سورة
اية:

قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ

تفسير بن كثير

يقول اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : { قل لا أقول لكم عندي خزائن اللّه} أي لستُ أملكها ولا أتصرف فيها، { ولا أعلم الغيب} أي ولا أقول لكم إني أعلم الغيب إنما ذاك من علم اللّه عزَّ وجلَّ، ولا أطلع منه إلا على ما أطلعني عليه، { ولا أقول لكم إني ملك} أي ولا أدعي أني ملك، إنما أنا بشر من البشر يوحى إليَّ من اللّه عزَّ وجلَّ شرفني بذلك وأنعم عليّ به، ولهذا قال: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي} أي لست أخرج عنه قيد شبر ولا أدنى منه، { قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي هل يستوي من اتبع الحق وهدي إليه، ومن ضل عنه فلم ينقد له { أفلا تتفكرون} ؟ وهذه كقوله تعالى: { أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب} وقوله: { وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} أي وأنذر بهذا القرآن يا محمد، { الذين هم من خشية ربهم مشفقون} ، { الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب} ، { الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} أي يوم القيامة { ليس لهم} أي يومئذ { من دونه ولي ولا شفع} أي لا قريب لهم ولا شفيع فيهم من عذابه إن أراده بهم { لعلهم يتَّقون} أي أنذر هذا اليوم الذي لا حاكم فيه إلا اللّه عزَّ وجلَّ { لعلهم يتقون} فيعملون في هذه الدار عملاً ينجيهم اللّه به يوم القيامة من عذابه، ويضاعف لهم به الجزيل من ثوابه، وقوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} أي لا تبعد هؤلاء المتصفين بهذه الصفات عنك بل اجعلهم جلساءك وأخصاءك، كقوله: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} ، وقوله: { يدعون ربهم} أي يعبدونه ويسألونه { بالغداة والعشي} قال سعيد بن المسيب: المراد به الصلاة المكتوبة وهو قول مجاهد والحسن وقتادة وهذا كقوله: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} أي أتقبل منكم، وقوله: { يريدون وجهه} أي يريدون بذلك العمل وجه اللّه الكريم وهم مخلصون فيما هم فيه من العبادات والطاعات، وقوله: { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء} كقول نوح عليه السلام في جواب الذين قالوا: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} ، { وما علمي بما كانوا يعملون إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} أي إنما حسابهم على اللّه عزَّ وجلَّ، وليس عليّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليهم من حسابي من شيء وقوله: { فتطردهم فتكون من الظالمين} أي إن فعلت هذا والحالة هذه. روى ابن جرير عن ابن مسعود قال: مر الملأ من قريش برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده صهيب وبلال وعمار وخباب وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقالوا يا محمد: أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أهؤلاء الذين منَّ اللّه عليهم من بيننا؟ أنحن نصير تبعاً لهؤلاء؟ اطردهم فلعلك إن طردتهم نتبعك، فنزلت هذه الآية: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه} ، { وكذلك فتنا بعضهم ببعض} إلى آخر الآية، وقال ابن أبي حاتم عن خباب في قول اللّه عزَّ وجلَّ: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعداً في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول النبي صلى اللّه عليه وسلم حقّروهم في نفر من أصحابه فأتوه فخلوا به، وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا: فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: (نعم)، قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا بصحيفة ودعا علياً ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل فقال: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم} الآية، فرمى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه ""أخرجه ابن أبي حاتم ورواه ابن جرير أيضاً من حديث أسباط بن نصر""وقال سعد نزلت هذه الآية في ستة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم، منهم ابن مسعود قال: كنا نستبق إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وندنو منه، فقالت قريش: تدني هؤلاء دوننا، فنزلت: { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي} ""رواه الحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين وأخرجه ابن حبان في صحيحه""وقوله تعالى: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض} أي ابتلينا واختبرنا، وامتحنا بعضهم ببعض { ليقولوا أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا} ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان غالب من اتبعه في أول بعثته ضعفاء الناس من الرجال والنساء والعبيد والإماء، ولم يتبعه من الأشراف إلا قليل، كما قال قوم نوح لنوح: { وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} الآية، وكما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان حين سأله عن تلك المسائل فقال له فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم، فقال: هم أتباع الرسل، والغرض أن مشركي قريش كانوا يسخرون بمن آمن من ضعفائهم ويعذبون من يقدرون عليه منهم، وكانوا يقولون: أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا؟ أي ما كان اللّه ليهدي هؤلاء إلى الخير لو كان ما صاروا إليه خيراً ويدعنا كقولهم: { لو كان خيراً ما سبقونا إليه،} وكقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً} قال اللّه تعالى في جواب ذلك: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثاً ورئيا} ، وقال في جوابهم حين قالوا: { أهؤلاء منَّ اللّه عليهم من بيننا} { أليس اللّه بأعلم بالشاكرين} ؟ أي أليس هو أعلم بالشاكرين له بأقوالهم وأفعالهم وضمائرهم فيوفقهم ويهديهم سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن اللّه لمع المحسنين} وفي الحديث الصحيح: (إن اللّه لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ألوانكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) ""أخرجه مسلم بلفظ: (إن اللّه لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم..)الحديث."" وقوله تعالى: { وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم} أي فأكرمهم برد السلام عليهم وبشرهم برحمة اللّه الواسعة الشاملة لهم، ولهذا قال: { كتب ربكم على نفسه الرحمة} أي أوجبها على نفسه الكريمة تفضلاً منه وإحساناً وامتناناً { أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة} ، قال بعض السلف: كل من عصى اللّه فهو جاهل وقال بعضهم: الدنيا كلها جهالة: { ثم تاب من بعده وأصلح} أي رجع عما كان عليه من المعاصي وأقلع، وعزم على أن لا يعود وأصلح العمل في المستقبل { فإنه غفور رحيم} قال الإمام أحمد عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لما قضى اللّه على الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي) أخرجاه في الصحيحين.

