سورة
اية:

وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ

تفسير بن كثير

يقول اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : { قل لا أقول لكم عندي خزائن اللّه} أي لستُ أملكها ولا أتصرف فيها، { ولا أعلم الغيب} أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم اللّه عزَّ وجلَّ، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، { ولا أقول لكم إني ملك} أي ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر يوحى إليَّ من اللّه عزَّ وجلَّ شرفني بذلك وأنعم عليّ به، ولهذا قال: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه، { قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه فلم ينقد له { أفلا تتفكرون} ؟ وهذه كقوله تعالى: { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب} وقوله: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} أي وأنذر بهذا القرآن يا محمد، { الذين هم من خشية ربهم مشفقون} ، { الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} ، { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} أي يوم القيامة { ليس لهم} أي يومئذ { من دونه ولي ولا شفع} أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم { لعلهم يتَّقون} أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا اللّه عزَّ وجلَّ { لعلهم يتقون} فيعملون في هذه الدار عملاً ينجيهم اللّه به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه، وقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أي لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كقوله: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} ، وقوله: { يدعون ربهم} أي يعبدونه ويسألونه { بالغداة والعشي} قال سعيد بن المسيب: المراد به الصلاة المكتوبة وهو قول مجاهد والحسن وقتادة وهذا كقوله: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} أي أتقبل منكم، وقوله: { يريدون وجهه} أي يريدون بذلك العمل وجه اللّه الكريم وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات، وقوله: { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} كقول نوح عليه السلام في جواب الذين قالوا: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} ، { وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} أي إنما حسابهم على اللّه عزَّ وجلَّ، وليس عليّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء وقوله: { فتطردهم فتكون من الظالمين} أي إن فعلت هذا والحالة هذه. روى ابن جرير عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد: أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منَّ اللّه عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك، فنزلت هذه الآية: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ، { وكذلك فتنا بعضهم ببعض} إلى آخر الآية، وقال ابن أبي حاتم عن خباب في قول اللّه عزَّ وجلَّ: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى اللّه عليه وسلم حقّروهم في نفر من أصحابه فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا: فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: (نعم)، قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم} الآية، فرمى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه ""أخرجه ابن أبي حاتم ورواه ابن جرير أيضاً من حديث أسباط بن نصر""وقال سعد نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم، منهم ابن مسعود قال: كنا نستبق إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وندنو منه، فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا، فنزلت: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} ""رواه الحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين وأخرجه ابن حبان في صحيحه""وقوله تعالى: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض} أي ابتلينا واختبرنا، وامتحنا بعضهم ببعض { ليقولوا أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا} ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} الآية، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل فقال له فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا؟ أي ما كان اللّه ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيراً ويدعنا كقولهم: { لو كان خيراً ما سبقونا إليه،} وكقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً} قال اللّه تعالى في جواب ذلك: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئيا} ، وقال في جوابهم حين قالوا: { أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا} { أليس اللّه بأعلم بالشاكرين} ؟ أي أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن اللّه لمع المحسنين} وفي الحديث الصحيح: (إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ""أخرجه مسلم بلفظ: (إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم..)الحديث."" وقوله تعالى: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} أي فأكرمهم برد السلام عليهم وبشرهم برحمة اللّه الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال: { كتب ربكم على نفسه الرحمة} أي أوجبها على نفسه الكريمة تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً { أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة} ، قال بعض السلف: كل من عصى اللّه فهو جاهل وقال بعضهم: الدنيا كلها جهالة: { ثم تاب من بعده وأصلح} أي رجع عما كان عليه من المعاصي وأقلع، وعزم على أن لا يعود وأصلح العمل في المستقبل { فإنه غفور رحيم} قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لما قضى اللّه على الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي) أخرجاه في الصحيحين.

