سورة
اية:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّىٰ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ

تفسير بن كثير

لما ذكر تعالى المخالف للبعث المنكر للمعاد، ذكر تعالى الدليل على قدرته تعالى على المعاد، بما يشاهد من بدئه للخلق فقال: { يا أيها الناس إن كنتم في ريب} أي في شك، { من البعث} وهو المعاد، وقيام الأرواح والأجساد يوم القيامة، { فإنا خلقناكم من تراب} أي أصل برئه لكم من تراب وهو الذي خلق منه آدم عليه السلام، { ثم من نطفة} أي ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، { ثم من علقة ثم من مضغة} ، وذلك أنه إذا استقرت النطفة في رحم المرأة مكثت أربعين يوماً كذلك يضاف إليه ما يجتمع إليها، ثم تنقلب علقة حمراء بإذن اللّه فتمكث كذلك أربعين يوماً، ثم تستحيل فتصير مضغة قطعة من لحم لا شكل فيها ولا تخطيط، ثم يشرع في التشكيل والتخطيط فيصور منها رأس ويدان وصدر وبطن وفخذان ورجلان وسائر الأعضاء، فتارة تسقطها المرأة قبل التشكيل والتخطيط، وتارة تلقيها وقد صارت ذات شكل وتخطيط، ولهذا قال تعالى: { ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة} أي كما تشاهدونها، { لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى} أي وتارة تستقر في الرحم لا تلقيها المرأة ولا تسقطها، كما قال مجاهد في قوله تعالى: { مخلقة وغير مخلقة} قال: هو السقط مخلوق وغير مخلوق، فإذا مضى عليها أربعون يوماً وهي مضغة أرسل اللّه تعالى ملكاً إليها فنفخ فيها الروح وسوَّاها كما يشاء اللّه عزَّ وجلَّ، من حسن وقبح وذكر وأنثى، وكتب رزقها وأجلها، وشقي أو سعيد، كما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين ليلة نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللّه إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات فيكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح). وروى ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن مسعود قال: النطفة إذا استقرت في الرحم جاءها ملك بكفه، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة؟ فإن قيل: غير مخلقة لم تكن نسمة وقذفتها الأرحام دماً، وإن قيل: مخلقة، قال: أي رب ذكر أو أنثى، شقي أو سعيد، ما الأجل وما الأثر؟ وبأي أرض يموت؟ قال، فيقال للنطفة من ربك؟ فتقول: اللّه، فيقال من رازقك؟ فتقول: اللّه، فيقال له: اذهب إلى الكتاب فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة، قال: فتخلق فتعيش في أجلها وتأكل رزقها، وتطأ أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت فدفنت في ذلك؛ ثم تلا عامر الشعبي: { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة} ""أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير عن عبد اللّه بن مسعود""، وقال ابن أبي حاتم، عن حذيفة بن أسيد يبلغ به النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين يوماً أو خمس وأربعين فيقول: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول اللّه، ويكتبان فيقول: أذكر أم أنثى؟ فيقول اللّه، ويكتبان، ويكتب عمله وأثره ورزقه وأجله، ثم تطوى الصحف، فلا يزاد على ما فيها ولا ينتقص) ""أخرجه ابن أبي حاتم ورواه مسلم بنحو معناه"". { ثم نخرجكم طفلا} أي ضعيفاً في بدنه وسمعه وبصره وحواسه، ثم يعطيه اللّه القوة شيئاً فشيئاً، ويلطف به ويحنن عليه والديه، ولهذا قال { ثم لتبلغوا أشدكم} أي بتكامل القوى، ويتزايد ويصل إلى عنفوان الشباب وحسن المنظر، { ومنكم من يتوفى} أي في حال شبابه وقواه، { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} وهو الشيخوخة والهرم وضعف القوة والعقل والفهم وتناقص الأحوال من الخرف وضعف الفكر، ولهذا قال: { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} ، كما قال تعالى: { اللّه الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة } وقوله تعالى: { وترى الأرض هامدة} هذا دليل آخر على قدرته تعالى على إحياء الموتى، كما يحيي الأرض الميتة الهامدة وهي المقحلة التي لا ينبت فيها شيء، وقال قتادة: غبراء متهشمة، وقال السدي: ميتة، { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} : أي فإذا أنزل اللّه عليها المطر { اهتزت} أي تحركت بالنبات وحييت بعد موتها، { وربت} أي ارتفعت لما سكن فيها الثرى، ثم أنبتت ما فيها من ثمار وزروع، وأشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومها، وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: { وأنبتت من كل زوج بهيج} أي حسن المنظر طيب الريح، وقوله: { ذلك بأن اللّه هو الحق} أي الخالق المدبر الفعال لما يشاء، { وأنه يحيي الموتى} أي كما أحيا الأرض الميتة وأنبت منها هذه الأنواع { إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير} { إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} ، { وأن الساعة آتية لا ريب فيها} أي كائنة لا شك فيها ولا مرية، { وأن اللّه يبعث من في القبور} أي يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمماً ويوجدهم بعد العدم، كما قال تعالى: { قل يحيها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل شيء عليم} والآيات في هذا كثيرة. وقد روى الإمام أحمد، عن لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول اللّه أكلنا يرى ربه عزَّ وجلَّ يوم القيامة وما آية ذلك في خلقه؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أليس كلكم ينظر إلى القمر مخلياً به؟) قلنا: بلى، قال: فاللّه أعظم، قال، قلت: يا رسول اللّه كيف يحيي اللّه الموتى وما آية ذلك في خلقه؟ قال: (أما مررت بوادي أهلك ممحلاً؟) قال: بلى، قال: (ثم مررت به يهتز خضراً) قال: بلى، قال: (فكذلك يحيي اللّه الموتى وذلك آيته في خلقه) ""أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه"". وقال ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: من علم أن اللّه هو الحق المبين، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن اللّه يبعث من في القبور؛ دخل الجنة ""أخرجه ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل"".