تفسير الجلالين

{ قل } لهم { لا أقول لكم عندي خزائن الله } التي منها يرزق { ولا } إني { أعلم الغيب } ما غاب عني ولم يوح إلي { ولا أقول لكم إني ملك } من الملائكة { إن } ما { أتبع إلا ما يوحى إليَّ قل هل يستوي الأعمى } الكافر { والبصير } المؤمن ؟ لا { أفلا تتفكرون } في ذلك فتؤمنون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه وَلَا أَعْلَم الْغَيْب وَلَا أَقُول لَكُمْ إِنِّي مَلَك إِنْ أَتَّبِع إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُنْكَرِينَ نُبُوَّتك : لَسْت أَقُول لَكُمْ إِنِّي الرَّبّ الَّذِي لَهُ خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَعْلَم غُيُوب الْأَشْيَاء الْخَفِيَّة الَّتِي لَا يَعْلَمهَا إِلَّا الرَّبّ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء , فَتُكَذِّبُونِي فِيمَ أَقُول مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون رَبًّا إِلَّا مَنْ لَهُ مُلْك كُلّ شَيْء وَبِيَدِهِ كُلّ شَيْء وَمَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة , وَذَلِكَ هُوَ اللَّه الَّذِي لَا إِلَه غَيْره . { وَلَا أَقُول لَكُمْ إِنِّي مَلَك } لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَلَكٍ أَنْ يَكُون ظَاهِرًا بِصُورَتِهِ لِأَبْصَارِ الْبَشَر فِي الدُّنْيَا , فَتَجْحَدُوا مَا أَقُول لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ . { إِنْ أَتَّبِع إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } يَقُول : قُلْ لَهُمْ : مَا أَتَّبِع فِيمَا أَقُول لَكُمْ وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ إِلَّا وَحْي اللَّه الَّذِي يُوحِيه إِلَيَّ وَتَنْزِيله الَّذِي يُنَزِّلهُ عَلَيَّ , فَأَمْضِي لِوَحْيِهِ يَسْتَسِرُّونَ لِأَمْرِهِ , وَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِالْحُجَجِ الْقَاطِعَة مِنْ اللَّه عُذْركُمْ عَلَى صِحَّة قَوْلِي فِي ذَلِكَ , وَلَيْسَ الَّذِي أَقُول مِنْ ذَلِكَ بِمُنْكَرٍ فِي عُقُولكُمْ وَلَا مُسْتَحِيل كَوْنه ; بَلْ ذَلِكَ مَعَ وُجُود الْبُرْهَان عَلَى حَقِيقَته هُوَ الْحِكْمَة الْبَالِغَة , فَمَا وَجْه إِنْكَاركُمْ لِذَلِكَ ؟ وَذَلِكَ تَنْبِيه مِنْ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْضِع حُجَّته عَلَى مُنْكِرِي نُبُوَّته مِنْ مُشْرِكِي قَوْمه . { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لَهُمْ : هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى عَنْ الْحَقّ وَالْبَصِير بِهِ ؟ وَالْأَعْمَى هُوَ الْكَافِر الَّذِي قَدْ عَمِيَ عَنْ حُجَج اللَّه فَلَا يَتَبَيَّنهَا فَيَتَّبِعهَا . وَالْبَصِير : الْمُؤْمِن الَّذِي قَدْ أَبْصَرَ آيَات اللَّه وَحُجَجه فَاقْتَدَى بِهَا وَاسْتَضَاءَ بِضِيَائِهَا . { أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ } يَقُول لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه : أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِيمَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِهِ أَيّهَا الْقَوْم مِنْ هَذِهِ الْحُجَج , فَتَعْلَمُوا صِحَّة مَا أَقُول وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ فَسَاد مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ إِشْرَاك الْأَوْثَان وَالْأَنْدَاد بِاَللَّهِ رَبّكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ إِيَّايَ , مَعَ ظُهُور حُجَج صِدْقِي لِأَعْيُنِكُمْ , فَتَدَعُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر مُقِيمُونَ إِلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان الَّذِي بِهِ تَفُوزُونَ ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10324 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير } قَالَ : الضَّالّ وَالْمُهْتَدِي . حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10325 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير } . . . الْآيَة ; قَالَ : الْأَعْمَى : الْكَافِر الَّذِي قَدْ عَمِيَ عَنْ حَقّ اللَّه وَأَمْره وَنِعَمه عَلَيْهِ ; وَالْبَصِير : الْعَبْد الْمُؤْمِن الَّذِي أَبْصَرَ بَصَرًا نَافِعًا , فَوَحَّدَ اللَّه وَحْده , وَعَمِلَ بِطَاعَةِ رَبّه , وَانْتَفَعَ بِمَا آتَاهُ اللَّه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَا أَقُول لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِن اللَّه وَلَا أَعْلَم الْغَيْب وَلَا أَقُول لَكُمْ إِنِّي مَلَك إِنْ أَتَّبِع إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُنْكَرِينَ نُبُوَّتك : لَسْت أَقُول لَكُمْ إِنِّي الرَّبّ الَّذِي لَهُ خَزَائِن السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَعْلَم غُيُوب الْأَشْيَاء الْخَفِيَّة الَّتِي لَا يَعْلَمهَا إِلَّا الرَّبّ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْء , فَتُكَذِّبُونِي فِيمَ أَقُول مِنْ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُون رَبًّا إِلَّا مَنْ لَهُ مُلْك كُلّ شَيْء وَبِيَدِهِ كُلّ شَيْء وَمَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة , وَذَلِكَ هُوَ اللَّه الَّذِي لَا إِلَه غَيْره . { وَلَا أَقُول لَكُمْ إِنِّي مَلَك } لِأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَلَكٍ أَنْ يَكُون ظَاهِرًا بِصُورَتِهِ لِأَبْصَارِ الْبَشَر فِي الدُّنْيَا , فَتَجْحَدُوا مَا أَقُول لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ . { إِنْ أَتَّبِع إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ } يَقُول : قُلْ لَهُمْ : مَا أَتَّبِع فِيمَا أَقُول لَكُمْ وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ إِلَّا وَحْي اللَّه الَّذِي يُوحِيه إِلَيَّ وَتَنْزِيله الَّذِي يُنَزِّلهُ عَلَيَّ , فَأَمْضِي لِوَحْيِهِ يَسْتَسِرُّونَ لِأَمْرِهِ , وَقَدْ أَتَيْتُكُمْ بِالْحُجَجِ الْقَاطِعَة مِنْ اللَّه عُذْركُمْ عَلَى صِحَّة قَوْلِي فِي ذَلِكَ , وَلَيْسَ الَّذِي أَقُول مِنْ ذَلِكَ بِمُنْكَرٍ فِي عُقُولكُمْ وَلَا مُسْتَحِيل كَوْنه ; بَلْ ذَلِكَ مَعَ وُجُود الْبُرْهَان عَلَى حَقِيقَته هُوَ الْحِكْمَة الْبَالِغَة , فَمَا وَجْه إِنْكَاركُمْ لِذَلِكَ ؟ وَذَلِكَ تَنْبِيه مِنْ اللَّه تَعَالَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْضِع حُجَّته عَلَى مُنْكِرِي نُبُوَّته مِنْ مُشْرِكِي قَوْمه . { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لَهُمْ : هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى عَنْ الْحَقّ وَالْبَصِير بِهِ ؟ وَالْأَعْمَى هُوَ الْكَافِر الَّذِي قَدْ عَمِيَ عَنْ حُجَج اللَّه فَلَا يَتَبَيَّنهَا فَيَتَّبِعهَا . وَالْبَصِير : الْمُؤْمِن الَّذِي قَدْ أَبْصَرَ آيَات اللَّه وَحُجَجه فَاقْتَدَى بِهَا وَاسْتَضَاءَ بِضِيَائِهَا . { أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ } يَقُول لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّه : أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ فِيمَا أَحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِهِ أَيّهَا الْقَوْم مِنْ هَذِهِ الْحُجَج , فَتَعْلَمُوا صِحَّة مَا أَقُول وَأَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ فَسَاد مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ إِشْرَاك الْأَوْثَان وَالْأَنْدَاد بِاَللَّهِ رَبّكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ إِيَّايَ , مَعَ ظُهُور حُجَج صِدْقِي لِأَعْيُنِكُمْ , فَتَدَعُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْر مُقِيمُونَ إِلَى مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ الْإِيمَان الَّذِي بِهِ تَفُوزُونَ ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10324 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير } قَالَ : الضَّالّ وَالْمُهْتَدِي . حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 10325 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير } . . . الْآيَة ; قَالَ : الْأَعْمَى : الْكَافِر الَّذِي قَدْ عَمِيَ عَنْ حَقّ اللَّه وَأَمْره وَنِعَمه عَلَيْهِ ; وَالْبَصِير : الْعَبْد الْمُؤْمِن الَّذِي أَبْصَرَ بَصَرًا نَافِعًا , فَوَحَّدَ اللَّه وَحْده , وَعَمِلَ بِطَاعَةِ رَبّه , وَانْتَفَعَ بِمَا آتَاهُ اللَّه . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قل لا أقول لكم عندي خزائن الله} هذا جواب لقولهم { لولا نزل عليه آية من ربه} [الأنعام : 37] ، فالمعنى ليس عندي خزائن قدرته فأنزل ما اقترحتموه من الآيات، ولا أعلم الغيب فأخبركم به. والخزانة ما يخزن فيه الشيء؛ ومنه الحديث (فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطِعماتهم أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسرَ خِزانتُه). وخزائن الله مقدوراته؛ أي لا أملك أن أفعل كل ما أريد مما تقترحون { ولا أعلم الغيب} أيضا { ولا أقول لكم إني ملك} وكان القوم يتوهمون أن الملائكة أفضل، أي لست بملك فأشاهد من أمور الله ما لا يشهده البشر. واستدل بهذا القائلون بأن الملائكة أفضل من الأنبياء. وقد مضى في البقرة القول فيه فتأمله هناك. قوله تعالى { إن أتبع إلا ما يوحى إلي} ظاهره أنه لا يقطع أمرا إلا إذا كان فيه وحي. والصحيح أن الأنبياء يجوز منهم الاجتهاد، والقياس على المنصوص، والقياس أحد أدلة الشرع. وسيأتي بيان هذا في الأعراف، وجواز اجتهاد الأنبياء في (الأنبياء) إن شاء الله تعالى. قوله تعالى { قل هل يستوي الأعمى والبصير} أي الكافر والمؤمن؛ عن مجاهد وغيره. وقيل : الجاهل والعالم. { أفلا تتفكرون} أنهما لا يستويان.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 47 - 50


سورة الانعام الايات 50 - 52

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

و " قل " - كما نعلم - هي أمر من الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول يبلغ ما أمر به الله، وكان يكفي أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: لا أقول لكم عندي خزائن الله. لكنها دقة البلاغ عن الله، إنّ القرآن توقيفي بمعنى أن كل كلمة فيه نزلت من الله كما هي وبلغها الوحي الأمين لسيدنا رسول الله، وبلغها لنا صلى الله عليه وسلم كما هي، ويدل ذلك على أن أحداً لا يملك التصرف حتى في اللفظ، بل لا بد من أمانة النقل المطلقة.

وأبلغنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن الحق قد أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً بآية دالة على صدق البلاغ عنه وهي القرآن. وكان يجب على مَن يستقبل هذا البلاغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه. فليس من حق أحد أن يطلب من الرسول آيات غير التي أنزلها الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدَّع إلا أنه مبلغ عن الله، فيجب أن تكون المقابلة له في إطار هذا الادعاء.

وقد تجاوز الكافرون ذلك عندما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات أخرى، كتفجير بعض الأرض ينابيع مياه، أو أن يكون له بيت من زخرف، ولذلك يوضح له الحق سبحانه أن يبلغهم أنه لا يملك مع الله خزائن السموات والأرض، فكيف تطلبون بيوتا وقصورا، وكيف تطلبون معرفة الغيب حتى تقبلوا على النافع وتتجنبوا الضار؟. ألا يكفيكم المنهج الإلهي الذي يهديكم إلى صناعة كل نافع لكم ويجنبكم كل أمر ضار بكم؟ ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم إنه يعلم الغيب. وهو بشهادتهم هم يقولون عنه ما جاء بالقرآن الكريم:
{  وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يُلْقَىٰ إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً }
[الفرقان: 7-8].

لقد سخروا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطالبوا أن تكون له آيات أخرى، وتساءلوا كيف يمكن أن يزعم أنه رسول وهو يأكل الطعام كما يأكلون، ويغشى الأسواق لكسب العيش كما يفعل البشر، ولو كان رسولاً لكفاه الله مشقة كسب العيش، ولأنزل إليه مَلكاً يساعده في البلاغ عن الله، أو يلقي إليه الله من السماء بكنز ينفق منه، أو تكون له حديقة غناء يأكل من ثمارها.

هذا ما قاله كبار المشركين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وأرادوا أن يصدوا الناس عن الإيمان بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمرة يتهمونه بأنه مسحور، ومرة بأنه مجنون، وثالثة بأنه يهذي، ورابعة بأنه كذاب، وخامسة بأنه يتلقى القرآن من أعاجم، ويدحض الحق كل هذه الأكاذيب وكل تلك الافتراءات التي ضلوا بها وأضلوا بها سواهم.إنه صلى الله عليه وسلم رسول من الرسل:
{  وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي ٱلأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً }
[الفرقان: 20].

إن الرسل من قبلك يا رسول الله كانت تأكل الطعام، وتكسب العيش من العمل ويترددون على الأسواق، فإذا كان المشركون يعيبون عليك ذلك ويحاولون إضلال الناس بكل الأساليب، فأنت ومن معك يا رسول الله من المؤمنين سيكتب الله لكم النصر ويَجْزِي كُلاً بما عمل. ثم إن الآيات التي يطلبها المشركون من رسول الله كانت كلها تعنتاً؛ فهو لم يقل لهم: إنه ملك. لقد قال لهم: إنه رسول مبلغ عن الله، وكل ما يؤديه هو صدق الأداء عن الله، فكيف يطلبون منه أشياء لا تتعلق إلا بملكية الله لخزائن الأرض؟ وكيف يطلبون منه أن يعلمهم الغيب؟ وكيف ينتقدون أنه رسول وبشر يأكل ويتزوج ويمشي في الأسواق؟

إن كل تلك الأقوال دليل التعنت؛ لأنهم قد طلبوا أشياء تخرج عن مجال ما ادعاه رسول الله لنفسه من أنه رسول مبلغ عن الله؛ إنهم طلبوا الخير النافع والينابيع التي تجري، والجنات والقصور، وأشياء كلها ليست في مقدور رسول مبلغ عن الله، لأن الذي يهبها هو الله سبحانه وتعالى.

وكلمة " خزائن " هذه مفردها " خِزانة " وهي الشيء الذي يكنز فيه كل نفيس ليخرج منه وقت الحاجة. ولا تقل: خِزانة إلا لشيء جعلته ظرفاً لشيء نفيس تخاف عليه من أن تخرجه في غير أَوَانِ وزمان إخراجه. وخزائن الأرض كلها يملكها الله، فهو سبحانه وتعالى القائل:
{  وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ * وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ * وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }
[الحجر: 19-21].

إذن فالحق جاء بالقضية الكلية، وهي أن أسرار الله ونفائسه في الكون هي بيد الله في خزائنه، وهو سبحانه يجليها ويظهرها ويكشفها لوقتها. كيف؟ إن الحق سبحانه وتعالى تكلم عن بدء الخلق، وتكلم عن خلق السموات والأرض، وتكلم عن هذا الموضوع كلاماً مجملاً تفسره الآيات الأخرى. فالحق سبحانه وتعالى يقول:
{  قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ }
[فصلت: 9-11].

