سورة
اية:

وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ

تفسير بن كثير

يقول اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : { قل لا أقول لكم عندي خزائن اللّه} أي لستُ أملكها ولا أتصرف فيها، { ولا أعلم الغيب} أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم اللّه عزَّ وجلَّ، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، { ولا أقول لكم إني ملك} أي ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر يوحى إليَّ من اللّه عزَّ وجلَّ شرفني بذلك وأنعم عليّ به، ولهذا قال: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه، { قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه فلم ينقد له { أفلا تتفكرون} ؟ وهذه كقوله تعالى: { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب} وقوله: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} أي وأنذر بهذا القرآن يا محمد، { الذين هم من خشية ربهم مشفقون} ، { الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} ، { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} أي يوم القيامة { ليس لهم} أي يومئذ { من دونه ولي ولا شفع} أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم { لعلهم يتَّقون} أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا اللّه عزَّ وجلَّ { لعلهم يتقون} فيعملون في هذه الدار عملاً ينجيهم اللّه به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه، وقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أي لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كقوله: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} ، وقوله: { يدعون ربهم} أي يعبدونه ويسألونه { بالغداة والعشي} قال سعيد بن المسيب: المراد به الصلاة المكتوبة وهو قول مجاهد والحسن وقتادة وهذا كقوله: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} أي أتقبل منكم، وقوله: { يريدون وجهه} أي يريدون بذلك العمل وجه اللّه الكريم وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات، وقوله: { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} كقول نوح عليه السلام في جواب الذين قالوا: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} ، { وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} أي إنما حسابهم على اللّه عزَّ وجلَّ، وليس عليّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء وقوله: { فتطردهم فتكون من الظالمين} أي إن فعلت هذا والحالة هذه. روى ابن جرير عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد: أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منَّ اللّه عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك، فنزلت هذه الآية: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ، { وكذلك فتنا بعضهم ببعض} إلى آخر الآية، وقال ابن أبي حاتم عن خباب في قول اللّه عزَّ وجلَّ: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى اللّه عليه وسلم حقّروهم في نفر من أصحابه فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا: فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: (نعم)، قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم} الآية، فرمى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه ""أخرجه ابن أبي حاتم ورواه ابن جرير أيضاً من حديث أسباط بن نصر""وقال سعد نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم، منهم ابن مسعود قال: كنا نستبق إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وندنو منه، فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا، فنزلت: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} ""رواه الحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين وأخرجه ابن حبان في صحيحه""وقوله تعالى: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض} أي ابتلينا واختبرنا، وامتحنا بعضهم ببعض { ليقولوا أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا} ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} الآية، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل فقال له فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا؟ أي ما كان اللّه ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيراً ويدعنا كقولهم: { لو كان خيراً ما سبقونا إليه،} وكقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً} قال اللّه تعالى في جواب ذلك: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئيا} ، وقال في جوابهم حين قالوا: { أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا} { أليس اللّه بأعلم بالشاكرين} ؟ أي أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن اللّه لمع المحسنين} وفي الحديث الصحيح: (إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ""أخرجه مسلم بلفظ: (إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم..)الحديث."" وقوله تعالى: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} أي فأكرمهم برد السلام عليهم وبشرهم برحمة اللّه الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال: { كتب ربكم على نفسه الرحمة} أي أوجبها على نفسه الكريمة تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً { أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة} ، قال بعض السلف: كل من عصى اللّه فهو جاهل وقال بعضهم: الدنيا كلها جهالة: { ثم تاب من بعده وأصلح} أي رجع عما كان عليه من المعاصي وأقلع، وعزم على أن لا يعود وأصلح العمل في المستقبل { فإنه غفور رحيم} قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لما قضى اللّه على الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي) أخرجاه في الصحيحين.