تفسير الجلالين

{ يا أيها الناس } أي أهل مكة { إن كنتم في ريب } شك { من البعث فإنا خلقناكم } أي أصلكم آدم { من تراب ثم } خلقنا ذريته { من نطفة } منيّ { ثم من علقة } وهي الدم الجامد { ثم من مضغة } وهي لحمة قدر ما يمضغ { مخلقة } مصورة تامة الخلق { وغير مخلقة } أي غير تامة الخلق { لنبين لكم } كمال قدرتنا لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته { ونُقرُّ } مستأنف { في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى } وقت خروجه { ثم نخرجكم } من بطون أمهاتكم { طفلا } بمعنى أطفالا { ثم } نعمركم { لتبلغوا أشدكم } أي الكمال والقوة وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين سنة { ومنكم من يُتوفى } يموت قبل بلوغ الأشد { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر } أخسه من الهرم والخرف { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا } قال عكرمة من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة { وترى الأرض هامدة } يابسة { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت } تحركت { وَرَبَتْ } ارتفعت وزادت { وأنبتت من } زائدة { كلّ زوج } صنف { بهيج } حسن .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة } وَهَذَا احْتِجَاج مِنَ اللَّه عَلَى الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ مِنَ النَّاس أَنَّهُ يُجَادِل فِي اللَّه بِغَيْرِ عِلْم , اتِّبَاعًا مِنْهُ لِلشَّيْطَانِ الْمَرِيد وَتَنْبِيه لَهُ عَلَى مَوْضِع خَطَأ قِيله وَإِنْكَاره مَا أَنْكَرَ مِنْ قُدْرَة رَبّه . قَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكّ مِنْ قُدْرَتنَا عَلَى بَعْثكُمْ مِنْ قُبُوركُمْ بَعْد مَمَاتكُمْ وَبِلَاكُمْ اسْتِعْظَامًا مِنْكُمْ لِذَلِكَ , فَإِنَّ فِي ابْتِدَائِنَا خَلْق أَبِيكُمْ آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إِنْشَائِنَاكُمْ مِنْ نُطْفَة آدَم ثُمَّ تَصْرِيفِنَاكُمْ أَحْوَالًا حَالًا بَعْد حَال , مِنْ نُطْفَة إِلَى عَلَقَة , ثُمَّ مِنْ عَلَقَة إِلَى مُضْغَة , لَكُمْ مُعْتَبَرًا وَمُتَّعَظًا تَعْتَبِرُونَ بِهِ , فَتَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَغَيْر مُتَعَذَّر عَلَيْهِ إِعَادَتكُمْ بَعْد فَنَائِكُمْ كَمَا كُنْتُمْ أَحْيَاء قَبْل الْفَنَاء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْث فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة } وَهَذَا احْتِجَاج مِنَ اللَّه عَلَى الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ مِنَ النَّاس أَنَّهُ يُجَادِل فِي اللَّه بِغَيْرِ عِلْم , اتِّبَاعًا مِنْهُ لِلشَّيْطَانِ الْمَرِيد وَتَنْبِيه لَهُ عَلَى مَوْضِع خَطَأ قِيله وَإِنْكَاره مَا أَنْكَرَ مِنْ قُدْرَة رَبّه . قَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكّ مِنْ قُدْرَتنَا عَلَى بَعْثكُمْ مِنْ قُبُوركُمْ بَعْد مَمَاتكُمْ وَبِلَاكُمْ اسْتِعْظَامًا مِنْكُمْ لِذَلِكَ , فَإِنَّ فِي ابْتِدَائِنَا خَلْق أَبِيكُمْ آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تُرَاب ثُمَّ إِنْشَائِنَاكُمْ مِنْ نُطْفَة آدَم ثُمَّ تَصْرِيفِنَاكُمْ أَحْوَالًا حَالًا بَعْد حَال , مِنْ نُطْفَة إِلَى عَلَقَة , ثُمَّ مِنْ عَلَقَة إِلَى مُضْغَة , لَكُمْ مُعْتَبَرًا وَمُتَّعَظًا تَعْتَبِرُونَ بِهِ , فَتَعْلَمُونَ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ فَغَيْر مُتَعَذَّر عَلَيْهِ إِعَادَتكُمْ بَعْد فَنَائِكُمْ كَمَا كُنْتُمْ أَحْيَاء قَبْل الْفَنَاء .' وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ مِنْ صِفَة النُّطْفَة . قَالَ : وَمَعْنَى ذَلِكَ : فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة قَالُوا : فَأَمَّا الْمُخَلَّقَة فَمَا كَانَ خَلْقًا سَوِيًّا وَأَمَّا غَيْر مُخَلَّقَة فَمَا دَفَعَتْهُ الْأَرْحَام مِنَ النُّطَف وَأَلْقَتْهُ قَبْل أَنْ يَكُون خَلْقًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18845 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ عَامِر , عَنْ عَلْقَمَة , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : إِذَا وَقَعَتِ النُّطْفَة فِي الرَّحِم , بَعَثَ اللَّه مَلَكًا فَقَالَ : يَا رَبّ مُخَلَّقَة أَوْ غَيْر مُخَلَّقَة ؟ فَإِنْ قَالَ : غَيْر مُخَلَّقَة , مَجَّتْهَا الْأَرْحَام دَمًا , وَإِنْ قَالَ : مُخَلَّقَة , قَالَ : يَا رَبّ فَمَا صِفَة هَذِهِ النُّطْفَة أَذَكَر أَمْ أُنْثَى ؟ مَا رِزْقهَا مَا أَجَلهَا ؟ أَشَقِيّ أَوْ سَعِيد ؟ قَالَ : فَيُقَال لَهُ : انْطَلِقْ إِلَى أُمّ الْكِتَاب فَاسْتَنْسِخْ مِنْهُ صِفَة هَذِهِ النُّطْفَة ! قَالَ : فَيَنْطَلِق الْمَلَك فَيَنْسَخهَا فَلَا تَزَال مَعَهُ حَتَّى يَأْتِي عَلَى آخِر صِفَتهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَامَّة وَغَيْر تَامَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18846 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا أَبُو هِلَال , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْل اللَّه : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } قَالَ : تَامَّة وَغَيْر تَامَّة . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ قَتَادَة : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } فَذَكَرَ مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ الْمُضْغَة مُصَوَّرَة إِنْسَانًا وَغَيْر مُصَوَّرَة , فَإِذَا صُوِّرَتْ فَهِيَ مُخَلَّقَة وَإِذَا لَمْ تُصَوَّر فَهِيَ غَيْر مُخَلَّقَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18847 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنِ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { مُخَلَّقَة } قَالَ : السِّقْط , مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } قَالَ : السِّقْط , مَخْلُوق وَغَيْر مَخْلُوق . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 18848 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر أَنَّهُ قَالَ فِي النُّطْفَة وَالْمُضْغَة إِذَا نُكِّسَتْ فِي الْخَلْق الرَّابِع كَانَتْ نَسَمَة مُخَلَّقَة , وَإِذَا قَذَفَتْهَا قَبْل ذَلِكَ فَهِيَ غَيْر مُخَلَّقَة . 18849 - قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , عَنْ حَمَّاد بْن أَبِي سَلَمَة , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } قَالَ : السِّقْط . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : الْمُخَلَّقَة الْمُصَوَّرَة خَلْقًا تَامًّا , وَغَيْر مُخَلَّقَة : السِّقْط قَبْل تَمَام خَلْقه ; لِأَنَّ الْمُخَلَّقَة وَغَيْر الْمُخَلَّقَة مِنْ نَعْت الْمُضْغَة وَالنُّطْفَة بَعْد مَصِيرهَا مُضْغَة , لَمْ يَبْقَ لَهَا حَتَّى تَصِير خَلْقًا سَوِيًّا إِلَّا التَّصْوِير ; وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } خَلْقًا سَوِيًّا , وَغَيْر مُخَلَّقَة بِأَنْ تُلْقِيه الْأُمّ مُضْغَة وَلَا تُصَوَّر وَلَا يُنْفَخ فِيهَا الرُّوح.وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ مِنْ صِفَة النُّطْفَة . قَالَ : وَمَعْنَى ذَلِكَ : فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة قَالُوا : فَأَمَّا الْمُخَلَّقَة فَمَا كَانَ خَلْقًا سَوِيًّا وَأَمَّا غَيْر مُخَلَّقَة فَمَا دَفَعَتْهُ الْأَرْحَام مِنَ النُّطَف وَأَلْقَتْهُ قَبْل أَنْ يَكُون خَلْقًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18845 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ عَامِر , عَنْ عَلْقَمَة , عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : إِذَا وَقَعَتِ النُّطْفَة فِي الرَّحِم , بَعَثَ اللَّه مَلَكًا فَقَالَ : يَا رَبّ مُخَلَّقَة أَوْ غَيْر مُخَلَّقَة ؟ فَإِنْ قَالَ : غَيْر مُخَلَّقَة , مَجَّتْهَا الْأَرْحَام دَمًا , وَإِنْ قَالَ : مُخَلَّقَة , قَالَ : يَا رَبّ فَمَا صِفَة هَذِهِ النُّطْفَة أَذَكَر أَمْ أُنْثَى ؟ مَا رِزْقهَا مَا أَجَلهَا ؟ أَشَقِيّ أَوْ سَعِيد ؟ قَالَ : فَيُقَال لَهُ : انْطَلِقْ إِلَى أُمّ الْكِتَاب فَاسْتَنْسِخْ مِنْهُ صِفَة هَذِهِ النُّطْفَة ! قَالَ : فَيَنْطَلِق الْمَلَك فَيَنْسَخهَا فَلَا تَزَال مَعَهُ حَتَّى يَأْتِي عَلَى آخِر صِفَتهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَامَّة وَغَيْر تَامَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18846 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا أَبُو هِلَال , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْل اللَّه : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } قَالَ : تَامَّة وَغَيْر تَامَّة . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ قَتَادَة : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } فَذَكَرَ مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ الْمُضْغَة مُصَوَّرَة إِنْسَانًا وَغَيْر مُصَوَّرَة , فَإِذَا صُوِّرَتْ فَهِيَ مُخَلَّقَة وَإِذَا لَمْ تُصَوَّر فَهِيَ غَيْر مُخَلَّقَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18847 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن , عَنِ الْقَاسِم بْن أَبِي بَزَّة , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { مُخَلَّقَة } قَالَ : السِّقْط , مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } قَالَ : السِّقْط , مَخْلُوق وَغَيْر مَخْلُوق . * -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 18848 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ عَامِر أَنَّهُ قَالَ فِي النُّطْفَة وَالْمُضْغَة إِذَا نُكِّسَتْ فِي الْخَلْق الرَّابِع كَانَتْ نَسَمَة مُخَلَّقَة , وَإِذَا قَذَفَتْهَا قَبْل ذَلِكَ فَهِيَ غَيْر مُخَلَّقَة . 18849 - قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , عَنْ حَمَّاد بْن أَبِي سَلَمَة , عَنْ دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } قَالَ : السِّقْط . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : الْمُخَلَّقَة الْمُصَوَّرَة خَلْقًا تَامًّا , وَغَيْر مُخَلَّقَة : السِّقْط قَبْل تَمَام خَلْقه ; لِأَنَّ الْمُخَلَّقَة وَغَيْر الْمُخَلَّقَة مِنْ نَعْت الْمُضْغَة وَالنُّطْفَة بَعْد مَصِيرهَا مُضْغَة , لَمْ يَبْقَ لَهَا حَتَّى تَصِير خَلْقًا سَوِيًّا إِلَّا التَّصْوِير ; وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : { مُخَلَّقَة وَغَيْر مُخَلَّقَة } خَلْقًا سَوِيًّا , وَغَيْر مُخَلَّقَة بِأَنْ تُلْقِيه الْأُمّ مُضْغَة وَلَا تُصَوَّر وَلَا يُنْفَخ فِيهَا الرُّوح.' وَقَوْله : { لِنُبَيِّن لَكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : جَعَلْنَا الْمُضْغَة مِنْهَا الْمُخَلَّقَة التَّامَّة وَمِنْهَا السِّقْط غَيْر التَّامّ , لِنُبَيِّن لَكُمْ قُدْرَتنَا عَلَى مَا نَشَاء وَنُعَرِّفكُمْ ابْتِدَاءَنَا خَلْقكُمْ .