يأمر الحق رسوله أن يبلغ هؤلاء المشركين كيف يكفرون بالله الذي خلق الأرض في يومين وكيف يجعلون له شركاء وهو الخالق للأرض التي هي مناط الحركة لابن آدم.لقد خلق فيها سبحانه ما يقيت ابن آدم وتقوم به حياته وإن أراد الترف فلا بد له من الطموح في الحياة. وهو سبحانه جعل في الأرض رواسي - أي جبالاً - وبارك في الأرض وفي الرواسي. ثم جاء بتقدير الأقوات بعد ذكر الرواسي وهي الجبال، فكأن الجبال في حقيقة أمرها هي مخازن القوت. وقد يقول قائل: كيف ذلك؟

ونقول: إن الواقع قد أثبت هذه الحقيقة؛ فأنت إن نظرت إلى الأنهار التي تجري، لوجدتها تتكون من الماء الذي تساقط من الأمطار على الجبال، فالمياه المكونة من ذرات صغيرة دقيقة تنزل على هذه الجبال لتفتتها، وكأن المياه هي " المبُرَد " الذي يزيل من سطح الجبال هذه الرمال المليئة بالعناصر الغذائية للأرض، وهو ما نسميه نحن " الغرين " ، والغرين - كما نعلم - هو ما ينزل مع المياه من سطوح الجبال إلى مجرى النهر، وباندفاع المياه في مجرى النهر تنتقل المادة الخصبة إلى الأرض، وتتكون تلك الطبقة الخصبة التي تتغذى منها النباتات. ولو شاء الحق سبحانه وتعالى لجعل سطح الأرض كله مستوياً، وفيه الخصوبة التي تنبت النبات.

لكن حكمته سبحانه شاءت أن تصنع للنبات غذاءه بهذه الطريقة. فأنت إذا ما نظرت إلى النبات وجدته يختلف من نوع إلى نوع في أسلوب امتصاصه للعناصر الغذائية اللازمة له، فهناك نوع من النبات يمتص غذاءه من عمق نصف المتر، ونوع ثانٍ يأخذ غذاءه من عمق المتر، وهكذا. وإن لم نأت للأرض المزورعة بسماد أو مخصبات أو غرين، فإن الأرض تضعف؛ لأن الحق يريد لعملية الزراعة أن تستمر وتمتد وتتوالى، فجعل الجبال مكونة بشكل صُلب، وتمر على الجبال عوامل التعرية من حرارة وبرودة وتشققات ثم ينزل عليها المطر فيذيب من سطوح الجبال بعضاً من تلك المواد الغذائية اللازمة للأرض، تنتقل هذه المواد الغذائية عبر المياه إلى الأرض، وبهذا يتوالى الإمداد بالخصب من الجبال إلى الأرض. وهكذا نجد أن الجبال في حقيقتها هي مخازن لخيرات الله.

وهل مقومات الحياة زرع فقط؟ لا، لأنك إن نظرت إلى نموذج مصغر للكرة الأرضية، ستجده يشبه البطيخة الكبيرة، وإن جئت لتقطع مثلثاً من محيط القشرة إلى مركز البطيخة، وجعلت هذا المثلث يشبه الهرم، ثم أخذت منها مثلثاً آخر من أي ناحية سواء أكان من ناحية الأرض الخصبة، أم من البحار أم من الجبال أم من الوديان، أم من الصحاري، ثم نظرت من بعد كل ذلك إلى الخير المطمور في كل جزء من هذه الأجزاء لوجدته مساوياً للجزء الآخر. لماذا؟ لأن الحياة لا تعتمد على ألوان محصورة من القوت، ولكنها تحتاج في عمارتها إلى أدوات ومواد الحضارة من حديد وبترول ومنجنيز وغير ذلك من كنوز الأرض التي تقوم عليها الحضارة.إننا نجد هذه الخيرات مكنوزة إما في الجبال وإما في الصحاري. ولكن كل خير من هذه الخيرات له ميعاد، وله ميلاد، وانت لو قست ووزنت الخيرات الموجودة في أي مثلث هرمي من الأرض من مركزها إلى محيطها، وقارنتها بوزن قياس الخيرات الموجودة في مثلث هرمي آخر مساوٍ له من الكرة الأرضية نفسها، لوجدت الخيرات متساوية في كل من المثلثين. ولكن لكل لون من هذه الخيرات ميلاد وميعاد.
{  وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }
[الحجر: 21].

فما يقال له شيء، فإن له خزانة عند الله يُنْزِلُ منها سبحانه بقَدَر. ونرى ذلك من قمة الوجود، وهو العقل، إن العقل شيء، وله خزائن عند الله، فما كان موجوداً من أفكار من عشرة قرون لدى البشرية جميعا لا يقاس بكمية الأفكار التي يمتلكها. العقل الجمعي للعالم الآن، ذلك أن كل جيل قد استفاد مقدمات من أفكار الجيل السابق له ليصل إلى نتاج جديد. إذن فهناك خزائن للأفكار وللخواطر. وكذلك كل شيء في الوجود له عند الله خزائن لا ينزل منها إلا بِقَدَر معلوم: { وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ }.

وساعة يرى الحق أن يظهر ميلاد سر ما، فهو سبحانه يهيء الأسباب لذلك. وعلى سبيل المثال - ولله المثل الأعلى - كنا قديما نقطع الأخشاب من الأشجار لنصنع منها وقوداً، وكنا بعد أن نقطع الأخشاب نخشى عليها من الفساد، لذلك وضع الحق بعضاً من إلهاماته للعقل البشري حتى يستطيع تحويل الخشب إلى فحم ليضمن الإنسان صيانة الخشب، وليضمن وجود مصدر للطاقة هو الفحم النباتي. ومن بعد ذلك اكتشف الإنسان الفحم الحجري. ومن بعد ذلك اكتشفنا البترول، كل ذلك من خيرات الطاقة كان مكنوزاً في الأرض، ولم يكتشفه الإنسان إلا بعد أن أعطاهم الله الاستعداد لاستقبال هذا الخير، وسيظل عطاء الله قائماً إلى أن تقوم الساعة. فمع الفحم دخلنا عصر البخار، ثم دخلنا عصر الكهرباء، ثم دخلنا عصر الذرة.