تفسير الجلالين

{ ولا تطرد الذين يدعون ربَّهم بالغداة والعشي يريدون } بعبادتهم { وجهه } تعالى لا شيئا من أعراض الدنيا وهم الفقراء، وكان المشركون طعنوا فيهم وطلبوا أن يطردهم ليجالسوه وأراد النبي صلي الله عليه وسلم ذلك طمعا في إسلامهم { ما عليك من حسابهم من } زائدة { شيء } إن كان باطنهم غير مرضي { وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم } جواب النفي { فتكون من الظالمين } إن فعلت ذلك.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه مَا عَلَيْك مِنْ حِسَابهمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابك عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدهُمْ فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبَبِ جَمَاعَة مِنْ ضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لَهُ : لَوْ طَرَدْت هَؤُلَاءِ عَنْك لَغَشِينَاك وَحَضَرْنَا مَجْلِسَكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10326 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو زَيْد , عَنْ أَشْعَث , عَنْ كُرْدُوس الثَّعْلَبِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , قَالَ : مَرَّ الْمَلَأ مِنْ قُرَيْش بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْده خُصَيْف وَعَمَّار وَبِلَال وَخَبَّاب وَنَحْوهمْ مِنْ ضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد أَرَضِيت بِهَؤُلَاءِ مِنْ قَوْمك , هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا , أَنَحْنُ نَكُون تَبَعًا لِهَؤُلَاءِ ؟ اُطْرُدْهُمْ عَنْك , فَلَعَلَّك إِنْ طَرَدْتهمْ أَنْ نَتَّبِعَك ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهه } { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } . . . إِلَى آخِر الْآيَة . - حَدَّثَنَا جَرِير , عَنْ أَشْعَث , عَنْ كُرْدُوس الثَّعْلَبِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : مَرَّ الْمَلَأ مِنْ قُرَيْش عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه . 10327 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثَنَا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ أَشْعَث , عَنْ كُرْدُوس , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَرَّ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَأ مِنْ قُرَيْش , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه . 10328 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو بْن مُحَمَّد الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ - وَكَانَ قَارِئ الْأَزْد - عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } . . . إِلَى قَوْله : { فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } قَالَ : جَاءَ الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ وَعُيَيْنَة بْن حِصْن الْفَزَارِيّ , فَوَجَدُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا مَعَ بِلَال وَصُهَيْب وَعَمَّار وَخَبَّاب , فِي أُنَاس مِنْ ضُعَفَاء الْمُؤْمِنِينَ , فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْله حَقَّرُوهُمْ , فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : إِنَّا نُحِبّ أَنْ تَجْعَل لَنَا مِنْك مَجْلِسًا تَعْرِف لَنَا الْعَرَب بِهِ فَضْلنَا , فَإِنَّ وُفُود الْعَرَب تَأْتِيك فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَب مَعَ هَؤُلَاءِ الْأَعْبُد , فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاك فَأَقِمْهُمْ عَنَّا , فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْت ! قَالَ : " نَعَمْ " قَالُوا : فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْك بِذَلِكَ كِتَابًا ! قَالَ : فَدَعَا بِالصَّحِيفَةِ , وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُب , قَالَ : وَنَحْنُ قُعُود فِي نَاحِيَة , إِذْ نَزَلَ جِبْرِيل بِهَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه مَا عَلَيْك مِنْ حِسَابهمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابك عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدهُمْ فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } , ثُمَّ قَالَ : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } , ثُمَّ قَالَ : { وَإِذَا جَاءَك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة } . فَأَلْقَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيفَة مِنْ يَده , ثُمَّ دَعَانَا , فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ يَقُول : { سَلَام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة } . فَكُنَّا نَقْعُد مَعَهُ , فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُوم قَامَ وَتَرَكَنَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { وَاصْبِرْ نَفْسَك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } 18 28 قَالَ : فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْعُد مَعَنَا بَعْد , فَإِذَا بَلَغَ السَّاعَة الَّتِي يَقُوم فِيهَا قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُوم . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ , عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب بْن الْأَرَتّ , بِنَحْوِ حَدِيث الْحُسَيْن بْن عَمْرو إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثه : فَلَّمَا رَأَوْهُمْ حَوْله نَفَّرُوهُمْ , فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ . وَقَالَ أَيْضًا : { فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } , ثُمَّ ذَكَرَ الْأَقْرَع وَصَاحِبه , فَقَالَ : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } . . . الْآيَة . وَقَالَ أَيْضًا : فَدَعَانَا فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ يَقُول : " سَلَام عَلَيْكُمْ " فَدَنَوْنَا مِنْهُ يَوْمئِذٍ حَتَّى وَضَعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ , وَسَائِر الْحَدِيث نَحْوه . 10329 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَالْكَلْبِيّ : أَنَّ نَاسًا مِنْ كُفَّار قُرَيْش قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ سِرّك أَنْ نَتَّبِعك فَاطْرُدْ عَنَّا فُلَانًا وَفُلَانًا ! نَاسًا مِنْ ضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } . 10330 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } . . . إِلَى قَوْله : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } . . . الْآيَة , قَالَ : وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ مِنْ النَّاس لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ سِرّك أَنْ نَتَّبِعك فَاطْرُدْ عَنَّا فُلَانًا وَفُلَانًا ! لِأُنَاسٍ كَانُوا دُونهمْ فِي الدُّنْيَا اِزْدَرَاهُمْ الْمُشْرِكُونَ . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة إِلَى آخِرهَا . 10331 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } بِلَالًا وَابْن أُمّ عَبْد كَانَا يُجَالِسَانِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ قُرَيْش مُحَقِّرَتهمَا : لَوْلَاهُمَا وَأَمْثَالهمَا لَجَالَسْنَاهُ ! فَنُهِيَ عَنْ طَرْدهمْ , حَتَّى قَوْله : { أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } قَالَ : قُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ فِيمَا بَيْن ذَلِكَ فِي هَذَا . 10332 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْمِقْدَام بْن شُرَيْح , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ سَعِيد : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي سِتَّة مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِنْهُمْ اِبْن مَسْعُود , قَالَ : كُنَّا نَسْبِق إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنَدْنُو مِنْهُ وَنَسْمَع مِنْهُ , فَقَالَتْ قُرَيْش : يُدْنِي هَؤُلَاءِ دُوننَا ؟ فَنَزَلَتْ : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } . 10333 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْلِهِ : { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبّهمْ } . . . الْآيَة . قَالَ : جَاءَ عُتْبَة بْن رَبِيعَة وَشَيْبَة بْن رَبِيعَة وَمُطْعِم بْن عَدِيّ وَالْحَارِث بْن نَوْفَل وَقَرَظَة بْن عَبْد عَمْرو بْن نَوْفَل فِي أَشْرَاف مِنْ بَنِي عَبْد مَنَافٍ مِنْ الْكُفَّار إِلَى أَبِي طَالِب , فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِب لَوْ أَنَّ اِبْن أَخِيك يَطْرُد عَنْهُ مَوَالِينَا وَحُلَفَاءَنَا , فَإِنَّمَا هُمْ عَبِيدنَا وَعُسَفَاؤُنَا , كَانَ أَعْظَم فِي صُدُورنَا وَأَطْوَع لَهُ عِنْدنَا وَأَدْنَى لِاتِّبَاعِنَا إِيَّاهُ وَتَصْدِيقنَا لَهُ ! قَالَ : فَأَتَى أَبُو طَالِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَحَدَّثَهُ بِاَلَّذِي كَلَّمُوهُ بِهِ , فَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : لَوْ فَعَلْت ذَلِكَ حَتَّى تَنْظُر مَا الَّذِي يُرِيدُونَ وَإِلَامَ يَصِيرُونَ مِنْ قَوْلهمْ ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة : { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبّهمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونه وَلِيّ وَلَا شَفِيع لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } . . . إِلَى قَوْله : { أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } . قَالَ : وَكَانُوا : بِلَالًا وَعَمَّار بْن يَاسِر وَسَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة وَصُبَيْحًا مَوْلَى أَسَيِّد ; وَمِنْ الْحُلَفَاء : اِبْن مَسْعُود , وَالْمِقْدَاد بْن عَمْرو , وَمَسْعُود , اِبْن الْقَارِّيّ , وَوَاقِد بْن عَبْد اللَّه الْحَنْظَلِيّ , وَعَمْرو بْن عَبْد عَمْرو ذُو الشِّمَالَيْنِ , وَمَرْثَد بْن أَبِي مَرْثَد , وَأَبُو مَرْثَد مِنْ عَنِيّ حَلِيف حَمْزَة بْن عَبْد الْمَطْلَب , وَأَشْبَاههمْ مِنْ الْحُلَفَاء . وَنَزَلَتْ فِي أَئِمَّة الْكُفْر مِنْ قُرَيْش وَالْمَوَالِي وَالْحُلَفَاء : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مِنْ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا } . . . الْآيَة ; فَلَمَّا نَزَلَتْ أَقْبَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب فَاعْتَذَرَ مِنْ مَقَالَته , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا جَاءَك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ } . . . الْآيَة . 