سورة
اية:

وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن فرعون وتمرده وعتوه، إنه جمع قومه فنادى فيهم متبجحاً مفتخراً بملك مصر وتصرفه فيها: { أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} ؟ قال قتادة: قد كانت لهم جنات وأنهار ماء { أفلا تبصرون} ؟ أي أفلا ترون ما أنا فيه من العظمة والملك؟ يعني موسى وأتباعه فقراء ضعفاء، وقوله: { أم أنا خير من هذا الذي هو مهين} قال السدي: يقول: بل أنا خير من هذا الذي هو مهين، وهكذا قال بعض نحاة البصرة: إن (أم) ههنا بمعنى (بل) يعني فرعون لعنه اللّه بذلك أنه خير من موسى عليه الصلاة والسلام، وقد كذب في قوله هذا كذباً بيناً واضحاً، ويعني بقوله { مهين} حقير، وقال قتادة: يعني ضعيف، وقال ابن جرير: يعني لا ملك له ولا سلطان ولا مال، { ولا يكاد يبين} يعني لا يكاد يفصح عن كلامه عييّ حصر، قال السدي: أي لا يكاد يُفْهم، وقال قتادة: يعني عييّ اللسان، وقال سفيان: يعني في لسانه شيء من الجمرة حين وضعها في فمه وهو صغير، وهذا الذي قاله فرعون لعنه اللّه كذب واختلاق، وإنما حمله على هذا الكفر والعناد، فهو ينظر إلى موسى بعين كافرة شقية، وقد كان موسى عليه السلام من الجلالة والعظمة والبهاء، في صورة يبهر أبصار ذوي الألباب، وقوله: { مهين} كذب بل هو المهين الحقير، وموسى هو الشريف الصادق البار الراشد، وقوله: { ولا يكاد يبين} افتراء أيضاً، فإنه وإن كان قد أصاب لسانه في حال صغره شيء من جهة تلك الجمرة، فقد سأل اللّه عزَّ وجلَّ أن يحل عقدة من لسانه ليفقهوا قوله، وقد استجاب اللّه تبارك وتعالى له ذلك في قوله: { قد أوتيت سؤلك يا موسى} وبتقدير أن يكون قد بقي شيء لم يسأل إزالته كما قاله الحسن البصري، وإنما سأل زوال ما يحصل معه الإبلاغ والإفهام، وفرعون وإن كان يفهم وله عقل فهو يدري هذا، وإنما أراد الترويج على رعيته فإنهم كانوا جهلة أغبياء، وهكذا قوله: { فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب} وهي ما يجعل في الأيدي من الحُليِّ { أو جاء معه الملائكة مقترنين} أي يكتنفونه خدمة له، ويشهدون بتصديقه، نظر إلى الشكل الظاهر، ولم يفهم السر المعنوي الذي هو أظهر مما نظر إليه لو كان يفهم، ولهذا قال تعالى: { فاستخف قومه فأطاعوه} أي استخف عقولهم فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له { إنهم كانوا قوماً فاسقين} . قال اللّه تعالى: { فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} ، قال ابن عباس: { آسفونا} أسخطونا، وعنه: أغضبونا وهو قول مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والسدي وغيرهم من المفسرين ، روى ابن أبي حاتم، عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إذا رأيت اللّه تبارك وتعالى يعطي العبد ما يشاء وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك استدراج منه له) ثم تلا صلى اللّه عليه وسلم: { فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} ""أخرجه ابن أبي حاتم عن عقبة بن عامر مرفوعاً"". وقال طارق بن شهاب: كنت عند عبد اللّه رضي اللّه عنه فذكر عنده موت الفجأة، فقال: تخفيف على المؤمن وحسرة على الكافر، ثم قرأ رضي اللّه عنه: { فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} ، وقال عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه: وجدت النقمة مع الغفلة يعني قوله تبارك وتعالى: { فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين} وقوله سبحانه وتعالى: { فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين} قال أبو مجلز: { سلفاً} لمثل من عمل بعملهم، { ومثلا} أي عبرة لمن بعدهم.