وَقَوْله : { لِنُبَيِّن لَكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : جَعَلْنَا الْمُضْغَة مِنْهَا الْمُخَلَّقَة التَّامَّة وَمِنْهَا السِّقْط غَيْر التَّامّ , لِنُبَيِّن لَكُمْ قُدْرَتنَا عَلَى مَا نَشَاء وَنُعَرِّفكُمْ ابْتِدَاءَنَا خَلْقكُمْ .' وَقَوْله : { وَنُقِرّ فِي الْأَرْحَام مَا نَشَاء إِلَى أَجَل مُسَمًّى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَنْ كُنَّا كَتَبْنَا لَهُ بَقَاء وَحَيَاة إِلَى أَمَد وَغَايَة , فَإِنَّا نُقِرّهُ فِي رَحِم أُمّه إِلَى وَقْته الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ أَنْ يَمْكُث فِي رَحِمهَا فَلَا تُسْقِطهُ وَلَا يَخْرُج مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغ أَجَله , فَإِذَا بَلَغَ وَقْت خُرُوجه مِنْ رَحِمهَا أَذِنَّا لَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا , فَيَخْرُج . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18850 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَنُقِرّ فِي الْأَرْحَام مَا نَشَاء إِلَى أَجَل مُسَمًّى } قَالَ : التَّمَام . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18851 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَنُقِرّ فِي الْأَرْحَام مَا نَشَاء إِلَى أَجَل مُسَمًّى } قَالَ : الْأَجَل الْمُسَمَّى : إِقَامَته فِي الرَّحِم حَتَّى يَخْرُج . وَقَوْله : { وَنُقِرّ فِي الْأَرْحَام مَا نَشَاء إِلَى أَجَل مُسَمًّى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : مَنْ كُنَّا كَتَبْنَا لَهُ بَقَاء وَحَيَاة إِلَى أَمَد وَغَايَة , فَإِنَّا نُقِرّهُ فِي رَحِم أُمّه إِلَى وَقْته الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ أَنْ يَمْكُث فِي رَحِمهَا فَلَا تُسْقِطهُ وَلَا يَخْرُج مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغ أَجَله , فَإِذَا بَلَغَ وَقْت خُرُوجه مِنْ رَحِمهَا أَذِنَّا لَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا , فَيَخْرُج . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18850 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَنُقِرّ فِي الْأَرْحَام مَا نَشَاء إِلَى أَجَل مُسَمًّى } قَالَ : التَّمَام . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 18851 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَنُقِرّ فِي الْأَرْحَام مَا نَشَاء إِلَى أَجَل مُسَمًّى } قَالَ : الْأَجَل الْمُسَمَّى : إِقَامَته فِي الرَّحِم حَتَّى يَخْرُج . ' وَقَوْله : { ثُمَّ نُخْرِجكُمْ طِفْلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ نُخْرِجكُمْ مِنْ أَرْحَام أُمَّهَاتكُمْ إِذَا بَلَغْتُمْ الْأَجَل الَّذِي قَدَّرْته لِخُرُوجِكُمْ مِنْهَا طِفْلًا صِغَارًا وَوَحَّدَ " الطِّفْل " , وَهُوَ صِفَة لِلْجَمِيعِ , لِأَنَّهُ مَصْدَر مِثْل عَدْل وَزُور .وَقَوْله : { ثُمَّ نُخْرِجكُمْ طِفْلًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ نُخْرِجكُمْ مِنْ أَرْحَام أُمَّهَاتكُمْ إِذَا بَلَغْتُمْ الْأَجَل الَّذِي قَدَّرْته لِخُرُوجِكُمْ مِنْهَا طِفْلًا صِغَارًا وَوَحَّدَ " الطِّفْل " , وَهُوَ صِفَة لِلْجَمِيعِ , لِأَنَّهُ مَصْدَر مِثْل عَدْل وَزُور .' وَقَوْله : { ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدّكُمْ } يَقُول : ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمَال عُقُولكُمْ وَنِهَايَة قُوَاكُمْ بِعُمْرِكُمْ . وَقَدْ ذَكَرْت اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْأَشُدّ , وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِيهِ عِنْدنَا بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .وَقَوْله : { ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدّكُمْ } يَقُول : ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمَال عُقُولكُمْ وَنِهَايَة قُوَاكُمْ بِعُمْرِكُمْ . وَقَدْ ذَكَرْت اخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْأَشُدّ , وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِيهِ عِنْدنَا بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر لِكَيْلَا يَعْلَم مِنْ بَعْد عِلْم شَيْئًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْكُمْ أَيّهَا النَّاس مَنْ يُتَوَفَّى قَبْل أَنْ يَبْلُغ أَشُدّه فَيَمُوت , وَمِنْكُمْ مَنْ يُنْسَأ فِي أَجَله فَيُعَمَّر حَتَّى يَهْرَم فَيُرَدّ مِنْ بَعْد انْتِهَاء شَبَابه وَبُلُوغه غَايَة أَشُدّهُ إِلَى أَرْذَل عُمُره , وَذَلِكَ الْهَرَم , حَتَّى يَعُود كَهَيْئَتِهِ فِي حَال صِبَاهُ لَا يَعْقِل مِنْ بَعْد عَقْله الْأَوَّل شَيْئًا . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر بَعْد بُلُوغه أَشُدّهُ { لِكَيْلَا يَعْلَم مِنْ بَعْد عِلْم } كَانَ يَعْلَمهُ { شَيْئًا } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر لِكَيْلَا يَعْلَم مِنْ بَعْد عِلْم شَيْئًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمِنْكُمْ أَيّهَا النَّاس مَنْ يُتَوَفَّى قَبْل أَنْ يَبْلُغ أَشُدّه فَيَمُوت , وَمِنْكُمْ مَنْ يُنْسَأ فِي أَجَله فَيُعَمَّر حَتَّى يَهْرَم فَيُرَدّ مِنْ بَعْد انْتِهَاء شَبَابه وَبُلُوغه غَايَة أَشُدّهُ إِلَى أَرْذَل عُمُره , وَذَلِكَ الْهَرَم , حَتَّى يَعُود كَهَيْئَتِهِ فِي حَال صِبَاهُ لَا يَعْقِل مِنْ بَعْد عَقْله الْأَوَّل شَيْئًا . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدّ إِلَى أَرْذَل الْعُمُر بَعْد بُلُوغه أَشُدّهُ { لِكَيْلَا يَعْلَم مِنْ بَعْد عِلْم } كَانَ يَعْلَمهُ { شَيْئًا } . ' وَقَوْله : { وَتَرَى الْأَرْض هَامِدَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتَرَى الْأَرْض يَا مُحَمَّد يَابِسَة دَارِسَة الْآثَار مِنَ النَّبَات وَالزَّرْع . وَأَصْل الْهُمُود : الدُّرُوس وَالدُّثُور , وَيُقَال مِنْهُ : هَمَدَتِ الْأَرْض تَهْمُد هُمُودًا ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى مَيْمُون بْن قَيْس : قَالَتْ قُتَيْلَة مَا لِجِسْمِك شَاحِبًا وَأَرَى ثِيَابك بَالِيَات هُمَّدَا وَالْهُمَّد : جَمْع هَامِد , كَمَا الرُّكَّع جَمْع رَاكِع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18852 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { وَتَرَى الْأَرْض هَامِدَة } قَالَ : لَا نَبَات فِيهَا . وَقَوْله : { وَتَرَى الْأَرْض هَامِدَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتَرَى الْأَرْض يَا مُحَمَّد يَابِسَة دَارِسَة الْآثَار مِنَ النَّبَات وَالزَّرْع . وَأَصْل الْهُمُود : الدُّرُوس وَالدُّثُور , وَيُقَال مِنْهُ : هَمَدَتِ الْأَرْض تَهْمُد هُمُودًا ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى مَيْمُون بْن قَيْس : قَالَتْ قُتَيْلَة مَا لِجِسْمِك شَاحِبًا وَأَرَى ثِيَابك بَالِيَات هُمَّدَا وَالْهُمَّد : جَمْع هَامِد , كَمَا الرُّكَّع جَمْع رَاكِع . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18852 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , فِي قَوْله : { وَتَرَى الْأَرْض هَامِدَة } قَالَ : لَا نَبَات فِيهَا . ' وَقَوْله : { فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِذَا نَحْنُ أَنْزَلْنَا عَلَى هَذِهِ الْأَرْض الْهَامِدَة الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا الْمَطَر مِنَ السَّمَاء { اهْتَزَّتْ } يَقُول : تَحَرَّكَتْ بِالنَّبَاتِ , { وَرَبَتْ } يَقُول : وَأَضْعَفَتْ النَّبَات بِمَجِيءِ الْغَيْث . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18853 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } قَالَ : عُرِفَ الْغَيْث فِي رَبْوهَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } قَالَ : حَسُنَتْ , وَعُرِفَ الْغَيْث فِي رَبْوهَا . وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ : فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ . وَيُوَجَّه الْمَعْنَى إِلَى الزَّرْع , وَإِنْ كَانَ الْكَلَام مَخْرَجه عَلَى الْخَبَر عَنِ الْأَرْض , وَقَرَأَتْ قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَرَبَتْ } بِمَعْنَى : الرَّبْو , الَّذِي هُوَ النَّمَاء وَالزِّيَادَة . وَكَانَ أَبُو جَعْفَر الْقَارِي يَقْرَأ ذَلِكَ : " وَرَبَأَتْ " بِالْهَمْزِ . 18854 - حُدِّثْت عَنِ الْفَرَّاء , عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه التَّمِيمِيّ عَنْهُ . وَذَلِكَ غَلَط , لِأَنَّهُ لَا وَجْه لِلرَّبِّ هَاهُنَا , وَإِنَّمَا يُقَال رَبَأَ بِالْهَمْزِ بِمَعْنَى : حَرَسَ مِنَ الرَّبِيئَة , وَلَا مَعْنَى لِلْحِرَاسَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَالصَّحِيح مِنَ الْقِرَاءَة مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار.وَقَوْله : { فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَإِذَا نَحْنُ أَنْزَلْنَا عَلَى هَذِهِ الْأَرْض الْهَامِدَة الَّتِي لَا نَبَات فِيهَا الْمَطَر مِنَ السَّمَاء { اهْتَزَّتْ } يَقُول : تَحَرَّكَتْ بِالنَّبَاتِ , { وَرَبَتْ } يَقُول : وَأَضْعَفَتْ النَّبَات بِمَجِيءِ الْغَيْث . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18853 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } قَالَ : عُرِفَ الْغَيْث فِي رَبْوهَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } قَالَ : حَسُنَتْ , وَعُرِفَ الْغَيْث فِي رَبْوهَا . وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ : فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ . وَيُوَجَّه الْمَعْنَى إِلَى الزَّرْع , وَإِنْ كَانَ الْكَلَام مَخْرَجه عَلَى الْخَبَر عَنِ الْأَرْض , وَقَرَأَتْ قُرَّاء الْأَمْصَار : { وَرَبَتْ } بِمَعْنَى : الرَّبْو , الَّذِي هُوَ النَّمَاء وَالزِّيَادَة . وَكَانَ أَبُو جَعْفَر الْقَارِي يَقْرَأ ذَلِكَ : " وَرَبَأَتْ " بِالْهَمْزِ . 18854 - حُدِّثْت عَنِ الْفَرَّاء , عَنْ أَبِي عَبْد اللَّه التَّمِيمِيّ عَنْهُ . وَذَلِكَ غَلَط , لِأَنَّهُ لَا وَجْه لِلرَّبِّ هَاهُنَا , وَإِنَّمَا يُقَال رَبَأَ بِالْهَمْزِ بِمَعْنَى : حَرَسَ مِنَ الرَّبِيئَة , وَلَا مَعْنَى لِلْحِرَاسَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَالصَّحِيح مِنَ الْقِرَاءَة مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار.' وَقَوْله : { وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوْج بَهِيج } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَنْبَتَتْ هَذِهِ الْأَرْض الْهَامِدَة بِذَلِكَ الْغَيْث مِنْ كُلّ نَوْع بَهِيج . يَعْنِي بِالْبَهِيجِ : الْبَهَج , وَهُوَ الْحُسْن . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18855 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوْج بَهِيج } قَالَ : حَسَن . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله .وَقَوْله : { وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوْج بَهِيج } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَأَنْبَتَتْ هَذِهِ الْأَرْض الْهَامِدَة بِذَلِكَ الْغَيْث مِنْ كُلّ نَوْع بَهِيج . يَعْنِي بِالْبَهِيجِ : الْبَهَج , وَهُوَ الْحُسْن . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18855 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلّ زَوْج بَهِيج } قَالَ : حَسَن . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله .'