تفسير الجلالين

{ وأنذر } خوِّف { به } أي القرآن { الذين يخافون أن يُحشروا إلى ربِّهم ليس لهم من دونه } أي غيره { ولي } ينصرهم { ولا شفيع } يشفع لهم وجملة النفي حال من ضمير يحشروا وهي محل الخوف والمراد بهم العاصون { لعلهم يتقون } الله بإقلاعهم عما هم فيه وعمل الطاعات .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبّهمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونه وَلِيّ وَلَا شَفِيع لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَأَنْذِرْ } يَا مُحَمَّد بِالْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك الْقَوْم { الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبّهمْ } عِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِن فَهُمْ مُصَدِّقُونَ بِوَعْدِ اللَّه وَوَعِيده , عَامِلُونَ بِمَا يُرْضِي اللَّه , دَائِمُونَ فِي السَّعْي فِيمَا يُنْقِذهُمْ فِي مَعَادهمْ مِنْ عَذَاب اللَّه . { لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونه وَلِيّ } أَيْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه إِنْ عَذَّبَهُمْ وَلِيّ يَنْصُرهُمْ فَيَسْتَنْقِذهُمْ مِنْهُ . { وَلَا شَفِيع } يَشْفَع لَهُمْ عِنْد اللَّه تَعَالَى فَيُخَلِّصهُمْ مِنْ عِقَابه . { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يَقُول : أَنْذِرْهُمْ كَيْ يَتَّقُوا اللَّه فِي أَنْفُسهمْ , فَيُطِيعُوا رَبّهمْ وَيَعْمَلُوا لِمَعَادِهِمْ , وَيَحْذَرُوا سَخَطه بِاجْتِنَابِ مَعَاصِيه . وَقِيلَ : { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا } وَمَعْنَاهُ : يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ , فَوُضِعَتْ " الْمَخَافَة " مَوْضِع " الْعِلْم " ; لِأَنَّ خَوْفهمْ كَانَ مِنْ أَجْل عِلْمهمْ بِوُقُوعِ ذَلِكَ وَوُجُوده مِنْ غَيْر شَكّ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ . وَهَذَا أَمْر مِنْ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَعْلِيمِ أَصْحَابه مَا أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْهِ مِنْ وَحْيه وَتَذْكِيرهمْ وَالْإِقْبَال عَلَيْهِمْ بِالْإِنْذَارِ وَصَدّه عَنْ الْمُشْرِكِينَ بِهِ بَعْد الْإِعْذَار إِلَيْهِمْ وَبَعْد إِقَامَة الْحُجَّة عَلَيْهِمْ , حَتَّى يَكُون اللَّه هُوَ الْحَاكِم فِي أَمْرهمْ بِمَا يَشَاء مِنْ الْحُكْم فِيهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبّهمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونه وَلِيّ وَلَا شَفِيع لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَأَنْذِرْ } يَا مُحَمَّد بِالْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك الْقَوْم { الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبّهمْ } عِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِن فَهُمْ مُصَدِّقُونَ بِوَعْدِ اللَّه وَوَعِيده , عَامِلُونَ بِمَا يُرْضِي اللَّه , دَائِمُونَ فِي السَّعْي فِيمَا يُنْقِذهُمْ فِي مَعَادهمْ مِنْ عَذَاب اللَّه . { لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونه وَلِيّ } أَيْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه إِنْ عَذَّبَهُمْ وَلِيّ يَنْصُرهُمْ فَيَسْتَنْقِذهُمْ مِنْهُ . { وَلَا شَفِيع } يَشْفَع لَهُمْ عِنْد اللَّه تَعَالَى فَيُخَلِّصهُمْ مِنْ عِقَابه . { لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } يَقُول : أَنْذِرْهُمْ كَيْ يَتَّقُوا اللَّه فِي أَنْفُسهمْ , فَيُطِيعُوا رَبّهمْ وَيَعْمَلُوا لِمَعَادِهِمْ , وَيَحْذَرُوا سَخَطه بِاجْتِنَابِ مَعَاصِيه . وَقِيلَ : { وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا } وَمَعْنَاهُ : يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يُحْشَرُونَ , فَوُضِعَتْ " الْمَخَافَة " مَوْضِع " الْعِلْم " ; لِأَنَّ خَوْفهمْ كَانَ مِنْ أَجْل عِلْمهمْ بِوُقُوعِ ذَلِكَ وَوُجُوده مِنْ غَيْر شَكّ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ . وَهَذَا أَمْر مِنْ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَعْلِيمِ أَصْحَابه مَا أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْهِ مِنْ وَحْيه وَتَذْكِيرهمْ وَالْإِقْبَال عَلَيْهِمْ بِالْإِنْذَارِ وَصَدّه عَنْ الْمُشْرِكِينَ بِهِ بَعْد الْإِعْذَار إِلَيْهِمْ وَبَعْد إِقَامَة الْحُجَّة عَلَيْهِمْ , حَتَّى يَكُون اللَّه هُوَ الْحَاكِم فِي أَمْرهمْ بِمَا يَشَاء مِنْ الْحُكْم فِيهِمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وأنذر به} أي بالقرآن. والإنذار الإعلام وقيل { به} أي بالله. وقيل : باليوم الآخر. وخص { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} لأن الحجة عليهم أوجب، فهم خائفون من عذابه، لا أنهم يترددون في الحشر؛ فالمعنى { يخافون} يتوقعون عذاب الحشر. وقيل { يخافون} يعلمون، فإن كان مسلما أنذر ليترك المعاصي، وإن كان من أهل الكتاب أنذر ليتبع الحق. وقال الحسن : المراد المؤمنون. قال الزجاج : كل من أقر بالبعث من مؤمن وكافر. وقيل : الآية في المشركين أي أنذرهم بيوم القيامة. والأول أظهر. { ليس لهم من دونه} أي من غير الله { شفيع} هذا رد على اليهود والنصارى في زعمهما أن أباهما يشفع لهما حيث قالوا { نحن أبناء الله وأحباؤه} [المائدة : 18] والمشركون حيث جعلوا أصنامهم شفعاء لهم عند الله، فأعلم الله أن الشفاعة لا تكون للكفار. ومن قال الآية في المؤمنين قال : شفاعة الرسول لهم تكون بإذن الله فهو الشفيع حقيقة إذن؛ وفي التنزيل { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء : 28]. { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ : 23]. { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة : 255]. { لعلهم يتقون} أي في المستقبل وهو الثبات على الإيمان.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 50 - 52