تفسير الجلالين

{ ونادى فرعون } افتخاراً { في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار } من النيل { تجري من تحتي } أي تحت قصوري { أفلا تبصرون } عظمتي .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنَادَى فِرْعَوْن فِي قَوْمه قَالَ يَا قَوْم أَلَيْسَ لِي مُلْك مِصْر وَهَذِهِ الْأَنْهَار تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَنَادَى فِرْعَوْن فِي قَوْمه } مِنَ الْقِبْط , فَ { قَالَ يَا قَوْم أَلَيْسَ لِي مُلْك مِصْر وَهَذِهِ الْأَنْهَار تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مِنْ تَحْتِي } : مِنْ بَيْن يَدَيَّ فِي الْجِنَان . كَمَا : 23894 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَهَذِهِ الْأَنْهَار تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } قَالَ : كَانَتْ لَهُمْ جَنَّات وَأَنْهَار مَاء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَنَادَى فِرْعَوْن فِي قَوْمه قَالَ يَا قَوْم أَلَيْسَ لِي مُلْك مِصْر وَهَذِهِ الْأَنْهَار تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَنَادَى فِرْعَوْن فِي قَوْمه } مِنَ الْقِبْط , فَ { قَالَ يَا قَوْم أَلَيْسَ لِي مُلْك مِصْر وَهَذِهِ الْأَنْهَار تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مِنْ تَحْتِي } : مِنْ بَيْن يَدَيَّ فِي الْجِنَان . كَمَا : 23894 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَهَذِهِ الْأَنْهَار تَجْرِي مِنْ تَحْتِي } قَالَ : كَانَتْ لَهُمْ جَنَّات وَأَنْهَار مَاء . ' وَقَوْله : { أَفَلَا تُبْصِرُونَ } يَقُول : أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَيّهَا الْقَوْم مَا أَنَا فِيهِ مِنَ النَّعِيم وَالْخَيْر , وَمَا فِيهِ مُوسَى مِنَ الْفَقْر وَعِيّ اللِّسَان , افْتَخَرَ بِمُلْكِهِ مِصْر عَدُوّ اللَّه , وَمَا قَدْ مُكِّنَ لَهُ مِنْ الدُّنْيَا اسْتِدْرَاجًا مِنْ اللَّه لَهُ , وَحَسِبَ أَنَّ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ نَالَهُ بِيَدِهِ وَحَوْله , وَأَنَّ مُوسَى إِنَّمَا لَمْ يَصِل إِلَى الَّذِي يَصِفهُ , فَنَسَبَهُ مِنْ أَجْل ذَلِكَ إِلَى الْمَهَانَة مُحْتَجًّا عَلَى جَهَلَة قَوْمه بِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَوْ كَانَ مُحِقًّا فِيمَا يَأْتِي بِهِ مِنَ الْآيَات وَالْعِبَر , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سِحْرًا , لَأَكْسَبَ نَفْسه مِنْ الْمُلْك وَالنِّعْمَة , مِثْل الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ جَهْلًا بِاللَّهِ وَاغْتِرَارًا مِنْهُ بِإِمْلَائِهِ إِيَّاهُ .وَقَوْله : { أَفَلَا تُبْصِرُونَ } يَقُول : أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَيّهَا الْقَوْم مَا أَنَا فِيهِ مِنَ النَّعِيم وَالْخَيْر , وَمَا فِيهِ مُوسَى مِنَ الْفَقْر وَعِيّ اللِّسَان , افْتَخَرَ بِمُلْكِهِ مِصْر عَدُوّ اللَّه , وَمَا قَدْ مُكِّنَ لَهُ مِنْ الدُّنْيَا اسْتِدْرَاجًا مِنْ اللَّه لَهُ , وَحَسِبَ أَنَّ الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ نَالَهُ بِيَدِهِ وَحَوْله , وَأَنَّ مُوسَى إِنَّمَا لَمْ يَصِل إِلَى الَّذِي يَصِفهُ , فَنَسَبَهُ مِنْ أَجْل ذَلِكَ إِلَى الْمَهَانَة مُحْتَجًّا عَلَى جَهَلَة قَوْمه بِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام لَوْ كَانَ مُحِقًّا فِيمَا يَأْتِي بِهِ مِنَ الْآيَات وَالْعِبَر , وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سِحْرًا , لَأَكْسَبَ نَفْسه مِنْ الْمُلْك وَالنِّعْمَة , مِثْل الَّذِي هُوَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ جَهْلًا بِاللَّهِ وَاغْتِرَارًا مِنْهُ بِإِمْلَائِهِ إِيَّاهُ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا} لما أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أنه منتقم له من عدوه وأقام الحجة باستشهاد الأنبياء واتفاق الكل على التوحيد أكد ذلك قصة موسى وفرعون، وما كان من فرعون من التكذيب، وما نزل به وبقومه من الإغراق والتعذيب : أي أرسلنا موسى بالمعجزات وهي التسع الآيات فكذب؛ فجعلت العاقبة الجميلة له، فكذلك أنت. ومعنى { يضحكون} استهزاء وسخرية؛ يوهمون أتباعهم أن تلك الآيات سحر وتخيل، وأنهم قادرون عليها. وقوله: { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها} أي كانت آيات موسى من أكبر الآيات، وكانت كل واحدة أعظم مما قبلها. وقيل { إلا وهي أكبر من أختها} لأن الأولى تقتضي علما والثانية تقتضي علما، فتضم الثانية إلى الأولى فيزداد الوضوح، ومعنى الأخوة المشاكلة المناسبة؛ كما يقال : هذه صاحبة هذه؛ أي قريبتان في المعنى. { وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون} أي على تكذيبهم بتلك الآيات؛ وهو كقوله تعالى: { ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات} [الأعراف : 130]. والطوفان والجراد والقمل والضفادع. وكانت هذه الآيات الأخيرة عذابا لهم وآيات لموسى. { لعلهم يرجعون} من كفرهم. قوله تعالى: { وقالوا يا أيها الساحر} لما عاينوا العذاب قالوا يا أيها الساحر؛ نادوه بما كانوا ينادونه به من قبل ذلك على حسب عادتهم. وقيل : كانوا يسمون العلماء سحرة فنادوه بذلك على سبيل التعظيم. قال ابن عباس: { يا أيها الساحر} يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم عظيما يوقرونه؛ ولم يكن السحر صفة ذم. وقيل : يا أيها الذي غلبنا بسحره؛ يقال : ساحرته فسحرته؛ أي غلبته بالسحر؛ كقول العرب : خاصمته فخصمته أي غلبته بالخصومة، وفاضلته ففضلته، ونحوها. ويحتمل أن يكون أرادوا به الساحر على الحقيقة على معنى الاستفهام، فلم يلمهم على ذلك رجاء أن يؤمنوا. وقرأ ابن عامر وأبو حيوة ويحيى بن ثابت { وأيهُ الساحر} بغير ألف والهاء مضمومة؛ وعلتها أن الهاء خلطت بما قبلها وألزمت ضم الياء الذي أوجبه النداء المفرد. وأنشد الفراء : يأيه القلب اللجوج النفس ** أفق عن البيض الحسان اللُّعس فضم الهاء حملا على ضم الياء؛ وقد مضى في { النور} معنى هذا. ووقف أبو عمرو وابن أبي إسحاق ويحيى والكسائي { أيها} بالألف على الأصل. الباقون بغير ألف؛ لأنها كذلك وقعت في المصحف. { ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون} { ادع لنا ربك بما عهد عندك} أي بما أخبرنا عن عهده إليك إنا إن آمنا كشف عنا؛ فسله يكشف عنا { إننا لمهتدون} أي فيما يستقبل. { فلما كشفنا عنهم العذاب} أي فدعا فكشفنا. { إذا هم ينكثون} أي ينقضون العهد على أنفسهم فلم يؤمنوا. وقيل : قولهم: { إننا لمهتدون} إخبار منهم عن أنفسهم بالإيمان؛ فلما كشف عنهم العذاب ارتدوا. قوله تعالى: { ونادى فرعون في قومه} قيل : لما رأى تلك الآيات خاف ميل القوم إليه فجمع قومه فقال : فنادى بمعنى قال؛ قاله أبو مالك. فيجوز أن يكون عنده عظماء القبط فرفع صوته بذلك فيما بينهم ثم ينشر عنه في جموع القبط؛ وكأنه نودي بينهم. وقيل : إنه أمر من ينادي في قومه؛ قاله ابن جريج. { قال يا قوم أليس لي ملك مصر} أي لا ينازعني فيه أحد. قيل : إنه ملك منها أربعين فرسخا في مثلها؛ حكاه النقاش. وقيل أراد بالملك هنا الإسكندرية. { وهذه الأنهار تجري من تحتي} يعني أنهار النيل، ومعظمها أربعة : نهر الملك ونهر طولون ونهر دمياط ونهر تنيس. وقال قتادة : كانت جنانا وأنهارا تجري من تحت قصوره. وقيل : من تحت سريره. وقيل: { من تحتي} قال القشيري : ويجوز ظهور خوارق العادة على مدعي الربوبية؛ إذ لا حاجة في التمييز الإله من غير الإله إلى فعل خارق للعادة. وقيل معنى: { وهذه الأنهار تجري من تحتي} أي القواد والرؤساء والجبابرة يسيرون من تحت لوائي؛ قاله الضحاك. وقيل : أراد بالأنهار الأموال، وعبر عنها بالأنهار لكثرتها وظهورها. وقوله: { تجري من تحتي} أي أفرقها على من يتبعني؛ لأن الترغيب والقدرة في الأموال دون الأنهار. { أفلا تبصرون} عظمتي وقوتي وضعف موسى. وقيل : قدرتي على نفقتكم وعجز موسى. والواو في { وهذه} يجوز أن تكون عاطفة للأنهار على { ملك مصر} و { تجري} نصب على الحال منها. ويجوز أن تكون واو الحال، واسم الإشارة مبتدأ، و { الأنهار} صفة لاسم الإشارة، و { تجري} خبر للمبتدأ. وفتح الياء من { تحتي} أهل المدينة والبزي وأبو عمرو، وأسكن الباقون. وعن الرشيد أنه لما قرأها قال : لأولينها أحسن عبيدي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه. وعن عبدالله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها شارفها ووقع عليها بصره قال : أهذه القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال: { أليس لي ملك مصر} ؟ ! والله لهي عندي أقل من أن أدخلها ! فثنى عنانه. ثم صرح بحاله فقال: { أم أنا خير} قال أبو عبيدة السدي { أم} بمعنى { بل} وليست بحرف عطف؛ على قول أكثر المفسرين. والمعنى : قال فرعون لقومه بل أنا خير { من هذا الذي هو مهين} أي لا عزله فهو يمتهن نفسه في حاجاته لحقارته وضعفه { ولا يكاد يبين} يعني ما كان في لسانه من العقدة؛ على ما تقدم في { طه} وقال الفراء : في { أم} وجهان : إن شئت جعلتها من الاستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله، وإن شئت جعلتها نسقا على قوله: { أليس لي ملك مصر} . وقيل : هي زائدة. وروى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون { أم} زائدة؛ والمعنى أنا خير من هذا الذي هو مهين. وقال الأخفش : في الكلام حذف، والمعنى : أفلا تبصرون أم تبصرون؛ كما قال : أيا ظبية الوعساء بين جلاجل ** وبين النقا آأنت أم أم سالم أي أنت أحسن أم أم سالم. ثم ابتداء فقال : (أنا خير). وقال الخليل وسيبويه : المعنى { أفلا تبصرون} ، أم أنتم بصراء، فعطف بـ { أم} على { أفلا تبصرون} لأن معنى { أم أنا خير} أم أي تبصرون؛ وذلك أنهم إذا قالوا له أنت خير منه كانوا عنده بصراء. وروي عن عيسى الثقفي ويعقوب الحضرمي أنهما وقفا على { أم} على أن يكون التقدير أفلا تبصرون أم تبصرون؛ فحذف تبصرون الثاني. وقيل من وقف على { أم} جعلها زائدة، وكأنه وقف على { تبصرون} من قوله: { أفلا تبصرون} . ولا يتم الكلام على { تبصرون} عند الخليل وسيبويه؛ لأن { أم} تقتضي الاتصال بما قبلها. وقال قوم : الوقف على قوله: { أفلا تبصرون} ثم ابتدأ { أم أنا خير} بمعنى بل أنا؛ وأنشد الفراء : بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ** وصورتها أم أنت في العين أملح فمعناه : بل أنت أملح. وذكر الفراء أن بعض القراء قرأ : { أما أنا خير} ؛ ومعنى هذا ألست خيرا. وروي عن مجاهد أنه وقف على { أم} ثم يبتدئ { أنا خير} وقد ذكر.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الزخرف الايات 46 - 51