تفسير القرطبي

الأولى: قوله تعالى { إن كنتم في ريب} متضمنة التوقيف. وقرأ الحسن بن أبي الحسن { البعث} بفتح العين؛ وهي لغة في { البعث} عند البصريين. وهي عند الكوفيين بتخفيف { بعث} . والمعنى : يا أيها الناس إن كنتم في شك من الإعادة. { فإنا خلقناكم} أي خلقنا أباكم الذي هو أصل البشر، يعني آدم عليه السلام { من تراب} . { ثم} خلقنا ذريته. { من نطفة} وهو المني؛ سمي نطفة لقلته، وهو القليل من الماء، وقد يقع على الكثير منه؛ ومنه الحديث (حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورا). أراد بحر المشرق وبحر المغرب. والنطف : القطر. نطف ينطف وينطف. وليلة نطوفة دائمة القطر. { ثم من علقة} وهو الدم الجامد. والعلق الدم العبيط؛ أي الطري. وقيل : الشديد الحمرة. { ثم من مضغة} وهي لحمة قليلة قدر ما يمضغ؛ ومنه الحديث (ألا وإن في الجسد مضغة). وهذه الأطوار أربعة أشهر. قال ابن عباس : (وفي العشر بعد الأشهر الأربعة ينفخ فيه الروح)، فذلك عدة المتوفى عنها زوجها؛ أربعة أشهر وعشر. الثانية: روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة حدثنا داود عن عامر عن علقمة عن ابن مسعود وعن ابن عمر أن النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه فقال يا رب، ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد، ما الأجل والأثر، بأي أرض تموت؟ فيقال له انطلق إلى أم الكتاب فإنك تجد فيها قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد قصتها في أم الكتاب، فتخلق فتأكل رزقها وتطأ أثرها فإذا جاء أجلها قبضت فدفنت في المكان الذي قدر لها؛ ثم قرأ عامر { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب} . وفي الصحيح عن أنس بن مالك - ورفع الحديث - قال : (إن الله قد وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة. أي رب علقة. أي رب مضغة. فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال قال الملك أي رب ذكر أو أنثى شقي أو سعيد. فما الرزق فما الأجل. فيكتب كذلك في بطن أمه). وفي الصحيح أيضا عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم يقول أي رب أذكر أم أنثى...) وذكر الحديث. وفي الصحيح عن عبدالله بن مسعود قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد...) الحديث. فهذا الحديث مفسر للأحاديث الأول؛ فإنه فيه : (يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة ثم يبعث الملك فينفخ فيه الروح) فهذه أربعة أشهر وفي العشر ينفخ الملك الروح، وهذه عدة المتوفى عنها زوجها كما قال ابن عباس. وقوله : (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه) قد فسره ابن مسعود، سئل الأعمش : ما يجمع في بطن أمه؟ فقال : حدثنا خيثمة قال قال عبدالله : إذا وقعت النطفة في الرحم فأراد أن يخلق منها بشرا طارت في بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعر ثم تمكث أربعين يوما ثم تصير دما في الرحم؛ فذلك جمعها، وهذا وقت كونها علقة. الثالثة: نسبة الخلق والتصوير للملك نسبة مجازية لا حقيقية، وأن ما صدر عنه فعل ما في المضغة كان عند التصوير والتشكيل بقدرة الله وخلقه واختراعه؛ ألا تراه سبحانه قد أضاف إليه الخلقة الحقيقية، وقطع عنها نسب جميع الخليقة فقال { ولقد خلقناكم ثم صورناكم} [الأعراف : 11]. وقال { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين} [المؤمنون : 12 - 13]. وقال { يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة} . وقال تعالى { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن} [التغابن : 2]. ثم قال { وصوركم فأحسن صوركم} [غافر : 64]. وقال { لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين : 4]. وقال { خلق الإنسان من علق} [العلق : 2]. إلى غير ذلك من الآيات، مع ما دلت عليه قاطعات البراهين أن لا خالق لشيء من المخلوقات إلا رب العالمين. وهكذا القول في قوله { ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح} أي أن النفخ سبب خلق الله فيها الروح والحياة. وكذلك القول في سائر الأسباب المعتادة؛ فإنه بإحداث الله تعالى لا بغيره. فتأمل هذا الأصل وتمسك به، ففيه النجاة من مذاهب أهل الضلال الطبعيين وغيرهم. الرابعة: لم يختلف العلماء أن نفخ الروح فيه يكون بعد مائة وعشرين يوما، وذلك تمام أربعة أشهر ودخوله في الخامس؛ كما بيناه بالأحاديث. وعليه يعول فيما يحتاج إليه من الأحكام في الاستلحاق عند التنازع، وفي وجوب النفقات على حمل المطلقات؛ وذلك لتيقنه بحركة الجنين في الجوف. وقد قيل : إنه الحكمة في عدة المرأة من الوفاة بأربعة أشهر وعشر، وهذا الدخول في الخامس يحقق براءة الرحم ببلوغ هذه المدة إذا لم يظهر حمل. الخامسة: النطفة ليست بشيء يقينا، ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة إذا لم تجتمع في الرحم، فهي كما لو كانت في صلب الرجل؛ فإذا طرحته علقة فقد تحققنا أن النطفة قد استقرت واجتمعت واستحالت إلى أول أحوال يتحقق به أنه ولد. وعلى هذا فيكون وضع العلقة فما فوقها من المضغة وضع حمل، تبرأ به الرحم، وتنقضي به العدة، ويثبت به لها حكم أم الولد. وهذا مذهب مالك رضي الله عنه وأصحابه. وقال الشافعي رضي الله عنه : لا اعتبار بإسقاط العلقة، وإنما الاعتبار بظهور الصورة والتخطيط؛ فإن خفي التخطيط وكان لحما فقولان بالنقل والتخريج، والمنصوص أنه تنقضي به العدة ولا تكون أم ولد. قالوا : لأن العدة تنقضي بالدم الجاري، فبغيره أولى. السادسة: قوله تعالى { مخلقة وغير مخلقة} قال الفراء { مخلقة} تامة الخلق، { وغير مخلقة} السقط. وقال ابن الأعرابي { مخلقة} قد بدأ خلقها، { وغير مخلقة} لم تصور بعد. ابن زيد : المخلقة التي خلق الله فيها الرأس واليدين والرجلين، وغير مخلقة التي لم يخلق فيها شيء. قال ابن العربي : إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإن النطفة والعلقة والمضغة مخلقة؛ لأن الكل خلق الله تعالى، وإن رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال الله تعالى { ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون : 14] فذلك ما قال ابن زيد. قلت : التخليق من الخلق، وفيه معنى الكثرة، فما تتابع عليه الأطوار فقد خلق خلقا بعد خلق، وإذا كان نطفة فهو مخلوق؛ ولهذا قال الله تعالى { ثم أنشأناه خلقا آخر} [المؤمنون : 14] والله أعلم. وقد قيل : إن قوله { مخلقة وغير مخلقة} يرجع إلى الولد بعينه لا إلى السقط؛ أي منهم من يتم الرب سبحانه مضغته فيخلق له الأعضاء أجمع، ومنهم من يكون خديجا ناقصا غير تمام. وقيل : (المخلقة أن تلد المرأة لتمام الوقت). ابن عباس : المخلقة ما كان حيا، وغير المخلقة السقط. قال. أفي غير المخلقة البكاء ** فأين الحزم ويحك والحياء السابعة: أجمع العلماء على أن الأمة تكون أم ولد بما تسقطه من ولد تام الخلق. وعند مالك والأوزاعي وغيرهما بالمضغة كانت مخلقة أو غير مخلقة. قال مالك : إذا علم أنها مضغة. وقال الشافعي وأبو حنيفة : إن كان قد تبين له شيء من خلق بني آدم أصبع أو عين أو غير ذلك فهي له أم ولد. وأجمعوا على أن المولود إذا استهل صارخا يصلى عليه؛ فإن لم يستهل صارخا لم يصل عليه عند مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم. وروي عن ابن عمر أنه يصلى عليه؛ وقال ابن المسيب وابن سيرين وغيرهما. وروي عن المغيرة بن شعبة أنه (كان يأمر بالصلاة على السقط، ويقول سموهم واغسلوهم وكفنوهم وحنطوهم؛ فإن الله أكرم بالإسلام كبيركم وصغيركم، ويتلو هذه الآية { فإنا خلقناكم من تراب - إلى - وغير مخلقة} .) قال ابن العربي : لعل المغيرة بن شعبة أراد بالسقط ما تبين خلقه