سورة
اية:

أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { حم والكتاب المبين} أي البِّين الواضح الجلي، المنزل بلغة أهل العرب التي هي أفصح اللغات، ولهذا قال تعالى: { إنا جعلناه} أي أنزلناه { قرآناً عربياً} أي بلغة العرب، فصيحاً واضحاً، { لعلكم تعقلون} أي تفهمونه وتتدبرونه، كما قال عزَّ وجلَّ: { بلسان عربي مبين} وقوله تعالى: { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} بيّن شرفه في الملأ الأعلى، ليشّرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى { وإنه} أي القرآن { في أم الكتاب} أي اللوح المحفوظ { لدينا} أي عندنا { لعلي} أي ذو مكانة عظيمة، وشرف وفضل { حكيم} أي محكم بريء من اللبس والزيغ، وهكذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال تبارك وتعالى: { إنه لقرآن كريم . في كتاب مكنون . لا يمسه إلا المطهرون} ، وقال تعالى: { في صحف مكرمة . مرفوعة مطهرة . بأيدي سفرة . كرام بررة} ، ولهذا استنبط العلماء من هاتين الآيتين، أن المحدث لا يمس المصحف، لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى، لأنه نزل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم، لقوله تعالى: { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} ، وقوله عزَّ وجلَّ: { أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين} ؟ اختلف المفسرون في معناها فقيل معناها: أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم، ولم تفعلوا ما أمرتم به وهو قول مجاهد والسدي ، قاله ابن عباس واختاره ابن جرير، وقال قتادة: واللّه لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذا الأمة لهلكوا، ولكن اللّه تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء اللّه من ذلك، وقول قتادة لطيف المعنى جداً، وحاصله أنه يقول في معناه: إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر ليهتدي به من قدّر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته، ثم قال جلَّ وعلا مسلياً لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه { وكم أرسلنا من نبي في الأولين} أي في شِيَع الأولين { وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون} أي يكذبونه ويسخرون به، { فأهلكنا أشد منهم بطشاً} أي فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشاً من هؤلاء المكذبين لك يا محمد، كقوله عزَّ وجلَّ: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة} ، والآيات في ذلك كثيرة جداً. وقوله جلَّ جلاله { ومضى مثل الأولين} قال مجاهد: سنتهم، وقال قتادة: عقوبتهم، وقال غيرهما: عبرتهم: أي جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله تعالى: { فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين} ، وكقوله جلَّت عظمته: { سنة اللّه التي قد خلت في عباده} ، وقوله: { ولن تجد لسنة اللّه تبديلاً} .