سورة الزخرف الايات 51 - 59

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هنا يشعر فرعون بالخطر، وتهتز مكانته أمام قومه، يشعر أن موسى يسحب البساط من تحت قدميه حيث تتجه إليه الأنظار خاصة بعد حادثة السحرة الذي آمنوا بربِّ هارون وموسى ولم ينتظروا إذناً من فرعون.

وبعد أن نزل بهم القحط، وأصابهم الجَدْب حتى يئسوا فتوجَّهوا إلى موسى وطلبوا منه كشْف ما هم فيه، لذلك نرى فرعون يحاول أنْ يعيد مكانته ويُحسِّن صورته أمام قومه.

{ وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ } [الزخرف: 51] بماذا نادى مُناديه؟

{ قَالَ يٰقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } [الزخرف: 51] يعني:انتبهوا إلى مكانتي ومُلْكي وقدرتي عليكم ولا تهتموا بأمر موسى، فأنا لا أزال مَلِك مصر، والأنهار تجري من تحتي. يعني: لا أزال وليَّ نعمتكم.

{ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } لكن نلاحظ في ندائه هذا أنه لم يقُلْ شيئاً عن ألوهيته. ولم يقُلْ: أنا ربكم الأعلى فقد تنازل عن هذه الشعارات التي لم يَعُدْ لها موضع بعد ما حدث مع موسى.

ثم تأمل صيغة النداء { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ } [الزخرف: 50] بهذا الاستفهام التقريري، يعني: قُولوا لي ألم أزل ملكاً عليكم، ولم يأت مثلاً بأسلوب الخبر: أنا ملك مصر.

إذن: يتحدثُ فرعون الآن من موقف الضعف، نعم لأنه كان يقول
{  فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ }
[النازعات: 24] والآن يقول: { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ } [الزخرف: 51].

كلمة { مُلْكُ } [الزخرف: 51] مادتها م ل ك، نلاحظ أن الميم تأتي مرة بالكسر، ومرة بالفتح، ومرة بالضم، فالميم المكسورة مِلك. يعني: كل ما تمتلكه ولو حتى اللباس الذي تلبسه يسمى مِلك.

ومُلْك بالضم تعني الإدارة والسيطرة على مَنْ له مِلك. يعني: يملك مَنْ يملك، ومَلك بالفتح يعني الإرادة والاختيار، كما في قوله تعالى:
{  مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا }
[طه: 87] أي: بإرادتنا.

وفي اسم الفاعل نقول ملك ومالك، مالك تقال لكل منا يُسمَّى مالك، حتى لو كان يملك مجرد ملابسه. أما ملك فلا تُقال إلا لمَنْ يملك ويتحكم في المالك.

لكن حين نقرأ مثلاً في سورة الفاتحة:
{  مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ }
[الفاتحة: 4] ولم يقُلْ مَلِك، صحيح هي في إحدى القراءات { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } لكن الأشهر (مَالِك)، فما الحكمة أنْ يعدل عن اللفظ الأقوى إلى الأقل منه؟

قالوا: اختار الحق سبحانه لفظ مالك ليقول أنه سبحانه مالكٌ ليوم القيامة، وغيره يملك الأرض وما عليها، فقوله { مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ } [الفاتحة: 4] يعني: غيره لا يملك هذا اليوم، فهي لله وحده، لذلك قال:
{  لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16].