فهو الذي يسمى، وما لم يتبين خلقه فلا وجود له. وقال بعض السلف : يصلى عليه متى نفخ فيه الروح وتمت له أربعة أشهر. وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إذا استهل المولود ورث). الاستهلال : رفع الصوت؛ فكل مولود كان ذلك منه أو حركة أو عطاس أو تنفس فإنه يورث لوجود ما فيه من دلالة الحياة. وإلى هذا ذهب سفيان الثوري والأوزاعي والشافعي. قال الخطابي : وأحسنه قول أصحاب الرأي. وقال مالك : لا ميراث له وإن تحرك أو عطس ما لم يستهل. وروي عن محمد بن سيرين والشعبي والزهري وقتادة. الثامنة: قال مالك رضي الله عنه : ما طرحته المرأة من مضغة أو علقة أو ما يعلم أنه ولد إذا ضرب بطنها ففيه الغرة. وقال الشافعي : لا شيء فيه حتى يتبين من خلقه. قال مالك : إذا سقط الجنين فلم يستهل صارخا ففيه الغرة. وسواء تحرك أو عطس فيه الغرة أبدا، حتى يستهل صارخا ففيه الدية كاملة. وقال الشافعي رضي الله عنه وسائر فقهاء الأمصار : إذا علمت حياته بحركة أو بعطاس أو باستهلاك أو بغير ذلك مما تستيقن به حياته ففيه الدية. التاسعة: ذكر القاضي إسماعيل أن عدة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع، واحتج عليه بأنه حمل، وقال قال الله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} . قال القاضي إسماعيل : والدليل على ذلك أنه يرث أباه، فدل على وجوده خلقا وكونه ولدا وحملا. قال ابن العربي : ولا يرتبط به شيء من هذه الأحكام إلا أن يكون مخلقا. قلت : ما ذكرناه من الاشتقاق وقوله عليه الصلاة والسلام : (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه) يدل على صحة ما قلناه، ولأن مسقطة العلقة والمضغة يصدق على المرأة إذا ألقته أنها كانت حاملا وضعت ما استقر في رحمها، فيشملها قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق : 4] ولأنها وضعت مبدأ الولد عن نطفة متجسدا كالمخطط، وهذا بين. العاشرة: روى ابن ماجه حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد بن مخلد حدثنا يزيد عن عبدالملك النوفلي عن يزيد بن رومان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لسقط أقدمه بين يدي أحب إلي من فارس أخلفه [خلفي]). وأخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث له عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة فقال : (أحب إلي من ألف فارس أخلفه ورائي). الحادية عشرة: { لنبين لكم} يريد : كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم. { ونقر في الأرحام} قرئ بنصب { نقر} و { نخرج} ، رواه أبو حاتم عن أبي زيد عن المفضل عن عاصم قال قال أبو حاتم : النصب على العطف. وقال الزجاج { نقر} بالرفع لا غير؛ لأنه ليس المعنى : فعلنا ذلك لنقر في الأرحام ما نشاء، وإنما خلقهم عز وجل ليدلهم على الرشد والصلاح. وقيل : المعنى لنبين لهم أمر البعث؛ فهو اعتراض بين الكلامين. وقرأت هذه الفرقة بالرفع { ونقر} ؛ المعنى : ونحن نقر. وهي قراءة الجمهور. وقرئ { ويقر} و { يخرجكم} بالياء، والرفع على هذا سائغ. وقرأ. ابن وثاب { ما نشاء} بكسر النون. والأجل المسمى يختلف بحسب جنين جنين؛ فثم من يسقط وثم من يكمل أمره ويخرج حيا. وقال { ما نشاء} ولم يقل من نشاء لأنه يرجع إلى الحمل؛ أي يقر في الأرحام ما نشاء من الحمل ومن المضغة وهي جماد فكنى عنها بلفظ ما. الثانية عشرة: قوله تعالى { ثم نخرجكم طفلا} أي أطفالا؛ فهو اسم جنس. وأيضا فإن العرب قد تسمي الجمع باسم الواحد؛ قال الشاعر : يلحينني في حبها ويلمنني ** إن العواذل ليس لي بأمير ولم يقل أمراء. وقال المبرد : وهو اسم يستعمل مصدرا كالرضا والعدل، فيقع على الواحد والجمع؛ قال الله تعالى { أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء} [النور : 31]. وقال الطبري : وهو نصب على التمييز، كقوله تعالى { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} [النساء : 4]. وقيل : المعنى ثم نخرج كل واحد منكم طفلا. والطفل يطلق من وقت انفصال الولد إلى البلوغ. وولد كل وحشية أيضا طفل. ويقال : جارية طفل، وجاريتان طفل وجوار طفل، وغلام طفل، وغلمان طفل. ويقال أيضا : طفل وطفلة وطفلان وطفلتان وأطفال. ولا يقال : طفلات. وأطفلت المرأة صارت ذات طفل. والمطفلة : الظبية معها طفلها، وهي قريبة عهد بالنتاج. وكذلك الناقة، [والجمع] مطافل ومطافيل. والطفل (بالفتح في الطاء) الناعم؛ يقال : جارية طفلة أي ناعمة، وبنان طفل. وقد طفل الليل إذا أقبل ظلامه. والطفل (بالتحريك) : بعد العصر إذا طفلت الشمس للغروب. والطفل (أيضا) : مطر؛ قال : لوهد جاده طفل الثريا قوله تعالى { ثم لتبلغوا أشدكم} قيل : إن { ثم} زائدة كالواو في قوله { حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها} [الزمر : 73]؛ لأن ثم من حروف النسق كالواو. { أشدكم} كمال عقولكم ونهاية قواكم. وقد مضى في { الأنعام} بيانه. { ومنكم من يرد إلى أرذل العمر} أي أخسه وأدونه، وهو الهرم والخرف حتى لا يعقل؛ ولهذا قال { لكيلا يعلم من بعد علم شيئا} كما قال في سورة يس { ومن نعمره ننكسه في الخلق} [يس : 68]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : (اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر وأعوذ بك من فتنة الدنيا وعذاب القبر). أخرجه النسائي عن سعد، وقال : وكان يعلمهن بنيه كما يعلم المكتب الغلمان. وقد مضى في النحل هذا المعنى. قوله تعالى { وترى الأرض هامدة} ذكر دلالة أقوى على البعث فقال في الأول { فإنا خلقناكم من تراب} فخاطب جمعا. وقال في الثاني { وترى الأرض} فخاطب واحدا، فانفصل اللفظ عن اللفظ، ولكن المعنى متصل من حيث الاحتجاج على منكري البعث. { هامدة} يابسة لا تنبت شيئا؛ قال ابن جريج. وقيل : دارسة. والهمود الدروس. قال الأعشى : قالت قتيلة ما لجسمك شاحبا ** وأرى ثيابك باليات همدا الهروي { هامدة} أي جافة ذات تراب. وقال شمر : يقال : همد شجر الأرض إذا بلي وذهب. وهمدت أصواتهم إذا سكنت. وهمود الأرض ألا يكون فيها حياة ولا نبت ولا عود ولم يصبها مطر. وفي الحديث : (حتى كاد يهمد من الجوع) أي يهلك. يقال : همد الثوب يهمد إذا بلي. وهمدت النار تهمد. قوله تعالى { فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت} أي تحركت. والاهتزاز : شدة الحركة؛ يقال : هززت الشيء فاهتز؛ أي حركته فتحرك. وهز الحادي الإبل هزيزا فاهتزت هي إذا تحركت في سيرها بحدائه. واهتز الكوكب في انقضاضه. وكوكب هاز. فالأرض تهتز بالنبات؛ لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة خفية؛ فسماه اهتزازا مجازا. وقيل : اهتز نباتها، فحذف المضاف؛ قال المبرد، واهتزازه شدة حركته، كما قال الشاعر : تثنى إذا قامت وتهتز إن مشت ** كما اهتز غصن البان في ورق خضر والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض. { وربت} أي ارتفعت وزادت. وقيل : انتفخت؛ والمعنى واحد، وأصله الزيادة. ربا الشيء يربو ربوا أي زاد؛ ومنه الربا والربوة. وقرأ يزيد بن القعقاع وخالد بن إلياس { وربأت} أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الربيئة، وهو الذي يحفظ القوم على شيء مشرف؛ فهو رابئ وربيئة على المبالغة. قال امرؤ القيس : بعثنا ربيئا قبل ذاك مخملا ** كذئب الغضا يمشي الضراء ويتقي { وأنبتت} أي أخرجت. { من كل زوج} أي لون. { بهيج} أي حسن؛ عن قتادة. أي يبهج من يراه. والبهجة الحسن؛ يقال : رجل ذو بهجة. وقد بهج (بالضم) بهاجة وبهجة فهو بهيج. وأبهجني أعجبني بحسنه. ولما وصف الأرض بالإنبات دل على أن قوله { اهتزت وربت} يرجع إلى الأرض لا إلى النبات. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 3 - 5


