سورة
اية:

وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى إخباراً عن الملك بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه، فعرف فضل يوسف عليه السلام وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه فقال: { ائتوني به} أي أخرجوه من السجن وأحضروه، فلما جاءه الرسول امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته، ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز، وأن هذا السجن كان ظلماً وعدواناً، فقال: { ارجع إلى ربك} الآية، وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره، ففي المسند والصحيحين عنه صلى اللّه عليه وسلم: (نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: { رب أرني كيف تحيي الموتى} ، ويرحم اللّه لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) ""أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة"". وفي لفظ لأحمد عنه صلى اللّه عليه وسلم في قوله: { فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم} فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لو كنت أنا لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر)، وعن عكرمة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، واللّه يغفر له، حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه واللّه يغفر له، حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب، ولكنه أراد أن يكون له العذر) ""رواه عبد الرزاق عن عكرمة وهو حديث مرسل"". وقوله تعالى: { قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه} إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز، فقال مخاطباً لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره وهو العزيز، قال الملك: { ما خطبكن} أي ما شأنكن وخبركن { إذ راودتن يوسف عن نفسه} يعني يوم الضيافة { قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء} أي قالت النسوة جواباً للملك: حاش للّه أن يكون يوسف متهماً واللّه ما علمنا عليه من سوء، فعند ذلك { قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق} ، قال ابن عباس: الآن تبين الحق وظهر وبرز، { أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين} أي في قوله { هي روادتني عن نفسي} ، { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} تقول: إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر، وإنما راودت هذا الشاب مراودة، فامتنع، فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة { وأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي} ، تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى، ولهذا راودته { إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} أي إلا من عصمه اللّه تعالى { إن ربي غفور رحيم} ، وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام ""حكاه الماوردي في تفسيره وانتدب لنصره الإمام ابن تيمية رحمه اللّه فأفرده بتصنيف على حده""، وقد قيل: إن ذلك من كلام يوسف عليه السلام يقول: { ذلك ليعلم أني لم أخنه} في زوجته { بالغيب} الآيتين، أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي، وليعلم العزيز { أني لم أخنه} في زوجته، { بالغيب وأن اللّه لا يهدي كيد الخائنين} الآية، وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه. قال ابن جرير، عن ابن عباس: لما جمع الملك النسوة فسألهن هل راودتن يوسف عن نفسه؟ { قلن حاش للّه ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق} الآية، قال يوسف: { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} فقال له جبريل عليه السلام: ولا يوم هممت بما هممت به؟ فقال: { وما أبرئ نفسي} الآية، وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والسدي، والقول الأول أقوى وأظهر، لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم بل بعد ذلك أحضره الملك.