وكل هذه الأشياء كان لكل منها ميلاد، ولكل منها مكان في خزائن الله، وعندما ينزل الله أي خاطر من الخواطر على عبد من عباده فإن العبد يأخذ بالأسباب ويكتشف ميلاد السر المكنوز. وكل لاحق يأخذ من خير السابق ويبني عليه. وهكذا ينمو الخير دائماً.

والأشياء في خزائن الله إما أن تكون مطمورة وإما تكون محكمة إحكاماً رقمياً، وعلى سبيل المثال، هذا هو الراديوم الذي اكتشفته " السيدة كوري " أظهره الله على يديها في وقت الحاجة إليه. وكان العلماء قبل اكتشاف الراديوم يعلمون أن هناك عنصراً لم يعرفوه له تركيب ذري معين؛ لأن عناصر الكون مصنوعة بحكمة جليلة كبيرة.وقد ينزل الشيء شائعاً في غيره، ومثال ذلك أن تقطف وردة وتستمتع بأريجها وجمال منظرها إلى أن تذبل، وقد يغيب عنك أن الوردة مكونة من تركيب معين، فالرطوبة هي التي تعطي الوردة نضارة، وكل شيء في الوردة هو من مادة الأرض، وعندما تذبل الوردة فهي تعود إلى عناصر الأرض بعد أن تتبخر منها المياه وتذهب كبخار مع غيرها من المتبخرات إلى السحاب الذي تحركه الرياح فيسقط مطراً.

وهكذا نجد أن قطرات المياه التي كانت في الوردة تبخرت وانضمت إلى السحاب، قد عادت مرة أخرى إلى الأرض من خلال المطر، ومادة الماء نفسها لم تزد ولم تنقص منذ أن خلق الله الخلق في هذا الكون، ونحن ننتفع بهذا الماء، وعندما ينتهي انتفاع إنسان بجزء من المياه فالماء يعود من خلال عمليات أرادها الله إلى خزانة الماء في الكون. وليسأل الإنسان منا نفسه: كم طناً من الماء قد شربته في حياتك؟ وستجد أنك قد شربت وانتفعت بمئات أو بآلاف من الأطنان، وخرج منك الماء في شكل عرق أو بول أو مخاط، أو غير ذلك. وكم بقي من الماء في جسمك؟

إنها نسبة قد تزيد على تسعين بالمائة من وزن جسمك أياً كان الوزن، ومن بعد أن يأتي أجلك كما قدره الله. فتتبخر كمية المياه التي في هذا الجسم لتنضم إلى السحاب ثم تنزل مع المطر. إذن فكمية المياه لم تنقص في الكون ولم تزد. وهذا ما نسميه الرزق المخزون بالتحول، تماماً كما تبخرت كمية المياه التي في الوردة، وتبخرت رائحتها في الجو وكذلك مادتها الملونة ذابت في الأرض. وساعة نزرع شجرة ورد تأخذ كل وردة لونها من المواد الملونة المخزونة في الأرض. إذن فكل شيء إما مخزون بذاته في خزائن الله، وإما مخزون بعناصره المحولة إلى غيره. وكل الوجود على هذا الشكل. وحركة الحياة هي بين الاثنين.

إن الإنسان - على سبيل المثال - من لحم ومن دم، والبقرة أيضاً من لحم ودم، ويموت الإنسان ليعود إلى الأرض، ويستفيد الإنسان من الحيوان، وتعود كل مادة الحيوان إلى الأرض. وتدخل العناصر في دورة جديدة. إذن هي خزائن للحق، إما محولة، وإما خزائن حافظة؛ فالشيء الذي نستنبطه بحالته هو في خزائن حافظة، والشيء الذي يدور في غيره ويرجع إلى الأصل هو في خزائن محولة.

ومن رحمة الحق بالخلق أنه لم يملك خزائن الأرض أو السمٰوات لأحد من البشر حتى لا يستعلي إنسان على آخر. ولم يعط الحق حتى للرسل أي حق للتصرف في هذه الخزائن؛ لأن الرسل بشر، وقد احتفظ الحق لنفسه بخزائن الأرض والسموات ليطمئننا على هذه الخزائن. ولذلك يقول الحق سبحانه:
{  قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِ وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً }
[الإسراء: 100].

الحق سبحانه يعلم أن الإنسان مطبوع على الحرص الشديد أو البخل، وهو سبحانه الغني الكريم؛ لذلك ينزل ما يشاء من خزائنه لعباده حتى ينتفعوا. ولم يدع الرسول صلى الله عليه وسلم الخزائن لنفسه، فكيف يطالبه المشركون بما في خزائن الله، وهو صلى الله عليه وسلم يوضح ذلك ويوضح أيضاً أنه لا يعلم الغيب: { قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } [الأنعام: 50].

وهو بذلك صلى الله عليه وسلم ينفي عن نفسه أي صفة من صفات الألوهية؛ لأن الخزائن الكونية هي في يد الله، وكذلك ينفي عن نفسه علم الغيب. ولقائل أن يقول: ولكن ماذا عن الأشياء والأحداث التي كان يخبرنا بها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهي أحداث مستقبلية؟

ونقول: إن ذلك ليس علماً الغيب، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم مُعَلَّم غيب، أي أن ربنا سبحانه وتعالى قد علمه، ومثال ذلك قول القرآن الكريم:
{  ذٰلِكَ مِنْ أَنَبَآءِ ٱلْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ }
[آل عمران: 44].