سورة الحج الايات 5 - 10

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ.. } [الحج: 5].

الريب: الشك. فالمعنى: إنْ كنتم شاكِّين في مسألة البعث، فإليكم الدليل على صِدْقه { فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ.. } [الحج: 5] أي: الخَلْق الأول، وهو آدم عليه السلام، أما جمهرة الناس بعد آدم فخُلِقوا من (نطفة) حية من إنسان حي.

والمتتبع لآيات القرآن يجد الحق - سبحانه وتعالى - يقول مرة في خَلْق الإنسان: { مِّن تُرَابٍ.. } [الحج: 5]، ومرة
{  مِن مَّآءٍ.. }
[الطارق: 6]، و
{  مِّن طِينٍ.. }
[الأنعام: 2]، و
{  مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ.. }
[الحجر: 26]، و
{  مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ.. }
[الرحمن: 14] وهذه التي دعتْ المستشرقين إلى الاعتراض على أسلوب القرآن، يقولون: من أيِّ هذه الأشياء خُلِقْتم؟

وهذا الاعتراض ناشيء من عدم فَهْم لغة القرآن، فالتراب والماء والطين والحمأ والمسنون والصلصال، كلها مراحل متعددة للشيء الواحد، فإذا وضعتَ الماء على التراب صار طيناً، فإنْ تركتَ الطين حتى يتخمّر، ويتداخل بعضه في بعض حتى لا تستطيع أنْ تُميِّز عنصراً فيه عن الآخر. وهذا عندما يعطَنُ وتتغير رائحته يكون هو الحمأ المسنون، فإنْ جَفَّ فهو صلصال كالفخار، ومنه خلق اللهُ الإنسان وصوَّره، ونفخ فيه من روحه، إذن: هذه مراحل للشيء الواحد، ومرور الشيء بمراحل مختلفة لا يُغيِّره.

ثم تكلم سبحانه عن الخَلْق الثاني بعد آدم عليه السلام، وهم ذريته، فقال: { مِن نُّطْفَةٍ.. } [الحج: 5] والنطفة في الأصل هي قطرة الماء العَذْب، كما جاء في قول الشاعر:
بَقَايَا نِطَافٍ أودَعَ الغيمُ صَفْوَهَا   مُثقَّلَةُ الأرجَاء زُرْقُ الجَوانبِ
ولا تظهر زُرْقة الماء إلا إذا كان صافياً لا يشوبه شيء، وكذلك النطفة هي خلاصة الخلاصة، لأن جسم الإنسان تحدث فيه عملية الاحتراق، وعملية الأيض أي: الهدم والبناء بصفة مستمرة ينتج عنها خروج الفضلات المختلفة من الجسم: فالبول، والغائط، والعرق، والدموع، وصَمْغ الأذن، كلها فضلات ناتجة عن احتراق الطعام بداخل الجسم حيث يمتص الجسم خلاصة الغذاء، وينقلها إلى الدم.