تفسير الجلالين

{ أفنضرب } نمسك { عنكم الذكر } القرآن { صفحاً } إمساكاً فلا تؤمرون ولا تنهون لأجل { أن كنتم قوماً مسرفين } مشركين لا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : أَفَنَضْرِب عَنْكُمْ وَنَتْرُككُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ فِيمَا تَحْسِبُونَ , فَلَا نَذْكُركُمْ بِعِقَابِنَا مِنْ أَجْل أَنَّكُمْ قَوْم مُشْرِكُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23779 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا } قَالَ : تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ . 23780 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , قَوْله : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا } قَالَ : بِالْعَذَابِ . 23781 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا } قَالَ : أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الْعَذَاب . 23782 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ } يَقُول : أَحَسِبْتُمْ أَنْ نَصْفَح عَنْكُمْ وَلَمَّا تَفْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَنَتْرُك تَذْكِيركُمْ بِهَذَا الْقُرْآن , وَلَا نُذَكِّركُمْ بِهِ , لِأَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23783 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ } : أَيْ مُشْرِكِينَ , وَاللَّه لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآن رُفِعَ حِين رَدَّهُ أَوَائِل هَذِهِ الْأُمَّة لَهَلَكُوا , فَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَة , أَوْ مَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ . 23784 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا } قَالَ : لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّة لَمْ يُؤْمِنُوا لَضُرِبَ عَنْهُمُ الذِّكْر صَفْحًا , قَالَ : الذِّكْر مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِمَّا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ وَنَهَاهُمْ صَفْحًا , لَا يَذْكُر لَكُمْ مِنْهُ شَيْئًا . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَهُ : أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الْعَذَاب فَنَتْرُككُمْ وَنَعْرِض عَنْكُمْ , لِأَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ لَا تُؤْمِنُونَ بِرَبِّكُمْ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ ; لِأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَتْبَع ذَلِكَ خَبَره عَنْ الْأُمَم السَّالِفَة قَبْل الْأُمَم الَّتِي تَوَعَّدَهَا بِهَذِهِ الْآيَة فِي تَكْذِيبهَا رُسُلهَا , وَمَا أَحَلَّ بِهَا مِنْ نِقْمَته , فَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ قَوْله : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا } وَعِيد مِنْهُ لِلْمُخَاطَبِينَ بِهِ مِنْ أَهْل الشِّرْك , إِذْ سَلَكُوا فِي التَّكْذِيب بِمَا جَاءَهُمْ عَنْ اللَّه رَسُولهمْ مَسْلَك الْمَاضِينَ قَبْلهمْ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْكُوفَة " إِنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ الْأَلِف مِنْ " إِنْ " بِمَعْنَى : أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا إِذْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ , وَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء أَهْل مَكَّة وَالْكُوفَة وَعَامَّة قُرَّاء الْبَصْرَة " أَنْ " بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنْ " , بِمَعْنَى : لِأَنْ كُنْتُمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه فَتْح الْأَلِف مِنْ أَنْ فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : فُتِحَتْ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : لِأَنْ كُنْتُمْ , وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : مَنْ فَتَحَهَا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ شَيْئًا مَاضِيًا , فَقَالَ : وَأَنْتَ تَقُول فِي الْكَلَام : أَتَيْت أَنْ حَرَمْتنِي , تُرِيد : إِذْ حَرَمْتنِي , وَيُكْسَر إِذَا أَرَدْت : أَتَيْت إِنْ تَحْرِمنِي , وَمِثْله : { لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ } 5 2 و { إِنْ صَدُّوكُمْ } بِكَسْرٍ وَبِفَتْحٍ . { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارهمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا } 18 6 قَالَ : وَالْعَرَب تُنْشِد قَوْل الْفَرَزْدَق : أَتَجْزَعُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا جِهَارًا وَلَمْ تَجْزَع لِقَتْلِ ابْن حَازِم قَالَ : وَيُنْشِد : أَتَجْزَعُ أَنْ بَانَ الْخَلِيط الْمُوَدَّع وَحَبْل الصَّفَا مِنْ عَزَّة الْمُتَقَطِّع قَالَ : وَفِي كُلّ وَاحِد مِنَ الْبَيْتَيْنِ مَا فِي صَاحِبه مِنَ الْكَسْر وَالْفَتْح . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا : أَنَّ الْكَسْر وَالْفَتْح فِي الْأَلِف فِي هَذَا الْمَوْضِع قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب إِذَا تَقَدَّمَ " أَنْ " وَهِيَ بِمَعْنَى الْجَزَاء فِعْل مُسْتَقْبَل كَسَرُوا أَلِفهَا أَحْيَانًا , فَمَحَّضُوا لَهَا الْجَزَاء , فَقَالُوا : أَقُوم إِنْ قُمْت , وَفَتَحُوهَا أَحْيَانًا , وَهُمْ يَنْوُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى , فَقَالُوا : أَقُوم أَنْ قُمْت بِتَأْوِيلِ , لِأَنْ قُمْت , فَإِذَا كَانَ الَّذِي تَقَدَّمَهَا مِنَ الْفِعْل مَاضِيًا لَمْ يَتَكَلَّمُوا إِلَّا بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنْ " فَقَالُوا : قُمْت أَنْ قُمْت , وَبِذَلِكَ جَاءَ التَّنْزِيل , وَتَتَابَعَ شِعْر الشُّعَرَاء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : أَفَنَضْرِب عَنْكُمْ وَنَتْرُككُمْ أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ فِيمَا تَحْسِبُونَ , فَلَا نَذْكُركُمْ بِعِقَابِنَا مِنْ أَجْل أَنَّكُمْ قَوْم مُشْرِكُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23779 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا } قَالَ : تُكَذِّبُونَ بِالْقُرْآنِ ثُمَّ لَا تُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ . 23780 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عُمَارَة , قَالَ : ثنا عُبَيْد اللَّه بْن مُوسَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , قَوْله : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا } قَالَ : بِالْعَذَابِ . 23781 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا } قَالَ : أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الْعَذَاب . 23782 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ } يَقُول : أَحَسِبْتُمْ أَنْ نَصْفَح عَنْكُمْ وَلَمَّا تَفْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَنَتْرُك تَذْكِيركُمْ بِهَذَا الْقُرْآن , وَلَا نُذَكِّركُمْ بِهِ , لِأَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23783 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ } : أَيْ مُشْرِكِينَ , وَاللَّه لَوْ كَانَ هَذَا الْقُرْآن رُفِعَ حِين رَدَّهُ أَوَائِل هَذِهِ الْأُمَّة لَهَلَكُوا , فَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَة , أَوْ مَا شَاءَ اللَّه مِنْ ذَلِكَ . 23784 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا } قَالَ : لَوْ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّة لَمْ يُؤْمِنُوا لَضُرِبَ عَنْهُمُ الذِّكْر صَفْحًا , قَالَ : الذِّكْر مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِمَّا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ وَنَهَاهُمْ صَفْحًا , لَا يَذْكُر لَكُمْ مِنْهُ شَيْئًا . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَهُ : أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الْعَذَاب فَنَتْرُككُمْ وَنَعْرِض عَنْكُمْ , لِأَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ لَا تُؤْمِنُونَ بِرَبِّكُمْ. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ ; لِأَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَتْبَع ذَلِكَ خَبَره عَنْ الْأُمَم السَّالِفَة قَبْل الْأُمَم الَّتِي تَوَعَّدَهَا بِهَذِهِ الْآيَة فِي تَكْذِيبهَا رُسُلهَا , وَمَا أَحَلَّ بِهَا مِنْ نِقْمَته , فَفِي ذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ قَوْله : { أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا } وَعِيد مِنْهُ لِلْمُخَاطَبِينَ بِهِ مِنْ أَهْل الشِّرْك , إِذْ سَلَكُوا فِي التَّكْذِيب بِمَا جَاءَهُمْ عَنْ اللَّه رَسُولهمْ مَسْلَك الْمَاضِينَ قَبْلهمْ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْكُوفَة " إِنْ كُنْتُمْ " بِكَسْرِ الْأَلِف مِنْ " إِنْ " بِمَعْنَى : أَفَنَضْرِب عَنْكُمُ الذِّكْر صَفْحًا إِذْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ , وَقَرَأَهُ بَعْض