إن الحق سبحانه هو الذي علَّم رسوله صلى الله عليه وسلم تلك الأخبار التي كانت من أنباء الغيب، ويحسم الحق هذه المسألة عندما يقول:
{  عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً }
[الجن: 26-27].

فسبحانه وتعالى هو وحده عالم الغيب، ولا يُطْلِع أحداً من خلقه على الغيب. إلا الرسول الذي يرتضيه الله ليخبره ببعض من الغيب، ويحفظ الحق رسوله في أثناء ذلك بملائكة حفظة تحميه من تعرض الجن لما يريد إطلاعه عليه لئلا يسترقوه ويهمسوا به إلى الكهنة قبل أن يبلغه الرسول وحتى يصل الوحي إلى الناس خالصا من تخليط الجن وعبثهم.

إذن فالرسول مُعَلَّم غيب وليس عالم غيب. والغيب - كما نعلم - هو ما غاب عن الحس، ولم توجد له مقدمات تدل عليه، فهناك أشياء تغيب عنك ولكن لها مقدمات، فإن التزمت بالمقدمات من بدايتها يمكنك أن تصل إلى النتيجة. مثال ذلك: إن أعطيت تلميذاً مسألة حسابية ليقوم بحلها، وعندما يحل التلميذ هذه المسألة فهو لم يعلم الغيب، ولكنه أخذ المقدمات والمعطيات، وبحث عن المطلوب، وأخذ يرتب المعلومات ليستنبط منها النتيجة.

وكذلك حال الذين اكتشفوا أسراراً في الوجود، أعلموا غيباً؟ لا ، إنهم فقط استخدموا بعضاً من المقدمات التي كانت موجودة أمامهم في الكون، وتوصلوا إلى نتائج جديدة، صحيح أن هذه النتائج كانت غائبة عنا، ولكن مقدماتها كانت موجودة، وكذلك كل النظريات الهندسية، كل نظرية نجدها تعتمد على سابقتها، وكل نظرية - حتى أعقدها وأصعبها - هي ملاحظة لأمر بدهي في الكون.وكل علم من العلوم له مقدمات إن بحث فيها باحث فإنه يصل إلى النتائج الجديدة، وهذا ما نسميه " غيبا إضافيا " ، أي كان غيباً في وقت ما لكنه غير غيب في وقت آخر، ولذلك يُنسب هذا العلم إلى البشر دائماً، ولنقرأ قول الحق سبحانه:
{  وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ }
[البقرة: 255].

والإحاطة بالعلم كلها لله، وهو سبحانه الذي يأذن لبعض من خلقه بالإحاطة ببعضٍ من هذا العلم، وكل سر من أسرار هذا الكون لا يولد إلا بإذن منه سبحانه وتعالى، وهو سبحانه يوفق العلماء أن يبحثوا في المقدمات ليصلوا إلى النتائج. ولكن ماذا عن العلم الذي لا توجد له مقدمات؟ هذا من الغيب المطلق الذي لا يظهره الحق لأحد إلا لمن ارتضى من رسول.

أقول ذلك حتى لا يخطئ أحدنا فيظن أن إخبار إنسان لإنسان بمصير شيء ضاع منه هو معرفة للغيب، فقد يكون هذا غيباً بالنسبة لصاحب الشيء الضائع، ولكنه ليس غيباً بالنسبة للص الذي سرقه، ولا هو غيب بالنسبة للشخص الذي أخفى المسروقات، ولا هو غيب بالنسبة للجان المحيطين باللص، إذن فهذا ليس غيباً مطلقاً، ولكنه غيب معلوم للغير. إذن فخزائن الحق سبحانه وتعالى ملأى بكل أنواع الخير التي تؤدي للإنسان مهمة البقاء في الأرض سواء من جهة الضرورات أو الأشياء الترفية. { وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ } [الأنعام: 50].

إذن فالرسول صلى الله عليه وسلم ينفي عن نفسه بقول الحق ثلاثة أشياء: منها شيئان ينفيان الألوهية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي ملكية خزائن الكون، وعلم الغيب، وشيء ثالث وهو أنه ليس مَلَكاً، فهل يعني ذلك أن المَلَكَ أرفع من النبي؟ لا، ولكنهم قالوا له: إنما يمشي في الأسواق ويتكسب العيش بالعمل، والمَلَك لا يفعل ذلك. ولكن الرسول بالطبع أرقى منزلة من المَلَك؛ لأنه يقوم بهداية الإنس والجن ويتبع ما يوحيه إليه ملِكُ الملوك، وهو الحق سبحانه وتعالى: { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰإِلَيَّ }.

إنه من فرط ارتفاعه في الصدق المبلغ عن الله يعلن حقيقته صلى الله عليه وسلم بأنه من البشر، والبشر ابن أغيار، ويعلم شيئاً، ويجهل شيئاً، ومن مصلحة المرسل إليهم أن يكون الرسول متبعاً لا مبتدعاً، ذلك أنه ينقل لهم تكاليف الخالق بألفاظها لا أفكار البشر التي قد تتغير أو تتبدل. فلو ابتدع لابتدع في إطار بشريته، وفي ذلك نزول لا ارتقاء، لكنه في الاتباع يأتي بالارتقاء للبشر؛ لأنه يتبع ما أوحى به الإله الذي اصطفاه رسولاً. ولذلك كانت الأمية في رسول الله صلى الله عليه وسلم شرفاً له ولنا. أما أُمّيَّة الإنسان العادي فهي عيب، إنما أُمّيَّة محمد صلى الله عليه وسلم هي الكمال.