تفسير الجلالين

{ وما أبري نفسي } من الزلل { إن النفس } الجنس { لأمَّارة } كثيرة الأمر { بالسوء إلا ما } بمعنى من { رحم ربي } فعصمه { إن ربي غفور رحيم } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُور رَحِيم } يَقُول يُوسُف صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي } مِنَ الْخَطَأ وَالزَّلَل فَأُزَكِّيهَا . { إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } يَقُول : إِنَّ النُّفُوس نُفُوس الْعِبَاد تَأْمُرهُمْ بِمَا تَهْوَاهُ وَإِنْ كَانَ هَوَاهَا فِي غَيْر مَا فِيهِ رِضَا اللَّه { إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي } يَقُول : إِلَّا أَنْ يَرْحَم رَبِّي مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه , فَيُنْجِيهِ مِنْ اتِّبَاع هَوَاهَا وَطَاعَته فِيمَا تَأْمُرهُ بِهِ مِنَ السُّوء . { إِنَّ رَبِّي غَفُور رَحِيم } . و " مَا " فِي قَوْله : { إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي } فِي مَوْضِع نَصْب , وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع عَمَّا قَبْله , كَقَوْلِهِ : { وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَة مِنَّا } 2 43 : 44 بِمَعْنَى : إِلَّا أَنْ يُرْحَمُوا , وَأَنْ إِذَا كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمَصْدَر تُضَارِع " مَا " . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّ رَبِّي غَفُور رَحِيم } : أَنَّ اللَّه ذُو صَفْح عَنْ ذُنُوب مَنْ تَابَ مِنْ ذُنُوبه , بِتَرْكِهِ عُقُوبَته عَلَيْهَا وَفَضِيحَته بِهَا , رَحِيم بِهِ بَعْد تَوْبَته أَنْ يُعَذِّبَهُ عَلَيْهَا . وَذُكِرَ أَنَّ يُوسُف قَالَ هَذَا الْقَوْل مِنْ أَجْل أَنَّ يُوسُف لَمَّا قَالَ : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ مَلَك مِنَ الْمَلَائِكَة : وَلَا يَوْم هَمَمْت بِهَا ؟ فَقَالَ يُوسُف حِينَئِذٍ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْقَائِل لِيُوسُف : وَلَا يَوْم هَمَمْت بِهَا فَحَلَلْت سَرَاوِيلَك ؟ هُوَ امْرَأَة الْعَزِيز , فَأَجَابَهَا يُوسُف بِهَذَا الْجَوَاب . وَقِيلَ : إِنَّ يُوسُف قَالَ ذَلِكَ ابْتِدَاء مِنْ قِبَل نَفْسه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14850 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا جَمَعَ الْمَلِك النِّسْوَة , فَسَأَلَهُنَّ : هَلْ { رَاوَدْتُنَّ يُوسُف عَنْ نَفْسه قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوء قَالَتْ امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حَصْحَصَ الْحَقّ } الْآيَة , قَالَ يُوسُف : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ فَقَالَ لَهُ جَبْرَائِيل : وَلَا يَوْم هَمَمْت بِمَا هَمَمْت بِهِ ؟ فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا جَمَعَ الْمَلِك النِّسْوَة , قَالَ لَهُنَّ : أَنْتُنَّ رَاوَدْتُنَّ يُوسُف عَنْ نَفْسه ؟ ثُمَّ ذَكَرَ سَائِر الْحَدِيث , مِثْل حَدِيث أَبِي كُرَيْب , عَنْ وَكِيع - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا جَمَعَ الْمَلِك النِّسْوَة , قَالَ : أَنْتُنَّ رَاوَدْتُنَّ يُوسُف عَنْ نَفْسه ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه غَيْر أَنَّهُ قَالَ : فَغَمَزَهُ جَبْرَائِيل , فَقَالَ : وَلَا حِين هَمَمْت بِهَا ؟ فَقَالَ يُوسُف : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } 14851 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع ; وَحَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ مِسْعَر , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا قَالَ يُوسُف : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ جَبْرَائِيل , أَوْ مَلَكٌ : وَلَا يَوْمَ هَمَمْت بِمَا هَمَمْت بِهِ ؟ فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ : ثنا مِسْعَر , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : قَالَ لَهُ الْمَلِك : وَلَا حِين هَمَمْت بِهَا ؟ وَلَمْ يَقُلْ : أَوْ جَبْرَائِيل , ثُمَّ ذَكَرَ سَائِر الْحَدِيث مِثْله - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بِشْر وَأَحْمَد بْن بَشِير , عَنْ مِسْعَر , عَنْ أَبَى حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ : فَقَالَ لَهُ الْمَلَك , أَوْ جَبْرَائِيل : وَلَا حِين هَمَمْت بِهَا ؟ فَقَالَ يُوسُف : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } 14852 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ ابْن أَبِي الْهُذَيْل , قَالَ : لَمَّا قَالَ يُوسُف : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ لَهُ جَبْرَائِيل : وَلَا يَوْم هَمَمْت بِمَا هَمَمْت بِهِ ؟ فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنِ ابْن أَبِي الْهُذَيْل , مِثْله . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : أَخْبَرَنَا مِسْعَر , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْل حَدِيث ابْن وَكِيع , عَنْ مُحَمَّد بْن بِشْر وَأَحْمَد بْن بَشِير سَوَاء . 14853 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا الْعَلَاء بْن عَبْد الْجَبَّار , وَزَيْد بْن حُبَاب , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ ثَابِت , عَنِ الْحَسَن : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ لَهُ جَبْرَائِيل : اُذْكُرْ هَمَّك ! فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَفَّان , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ ثَابِت , عَنِ الْحَسَن : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ جَبْرَائِيل : يَا يُوسُف اُذْكُرْ هَمَّك ! قَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } 14854 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ : هَذَا قَوْل يُوسُف , قَالَ : فَقَالَ لَهُ جَبْرَائِيل : وَلَا حِين حَلَلْت سَرَاوِيلَك ؟ قَالَ : فَقَالَ يُوسُف { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } الْآيَة - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ أَبِي صَالِح , بِنَحْوِهِ . 14855 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد قَالَ : ثنا سَعِيد عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْمَلَك الَّذِي كَانَ مَعَ يُوسُف , قَالَ لَهُ : اُذْكُرْ مَا هَمَمْت بِهِ ! قَالَ نَبِيّ اللَّه : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الْمَلَك قَالَ لَهُ حِين قَالَ مَا قَالَ : أَتَذْكُرُ هَمَّك ؟ فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي } 14856 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ الْمَلَك , وَطَعَنَ فِي جَنْبه : يَا يُوسُفُ , وَلَا حِين هَمَمْت ؟ قَالَ : فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي } ذِكْر مَنْ قَالَ : قَائِل ذَلِكَ لَهُ الْمَرْأَة : 14857 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ : قَالَهُ يُوسُف حِين جِيءَ بِهِ لِيُعْلِمَ الْعَزِيز أَنَّهُ لَمْ يَخُنْهُ بِالْغَيْبِ فِي أَهْله { وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ } فَقَالَتْ امْرَأَة الْعَزِيز : يَا يُوسُف , وَلَا يَوْم حَلَلْت سَرَاوِيلَك ؟ فَقَالَ يُوسُف { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } ذِكْر مَنْ قَالَ : قَائِل ذَلِكَ يُوسُف لِنَفْسِهِ , مِنْ غَيْر تَذْكِير مُذَكِّر ذَكَّرَهُ وَلَكِنَّهُ تَذَكَّرَ مَا كَانَ سَلَفَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ . 14858 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ } هُوَ قَوْل يُوسُف لِمَلِيكِهِ حِين أَرَاهُ اللَّه عُذْره , فَذَكَّرَهُ اللَّه قَدْ هَمَّ بِهَا وَهَمَّتْ بِهِ , فَقَالَ يُوسُف : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } الْآيَة الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُور رَحِيم } يَقُول يُوسُف صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي } مِنَ الْخَطَأ وَالزَّلَل فَأُزَكِّيهَا . { إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } يَقُول : إِنَّ النُّفُوس نُفُوس الْعِبَاد تَأْمُرهُمْ بِمَا تَهْوَاهُ وَإِنْ كَانَ هَوَاهَا فِي غَيْر مَا فِيهِ رِضَا اللَّه { إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي } يَقُول : إِلَّا أَنْ يَرْحَم رَبِّي مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه , فَيُنْجِيهِ مِنْ اتِّبَاع هَوَاهَا وَطَاعَته فِيمَا تَأْمُرهُ بِهِ مِنَ السُّوء . { إِنَّ رَبِّي غَفُور رَحِيم } . و " مَا " فِي قَوْله : { إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي } فِي مَوْضِع نَصْب , وَذَلِكَ أَنَّهُ اسْتِثْنَاء مُنْقَطِع عَمَّا قَبْله , كَقَوْلِهِ : { وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ إِلَّا رَحْمَة مِنَّا } 2 43 : 44 بِمَعْنَى : إِلَّا أَنْ يُرْحَمُوا , وَأَنْ إِذَا كَانَتْ فِي مَعْنَى الْمَصْدَر تُضَارِع " مَا " . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّ رَبِّي غَفُور رَحِيم } : أَنَّ اللَّه ذُو صَفْح عَنْ ذُنُوب مَنْ تَابَ مِنْ ذُنُوبه , بِتَرْكِهِ عُقُوبَته عَلَيْهَا وَفَضِيحَته بِهَا , رَحِيم بِهِ بَعْد تَوْبَته أَنْ يُعَذِّبَهُ عَلَيْهَا . وَذُكِرَ أَنَّ يُوسُف قَالَ هَذَا الْقَوْل مِنْ أَجْل أَنَّ يُوسُف لَمَّا قَالَ : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ مَلَك مِنَ الْمَلَائِكَة : وَلَا يَوْم هَمَمْت بِهَا ؟ فَقَالَ يُوسُف حِينَئِذٍ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْقَائِل لِيُوسُف : وَلَا يَوْم هَمَمْت بِهَا فَحَلَلْت سَرَاوِيلَك ؟ هُوَ امْرَأَة الْعَزِيز , فَأَجَابَهَا يُوسُف بِهَذَا الْجَوَاب . وَقِيلَ : إِنَّ يُوسُف قَالَ ذَلِكَ ابْتِدَاء مِنْ قِبَل نَفْسه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14850 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا جَمَعَ الْمَلِك النِّسْوَة , فَسَأَلَهُنَّ : هَلْ { رَاوَدْتُنَّ يُوسُف عَنْ نَفْسه قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوء قَالَتْ امْرَأَة الْعَزِيز الْآن حَصْحَصَ الْحَقّ } الْآيَة , قَالَ يُوسُف : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ فَقَالَ لَهُ جَبْرَائِيل : وَلَا يَوْم هَمَمْت بِمَا هَمَمْت بِهِ ؟ فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ } - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا جَمَعَ الْمَلِك النِّسْوَة , قَالَ لَهُنَّ : أَنْتُنَّ رَاوَدْتُنَّ يُوسُف عَنْ نَفْسه ؟ ثُمَّ ذَكَرَ سَائِر الْحَدِيث , مِثْل حَدِيث أَبِي كُرَيْب , عَنْ وَكِيع - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيل عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا جَمَعَ الْمَلِك النِّسْوَة , قَالَ : أَنْتُنَّ رَاوَدْتُنَّ يُوسُف عَنْ نَفْسه ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه غَيْر أَنَّهُ قَالَ : فَغَمَزَهُ جَبْرَائِيل , فَقَالَ : وَلَا حِين هَمَمْت بِهَا ؟ فَقَالَ يُوسُف : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } 14851 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع ; وَحَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ مِسْعَر , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا قَالَ يُوسُف : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ جَبْرَائِيل , أَوْ مَلَكٌ : وَلَا يَوْمَ هَمَمْت بِمَا هَمَمْت بِهِ ؟ فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } - حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَلِيّ , قَالَ : ثنا وَكِيع , قَالَ : ثنا مِسْعَر , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر بِنَحْوِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : قَالَ لَهُ الْمَلِك : وَلَا حِين هَمَمْت بِهَا ؟ وَلَمْ يَقُلْ : أَوْ جَبْرَائِيل , ثُمَّ ذَكَرَ سَائِر الْحَدِيث مِثْله - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن بِشْر وَأَحْمَد بْن بَشِير , عَنْ مِسْعَر , عَنْ أَبَى حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ : فَقَالَ لَهُ الْمَلَك , أَوْ جَبْرَائِيل : وَلَا حِين هَمَمْت بِهَا ؟ فَقَالَ يُوسُف : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } 14852 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ ابْن أَبِي الْهُذَيْل , قَالَ : لَمَّا قَالَ يُوسُف : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ لَهُ جَبْرَائِيل : وَلَا يَوْم هَمَمْت بِمَا هَمَمْت بِهِ ؟ فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنِ ابْن أَبِي الْهُذَيْل , مِثْله . - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : أَخْبَرَنَا مِسْعَر , عَنْ أَبِي حُصَيْن , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْل حَدِيث ابْن وَكِيع , عَنْ مُحَمَّد بْن بِشْر وَأَحْمَد بْن بَشِير سَوَاء . 14853 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا الْعَلَاء بْن عَبْد الْجَبَّار , وَزَيْد بْن حُبَاب , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة , عَنْ ثَابِت , عَنِ الْحَسَن : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ لَهُ جَبْرَائِيل : اُذْكُرْ هَمَّك ! فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثنا عَفَّان , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ ثَابِت , عَنِ الْحَسَن : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ جَبْرَائِيل : يَا يُوسُف اُذْكُرْ هَمَّك ! قَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } 14854 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ أَبِي صَالِح , فِي قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ : هَذَا قَوْل يُوسُف , قَالَ : فَقَالَ لَهُ جَبْرَائِيل : وَلَا حِين حَلَلْت سَرَاوِيلَك ؟ قَالَ : فَقَالَ يُوسُف { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } الْآيَة - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ أَبِي صَالِح , بِنَحْوِهِ . 14855 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد قَالَ : ثنا سَعِيد عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْمَلَك الَّذِي كَانَ مَعَ يُوسُف , قَالَ لَهُ : اُذْكُرْ مَا هَمَمْت بِهِ ! قَالَ نَبِيّ اللَّه : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ الْمَلَك قَالَ لَهُ حِين قَالَ مَا قَالَ : أَتَذْكُرُ هَمَّك ؟ فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي } 14856 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ الْمَلَك , وَطَعَنَ فِي جَنْبه : يَا يُوسُفُ , وَلَا حِين هَمَمْت ؟ قَالَ : فَقَالَ : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي } ذِكْر مَنْ قَالَ : قَائِل ذَلِكَ لَهُ الْمَرْأَة : 14857 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ } قَالَ : قَالَهُ يُوسُف حِين جِيءَ بِهِ لِيُعْلِمَ الْعَزِيز أَنَّهُ لَمْ يَخُنْهُ بِالْغَيْبِ فِي أَهْله { وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ } فَقَالَتْ امْرَأَة الْعَزِيز : يَا يُوسُف , وَلَا يَوْم حَلَلْت سَرَاوِيلَك ؟ فَقَالَ يُوسُف { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } ذِكْر مَنْ قَالَ : قَائِل ذَلِكَ يُوسُف لِنَفْسِهِ , مِنْ غَيْر تَذْكِير مُذَكِّر ذَكَّرَهُ وَلَكِنَّهُ تَذَكَّرَ مَا كَانَ سَلَفَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ . 14858 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ذَلِكَ لِيَعْلَم أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّه لَا يَهْدِي كَيْد الْخَائِنِينَ } هُوَ قَوْل يُوسُف لِمَلِيكِهِ حِين أَرَاهُ اللَّه عُذْره , فَذَكَّرَهُ اللَّه قَدْ هَمَّ بِهَا وَهَمَّتْ بِهِ , فَقَالَ يُوسُف : { وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَة بِالسُّوءِ } الْآيَة '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب} اختلف فيمن قاله، فقيل : هو من قول امرأة العزيز، وهو متصل بقولها { الآن حصحص الحق} أي أقررت بالصدق ليعلم أني لم أخنه بالغيب أي بالكذب عليه، ولم أذكره بسوء وهو غائب، بل صدقت وحدت عن الخيانة؛ ثم قالت { وما أبرئ نفسي} بل أنا راودته؛ وعلى هذا هي كانت مقرة بالصانع، ولهذا قالت { إن ربي غفور رحيم} . وقيل : هو من قول يوسف؛ أي قال يوسف : ذلك الأمر الذي فعلته، من رد الرسول { ليعلم} العزيز { أني لم أخنه بالغيب} قاله الحسن وقتادة وغيرهما. ومعنى { بالغيب} وهو غائب. وإنما قال يوسف ذلك بحضرة الملك، وقال { ليعلم} على الغائب توقيرا للملك. وقيل : قاله إذ عاد إليه الرسول وهو في السجن بعد؛ قال ابن عباس : جاء الرسول إلى يوسف عليه السلام بالخبر وجبريل معه يحدثه؛ فقال يوسف { ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} أي لم أخن سيدي بالغيب؛ فقال له جبريل عليه السلام : يا يوسف! ولا حين حللت الإزار، وجلست مجلس الرجل من المرأة؟! فقال يوسف { وما أبرئ نفسي} الآية. وقال السدي : إنما قالت له امرأة العزيز ولا حين حللت سراويلك يا يوسف؟! فقال يوسف { وما أبرئ نفسي} . وقيل { ذلك ليعلم} من قول العزيز؛ أي ذلك ليعلم يوسف أني لم أخنه بالغيب، وأني لم أغفل عن مجازاته على أمانته. { وأن الله لا يهدي كيد الخائنين} معناه : أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم. قوله تعالى‏ { ‏وما أبرئ نفسي‏} ‏ قيل‏:‏ هو من قول المرأة‏.‏ وقال القشيري‏:‏ فالظاهر أن قوله‏ { ‏ذلك ليعلم‏} ‏ وقوله‏ { ‏وما أبرئ نفسي‏} ‏ من قول يوسف‏.‏ قلت‏:‏ إذا احتمل أن يكون من قول المرأة فالقول به أولى حتى نبرئ يوسف من حل الإزار والسراويل؛ وإذا قدرناه من قول يوسف فيكون مما خطر بقلبه، على ما قدمناه من القول المختار في قوله‏ { ‏وهم بها‏} ‏‏.‏ قال أبو بكر الأنباري‏:‏ من الناس من يقول‏ { ‏ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب‏} ‏ إلى قوله‏ { ‏إن ربي غفور رحيم‏} ‏ من كلام امرأة العزيز؛ لأنه متصل بقولها‏ { ‏أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين‏} [‏يوسف‏:‏ 51‏]‏ وهذا مذهب الذين ينفون الهم عن يوسف عليه السلام؛ فمن بنى على قولهم قال‏:‏ من قوله ‏ { ‏قالت امرأة العزيز‏} [‏يوسف‏:‏ 51‏]‏ إلى قوله‏ { ‏إن ربي غفور رحيم‏} ‏ كلام متصل بعضه ببعض، ولا يكون فيه وقف تام على حقيقة؛ ولسنا نختار هذا القول ولا نذهب إليه‏.‏ وقال الحسن‏:‏ لما قال يوسف ‏ { ‏ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب‏} ‏ كره نبي الله أن يكون قد زكى نفسه فقال‏ { ‏وما أبرئ نفسي‏} ‏ لأن تزكية النفس مذمومة؛ قال الله تعالى‏ { ‏فلا تزكوا أنفسكم‏} [‏النجم‏:‏ 32‏]‏ وقد بيناه في "‏النساء‏"‏‏.‏ وقيل‏:‏ هو من قول العزيز؛ أي وما أبرئ نفسي من سوء الظن بيوسف‏.‏ { ‏إن النفس لأمارة بالسوء‏} ‏ أي مشتهية له‏.‏ { ‏إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم‏} ‏ ‏ { ‏إلا ما رحم ربي‏} ‏ في موضع نصب بالاستثناء؛ و‏ { ‏ما‏} ‏ بمعنى من؛ أي إلا من رحم ربي فعصمه؛ و‏ { ما‏} ‏ بمعنى من كثير؛ قال الله تعالى‏ { ‏فانكحوا ما طاب لكم من النساء‏} [‏النساء‏:‏ 3‏]‏ وهو استثناء منقطع، لأنه استثناء المرحوم بالعصمة من النفس الأمارة بالسوء؛ وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏ما تقولون في صاحب لكم إن أنتم أكرمتموه وأطعمتموه وكسوتموه أفضى بكم إلى شر غاية وإن أهنتموه وأعريتموه وأجعتموه أفضى بكم إلى خير غاية‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ هذا شر صاحب في الأرض‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏فوالذي نفسي بيده إنها لنفوسكم التي بين جنوبكم‏)‏‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 45 - 54