قُرَّاء أَهْل مَكَّة وَالْكُوفَة وَعَامَّة قُرَّاء الْبَصْرَة " أَنْ " بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنْ " , بِمَعْنَى : لِأَنْ كُنْتُمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه فَتْح الْأَلِف مِنْ أَنْ فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : فُتِحَتْ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : لِأَنْ كُنْتُمْ , وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : مَنْ فَتَحَهَا فَكَأَنَّهُ أَرَادَ شَيْئًا مَاضِيًا , فَقَالَ : وَأَنْتَ تَقُول فِي الْكَلَام : أَتَيْت أَنْ حَرَمْتنِي , تُرِيد : إِذْ حَرَمْتنِي , وَيُكْسَر إِذَا أَرَدْت : أَتَيْت إِنْ تَحْرِمنِي , وَمِثْله : { لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآن قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ } 5 2 و { إِنْ صَدُّوكُمْ } بِكَسْرٍ وَبِفَتْحٍ . { فَلَعَلَّك بَاخِع نَفْسك عَلَى آثَارهمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيث أَسَفًا } 18 6 قَالَ : وَالْعَرَب تُنْشِد قَوْل الْفَرَزْدَق : أَتَجْزَعُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا جِهَارًا وَلَمْ تَجْزَع لِقَتْلِ ابْن حَازِم قَالَ : وَيُنْشِد : أَتَجْزَعُ أَنْ بَانَ الْخَلِيط الْمُوَدَّع وَحَبْل الصَّفَا مِنْ عَزَّة الْمُتَقَطِّع قَالَ : وَفِي كُلّ وَاحِد مِنَ الْبَيْتَيْنِ مَا فِي صَاحِبه مِنَ الْكَسْر وَالْفَتْح . وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا : أَنَّ الْكَسْر وَالْفَتْح فِي الْأَلِف فِي هَذَا الْمَوْضِع قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار صَحِيحَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب إِذَا تَقَدَّمَ " أَنْ " وَهِيَ بِمَعْنَى الْجَزَاء فِعْل مُسْتَقْبَل كَسَرُوا أَلِفهَا أَحْيَانًا , فَمَحَّضُوا لَهَا الْجَزَاء , فَقَالُوا : أَقُوم إِنْ قُمْت , وَفَتَحُوهَا أَحْيَانًا , وَهُمْ يَنْوُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى , فَقَالُوا : أَقُوم أَنْ قُمْت بِتَأْوِيلِ , لِأَنْ قُمْت , فَإِذَا كَانَ الَّذِي تَقَدَّمَهَا مِنَ الْفِعْل مَاضِيًا لَمْ يَتَكَلَّمُوا إِلَّا بِفَتْحِ الْأَلِف مِنْ " أَنْ " فَقَالُوا : قُمْت أَنْ قُمْت , وَبِذَلِكَ جَاءَ التَّنْزِيل , وَتَتَابَعَ شِعْر الشُّعَرَاء .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { أفنضرب عنكم الذكر صفحا} يعني : القرآن؛ عن الضحاك وغيره. وقيل : المراد بالذكر العذاب؛ أي أفنضرب عنكم العذاب ولا نعاقبكم على إسرافكم وكفركم؛ قال مجاهد وأبو صالح والسدي، ورواه العوفي عن ابن عباس. وقال ابن عباس : المعنى أفحسبتم أن نصفح عنكم العذاب ولما تفعلوا ما أمرتم به. وعنه أيضا أن المعنى أتكذبون بالقرآن ولا تعاقبون. وقال السدي أيضا : المعنى أفنترككم سدى فلا نأمركم ولا ننهاكم. وقال قتادة : المعنى أفنهلككم ولا نأمركم ولا ننهاكم. وعنه أيضا : أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل أنكم لا تؤمنون به فلا ننزله عليكم. وقال ابن زيد. قال قتادة : والله لو كان هذا القرآن رفع حين رددته أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله ردده وكرره عليهم برحمته. وقال الكسائي : أفنطوي عنكم الذكر طيا فلا توعظون ولا تؤمرون. وقيل : الذكر التذكر؛ فكأنه قال : أنترك تذكيركم لأن كنتم قوما مسرفين؛ في قراءة من فتح. ومن كسر جعلها للشرط وما قبلها جوابا لها؛ لأنها لم تعمل في اللفظ. ونظيره: { وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين} [البقرة : 278] وقيل : الجواب محذوف دل عليه تقدم؛ كما تقول : أنت ظالم إن فعلت. ومعنى الكسر عند الزجاج الحال؛ لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ. ومعنى { صفحا} إعراضا؛ يقال صفحت عن فلان إذا أعرضت عن ذنبه. وقد ضربت عنه صفحا إذا أعرضت عنه وتركته. والأصل، فيه صفحة العنق؛ يقال : أعرضت عنه أي وليته صفحه عنقي. قال الشاعر : صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ** فمن مل منها ذلك الوصل ملت وانتصب { صفحا} على المصدر لأن معنى { أفنضرب} أفنصفح. وقيل : التقدير أفنضرب عنكم الذكر صافحين، كما يقال : جاء فلان مشيا. ومعنى { مسرفين} مشركين. واختار أبو عبيدة الفتح في { أن} وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وابن عامر، قال : لأن الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم، وعلمه قبل ذلك من فعلهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الزخرف الايات 4 - 12

