سورة
اية:

وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ ۖ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: ويستخبرونك { أحق هو} أي المعاد بعد صيرورة الأجسام تراباً { قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} أي ليس صيرورتكم تراباً بمعجز اللّه عن إعادتكم كما بدأكم من العدم { فإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} ، وهذه الآية ليس لها نظير في القرآن إلا آيتان أخريان، يأمر اللّه تعالى رسوله أن يقسم به على من أنكر المعاد في سورة سبأ، { وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم} ، وفي التغابن: { زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على اللّه يسير} ، ثم أخبر تعالى أنه إذا قامت القيامة يود الكافر لو افتدى من عذاب اللّه بملء الأرض ذهباً، { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضي بينهم بالقسط} أي بالحق { وهم لا يظلمون} .

تفسير الجلالين

{ ويستنبئونك } يستخبرونك { أحق هو } أي ما وعدتنا به من العذاب والبعث { قل إي } نعم { وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين } بفائتين العذاب .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْتَنْبِئُونَك أَحَقّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَسْتَخْبِرك هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمك يَا مُحَمَّد فَيَقُولُونَ لَك . أَحَقّ مَا تَقُول وَمَا تَعِدنَا بِهِ مِنْ عَذَاب اللَّه فِي الدَّار الْآخِرَة جَزَاء عَلَى مَا كُنَّا نَكْسِب مِنْ مَعَاصِي اللَّه فِي الدُّنْيَا ؟ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقّ لَا شَكَّ فِيهِ , وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِي اللَّه إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ بِكُمْ بِهَرَبٍ أَوْ اِمْتِنَاع , بَلْ أَنْتُمْ فِي قَبْضَته وَسُلْطَانه وَمُلْكه , إِذَا أَرَادَ فِعْل ذَلِكَ بِكُمْ , فَاتَّقُوا اللَّه فِي أَنْفُسكُمْ ! الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْتَنْبِئُونَك أَحَقّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَيَسْتَخْبِرك هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قَوْمك يَا مُحَمَّد فَيَقُولُونَ لَك . أَحَقّ مَا تَقُول وَمَا تَعِدنَا بِهِ مِنْ عَذَاب اللَّه فِي الدَّار الْآخِرَة جَزَاء عَلَى مَا كُنَّا نَكْسِب مِنْ مَعَاصِي اللَّه فِي الدُّنْيَا ؟ قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقّ لَا شَكَّ فِيهِ , وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِي اللَّه إِذَا أَرَادَ ذَلِكَ بِكُمْ بِهَرَبٍ أَوْ اِمْتِنَاع , بَلْ أَنْتُمْ فِي قَبْضَته وَسُلْطَانه وَمُلْكه , إِذَا أَرَادَ فِعْل ذَلِكَ بِكُمْ , فَاتَّقُوا اللَّه فِي أَنْفُسكُمْ !'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ويستنبئونك} أي يستخبرونك يا محمد عن كون العذاب وقيام الساعة. { أحق} ابتداء. { هو} سد مسد الخبر؛ وهذا قول سيبويه. ويجوز أن يكون { هو} مبتدأ، و { أحق} خبره. { قل إي} { إي} كلمة تحقيق وإيجاب وتأكيد بمعنى نعم. { وربي} قسم. { إنه لحق} جوابه، أي كائن لا شك فيه. { وما أنتم بمعجزين} أي فائتين عن عذابه ومجازاته.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 49 - 55

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهم قد قالوا من قبل:
{  مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ }
[يونس: 48].

وهم هنا قد عادوا للتساؤل. { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ } أي: يطلبون منك النبأ. والنبأ هو الخبر المتعلق بشيء عظيم، وهم يطلبون الخبر منك يا رسول الله ويتساءلون: أهو حق؟

وكلمة " حق " هنا لها معطيات كثيرة؛ لأن { هُوَ } يمكن أن تعود على أصل الدين قرآناً؛ ونبوَّة، وتشريعاً، وهي كلمة تحمل التصديق بأن القرآن حق، والتشريع حق، والنبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم حق، والقيامة والبعث حق، والكلام عن العذاب في الدنيا بخذلانهم ونصرة المؤمنين عليهم حق.