10334 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : قَالَ رَجُل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أَسْتَحْيِي مِنْ اللَّه أَنْ يَرَانِي مَعَ سَلْمَان وَبِلَال وَذَوِيهِمْ , فَاطْرُدْهُمْ عَنْك وَجَالِسْ فُلَانًا وَفُلَانًا ! قَالَ : فَنَزَلَ الْقُرْآن : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } مَا بَيْنك وَبَيْن أَنْ تَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ إِلَّا أَنْ تَطْرُدَهُمْ . ثُمَّ قَالَ : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } . ثُمَّ قَالَ : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرُوك أَنْ تَطْرُدهُمْ فَأَبْلِغْهُمْ مِنِّي السَّلَام وَبَشِّرْهُمْ , وَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْت لَهُمْ ! وَقَرَأَ : { وَإِذَا جَاءَك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَكَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيل الْمُجْرِمِينَ } قَالَ : لِتَعْرِفهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الدُّعَاء الَّذِي كَانَ هَؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذِينَ نَهَى اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَرْدهمْ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ الصَّلَوَات الْخَمْس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10335 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } يَعْنِي : يَعْبُدُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ , يَعْنِي الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة . 10336 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْلِهِ : { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } قَالَ : هِيَ الصَّلَوَات الْخَمْس الْفَرَائِض , وَلَوْ كَانَ يَقُول الْقُصَّاص هَلَكَ مَنْ لَمْ يَجْلِس إِلَيْهِمْ . 10337 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا اِبْن فُضَيْل , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } قَالَ : هِيَ الصَّلَاة . 10338 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة : الصُّبْح وَالْعَصْر . 10339 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْكِنْدِيّ , قَالَ : ثَنَا حَسَن الْجُعْفِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَمْزَة بْن الْمُغِيرَة , عَنْ حَمْزَة بْن عِيسَى , قَالَ : دَخَلْت عَلَى الْحَسَن فَسَأَلْته , فَقُلْت : يَا أَبَا سَعِيد , أَرَأَيْت قَوْل اللَّه : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 18 28 أَهُمْ هَؤُلَاءِ الْقُصَّاص ؟ قَالَ : لَا , وَلَكِنَّهُمْ الْمُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلَوَات فِي الْجَمَاعَة . 10340 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة . 10341 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : يَعْبُدُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ; يَعْنِي الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة . 10342 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 18 28 هُمَا الصَّلَاتَانِ : صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر . 10343 - حَدَّثَنِي اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن أَيُّوب , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن عَجْلَان , عَنْ نَافِع , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } . . . الْآيَة , أَنَّهُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة . 10344 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم : { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 18 28 قَالَا : الصَّلَوَات الْخَمْس . حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10345 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : الْمُصَلِّينَ الْمُؤْمِنِينَ بِلَال وَابْن أُمّ عَبْد . قَالَ اِبْن عُبَادَة : وَأَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : صَلَّيْت الصُّبْح مَعَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَام اِبْتَدَرَ النَّاس الْقَاصّ , فَقَالَ سَعِيد : مَا أَسْرَعَهُمْ إِلَى هَذَا الْمَجْلِس ! قَالَ مُجَاهِد : فَقُلْت : يَتَأَوَّلُونَ مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ : وَمَا قَالَ ؟ قُلْت : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : وَفِي هَذَا ذَا ؟ إِنَّمَا ذَاكَ فِي الصَّلَاة الَّتِي اِنْصَرَفْنَا عَنْهَا الْآن , إِنَّمَا ذَاكَ فِي الصَّلَاة . 10346 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مَنْصُور , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة , قَالَ : الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة . 10347 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , قَالَ : هِيَ الصَّلَاة . * حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ عَامِر , قَالَ : هِيَ الصَّلَاة . - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْلُهُ : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } يَقُول : صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر . 10348 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : صَلَّى عَبْد الرَّحْمَن فِي مَسْجِد الرَّسُول , فَلَمَّا صَلَّى قَامَ فَاسْتَنَدَ إِلَى حُجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَانْثَالَ النَّاس عَلَيْهِ , فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس إِلَيْكُمْ ! فَقِيلَ : يَرْحَمك اللَّه , إِنَّمَا جَاءُوا يُرِيدُونَ هَذِهِ الْآيَة : { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 18 28 فَقَالَ : وَهَذَا عُنِيَ بِهَذَا ! إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَاة . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ الصَّلَاة ; وَلَكِنَّ الْقَوْم لَمْ يَسْأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرْد هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاء عَنْ مَجْلِسه وَلَا تَأْخِيرهمْ عَنْ مَجْلِسه , وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ تَأْخِيرهمْ عَنْ الصَّفِّ الْأَوَّل حَتَّى يَكُونُوا وَرَاءَهُمْ فِي الصَّفّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10349 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } . . . الْآيَة , فَهُمْ أُنَاس كَانُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْفُقَرَاء , فَقَالَ أُنَاس مِنْ أَشْرَاف النَّاس : نُؤْمِن لَك , وَإِذَا صَلَّيْنَا فَأَخِّرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَعَك فَلْيُصَلُّوا خَلْفنَا ! وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى دُعَائِهِمْ كَانَ ذِكْرهمْ اللَّه تَعَالَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10350 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , وَحَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَوْله : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : أَهْل الذِّكْر . 10351 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : هُمْ أَهْل الذِّكْر . - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : لَا تَطْرُدهُمْ عَنْ الذِّكْر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ تَعَلُّمهمْ الْقُرْآن وَقِرَاءَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10352 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , قَوْله : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 18 28 قَالَ : كَانَ يُقْرِئُهُمْ الْقُرْآن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِدُعَائِهِمْ رَبّهمْ عِبَادَتهمْ إِيَّاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10353 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : يَعْنِي : يَعْبُدُونَ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : { لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } 40 43 يَعْنِي : تَعْبُدُونَهُ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى نَهَى نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُد قَوْمًا كَانُوا يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ; وَالدُّعَاء لِلَّهِ يَكُون بِذِكْرِهِ وَتَمْجِيده وَالثَّنَاء عَلَيْهِ قَوْلًا وَكَلَامًا , وَقَدْ يَكُون بِالْعَمَلِ لَهُ بِالْجَوَارِحِ الْأَعْمَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهِمْ فَرْضهَا وَغَيْرهَا مِنْ النَّوَافِل الَّتِي تُرْضِي وَالْعَامِل لَهُ عَابِده بِمَا هُوَ عَامِل لَهُ ; وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون الْقَوْم كَانُوا جَامِعِينَ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلّهَا , فَوَصَفَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ بِأَنَّهُمْ يَدْعُونَهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ; لِأَنَّ اللَّه قَدْ سَمَّى الْعِبَادَة دُعَاء , فَقَالَ تَعَالَى : { وَقَالَ رَبُّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ } 40 60 . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى خَاصّ مِنْ الدُّعَاء , وَلَا قَوْل أَوْلَى بِذَلِكَ بِالصِّحَّةِ مِنْ وَصْف الْقَوْم بِمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ فَيُعَمُّونَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُمْ بِهَا رَبّهمْ وَلَا يُخَصُّونَ مِنْهَا بِشَيْء دُون شَيْء . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : يَا مُحَمَّد أَنْذِرْ الْقُرْآن الَّذِي أَنْزَلْته إِلَيْك , الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهمْ مَحْشُورُونَ , فَهُمْ مِنْ خَوْف وُرُودهمْ عَلَى اللَّه الَّذِي لَا شَفِيع لَهُمْ مِنْ دُونه وَلَا نَصِير , فِي الْعَمَل لَهُ دَائِبُونَ إِذْ أَعْرَضَ عَنْ إِنْذَارك وَاسْتِمَاع مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْك الْمُكَذِّبُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر مِنْ قَوْمك اِسْتِكْبَارًا عَلَى اللَّه . وَلَا تَطْرُدهُمْ وَلَا تُقْصِهِمْ , فَتَكُون مِمَّنْ وَضَعَ الْإِقْصَاء فِي غَيْر مَوْضِعه فَأَقْصَى وَطَرَدَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرْده وَإِقْصَاؤُهُ , وَقَرَّبَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَقْدِيمه بِقُرْبِهِ يَصْغَر ; فَإِنَّ الَّذِينَ نَهَيْتُك عَنْ طَرْدهمْ هُمْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ فَيَسْأَلُونَ عَفَوْهُ وَمَغْفِرَته لِصَالِحِ أَعْمَالهمْ وَأَدَاء مَا أَلْزَمهُمْ مِنْ فَرَائِضه وَنَوَافِل تَطَوُّعهمْ وَذِكْرهمْ إِيَّاهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ , يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ الْقُرْبَة إِلَى اللَّه وَالدُّنُوّ مِنْ رِضَاهُ . { مَا عَلَيْك مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء } , يَقُول : مَا عَلَيْك مِنْ حِسَاب مَا رَزَقْتهمْ مِنْ الرِّزْق مِنْ شَيْء , وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حِسَاب مَا رَزَقْتُك مِنْ الرِّزْق مِنْ شَيْء , فَتَطْرُدهُمْ حَذَارِ مُحَاسَبَتِي إِيَّاكَ بِمَا خَوَّلْتهمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الرِّزْق . وَقَوْله : { فَتَطْرُدهُمْ } : جَوَاب لِقَوْلِهِ : { مَا عَلَيْك مِنْ حِسَابهمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِك عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء } . وَقَوْله : { فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } جَوَاب لِقَوْلِهِ : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه مَا عَلَيْك مِنْ حِسَابهمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابك عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدهُمْ فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبَبِ جَمَاعَة مِنْ ضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ لَهُ : لَوْ طَرَدْت هَؤُلَاءِ عَنْك لَغَشِينَاك وَحَضَرْنَا مَجْلِسَكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10326 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو زَيْد , عَنْ أَشْعَث , عَنْ كُرْدُوس الثَّعْلَبِيّ , عَنْ اِبْن مَسْعُود , قَالَ : مَرَّ الْمَلَأ مِنْ قُرَيْش بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْده خُصَيْف وَعَمَّار وَبِلَال وَخَبَّاب وَنَحْوهمْ مِنْ ضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد أَرَضِيت بِهَؤُلَاءِ مِنْ قَوْمك , هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا , أَنَحْنُ نَكُون تَبَعًا لِهَؤُلَاءِ ؟ اُطْرُدْهُمْ عَنْك , فَلَعَلَّك إِنْ طَرَدْتهمْ أَنْ نَتَّبِعَك ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهه } { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } . . . إِلَى آخِر الْآيَة . - حَدَّثَنَا جَرِير , عَنْ أَشْعَث , عَنْ كُرْدُوس الثَّعْلَبِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : مَرَّ الْمَلَأ مِنْ قُرَيْش عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه . 10327 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثَنَا حَفْص بْن غِيَاث , عَنْ أَشْعَث , عَنْ كُرْدُوس , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : مَرَّ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَأ مِنْ قُرَيْش , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوه . 10328 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو بْن مُحَمَّد الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبِي , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ - وَكَانَ قَارِئ الْأَزْد - عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } . . . إِلَى قَوْله : { فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } قَالَ : جَاءَ الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ وَعُيَيْنَة بْن حِصْن الْفَزَارِيّ , فَوَجَدُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا مَعَ بِلَال وَصُهَيْب وَعَمَّار وَخَبَّاب , فِي أُنَاس مِنْ ضُعَفَاء الْمُؤْمِنِينَ , فَلَمَّا رَأَوْهُمْ حَوْله حَقَّرُوهُمْ , فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : إِنَّا نُحِبّ أَنْ تَجْعَل لَنَا مِنْك مَجْلِسًا تَعْرِف لَنَا الْعَرَب بِهِ فَضْلنَا , فَإِنَّ وُفُود الْعَرَب تَأْتِيك فَنَسْتَحْيِي أَنْ تَرَانَا الْعَرَب مَعَ هَؤُلَاءِ الْأَعْبُد , فَإِذَا نَحْنُ جِئْنَاك فَأَقِمْهُمْ عَنَّا , فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْت ! قَالَ : " نَعَمْ " قَالُوا : فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْك بِذَلِكَ كِتَابًا ! قَالَ : فَدَعَا بِالصَّحِيفَةِ , وَدَعَا عَلِيًّا لِيَكْتُب , قَالَ : وَنَحْنُ قُعُود فِي نَاحِيَة , إِذْ نَزَلَ جِبْرِيل بِهَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه مَا عَلَيْك مِنْ حِسَابهمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابك عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء فَتَطْرُدهُمْ فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } , ثُمَّ قَالَ : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } , ثُمَّ قَالَ : { وَإِذَا جَاءَك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة } . فَأَلْقَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحِيفَة مِنْ يَده , ثُمَّ دَعَانَا , فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ يَقُول : { سَلَام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَة } . فَكُنَّا نَقْعُد مَعَهُ , فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُوم قَامَ وَتَرَكَنَا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { وَاصْبِرْ نَفْسَك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه وَلَا تَعْدُ عَيْنَاك عَنْهُمْ تُرِيد زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا } 18 28 قَالَ : فَكَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْعُد مَعَنَا بَعْد , فَإِذَا بَلَغَ السَّاعَة الَّتِي يَقُوم فِيهَا قُمْنَا وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُوم . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ أَبِي سَعِيد الْأَزْدِيّ , عَنْ أَبِي الْكَنُود , عَنْ خَبَّاب بْن الْأَرَتّ , بِنَحْوِ حَدِيث الْحُسَيْن بْن عَمْرو إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثه : فَلَّمَا رَأَوْهُمْ حَوْله نَفَّرُوهُمْ , فَأَتَوْهُ فَخَلَوْا بِهِ . وَقَالَ أَيْضًا : { فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } , ثُمَّ ذَكَرَ الْأَقْرَع وَصَاحِبه , فَقَالَ : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } . . . الْآيَة . وَقَالَ أَيْضًا : فَدَعَانَا فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ يَقُول : " سَلَام عَلَيْكُمْ " فَدَنَوْنَا مِنْهُ يَوْمئِذٍ حَتَّى وَضَعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ , وَسَائِر الْحَدِيث نَحْوه . 10329 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَالْكَلْبِيّ : أَنَّ نَاسًا مِنْ كُفَّار قُرَيْش قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ سِرّك أَنْ نَتَّبِعك فَاطْرُدْ عَنَّا فُلَانًا وَفُلَانًا ! نَاسًا مِنْ ضُعَفَاء الْمُسْلِمِينَ . فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } . 10330 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } . . . إِلَى قَوْله : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } . . . الْآيَة , قَالَ : وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ مِنْ النَّاس لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ سِرّك أَنْ نَتَّبِعك فَاطْرُدْ عَنَّا فُلَانًا وَفُلَانًا ! لِأُنَاسٍ كَانُوا دُونهمْ فِي الدُّنْيَا اِزْدَرَاهُمْ الْمُشْرِكُونَ . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة إِلَى آخِرهَا . 10331 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } بِلَالًا وَابْن أُمّ عَبْد كَانَا يُجَالِسَانِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ قُرَيْش مُحَقِّرَتهمَا : لَوْلَاهُمَا وَأَمْثَالهمَا لَجَالَسْنَاهُ ! فَنُهِيَ عَنْ طَرْدهمْ , حَتَّى قَوْله : { أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } قَالَ : قُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ فِيمَا بَيْن ذَلِكَ فِي هَذَا . 10332 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ الْمِقْدَام بْن شُرَيْح , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ سَعِيد : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي سِتَّة مِنْ أَصْحَاب النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِنْهُمْ اِبْن مَسْعُود , قَالَ : كُنَّا نَسْبِق إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنَدْنُو مِنْهُ وَنَسْمَع مِنْهُ , فَقَالَتْ قُرَيْش : يُدْنِي هَؤُلَاءِ دُوننَا ؟ فَنَزَلَتْ : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } . 10333 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْلِهِ : { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبّهمْ } . . . الْآيَة . قَالَ : جَاءَ عُتْبَة بْن رَبِيعَة وَشَيْبَة بْن رَبِيعَة وَمُطْعِم بْن عَدِيّ وَالْحَارِث بْن نَوْفَل وَقَرَظَة بْن عَبْد عَمْرو بْن نَوْفَل فِي أَشْرَاف مِنْ بَنِي عَبْد مَنَافٍ مِنْ الْكُفَّار إِلَى أَبِي طَالِب , فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِب لَوْ أَنَّ اِبْن أَخِيك يَطْرُد عَنْهُ مَوَالِينَا وَحُلَفَاءَنَا , فَإِنَّمَا هُمْ عَبِيدنَا وَعُسَفَاؤُنَا , كَانَ أَعْظَم فِي صُدُورنَا وَأَطْوَع لَهُ عِنْدنَا وَأَدْنَى لِاتِّبَاعِنَا إِيَّاهُ وَتَصْدِيقنَا لَهُ ! قَالَ : فَأَتَى أَبُو طَالِب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَحَدَّثَهُ بِاَلَّذِي كَلَّمُوهُ بِهِ , فَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب : لَوْ فَعَلْت ذَلِكَ حَتَّى تَنْظُر مَا الَّذِي يُرِيدُونَ وَإِلَامَ يَصِيرُونَ مِنْ قَوْلهمْ ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة : { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبّهمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونه وَلِيّ وَلَا شَفِيع لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } . . . إِلَى قَوْله : { أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } . قَالَ : وَكَانُوا : بِلَالًا وَعَمَّار بْن يَاسِر وَسَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَة وَصُبَيْحًا مَوْلَى أَسَيِّد ; وَمِنْ الْحُلَفَاء : اِبْن مَسْعُود , وَالْمِقْدَاد بْن عَمْرو , وَمَسْعُود , اِبْن الْقَارِّيّ , وَوَاقِد بْن عَبْد اللَّه الْحَنْظَلِيّ , وَعَمْرو بْن عَبْد عَمْرو ذُو الشِّمَالَيْنِ , وَمَرْثَد بْن أَبِي مَرْثَد , وَأَبُو مَرْثَد مِنْ عَنِيّ حَلِيف حَمْزَة بْن عَبْد الْمَطْلَب , وَأَشْبَاههمْ مِنْ الْحُلَفَاء . وَنَزَلَتْ فِي أَئِمَّة الْكُفْر مِنْ قُرَيْش وَالْمَوَالِي وَالْحُلَفَاء : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مِنْ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا } . . . الْآيَة ; فَلَمَّا نَزَلَتْ أَقْبَلَ عُمَر بْن الْخَطَّاب فَاعْتَذَرَ مِنْ مَقَالَته , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : { وَإِذَا جَاءَك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ } . . . الْآيَة . 10334 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : قَالَ رَجُل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنِّي أَسْتَحْيِي مِنْ اللَّه أَنْ يَرَانِي مَعَ سَلْمَان وَبِلَال وَذَوِيهِمْ , فَاطْرُدْهُمْ عَنْك وَجَالِسْ فُلَانًا وَفُلَانًا ! قَالَ : فَنَزَلَ الْقُرْآن : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } مَا بَيْنك وَبَيْن أَنْ تَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ إِلَّا أَنْ تَطْرُدَهُمْ . ثُمَّ قَالَ : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْننَا أَلَيْسَ اللَّه بِأَعْلَم بِالشَّاكِرِينَ } . ثُمَّ قَالَ : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرُوك أَنْ تَطْرُدهُمْ فَأَبْلِغْهُمْ مِنِّي السَّلَام وَبَشِّرْهُمْ , وَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْت لَهُمْ ! وَقَرَأَ : { وَإِذَا جَاءَك الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَام عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسه الرَّحْمَة } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { وَكَذَلِكَ نُفَصِّل الْآيَات وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيل الْمُجْرِمِينَ } قَالَ : لِتَعْرِفهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الدُّعَاء الَّذِي كَانَ هَؤُلَاءِ الرَّهْط الَّذِينَ نَهَى اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَرْدهمْ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ الصَّلَوَات الْخَمْس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10335 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } يَعْنِي : يَعْبُدُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ , يَعْنِي الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة . 10336 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثَنَا حَمَّاد , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ إِبْرَاهِيم , فِي قَوْلِهِ : { يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } قَالَ : هِيَ الصَّلَوَات الْخَمْس الْفَرَائِض , وَلَوْ كَانَ يَقُول الْقُصَّاص هَلَكَ مَنْ لَمْ يَجْلِس إِلَيْهِمْ . 10337 - حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثَنَا اِبْن فُضَيْل , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } قَالَ : هِيَ الصَّلَاة . 10338 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة : الصُّبْح وَالْعَصْر . 10339 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْكِنْدِيّ , قَالَ : ثَنَا حَسَن الْجُعْفِيّ , قَالَ : أَخْبَرَنِي حَمْزَة بْن الْمُغِيرَة , عَنْ حَمْزَة بْن عِيسَى , قَالَ : دَخَلْت عَلَى الْحَسَن فَسَأَلْته , فَقُلْت : يَا أَبَا سَعِيد , أَرَأَيْت قَوْل اللَّه : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 18 28 أَهُمْ هَؤُلَاءِ الْقُصَّاص ؟ قَالَ : لَا , وَلَكِنَّهُمْ الْمُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلَوَات فِي الْجَمَاعَة . 10340 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة . 10341 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : يَعْبُدُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ; يَعْنِي الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة . 10342 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 18 28 هُمَا الصَّلَاتَانِ : صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر . 10343 - حَدَّثَنِي اِبْن الْبَرْقِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي مَرْيَم , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن أَيُّوب , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن عَجْلَان , عَنْ نَافِع , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } . . . الْآيَة , أَنَّهُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الصَّلَوَات الْمَكْتُوبَة . 10344 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم : { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 18 28 قَالَا : الصَّلَوَات الْخَمْس . حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10345 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن عُبَادَة , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : الْمُصَلِّينَ الْمُؤْمِنِينَ بِلَال وَابْن أُمّ عَبْد . قَالَ اِبْن عُبَادَة : وَأَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : صَلَّيْت الصُّبْح مَعَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَام اِبْتَدَرَ النَّاس الْقَاصّ , فَقَالَ سَعِيد : مَا أَسْرَعَهُمْ إِلَى هَذَا الْمَجْلِس ! قَالَ مُجَاهِد : فَقُلْت : يَتَأَوَّلُونَ مَا قَالَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ : وَمَا قَالَ ؟ قُلْت : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : وَفِي هَذَا ذَا ؟ إِنَّمَا ذَاكَ فِي الصَّلَاة الَّتِي اِنْصَرَفْنَا عَنْهَا الْآن , إِنَّمَا ذَاكَ فِي الصَّلَاة . 10346 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ مَنْصُور , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة , قَالَ : الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة . 10347 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر , قَالَ : هِيَ الصَّلَاة . * حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ عَامِر , قَالَ : هِيَ الصَّلَاة . - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْلُهُ : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهه } يَقُول : صَلَاة الصُّبْح وَصَلَاة الْعَصْر . 10348 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : صَلَّى عَبْد الرَّحْمَن فِي مَسْجِد الرَّسُول , فَلَمَّا صَلَّى قَامَ فَاسْتَنَدَ إِلَى حُجْرَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَانْثَالَ النَّاس عَلَيْهِ , فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس إِلَيْكُمْ ! فَقِيلَ : يَرْحَمك اللَّه , إِنَّمَا جَاءُوا يُرِيدُونَ هَذِهِ الْآيَة : { وَاصْبِرْ نَفْسك مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 18 28 فَقَالَ : وَهَذَا عُنِيَ بِهَذَا ! إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَاة . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ الصَّلَاة ; وَلَكِنَّ الْقَوْم لَمْ يَسْأَلُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرْد هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاء عَنْ مَجْلِسه وَلَا تَأْخِيرهمْ عَنْ مَجْلِسه , وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ تَأْخِيرهمْ عَنْ الصَّفِّ الْأَوَّل حَتَّى يَكُونُوا وَرَاءَهُمْ فِي الصَّفّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10349 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } . . . الْآيَة , فَهُمْ أُنَاس كَانُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْفُقَرَاء , فَقَالَ أُنَاس مِنْ أَشْرَاف النَّاس : نُؤْمِن لَك , وَإِذَا صَلَّيْنَا فَأَخِّرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَعَك فَلْيُصَلُّوا خَلْفنَا ! وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى دُعَائِهِمْ كَانَ ذِكْرهمْ اللَّه تَعَالَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10350 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , وَحَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَوْله : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : أَهْل الذِّكْر . 10351 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : هُمْ أَهْل الذِّكْر . - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ إِبْرَاهِيم : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : لَا تَطْرُدهُمْ عَنْ الذِّكْر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ تَعَلُّمهمْ الْقُرْآن وَقِرَاءَته . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10352 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا وَكِيع , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر , قَوْله : { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } 18 28 قَالَ : كَانَ يُقْرِئُهُمْ الْقُرْآن النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِدُعَائِهِمْ رَبّهمْ عِبَادَتهمْ إِيَّاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10353 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ } قَالَ : يَعْنِي : يَعْبُدُونَ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : { لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ } 40 43 يَعْنِي : تَعْبُدُونَهُ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى نَهَى نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُد قَوْمًا كَانُوا يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ; وَالدُّعَاء لِلَّهِ يَكُون بِذِكْرِهِ وَتَمْجِيده وَالثَّنَاء عَلَيْهِ قَوْلًا وَكَلَامًا , وَقَدْ يَكُون بِالْعَمَلِ لَهُ بِالْجَوَارِحِ الْأَعْمَال الَّتِي كَانَ عَلَيْهِمْ فَرْضهَا وَغَيْرهَا مِنْ النَّوَافِل الَّتِي تُرْضِي وَالْعَامِل لَهُ عَابِده بِمَا هُوَ عَامِل لَهُ ; وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون الْقَوْم كَانُوا جَامِعِينَ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلّهَا , فَوَصَفَهُمْ اللَّه بِذَلِكَ بِأَنَّهُمْ يَدْعُونَهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ ; لِأَنَّ اللَّه قَدْ سَمَّى الْعِبَادَة دُعَاء , فَقَالَ تَعَالَى : { وَقَالَ رَبُّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ } 40 60 . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَلَى خَاصّ مِنْ الدُّعَاء , وَلَا قَوْل أَوْلَى بِذَلِكَ بِالصِّحَّةِ مِنْ وَصْف الْقَوْم بِمَا وَصَفَهُمْ اللَّه بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ رَبّهمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ فَيُعَمُّونَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُمْ بِهَا رَبّهمْ وَلَا يُخَصُّونَ مِنْهَا بِشَيْء دُون شَيْء . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : يَا مُحَمَّد أَنْذِرْ الْقُرْآن الَّذِي أَنْزَلْته إِلَيْك , الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ إِلَى رَبّهمْ مَحْشُورُونَ , فَهُمْ مِنْ خَوْف وُرُودهمْ عَلَى اللَّه الَّذِي لَا شَفِيع لَهُمْ مِنْ دُونه وَلَا نَصِير , فِي الْعَمَل لَهُ دَائِبُونَ إِذْ أَعْرَضَ عَنْ إِنْذَارك وَاسْتِمَاع مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْك الْمُكَذِّبُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر مِنْ قَوْمك اِسْتِكْبَارًا عَلَى اللَّه . وَلَا تَطْرُدهُمْ وَلَا تُقْصِهِمْ , فَتَكُون مِمَّنْ وَضَعَ الْإِقْصَاء فِي غَيْر مَوْضِعه فَأَقْصَى وَطَرَدَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرْده وَإِقْصَاؤُهُ , وَقَرَّبَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَقْدِيمه بِقُرْبِهِ يَصْغَر ; فَإِنَّ الَّذِينَ نَهَيْتُك عَنْ طَرْدهمْ هُمْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهمْ فَيَسْأَلُونَ عَفَوْهُ وَمَغْفِرَته لِصَالِحِ أَعْمَالهمْ وَأَدَاء مَا أَلْزَمهُمْ مِنْ فَرَائِضه وَنَوَافِل تَطَوُّعهمْ وَذِكْرهمْ إِيَّاهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ , يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ الْقُرْبَة إِلَى اللَّه وَالدُّنُوّ مِنْ رِضَاهُ . { مَا عَلَيْك مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْء } , يَقُول : مَا عَلَيْك مِنْ حِسَاب مَا رَزَقْتهمْ مِنْ الرِّزْق مِنْ شَيْء , وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حِسَاب مَا رَزَقْتُك مِنْ الرِّزْق مِنْ شَيْء , فَتَطْرُدهُمْ حَذَارِ مُحَاسَبَتِي إِيَّاكَ بِمَا خَوَّلْتهمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الرِّزْق . وَقَوْله : { فَتَطْرُدهُمْ } : جَوَاب لِقَوْلِهِ : { مَا عَلَيْك مِنْ حِسَابهمْ مِنْ شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِك عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْء } . وَقَوْله : { فَتَكُون مِنْ الظَّالِمِينَ } جَوَاب لِقَوْلِهِ : { وَلَا تَطْرُد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ } .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولا تطرد الذين يدعون ربهم} الآية. قال المشركون : ولا نرضى بمجالسة أمثال هؤلاء - يعنون سلمان وصهيبا وبلالا وخبابا - فاطردهم عنك؛ وطلبوا أن يكتب لهم بذلك، فهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، ودعا عليا ليكتب؛ فقام الفقراء وجلسوا ناحية؛ فأنزل الله الآية. ولهذا أشار سعد بقوله في الحديث الصحيح : فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع؛ وسيأتي ذكره. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إنما مال إلى ذلك طمعا في إسلامهم، وإسلام قومهم، ورأى أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئا، ولا ينقص لهم قدرا، فمال إليه فأنزل الله الآية، فنهاه عما همّ به من الطرد لا أنه أوقع الطرد. روى مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : اطرد هؤلاء عنك لا يجترئون علينا؛ قال : وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله عز وجل { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} . قيل : المراد بالدعاء المحافظة على الصلاة المكتوبة في الجماعة؛ قاله ابن عباس ومجاهد والحسن. وقيل : الذكر وقراءة القرآن. ويحتمل أن يريد الدعاء في أول النهار وآخره؛ ليستفتحوا يومهم بالدعاء رغبة في التوفيق. ويختموه بالدعاء طلبا للمغفرة. { يريدون وجهه} أي طاعته، والإخلاص فيها، أي يخلصون في عبادتهم وأعمالهم لله، ويتوجهون بذلك إليه لا لغيره. وقيل : يريدون الله الموصوف بأن له الوجه كما قال { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن : 27] وهو كقوله { والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} [الرعد : 22]. وخص الغداة والعشي بالذكر؛ لأن الشغل غالب فيهما على الناس، ومن كان في وقت الشغل مقبلا على العبادة كان في وقت الفراغ من الشغل أعمل. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يصبر نفسه معهم كما أمره الله في قوله { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم} [الكهف : 28] ، فكان لا يقوم حتى يكونوا هم الذين يبتدئون القيام، وقد أخرج هذا المعنى مبينا مكملا ابن ماجة في سننه عن خباب في قول الله عز وجل { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} إلى قوله { فتكون من الظالمين} قال : جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب، قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين؛ فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم؛ فأتوه فخلوا به وقالوا : إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت؛ قال : (نعم) قالوا : فاكتب لنا عليك كتابا؛ قال : فدعا بصحيفة ودعا عليا - رضي الله عنه - ليكتب ونحن قعود في ناحية؛ فنزل جبريل عليه السلام فقال { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين} ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن؛ فقال { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين} [الأنعام : 53] ثم قال { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة} [الأنعام : 54] قال : فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا؛ فأنزل الله عز وجل { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا} [الكهف : 28] ولا تجالس الأشراف { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} [الكهف : 28] يعني عيينة والأقرع، { واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف : 28] ، أي هلاكا. قال : أمر عيينة والأقرع؛ ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا. قال خباب : فكنا نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم؛ رواه عن أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا عمرو بن محمد العنقزي حدثنا أسباط عن السدي عن أبي سعيد الأزدي وكان قارئ الأزد عن أبي الكنود عن خباب؛ وأخرجه أيضا عن سعد قال : نزلت هذه الآية فينا ستة، في وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال؛ قال : قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم فاطردهم، قال : فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما شاء الله أن يدخل؛ فأنزل الله عز وجل { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} الآية. وقرئ { بالغدوة} وسيأتي بيانه في الكهف إن شاء الله. قوله تعالى { ما عليك من حسابهم من شيء} أي من جزائهم ولا كفاية أرزاقهم، أي جزاؤهم ورزقهم على الله، وجزاؤك ورزقك على الله لا على غيره. { من} الأولى للتبعيض، والثانية زائدة للتوكيد. وكذا { وما من حسابك عليهم من شيء} المعنى وإذا كان الأمر كذلك فأقبل عليهم وجالسهم ولا تطردهم مراعاة لحق من ليس على مثل حالهم في الدين والفضل؛ فإن فعلت كنت ظالما. وحاشاه من وقوع ذلك منه، وإنما هذا بيان للأحكام، ولئلا يقع مثل ذلك من غيره من أهل السلام؛ وهذا مثل قوله { لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر : 65] وقد علم الله منه أنه لا يشرك ولا يحبط عمله. { فتطردهم} جواب النفي. { فتكون من الظالمين} نصب بالفاء في جواب النهي؛ المعنى : ولا تطرد الذين يدعون ربهم فتكون من الظالمين، وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم، على التقديم والتأخير. والظلم أصله وضع الشيء في غير موضعه. وقد حصل من قوة الآية والحديث النهي عن أن يعظم أحد لجاهه ولثوبه، وعن أن يحتقر أحد لخموله ولرثاثة ثوبه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 50 - 52