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا القول من تمام كلام امرأة العزيز؛ وكأنها توضح سبب حضورها لهذا المجلس؛ فهي لم تحضر لتبرىء نفسها:

{ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ... } [يوسف: 53].

ومجيء قول الحق سبحانه المؤكِّد أن النفس على إطلاقها أمَّارة بالسوء؛ يجعلنا نقول: إن يوسف أيضاً نفس بشرية.

وقد قال بعض العلماء: إن هذا القول من كلام يوسف، كردٍّ عليها حين قالت:
{  أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ * ذٰلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِٱلْغَيْبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ ٱلْخَائِنِينَ }
[يوسف: 51-52].

وكان من المناسب أن يرد يوسف عليه السلام بالقول:

{ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ } [يوسف: 53].

ويمكن أن يُنسب هذا القول إلى يوسف كَلَوْنٍ من الحرص على ألاَّ يلمسه غرور الإيمان، فهو كرسول من الله يعلم أن الله سبحانه هو الذي صرف كيدهُنَّ عنه.

وهذا لَوْن من رحمة الله به؛ فهو كبشر مُجرّد عن العصمة والمنهج من الممكن أن تحدث له الغواية؛ لكن الحق سبحانه عصمه من الزَّلَل.

ومن لُطْف الله أن قال عن النفس: إنها أمَّارة بالسوء؛ وفي هذا توضيح كافٍ لطبيعة عمل النفس؛ فهي ليستْ آمرةً بالسوء، بمعنى أنها تأمر الإنسان لتقع منه المعصية مرة واحدة وينتهي الأمر.

لا، بل انتبه أيها الإنسان إلى حقيقة عمل النفس، فهي دائماً أمَّارة بالسوء، وأنت تعلم أن التكليفات الإلهية كلها إمَّا أوامر أو نَوَاهٍ، وقد تستقبِل الأوامر كتكليف يشقُّ على نفسك، وأنت تعلم أن النواهي تمنعك من أفعال قد تكون مرغوبة لك، لأنها في ظاهرها ممتعة، وتلبي نداء غرائز الإنسان.

ولذلك يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: " حُفَّتْ الجنة بالمكاره، وحُفَّتْ النار بالشهوات ".

أي: أن المعاصي قد تُغريك، ولكن العاقل هو من يملك زمام نفسه، ويُقدِّر العواقب البعيدة، ولا ينظر إلى اللذة العارضة الوقتية؛ إلا إذا نظر معها إلى الغاية التي توصله إليها تلك اللذة؛ لأن شيئاً قد تستلِذُّ به لحظة قد تَشْقى به زمناً طويلاً.

ولذلك قلنا: إن الذي يُسرف على نفسه غافل عن ثواب الطاعة وعن عذاب العقوبة، ولو استحضر الثواب على الطاعة، والعذاب على المعصية؛ لامتنع عن الإسراف على نفسه.

ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ".

إذن: فلحظة ارتكاب المعصية نجد الإنسان وهو يستر إيمانه؛ ولا يضع في باله أنه قد يموت قبل أن يتوبَ عن معصيته، أو قبل أن يُكفِّر عنها.

ويخطيء الإنسان في حساب عمره؛ لأن أحداً لا يعلم ميعاد أجله؛ أو الوقت الذي يفصل بينه وبين حساب الموْلَى ـ عَزَّ وجَلَّ ـ له على المعاصي.وكل مِنَّا مُطَالب بأن يضع في حُسْبانه حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: " الموت القيامة، فمَنْ مات فقد قامت قيامته ".

ولنا أسوة طيبة في عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ وهو الخليفة الثالث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتلَّ لحيته، فسُئِل عن ذلك؛ وقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي، وتبكي إذا وقفتَ على قبر؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن القبر أول منازل الآخرة، فإنْ نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وإن لم يَنْجُ منه، فما بعده أشد ".

لذلك فلا يستبعد أحد ميعاد لقائه بالموت.

وتستمر الآية: { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [يوسف: 53].

ونعلم أن هناك ما يشفي من الداء، وهناك ما يُحصِّن الإنسان، ويعطيه مناعة أن يصيبه الداء، والحق سبحانه غفور، بمعنى أنه يغفر الذنوب، ويمحوها، والحق سبحانه رحيم، بمعنى أنه يمنح الإنسان مناعة، فلا يصيبه الداء، فلا يقع في زلة أخرى.

والحق سبحانه هو القائل:
{  وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ }
[الإسراء: 82].

فساعةَ تسمع القرآن فهو يشفيك من الداء الذي تعاني منه نفسياً ويُقويَّ قدرتك على مقاومة الداء؛ ويُفجِّر طاقات الشفاء الكامنة في أعماقك. وهو رحمة لك حين تتخذه منهجاً، وتُطبِّقه في حياتك؛ فيمنحك مناعة تحميك من المرض، فهو طِبّ علاجيّ وطبّ وقائيّ في آنٍ واحد.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وَقَالَ ٱلْمَلِكُ... }.


www.alro7.net