إذن: فقولهم: { وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ } [يونس: 53] لها أكثر من مرجع، كأنهم سألوا: هل القرآن الذي جئت به حق؟

وهل النبوة التي تدَّعيها حق؟

وهل الشرائع ـ التي تقول: إن الله أنزلها كمنهج بحكم حركة الإنسان ـ حق؟

وهل القيامة والبعث حق؟

وهل العذاب في الدنيا حق؟

إنها كلمة شاملة يمكن أن تؤول إلى أكثر من معنى.

ويأتي الجواب من الله تعالى:

{ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ } [يونس: 53].

وأنت حين يستفهم منك أحد قائلاً: هل زيد موجود؟ فأنت تقول: نعم موجود. ولا تقول له: والله إن زيداً موجود؛ لأنك لن تؤكد الكلام لمن يسألك؛ لأنه لا ينكر وجود زيد.

إذن: فأنت لن تؤكد إجابةً ما إلا إذا كان هناك في السؤال شبهة إنكار.

إذن: فأنت تستدل من قول الحق سبحانه:

{ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ } [يونس: 53] على أن سؤالهم يحمل معاني الإنكار والاستهزاء؛ ولذلك جاء الجواب بـ " أي " وهو حرف جواب يعني: " نعم " ، وتأتي " أي " دائماً مع القسم.

ولكل حرف من حروف الجواب مقام، فهناك " بلى " وهي تأتي في جواب سؤال منفي، في مثل قوله تعالى:


{  أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ }
[الأعراف: 172].

وقول الحق سبحانه هنا: { إِي وَرَبِّيۤ } [يونس: 53].

تعني: نعم وأقسم بربي إنه لحق. وأنت لا تُقسم على شيء إلا إذا كان السائل عنده شبهة إنكار، وتأتي بـ " إن " لمزيد من هذا التأكيد.

ومثال ذلك في قوله سبحانه:


{  وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوۤاْ إِنَّآ إِلَيْكُمْ مُّرْسَلُونَ }
[يس: 13ـ14].

وماذا كان رد من بُعث اليهم الثلاثة؟


{  قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَمَآ أَنَزلَ ٱلرَّحْمَـٰنُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ }
[يس: 15].

هكذا كان إنكار المكذبين للرسل الثلاثة شديداً. فقال لهم الرسل:


{  رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ }
[يس: 16].

فكان قولهم هذا مناسباً لإنكار الكافرين الشديد.

إذن: فالتأكيد في أسلوب المسئول إنما يأتي على مقدار الإنكار، فإن لم يكن هناك إنكار؛ فلا يحتاج الأمر إلى تأكيد.أما إذا صادف الكلام إنكاراً قليلاً، فالتأكيد يأتي مرة واحدة.

وإن صادف الكلام لجاجة في الإنكار جاء التأكيد مرتين.

أما إذا ما صادف الكلام تبجُّحاً في الإنكار فالتأكيد يأتي ثلاث مرات.

وقد علَّم الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم هنا أن يرد على استنبائهم بأن يقول لهم: { إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ } [يونس: 53].

وهنا يقسم الرسول صلى الله عليه وسلم بالرب؛ لأن الرب هو من كلَّفه، ثم يؤكد { إِنَّهُ لَحَقٌّ } لأن سؤالهم تضمَّن الإنكار والاستهزاء.

وما دام قد قال: { إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ } فهم إن لم يؤمنوا فسوف يلقون العذاب؛ لأنه ليس هناك مَنْجًى من الله تعالى، ولن تُعْجِزوا الله هرباً، ولن تعجزوه شفاعة من أحد، ولن تعجزوه بيعاً، ولن تعجزوه خُلَّة تتقدم لتشفع لكم.

ثم يأتي قوله سبحانه في نهاية الآية:

{ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ } [يونس: 53].

وقد أراد الحق سبحانه أن يفسر لمحة من الإعجاز، ذلك أن الله سبحانه وتعالى من الممكن أن يقبل شفاعة الشافعين، ومن الممكن أن يقبل الفداء؛ ولذلك جاء الإيضاح في الآية التالية، فيقول سبحانه: { وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي ٱلأَرْضِ }


www.alro7.net