سورة الانعام الايات 52 - 56

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نعرف أن الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان واستعمره في الأرض، وجعله طارئاً على هذا الوجود الذي أودع الله له فيه كل ما يلزمه من مقومات حياته وإسعاده.

وأراد الحق من البشر أن يكون فيهم استطراق عبودي بحيث لا يوجد متعال على مستضعف، ولا يوجد طاغ على مظلوم، حتى تستقيم حركة الحياة استقامة يعطي فيها كل فرد على قدر ما هيئ له من مواهب. فإذا ما اختل ميزان الاستطراق البشري ردهم الحق سبحانه وتعالى إلى دليل لا يمكن أن يطرأ عليه شك، والدليل هو أنكم أيها البشر تساويتم في أصل الوجود من تراب، وتساويتم في العودة إلى التراب، وتتساوون في موقفكم يوم القيامة للحساب، فلماذا تختلفون في بقية أموركم؟ إن التساوي يجب أن يوجد. وها هوذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص أن تهتدي الأمة وكان يكلف نفسه فوق ما يكلفه به ربه، فيعاتبه ربه لأنه كان يشق على نفسه حرصا على إيمان قومه.

وقد يظن بعض الناس أن عتاب الله لنبيه لتقصير، ونرد على هؤلاء: ليفهم الإنسان منكم هذا اللون من العتاب على وجهه الحقيقي، فهناك فرق بين عتاب لمصلحة المعتاب، وعتاب للومه وتوبيخه؛ لأن المعاتَب خالف وعصى، ونضرب هذا المثل - ولله المثل الأعلى - أنت في يومك العادي إن نظرت إلى ابنك فوجدته يلعب ولا يذهب إلى المدرسة ولا يستذكر دروسه، فأنت تعاتبه وتؤنبه لأنه خالف المطلوب منه، ولكنك إن وجدت ابنك يضع كل طاقته ويصرف ويقضي أوقات راحته في المذاكرة. فأنت تطلب منه ألاّ يكلف نفسه كل هذا العناء، وتخطف منه الكتاب وتقول له: اذهب لتستريح. أنت في هذه الحالة تلومه لمصلحته هو، فكأن اللوم والعتاب له لا عليه. إذن قد حُلّ هذا الإشكال الذي يقولون فيه: إن الله كثيراً ما عاتب رسوله، ونوضح أن الحق قد عاتب الرسول له لا عليه؛ لأن الرسول وجد طريق الإيمان برسالته يسيرا سيرا سهلاً بين الضعفاء، ولكنه شغل نفسه وأجهدها رجاء أن يتذوق المستكبرون المتجبرون حلاوة الإيمان، وجاء في ذلك قول الحق:
{  عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ }
[عبس: 1-7].

إذن فالعتاب هنا لصالح من؟ إنه عتاب لصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحين يقول الحق سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم:
{  يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
[التحريم: 1].

إن الآية تشير إلى أمر أغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فامتنع عن بعض ما ترغب فيه النفس البشرية من أمور حللها الله.والعتاب هنا أيضاً لصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولشدة حرصه صلى الله عليه وسلم على هداية القوم أجمعين، كان يحب أن يعامل الطغاة بشيء من اللين ليتألف قلوبهم. ولكن الطغاة لا يريدون أن يتساووا مع المستضعفين، فقد مرّ الملأ من قريش ووجدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خبّاب بن الأرتّ وصهيباً وبلالاً وعماراً وسلمان الفارسي وهم من المستضعفين، فقالوا: يا محمد رضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منَّ الله عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعا لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم أن نتبعك.

وكأنهم يقولون له: إنك قد اكتفيت بهؤلاء الضعفاء وتركتنا نحن الأقوياء ولن نجلس معك إلا أن تبعد هؤلاء عنك لنجلس، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم ببديهية الإيمان إلا أن قال: ما أنا بطارد المؤمنين. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف أن هناك من أمثالهم من قالوا لغيره من الأنبياء مثل قولهم. فقد قال قوم نوح عليه السلام له ما حكاه القرآن الكريم:
{  فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ }
[هود: 27].

وحاول بعض من أهل الكفر أن يعرضوا موقفاً وسطاً على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إذا نحن جئنا فأقمهم من عندك لنجلس معك فإذا قمنا من عندك فاجعلهم يجلسون. ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الرأي حلا وسطاً يمكن أن يقرب بين وجهات النظر، واستشار صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال عمر: لو فعلت حتى ننظر ما الذي يريدون. وطالب أهل الكفر من أثرياء قريش أن يكتب لهم رسول الله كتاباً بذلك، وجيء بالدواة والأقلام، وقبل الكتابة نزل قول الله: { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ } [الأنعام: 52].

ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحيفة التي جيء بها ليكتبوا عليها كلاماً يفصل بين جلوس سادة قريش إلى مجلس رسول الله وجلوس الضعفاء أتباع رسول الله. والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما مال إلى ذلك من الكتابة طمعا في إسلام هؤلاء المشركين وإسلام قومهم بإسلامهم رحمة بهم وشفقة عليهم، ورأى - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك لا يفوت أصحابه شيئا ولا ينقص لهم قدراً فمال إليه فأنزل الله الآية ونهاه عما همّ به من الطرد، لا لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد أوقع ذلك وطردهم وأبعدهم، ثم دعا بعد ذلك بالضعفاء فأتوه.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يجلس مع المستضعفين، وإن أحب - صلى الله عليه وسلم - أن يقوم من المجلس قام، ولكن الله أراده أن يكرم هؤلاء القوم المستضعفين بعد أن نهاه عن طردهم، وأن يكرمهم سبحانه بما أُهيجوا فيه، وجاء أمر إلهي آخر بألا يقوم رسول الله من مجلسه مع المستضعفين حتى يقوموا هم، فقال الحق تبارك وتعالى:
{  وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً }
[الكهف: 28].