ومن هذه الخلاصة يُستخلص منيُّ الإنسان الذي تؤخذ منه النطفة، فهو - إذن - خلاصة الخلاصة في الإنسان، ومنه يحدث الحمل، ويتكَّون الجنين، وكأن الخالق - عز وجل - قد صَفَّاها هذه التصفية ونقَّاها كل هذا النقاء؛ لأنها ستكون أصْلاً لأكرم مخلوقاته، وهو الإنسان.

وهذه النطفة لا تنزل من الإنسان إلا في عملية الجماع، وهي ألذُّ متعة في وجود الإنسان الحيِّ، لماذا؟ لو تأملتَ متعة الإنسان ولذاته الأخرى مثل: لذة الذَّوْق، أو الشم، أو الملمس، فهي لذَّاتٌ معروفة محددة بحاسَّة معينة من حواس الإنسان، أمّا هذه اللذة المصاحبة لنزول المنيِّ أثناء هذه العملية الجنسية فهي لذة شاملة يهتز لها الجسم كله، ولا تستطيع أنْ تُحدِّد فيها منطقة الإحساس، بل كل ذرة من ذرات الجسم تحسها.لذلك أمرنا ربنا - عز وجل - أن نغتسل بعد هذه العملية؛ لأنها شغلتْ كل ذرة من ذرات تكوينك، وربما - عند العارفين بالله - لا تغفل عن الله تعالى إلا في هذه اللحظة؛ لذلك كان الأمر بالاغتسال بعدها، هو قول العلماء.

أما أهل المعرفة عن الله وأهل الشطح وأهل الفيوضات فيقولون: إن الله خلق آدم من طين، وجعل نَسْله من هذه النطفة الحية التي وضعها في حواء، ثم أتى منها كل الخَلْق بعده، فكأن في كل واحد منا ذرة من أبيه آدم؛ لأنه لو طرأ على هذه الذرة موت ما كان نَسْلٌ بعد آدم، فهذه الذرة موجودة فيك في النطفة التي تلقيها ويأتي منها ولدك، وهي أصْفى شيء فيك؛ لأنها الذرة التي شهدتْ الخَلْق الأول خَلْق أبيك آدم عليه السلام.

وقد قرّبنا هذه المسألة وقلنا: لو أنك أخذت سنتيمتراً من مادة ملونة، ووضعته في قارورة ماء، ثم أخذتَ ترجُّ القارورة حتى اختلط الماء بالمادة الملونة فإن كل قطرة من الماء بها ذرة من هذه المادة، وهكذا لو ألقيتَ القارورة في برميل..الخ.

إذن: فكل إنسان مِنّا فيه ذرة من أبيه آدم عليه السلام، هذه الذرة شهدتْ خَلْق آدم، وشهدتْ العهد الأول الذي أخذه الله على عباده في قوله تعالى:
{  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ.. }
[الأعراف: 172].

لذلك؛ يُسمِّي الله تعالى إرسال الرسل بَعْثاً فيقول:
{  بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً }
[الفرقان: 41] بعثه: كأنه كان موجوداً وله أَصْل في رسالة مباشرة من الله حين أخذ العهد على عبادة، وهم في ظَهْر آدم عليه السلام، كما يخاطب الرسول بقوله:
{  فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ }
[الغاشية: 21] أي: مُذكِّر بالعهد القديم الذي أخذناه على أنفسنا.

لذلك اقرأ الآية:
{  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ.. }
[الأعراف: 172].

هذا في مرحلة الذِّرِّ قبل أنْ يأتي الهوى في النفوس
{  أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ }
[الأعراف: 172 - 173]

إذن: بعث الله الرسل لتُذكِّر بالعهد الأول، حتى لا تحدث الغفلة، وحتى تقيم على الناس الحجة.

ثم يقول تعالى: { ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ.. } [الحج: 5] سمِّيت النطفة علقة؛ لأنها تعلَقُ بالرحم، يقول تعالى في آية أخرى:
{  أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ }
[القيامة: 37 - 38].

فالمنيُّ هو السائل الذي يحمل النطفة، وهي الخلاصة التي يتكوَّن منها الجنين، والعَلَقة هنا هي البُويْضَة المخصَّبة، فبعد أنْ كان للبويضة تعلُّق بالأم، وللحيوان المنوي (النطفة) تعلُّق بالأب، اجتمعا في تعلُّق جديد والتقيَا ليتشبَّثا بجدار الرحم، وكأن فيها ذاتية تجعلها تعلَق بنفسها، يُسمُّونها (زيجوت).ومنها قولهم: فلان هذا مثل العلقة إذ كان ملازماً لك.

بعد ذلك تتحول العلقة إلى مضغة { ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ.. } [الحج: 5] والمضغة: هي قطعة لحم صغيرة قَدْر ما يُمضغ من الطعام، وهو خليط من عِدَّة أشياء، كما لو أكلتَ مثلاً قطعة لحم مع ملعقة خضار مع ملعقة أرز، وبالمضغ يتحوّل هذا إلى خليط، ذلك لأن جسم الإنسان لا يتكَّون من عنصر واحد، بل من ستة عشر عنصراً.

هذه المضغة { مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ.. } [الحج: 5] معنى مخلقة يعني: يظهر عليها هيكل الجسم، وتتشكَّل على صورته، فهذه للرأس، وهذه للذراع، وهذه للرِّجْل وهكذا، يعني تخلَّقتْ على هيئة الأنسان.

أما غير المخلَّقة، فقد عرفنا مؤخراً أنها الخلايا التي تُعوِّض الجسم وتُرقِّعه إذا أصابه عَطَب فهي بمثابة (احتياطي) لإعادة تركيب ما تلف من أنسجة الجسم وترميمها، كما يحدث مثلاً في حالة الجُرْح فإنْ تركتَه لطبيعة الجسم يندمل شيئاً فشيئاً، دون أنْ يتركَ أثراً.

نرى هذا في أولاد الفلاحين، حين يُجرح الواحد منهم، أو تظهر عنده بعض الدمامل، فيتركونها لمقاومة الجسم الطبيعية، وبعد فترة تتلاشى هذه الدمامل دون أنْ تتركَ أثراً على الإطلاق؛ لأنهم تركوا الجسم للصيدلية الربانية.

أما إذا تدخَّلنا في الجُرْح بمواد كيماوية إو خياطة أو خلافه فلا بُدَّ أن يترك أثراً، فترى مكانه لامعاً؛ لأن هذه المواد أتلفت مسام الجسم؛ لذلك نجد مثل هذه الأماكن من الجسم قد تغيرتْ، ويميل الإنسان إلى حَكِّها (وهرشها)؛ لأن هذه المسام كانت تُخرِج بعض فضلات الجسم على هيئة عرق، فلما انسدت هذه المسام سببت هذه الظاهرة. هذا كله لأننا تدخَّلْنا في الطبيعة التي خلقها الله.

إذن: فمعنى { وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ.. } [الحج: 5] هي الصيدلية التي تُعوِّض وتُعيد بناء ما تلف من جسم الإنسان.

ثم يقول سبحانه: { لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى.. } [الحج: 5] أي: نُوضِّح لكم كل ما يتعلَّق بهذه المسألة { وَنُقِرُّ فِي ٱلأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ.. } [الحج: 5] وهي المضْغة التي قُدِّر لها أنْ تكون جنيناً يكتمل إلى أنْ يولد؛ لذلك قال: { إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى.. } [الحج: 5] أو نسقطه ميتاً قبل ولادته.

فإنْ قلتَ: وما الحكمة من خَلْقه وتصويره، إنْ كان قد قُدِّر له أنْ يموت جنيناً؟ نقول: لنعرف أن الموت أمر مُطْلق لا رابطَ له ولا سِنّ، فالموت يكون للشيخ كما يكون للجنين في بطن أمه، ففي أيِّ وقت ينتهي الأجل.

وقوله تعالى: { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً.. } [الحج: 5] قال: { نُخْرِجُكُمْ.. } [الحج: 5]بصيغة الجمع ولم يقُلْ: أطفالاً إنما { طِفْلاً.. } [الحج: 5] بصيغة المفرد، لماذا؟ قالوا: في اللغة ألفاظ يستوي فيها المفرد والجمع، فطفل هنا بمعنى أطفال، وقد وردتْ أطفال في موضع آخر في قوله سبحانه:
{  وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ.. }
[النور: 59].