هكذا بالقصر عليه سبحانه دون غيره. إذن: لفظة مالك هي المطلوبة هنا، وهي التي تؤدي المعنى المراد، فهي الأدلُّ على المعنى وإنْ كانت أدْنى من ملك.كما قلنا مثلاً في كلمة (كبير) و (أكبر)، أكبر: أفعل تفضيل من كبير فهي أقوى، ومع ذلك في نداء الصلاة نقول: الله أكبر وليس في أسماء الله أكبر، بل من أسمائه سبحانه الكبير، فلماذا عدل عن الكبير إلى أكبر؟

قالوا " قال الله أكبر لحكمة، هي أنَّ الأقلّ هنا له موضع، لأنك حين تدعو الناس إلى الصلاة تُخرجهم من عمل وسَعْي مشروع هو قوام حياة الناس ومعايشهم ومصالح الناس وأعمالهم ليس بالشيء التافه الذي لا قيمةَ له في دين الله، إنما هو من الأمور المطلوبة للشرع.

فهو إذن مهم وكبير، لكن إذا جاء وقت الصلاة فاعلم أن الله أكبر. يعني: أكبر من العمل ومن السَّعْي.

وهذه المسألة بيَّنها لنا الحق سبحانه في سورة الجمعة:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ }
[الجمعة: 9] ثم بعد انقضاء الصلاة قال:
{  فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ }
[الجمعة: 10].

إذن: أخذك للصلاة من العمل، ثم أعادك إليه مرة أخرى، لأن به يتم إعمار الأرض وقضاء مصالح الخَلْق. إذن: أكبر هي الأنسب في أداء المعنى المراد.

قوله: { وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ } [الزخرف: 51] فرعون لم يُنادِ هو، إنما أمر مَنْ ينادي في القوم بهذا النداء، فلما كان النداء بأمره نسب إليه، وقوله { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ } [الزخرف: 51] يعني " القطر كله لا العاصمة، كما نقول نحن اليوم (مصر) على القاهرة، فمصر التي ملكها فرعون كانت من الأسكندرية إلى أسوان.

ومصر عَلَم على هذه البقعة، وهي مُكوَّنة من ثلاثة أحرف. أولها: كسرة، ووسطها ساكن والسكون يعطي خفَّة في النطق، فهي اسم سهل في النطق، وجاء على أقلِّ صيغ تكوين الاسم في اللغة، لأن الاسم في العربية أقلَّه ثلاثة أحرف، وأكثره خمسة إذا كان مُجرداً من أحرف الزيادة.

والمتأمل يجد أن مكةَ وهي بلدُ الله الحرام ومحلُّ بيته المقدس ذُكرَتْ في كتابه الكريم مرتين:
{  وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ }
[الفتح: 24].

وجاءتْ بلفظ بكة في قوله تعالى:
{  إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }
[آل عمران: 96].

أما مصر فذكرها الحق سبحانه في كتابه خمس مرات: { أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ.. } [الزخرف: 51] وفي:
{  وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ.. }
[يوسف: 21] وفي
{  ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ }
[يوسف: 99] وفي
{  وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً }
[يونس: 87] وفي
{  ٱهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ }
[البقرة: 61].

وجاءت مصر في الآية الأخيرة هكذا بتنوين الفتح. وقال المفسرون: يعني أيَّ مصر من الأمصار يكون فيه ما تريدون، ولو اعتمدنا هذا التفسير فمصر في هذه الحالة داخلة فيه لأنها مصرٌ من الأمصار.

وقوله: { وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ } [الزخرف: 51] كلمة { مِن تَحْتِيۤ } [الزخرف: 51] تدل على التمكُّن والسيطرة، وبالفعل كانت قصوره على النهر مباشرة وكأن النهر يمرُّ من تحتها.وَجَمَع الأنهار، مع أننا نعرف أن في مصر نهراً واحداً هو نهر النيل، وأنه يتفرع إلى فرعين دمياط ورشيد، فلماذا قال { وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ } [الزخرف: 51].