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي أنذر بالوحي - الذي تتبعه - هؤلاء الذين يخشون يوم اللقاء مع الله. والإنذار - كما نعلم - هو إعلام بشيء مخيف قبل وقوعه لنتفادى أن يقع. وما المراد بهؤلاء الذين يطلب الحق من رسوله إنذارهم بالوحي، في أول الإسلام كان إقبال بعض المؤمنين على العمل الإيماني ضعيفاً، وما دام في قلوبهم إيمان، ويخشون لقاء الله فالوحي إنذار لهم بضرورة العمل الإيماني الجاد. كما يجوز أن يكون الإنذار بالوحي لأهل الكتاب؛ لأنهم يعرفون أن هناك يوماً آخر سيلقون فيه الله. وقد يكون الإنذار لإنسان يؤمن بالبعث ولكنه يشك في الأنبياء وشفاعتهم، فهذا الصنف قد يحمله التخويف والإنذار إلى أن يعيد النظر في قضية الإيمان ويتقبل النبأ الصدق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولنا أن نأخذ الإنذار بالوحي على أي وجه من الوجوه السابقة. ولكن هل يخاف المؤمن أن يحشر إلى الله؟ لا. إن المؤمن إنما يخاف أن يحشر مجرداً من الولي والناصر. إذ في الحقيقة ليس هناك أحد يحمي وينصر من الله، ولا شفيع يخلص من عذاب الله إلا بإذنه { مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } وهذا ما يعتقده المؤمنون.

وقد حدد الحق ذلك في قوله: { لَيْسَ لَهُمْ مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } [الأنعام: 51].

إنهم هم المؤمنون الذين آمنوا بالله، وبرسوله ولكنهم قصروا في بعض المطلوبات والتكاليف التي ينطوي عليها قوله الحق: { فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ }

هؤلاء المؤمنون عندما يجيئهم الإنذار فهم قد يصلحون من أمورهم خوفاً من الحشر بدون ولي ولا شفيع. المؤمن - إذن - له أمل أن يكون يوم الحشر في ولاية الله ورحمته، وهؤلاء هم من قال عنهم الحق:
{  وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }
[التوبة: 102].

وإن كانت الآية الكريمة تتناول وتشمل غيرهم من أهل الكتاب وتشمل وتضم أيضا الذين يؤمنون بالبعث ولكنهم لم يتبعوا أنبياء.

ويقول الحق من بعد ذلك: { وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ... }


www.alro7.net