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الهمزة هنا تحمل معنى الاستفهام الإنكاري، ومعنى { أَفَنَضْرِبُ } [الزخرف: 5] أي: نترك. نقول: ضربتُ عن العمل وأضربتُ عن العمل أي: تركتُه وامتنعتُ عنه. ومنه: أضرب العمال عن العمل.

فالحق يقول لهم: أنترك تذكيركم، ونُعرض عنكم ونترككم هكذا هَمَلاً، لأنكم أسرفتُم على أنفسكم وكذَّبتم بالذكْر وكفرتم به؟

لا بل سنُوالي لكم التذكير والبيان، ونلزمكم الحجة والبرهان، فإنْ لم تؤمنوا بالحجة ولم تُصدِّقوا دور الغزو والفتح والنصر عليكم حتى تؤمنوا. وهذه رحمة من الله بهم لأنهم عباده وصنعته ويريد لهم النجاة، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها حتى وهم كافرون به.

فلو تركهم وما أرادوا لتمادوا في فسادهم، واستحقوا الهلاك والعذاب، والكافر حينما يؤمن يرحمه الله بالإيمان، ويرحم المجتمع من شرِّه وفساده إنْ ظلَّ على كفره، فالذكْر والمراد به هنا الوحي رحمةٌ من الله وخير يُقدِّمه لعباده رحمة بهم.

لذلك قالوا: إنْ كان لك عدو فلا تَدْعُ عليه بالهلاك، إنما ادْعُ له بالهداية لأنك لا تنتفع بهلاكه، إنما تنتفع بسلوكه ويعود عليك خيره إن اهتدى، فثمار الخير تفيد المجتمع كله، ومن هذا المنطلق نهانا الإسلام عن كَتْم العلم لأنك حين تكتم علماً تحرم مجتمعك من خيره، فحين تُعلِّم غيرك تنتفع بخيره وتأمن شرَّه.

إذن: من رحمة الله بهم أنْ يُوالي لهم نزول القرآن رغم عنادهم وكفرهم وتماديهم في الضلال، وفعلاً مع مرور الوقت وتتابع نزول الوحي أسلم صناديد الكفر واحداً بعد الآخر، أسلم عمر، وأسلم عمرو وخالد وعكرمة وغيرهم كثير.

ثم يقول لهم الحق سبحانه: أنتم في حاجة إلى قراءة التاريخ وأَخْذ العبرة من موكب الرسالات لتروْا عاقبة المكذِّبين للرسل، فتاريخ الرسالات يؤكد انتصار رسل الله على المكذِّبين لهم، لأن هذه سنةُ الله في الرسل أنْ ينصرهم الله في النهاية، وأن تكون العاقبة لهم على مُكذِّبيهم، يأخذهم الله على قدر تكذيبهم:
{  فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ.. }
[العنكبوت: 40].

وقد خاطبهم الحق سبحانه بقوله:
{  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }
[الصافات: 137-138] يعني: المسألة ليستْ كلاماً نظرياً، إنما واقع مُعَاش ومُشَاهد عليكم أنْ تعقلوه، وأنْ تتعلموا منه الدرس حتى لا ينزل بكم من العذاب مثل ما نزل بهم.


www.alro7.net