وعندما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أصبر نفسي معهم ".

وبهذا القول الكريم أراد الحق سبحانه وتعالى إكرام الضعفاء والمستضعفين. ويقول سلمان الفارسي وخباب بن الأرت فينا نزلت، فكان - رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقعد معنا ويدنو منا حتى تمس ركبتنا ركبته، وكان يقوم عنا إذا أراد القيام فنزلت: { وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم } فترك القيام عنا إلى أن نقوم فكنا نعرف ذلك ونعجله القيام. أي أنهم هم الذين كانوا يقومون أولاً من مجلس رسول الله، فقول الحق: { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } هذا هو قول الله - سبحانه - أمر به رسول الله ومأمور به كذلك كل إنسان من بعد رسول الله، وفي هذا قمة التكريم للدائمين على ذكر الله من المستضعفين؛ لأنهم أهل محبة الإيمان وهم الذين سبقوا إليه.

وها هوذا أحد خلفاء المسلمين وقد جاءه صناديد العرب الذين أسلموا، واستأذنوا في الدخول إليه، فلم يأذن لهم حتى أذن لضعفاء المسلمين. فورم أنف كل واحد من هؤلاء الصناديد وقالوا:

- أيأذن لهؤلاء ويتركنا نحن؟ لقد صرنا مسلمين. فقال قائل منهم يفهم ويفقه أمر الدين: أكلكم ورم أنفه أن يؤذن لهؤلاء قبلكم، لقد دعوا فأجابوا، ودعيتم فتباطأتم، فكيف بكم إذا دعوا إلى دخول الجنة وأُبطئ دخولكم.

إنّ هؤلاء الضعفاء يريدون بالطاعة وجه الله، وكلمة " وجه الله " تدل على أن الإيمان قد أُشْرِب في قلوبهم، وأنهم جاءوا إلى الإيمان فِراراً بدينهم من ظلم الظالمين وطغيان الطغاة الذين كانوا يريدونهم على الكفر والضلال. إنهم قد حلا لهم الإيمان، وحلا لهم وجه الله، وحلا لهم أن يؤجل لهم كل الثواب إلى الآخرة.

وحين نسمع قول الحق: { يُرِيدُونَ وَجْهَهُ } فهذا وصف لله بأنّه - جل شأنه - له وجه، ونطبق في هذه الحالة ما نطبقه إذا سمعنا وصفاً لله، إننا نأخذ الوصف في إطار قوله الحق: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ }.ويطلق الوجه ويراد به الذات، لأن الوجه هو السمة المميزة للذوات. فأنت إن قابلت أناساً قد غطوا وجوههم واستغشوا ثيابهم وستروا بها رءوسهم فلن تستطيع التمييز بينهم.

ويقال: فلان قابل وجوه القوم. أي التقى بالكبار في القوم. والحق سبحانه وتعالى يقول: { كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } ، ويقول الحق سبحانه: { مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ } وفي هذا القول حرص على كرامة المستضعفين؛ فقد يقول قائل:

لقد استجار هؤلاء الضعفاء بالدين حتى يفروا من ظلم الظالمين وليس حباً في الدين، فيوضح الحق: ليس هذا عملك، وليس لك إلا أن تأخذ ظاهر أعمالهم وأن تكل سرائرهم إلى الله.

{ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ } [الأنعام: 52].

وكأن الحق يوضح لرسوله: لو كان عليك من حسابهم شيء لجاز لك أن تطردهم، ولكن أنت يا رسول الله تعلم أن كل واحد مجْزىٌّ بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وقد أنزل الله عليك القول الحق: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ }.

إذن فلكل إنسان كتابه. قد سطر وسجّل فيه عمله ويجازي بمقتضى هذا، ويقول الحق من بعد ذلك: { وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ... }

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ...} الآية. [52].
أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن أحمد بن جعفر، قال: أخبرنا زاهر بن أحمد، قال: أخبرنا الحسين بن محمد بن مُصْعَبْ، قال: حدَّثنا يحيى بن حكيم، قال: حدَّثنا أبوداود، قال: حدَّثنا قيس بن الرَّبيع، عن المِقْدام بن شريح، عن أبيه: عن سعد، قال:
نزلت هذه الآية فينا ستة: فيّ، وفي ابن مسعود، وصُهَيب، وعمَّار، والمِقْدَاد، وبلال؛ قالت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا لا نرضى أن نكون أتباعاً لهؤلاء فاطردهم [عنك]. فدخل قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فأنزل الله تعالى عليه: { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ...} الآية. رواه مسلم عن زهير بن حرب، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن المقدام.
أخبرنا أبو عبد الرحمن، قال: أخبرنا أبو بكر بن [أبي] زكريا الشيباني، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا أبو صالح الحسين بن الفرج، قال: حدَّثنا محمد بن مقاتل المَرْوَزِي، قال: حدَّثنا حكيم بن زيد، قال: حدَّثنا السّدّي، عن أبي سعيد، عن أبي الكنود، عن خَبَّاب بن الأرت، قال:
فينا نزلت، كنا ضعفاء عند النبي صلى الله عليه وسلم بالغداة والعشي، فعلَّمنا القرآن والخير، وكان يخوفنا بالجنة والنار، وما ينفعنا وبالموت والبعث؛ فجاء الأَقْرَع بن حَابِس التَّمِيميّ وَعُيَيْنَة بن حِصْن الفَزَارِي، فقالا: إنا من أشراف قومنا وإنا نكره وأن يرونا معهم، فاطردهم إذا جالسناك. قال: نعم، قالوا: لا نرضى حتى نكتب بيننا كتاباً، فأتى بأَدِيمِ ودواة، فنزلت هؤلاء الآيات: { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} إلى قوله تعالى: { وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} .
أخبرنا أبو بكر الحارثي، قال: أخبرنا أبو محمد بن حيان، قال: حدَّثنا أبو يحيى الرَّازِي: قال: حدَّثنا سهل بن عثمان، قال: حدَّثنا أسباط بن محمد، عن أشعث، عن كُرْدُوس، عن ابن مسعود، قال:
مر الملأْ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده خباب بن الأَرَتّ وصُهَيب وبلال وعمّار، فقالوا: يا محمد، رضيت بهؤلاء؟ أتريد أن نكون تبعاً لهؤلاء؟ فأنزل الله تعالى: { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} .
وبهذا الإسناد قال: حدَّثنا عبيد الله عن [أبي] جعفر، عن الرّبيع قال:
كان رجال يسبقون إلى مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم بلال [وعمار] وصهيب وسلمان، فيجيء أشراف قومه وسادتهم وقد أخذ هؤلاء المجلس فيجلسون إليه. فقالوا: صهيب رومي وسلمان فارسي، وبلال حبشي؛ يجلسون عنده ونحن نجيء فنجلس ناحية! وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنا سادة قومك وأشرافهم، فلو أدنيتنا منك إذا جئنا. فهمّ أن يفعل، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عكرمة: جاء عُتْبَة بن ربيعة، وشَيْبة بن ربيعة، ومُطْعِم بن عَدِي، والحارث بن نَوْفَل، في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر، إلى أبي طالب فقالوا: لو أن ابن أخيك محمداً يطرد عنه مَوَالينا وعبيدنا وعُسَفَائنَا - كان أعظم في صدورنا، وأطوع له عندنا، وأدنى لاتباعنا إياه وتصديقنا له. فأتى أبو طالب النبي صلى الله عليه وسلم، فحدثه بالذي كلموه، فقال عمر بن الخطاب: لو فَعَلْتَ ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون؟ وإلام يصيرون من قولهم؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية. فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب يعتذر من مقالته.


www.alro7.net