و " أُمّيّ " - كما نعلم - تعني أنه كما ولدته أمه، لم يأخذ ثقافة ولم يتعلم من أحد من البشر، لكن علمه وثقافته فوقية كلها.إن ذلك وحي من الله، وهو صلى الله عليه وسلم عندما يعلن أنه نبي أمي، فهذا معناه أنّ كل ما دخل في ذهنه لم يأخذه عن أحد من خلق الله، وإنما كل ما جاء إلى هذا الذهن قد أخذه رسول الله عن الله. وهكذا تكون أميته شرفاً لنا، ولكن الأمية فينا - نحن المسلمين - تختلف يجب أن نعمل جميعاً على القضاء عليها: { إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ }. والرسول صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى بل يبلغ ما جاء به الوحي.

ويذيل الحق الآية بقوله: { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } [الأنعام: 50].

وساعة يأتي الحق بقضية يستخدمها كمثل، فلا بد أن يأتي بقضية متفق عليها حتى من الخصوم المواجهين له؛ فهم يعرفون أن الأعمى لا يستوي مع البصير، تماماً مثلما لا يستوي الظل والحرور أو الظلمات والنور. إن الفطرة لا تقبل الخلاف في هذه الأمور. والعمى - كما نعرف - هو عدم الرؤية لمن مِن شأنه وحاله أن يرى، فلا يقول إنسان عن حجر: إن الحجر أعمى؛ لأن الأحجار لا تبصر.

إذن لا نقول العمى إلا كوصف لمن يفترض فيه أن يرى. وماذا تفعل عدم الرؤية في الأمر المحس؟ إن عدم الرؤية يؤذي الإنسان لأنه كائن متحرك. فقد يقع في حفرة أو يصطدم بشيء يؤذيه، وبإقرار الجميع نعرف أن الأعمى تضطرب حركته ويتعرض للمتاعب، والذي يحمي الإنسان من ذلك أن يكون مبصراً أو مستعيناً بمن يبصر حتى يمكن أن يستقبل المرئيات.

وكان العلماء قديماً يظنون أن الإبصار هو نتيجة خروج شعاع من العين ليذهب إلى الشيء المرئي ونقض هذه القضية عالم إسلامي هو ابن الهيثم الذي علم العلماء أن الشعاع إنما يخرج من المرئي إلى عين الرائي بدليل أن الشيء المرئي لا يراه الإنسان في الظَّلام. والعمى يمنع العين من استقبال الشعاع، ولا يختلف أحد في أن العمى مهلك وضار ومتعب، والإبصار مريح. وكأن الحق يقول للخلق: إياكم أن تظنوا أن حياتكم كلها تعتمد على المحيط المحس، لا، إن هناك قيماً إن لم يعرفها الإنسان فهو يتعثر ويضطرب ويتخبط.

إذن فمنهج السماء قد جاء ليهدي النفس البشرية إلى القيم، كما يهدي النور الحسي الإنسان إلى المحسات. فإذا كان البصر هو وقاية للإنسان لتفادي العقبات، فكذلك المنهج هو الذي يبين للإنسان ألا يصطدم بالعقبات في الأمور المعنوية. والإنسان يحيا بقيمه، بدليل أن الأعمى قد يجد من يقوده من المبصرين، ولكنه قد لا يجد هدايته في هداية مهتد. إذن فالإنسان قد يستغني عن البصر، ولكنه لا غنى له عن الهدى؛ لأن الضلال سيصيبه، والضلال في القيم أبلغ وأشد قسوة من الضلال في الأمور المحسّة.{ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } هناك تفكر، وتذكر، وتدبر. التفكر هو شغل العقل ابتداء بأمر ظاهر، يريد أن يستنبط منه شيئاً. وعندما يقول إنسان لآخر: فكر في هذا الأمر.. أي أدر عقلك في كل ما يتعرض لهذا الأمر. والذي يطلب من آخر التفكير في هذا الأمر كأنه واثق من أن الذي يتفكر في أمر لن يصل إلا إلى الرأي الذي قاله من عرض عليه التفكير. وأما التذكر فهو أن يصل الإنسان إلى حكم انتهى إليه بالتفكر ثم نسيه، ويأتي من يلفت الذهن إلى ذلك الحكم الذي انتهى منه فكرياً.

إذن فالفكر يأتي بحكم أَوَلِيٍّ ناضج، والتذكر يأتي بحكم كان معلوماً للإنسان ولكنه غفل عنه. أما التدبر فهو ألا يكتفي الإنسان بالنظر إلى واجهة الأمور ولكن إلى ما وراء ذلك أيضاً؛ لأن كل شيء له واجهة، وقد تخفى الواجهة ما خلفها، لذلك يطلب الحق من الإنسان أن ينظر إلى أعقاب الأشياء وأقفائها، أي يدير الأمر على كل جهاته ولا يكتفي بالنظر إلى واجهاتها، مثلما يشتري الإنسان شيئاً من تاجر أمين، ويعرض التاجر على المشتري مواصفات الشيء بأمانة ويطلب منه أن يختبر الشيء حسب مواصفاته، لكن التاجر الغشاش يحاول أن يخفي المواصفات لأنه يريد خداع المشتري.

وعندما يطلب الحق منا أن التفكر والتذكر والتدبر إنما يوقظ فينا المقاييس الحقيقية التي نصل بها إلى المطلوب الذي يريده الله. ولذلك يقول الحق: { وَأَنذِرْ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ... }


www.alro7.net