قالوا: كانت على أيام الفراعنة خمسة أنهار، أي: أنهم فرَّعوا من النهر خمسة فروع ليزيدوا من الشواطئ، وبهذا كان لديهم عشرة شواطئ تُبنى عليها قصورهم.

وأذكر في هذا المقام أنه كان لنا شيخٌ فاضل اسمه الشيخ عمر العمروسي من طنطا الجزيرة، وكنت أجلس إليه وأستفيد من علمه، ومعي الشيخ سيد شرف والدكتور ياسين عبد الغفار.

وفي يوم من الأيام سألني، وهو يعرف أنني في الأزهر فقال لي: يا شعراوي، ماذا فعلتُم في مسألة: { وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ } [الزخرف: 51].

قلتُ له: في قراءة التاريخ وجدنا أن مصر في أيام الفراعنة كان بها خمسة أنهار، نهر اسمك الملك لأن على شاطئه قصر الملك، ونهر اسمه دمياط، ونهر اسمه تنِّيس والعجيب أن منها نهراً يسمى طولون، ونحن نعرف أحمد بن طولون وكان في القرن التاسع الميلادي فكيف سُمِّي باسمه، وبعد البحث عرفنا أن ابن طولون هو الذي ردم هذا الفرع من النهر فسُمِّي باسمه.

والنهر الخامس كان يسمى الخليج. إذن: زادوا من تفريعات النهر الرئيسي لتزداد فُرَص البناء المطلّ على النهر، وهذا إنْ دَلَّ فإنما يدلُّ على ترف الحياة حين ذاك.

أما الشيخ عمر فكان له في تفسير الأنهار رأيٌ آخر، قال: اسمع يا ابني أنت وهو، الفراعنة جعلوا مصر على هيئة نموذج للجنة، فجعلوا بها أربعة أنهار. واقرأوا القرآن:
{  مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى }
[محمد: 15].

لكن من أين عرف الفراعنةُ هذه الصورة عن الجنة فحاكوها على أرض مصر؟ قالوا: لأنهم كانوا يسيرون في أمور حياتكم وفي سياستهم خلف الكهنة، والكهنة كانوا على علم، وقرأوا الكتب السماوية السابقة.

حتى أنهم قالوا: إن العلوم التي عرفها الفراعنة وبنوا بها الأهرامات وأبا الهول والمعابد الموجودة الآن والتي لم نصل بعد تطور العلوم إلى أسرار بنائها، وعملية تحنيط الموتى وغيرها من الأسرار عرفوه من الكهنة.

وما دامت من الكهنة فمصدرها وَحْي السماء، بدليل أنه لما انتهى عصر الكهنة ولم يَعُدْ لهم وجود لم نجد لهذه العلوم أثراً حتى الآن.

وأذكر أنني في أثناء تولِّي المهندس حسب الله الكفراوي اقترحتًُ عليه إعادة حفر هذه الأنهار، بحيث تلتقي كلها عند القناطر الخيرية، ونزيد مساحة الشاطئ عندنا، واقترحتُ عليه لحلِّ أزمة البناء، وبدلاً من البناء على الأرض الزراعية أن نبني المساكن والمرافق الحكومية فوق فروع التُّرع والرياحات، لأنها تحتل مساحات واسعة.

ومعظمها عليه طرق من اليمين ومن الشمال، ويمكن أنْ نقيمَ أعمدة مسلَّحة على هذه الرياحات، ونبني فوقها كُلَّ مؤسسات الدولة بدل التكدُّس في العاصمة، فوعدني بدراسة هذه المقترحات لكن لم يُنفذ منها شيء.

المفسرون يقولون في { وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ } [الزخرف: 51] ان النهار كانت تجري من تحت قصوره بالفعل، قالوا: حتى أنه جعل من تحت سريره الذي ينام عليه مجرى مائياً كالنهر.


www.alro7.net