي خير من قسمكم الذي لا تصدقون فيه { إن الله خبير بما تعلمون } من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ لَئِنْ أَمَرْتهمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَة مَعْرُوفَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره وَحَلَفَ هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضُونَ عَنْ حُكْم اللَّه وَحُكْم رَسُوله إِذْ دُعُوا إِلَيْهِ { بِاللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ } يَقُول : أَغْلَظ أَيْمَانهمْ وَأَشَدّهَا : { لَئِنْ أَمَرْتهمْ } يَا مُحَمَّد بِالْخُرُوجِ إِلَى جِهَاد عَدُوّك وَعَدُوّ الْمُؤْمِنِينَ { لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا } ; لَا تَحْلِفُوا , فَإِنَّ هَذِهِ { طَاعَة مَعْرُوفَة } مِنْكُمْ , فِيهَا التَّكْذِيب . كَمَا : 19834 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَة مَعْرُوفَة } قَالَ : قَدْ عُرِفَتْ طَاعَتكُمْ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تَكْذِبُونَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ لَئِنْ أَمَرْتهمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَة مَعْرُوفَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره وَحَلَفَ هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضُونَ عَنْ حُكْم اللَّه وَحُكْم رَسُوله إِذْ دُعُوا إِلَيْهِ { بِاللَّهِ جَهْد أَيْمَانهمْ } يَقُول : أَغْلَظ أَيْمَانهمْ وَأَشَدّهَا : { لَئِنْ أَمَرْتهمْ } يَا مُحَمَّد بِالْخُرُوجِ إِلَى جِهَاد عَدُوّك وَعَدُوّ الْمُؤْمِنِينَ { لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا } ; لَا تَحْلِفُوا , فَإِنَّ هَذِهِ { طَاعَة مَعْرُوفَة } مِنْكُمْ , فِيهَا التَّكْذِيب . كَمَا : 19834 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَة مَعْرُوفَة } قَالَ : قَدْ عُرِفَتْ طَاعَتكُمْ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تَكْذِبُونَ . ' يَقُول : إِنَّ اللَّه ذُو خِبْرَة بِمَا تَعْمَلُونَ مِنْ طَاعَتكُمْ اللَّه وَرَسُوله , أَوْ خِلَافكُمْ أَمْرهمَا أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُوركُمْ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , وَهُوَ مُجَازِيكُمْ بِكُلِّ ذَلِكَ .يَقُول : إِنَّ اللَّه ذُو خِبْرَة بِمَا تَعْمَلُونَ مِنْ طَاعَتكُمْ اللَّه وَرَسُوله , أَوْ خِلَافكُمْ أَمْرهمَا أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُوركُمْ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْء , وَهُوَ مُجَازِيكُمْ بِكُلِّ ذَلِكَ .'

تفسير القرطبي

قوله ‏ { ‏وأقسموا بالله جهد أيمانهم‏} ‏عاد إلى ذكر المنافقين، فإنه لما بين كراهتهم لحكم النبي صلى الله عليه وسلم أتوه فقالوا‏:‏ والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا ونسائنا وأموالنا فخرجنا، ولو أمرتنا بالجهاد لجاهدنا؛ فنزلت هذه الآية‏.‏ أي وأقسموا بالله أنهم يخرجون معك في المستأنف ويطيعون‏.‏ ‏ { ‏جهد أيمانهم‏} ‏أي طاقة ما قدروا أن يحلفوا‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ من حلف بالله فقد أجهد في اليمين‏.‏ وقد مضى في - الأنعام- بيان هذا‏.‏ و‏ { ‏جهد‏} ‏منصوب على مذهب المصدر تقديره‏:‏ إقساما بليغا‏.‏ ‏ { ‏قل لا تقسموا‏} ‏وتم الكلام‏.‏ ‏ { ‏طاعة معروفة‏} ‏أولى بكم من أيمانكم؛ أو ليكن منكم طاعة معروفة، وقول معروف بإخلاص القلب، ولا حاجة إلى اليمين‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ المعنى قد عرفت طاعتكم وهي الكذب والتكذيب؛ أي المعروف منكم الكذب دون الإخلاص‏.‏ ‏ { ‏إن الله خبير بما تعملون‏} ‏من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النور الايات 51 - 56

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

القَسَم: هو اليمين والحَلِف، والإنسان يُقسم ليؤكد المقسَم عليه يريد أن يطمئن المخاطب على أن المقسَم عليه حَقٌّ، وهؤلاء لم يقسموا بالله سِراً في أنفسهم، إنما { جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } [النور: 53] يعني: بَالَغوا وأتَوْا بمنتهى الجهد في القسم، فلم يقل أحدهم: وحياة أمي أو أبي، إنما أقسموا بالله، وليس هناك قَسَم أبلغ من هذا القسم، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ كان حالفاً فليحلف بالله، أو ليصمت ".

فلما أقسموا بالله للرسول أنْ يخرجوا من بيوتهم وأولادهم وأموالهم إلى الجهاد مع رسول الله فضح الله سرائرهم، وكشف سترهم، وأبان عن زيف نواياهم، كما قال في آية أخرى:
{  وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِي تَقُولُ }
[النساء: 81].

وتأمل دقَّة الأداء القرآني في:
{  بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ }
[النساء: 81] وهذا احتياط؛ لأن منهم أُنَاساً يراود الإيمان قلوبهم ويفكرون في أنْ يُخلِصوا إيمانهم ونواياهم لله تعالى، ويعودوا إلى الإسلام الصحيح.

والقرآن يفضح أمر هؤلاء الذي يُقسِمون عن غير صِدْق في القَسَم، كمن تعوَّد كثرة الحَلِف والحِنْث فيه؛ لذلك ينهاهم عن هذا الحَلِف: { قُل لاَّ تُقْسِمُواْ } [النور: 53] ولا يمكن أن ينهي المتكلمُ المخاطبَ عن القسم خصوصاً إذا أقسم على خير، لكن هؤلاء حانثون في قَسَمهم، فهو كعدمه، فهم يُقسِمون باللسان، ويخالفون بالوجدان.

وقوله تعالى: { طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } [النور: 53]. يُشعِر بتوبيخهم، كأنه يقول لهم: طاعتكم معروفة لدينا ولها سوابق واضحة، فهي طاعة باللسان فحسب، ثم يؤكد هذا المعنى فيقول: { إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } [النور: 53] والذي يؤكد هذه الخبرة أنه يفضح قلوبهم ويفضح نواياهم.

والعجيب أنهم لا يعتبرون بالأحداث السابقة، ولا يتعظون بها، وقد سبق لهم أنه كان يجلس أحدهم يُحدِّث نفسه الحديث فيفضح الله ما في نفسه ويخبر به رسول الله، فيبلغهم بما يدور في نفوسهم، كما جاء في قول الله تعالى:
{  وَيَقُولُونَ فِيۤ أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ }
[المجادلة: 8].

ومع ذلك لم يعتبروا ولم يعترفوا لرسول الله بأنه مُؤيَّد من الله، وأنه تعالى لن يتخلى عن رسوله، ولن يدعه لهم يخادعونه ويغشُّونه، وهذه سوابق تكررتْ منهم مرات عِدّة، ومع ذلك لم ينتهوا عما هم فيه من النفاق، ولم يُخلِصوا الإيمان لله.

وبعد هذا كله يوصي الحق تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يُبقِي عليهم، وألاَّ يرمي (طوبتهم) لعل وعسى، فيقول عز وجل: { قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ }


www.alro7.net