وكما تقول هذا رجل عَدْل، ورجال عَدْل. وفي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - يتكلم عن الأصنام فيقول:
{  فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي.. }
[الشعراء: 77] ولم يقُلْ: أعداء. وحينما تكلم عن ضَيْفه قال:
{  هَؤُلآءِ ضَيْفِي.. }
[الحجر: 68] ولم يقل: ضيوفي، إذن: المفرد هنا يُؤدِّي معنى الجمع.

ثم يقول سبحانه: { ثُمَّ لِتَبْلُغُوۤاْ أَشُدَّكُمْ.. } [الحج: 5] وهكذا، وسبق أنْ تحدَّثنا عن مراحل عمر الإنسان، وأنه يمر بمرحلة الرُّشْد: رُشْد البنية حين يصبح قادراً على إنجاب مثله، ورُشْد العقل حين يصبح قادراً على التصرّف السليم، ويُحسن الاختيار بين البدائل.

ثم تأتي مرحلة الأشد:
{  حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ.. }
[الأحقاف: 15] يعني: نضج نُضْجاً من حوادث الحياة أيضاً.

ثم يقول تعالى: { وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِ.. } [الحج: 5] وأرذل العمر يعني رديئه، حين تظهر على الإنسان علامات الخَوَر والضعف { لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً.. } [الحج: 5] لأنه ينسى، وعندها يعرف أن صحته وقوته وسلطانه ليست ذاتية فيه، إنما موهوبة له من الله.

وإذا بلغ الرجل أرذلَ العمر يعود من جديد إلى مرحلة الطفولة تدريجياً، فيحتاج لمَنْ يأخذ بيده ليقوم أو ليمشي، كما تأخذ بيد الطفل الصغير، فإذا تكلّم يتهته ويتلعثم كالطفل الذي يتعلم الكلام.. وهكذا في جميع شئونه.

لذلك يقولون: الزواج المبكر أقرب طريق لإنجاب (والد) يعولُك في طفولة شيخوختك، ولم يقُلْ: ولداً؛ لأنه سيقوم معك فيما بعد بدوْر الوالد، يقولون: لحق والده يعني سنُّهما متقارب.

لكن، لماذا يُرَدُّ بعضنا إلى أرذل العمر دون بعض؟ الحق سبحانه جعلها نماذج حتى لا نقول: يا ليت أعمارنا تطول؛ لأن أعمار الجميع لو طالتْ إلى أرذَلِ العمر لأصبح الأمر صعباً علينا، فمن رحمة الله بنا أنْ خلق الموت.

ثم يقول تعالى: { وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [الحج: 5]

أي: كما كان خَلْق الإنسان من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مُضْغة مُخلَّقة وغير مُخلَّقة، ثم أخرجه طفلاً، وبلغ أَشُدَّهُ، ومنهم مَنْ مات، ومنهم مَنْ يُرَدُّ إلى أرذَل العمر، كذلك الحال في الأرض: { وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً.. } [الحج: 5].

هامدة: ساكنة، ومنه قولنا للولد كثيرالحركة: اهمد { فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ.. } [الحج: 5] أي: تحركتْ ذراتُها بالنبات بعد سكونها.

والاهتزاز: تحرُّك ما كنت تظنه ثابتاً، وليس ما كان ثابتاً في الواقع؛ لأن لكل كائن حركة في ذاته، حتى قطعة الحديد الجامدة لها حركة بين ذراتها، لكن ليس لديْك من وسائل الإدراك ما تدرك به هذه الحركة. ولو تأملت المغناطيس لأدركتَ هذه الحركة بين ذراته، فحين تُدلِّك القضيب الممغنط وتُمرِّره على قضيب آخر غير مُمغنط في اتجاه واحد، فإنه يكتسب منه المغناطيسية، وتمرير المغناطيس في اتجاه واحد معناه تعديل للذرات لتحمل شحنة واحدة سالبة أو موجبة، فإن اختلف اتجاه الدَّلْك فإن الذرات أيضاً تختلف.إذن: في الحديد - رمز الصلابة والجمود - حركة وحياة تناسبه، وإنْ خُيِّل إليك أنه أصمُّ جامد في ظاهرة.

لذلك نقول { هَامِدَةً.. } [الحج: 5] يعني: ساكنة في رَأْي العلم، حيث لا نباتَ فيها ثم { ٱهْتَزَّتْ.. } [الحج: 5] يعني: زادتْ ورَبَتْ وتحركتْ لإخراج النبات، إنما هي في الحقيقة لم تكُنْ ساكنة مُطْلقاً؛ لأن فيها حركة ذاتية بين ذراتها.

ومعنى: { وَرَبَتْ.. } [الحج: 5] أي: زادت عن حجمها، كما تزيد حبة الفول مثلاً حين تُوضَع في الماء، وتأخذ حظها من الرطوبة، وكذلك في جميع البقول، وهذه الزيادة في حجم الحبة هي التي تفلقها إلى فلقتين في عملية الإنبات، ويخرج منها زبان يتجه إلى أعلى فيكون الساق الذي يبحث عن الهواء، وإلى أسفل فيكون الجذر الذي يبحث عن الماء. وتظل هاتان الفلقتان مصدرَ غذاءٍ للنبتة حتى تقوى، وتستطيع أنْ تمتصَّ غذاءها من التربة، فإذا أدَّتْ هاتان الفلقتان مهمتهما في تغذية النبتة تحوَّلتَا إلى ورقتين، وهما أول ورقتين في تكوين النبتة.

كذلك، نلاحظ في تغذية النبات أنه لا يأخذ كُلَّ غذائه من التربة، إنما يتغذى بنسبة ربما 90 بالمائة من غذائه من الهواء، وتستطيع أن تلاحظ هذه الظاهرة إذا نظرتَ إلى إصيص به زرع، فسوف تجد ما نقص من التربة كمية لا تُذكَر بالنسبة لحجم النبات الذي خرج منها.

وحين تتأمل جذر النبات تجد فيه آية من آيات الله، فالجذر يمتد إلى أن يصل إلى الرطوبة أو الماء، حتى إذا وصل إلى مصدر غذائه توقَّف، ولك أن تنظر مثلاً إلى (كوز الحلبة) فسوف تجد الجذور غير متساوية في الطول، بحسب بُعد الحبة عن مصدر الرطوبة.

{ وَرَبَتْ.. } [الحج: 5] أي: زادت وانتفشتْ، كما يحدث في العجين حين تضع فيه الخميرة { وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [الحج: 5].

هذه صورة حيَّة واقعية نلاحظها جميعاً عياناً: الأرض تكون جرداء ساكنة، لا حركةَ فيها، فإذا ما نزل عليها الماء تغيرتْ وتحركتْ ذراتها وتشققتْ عن النبات، ولو حتى بالمطر الصناعي، كما نرى في عرفة مثلاً ينزل عليها المطر الصناعي فيخضرُّ الوادي، لكن حينما ينقطع الماء يعود كما كان لعدم موالاة الماء، ولو واليتَ عليها بالماء لصارت غابات وأحراشاً وبساتين كالتي نراها في أوروبا.

والمطر لا يحتاج أنْ تُسوَّى له الأرض؛ لأنه يسْقِي المرتفع والمنخفض على السواء، على خلاف الأرض التي تسقيها أنت لا بُدَّ أن تُسوِّيها للماء حتى يصل إليها جميعاً.

فإذا أنزل الله تعالى المطر على الأرض الجدباء الجرداء تراها تتفتق بالنبات، فمن أين جاءت هذه البذور؟ وكيف لم يُصِبْها العطب، وهي في الأرض طوال هذه الفترات؟ الأرض هي التي تحفظها من العطب إلى أن تجد البيئة المناسبة للإنبات، وهذا النبات الذي يخرج من الأرض دون تدخُّل الإنسان يسمونه (عِذْى).أما عن نَقْل هذه البذور في الصحراء وفي الوديان، فهي تنتقل بواسطة الريح، أو في رَوَث الحيوانات.

ومعنى: { مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [الحج: 5] الزوج: البعض يظن الزوج يعني الاثنين، إنما الزوج كلمة مفردة تدل على واحد مفرد معه مِثْله من جنسه، ففي قوله تعالى:
{  وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }
[النجم: 45] فكل منهما زوج، وكما نقول: زوج أحذية يعني فردة حذاء معها فردة أخرى مثلها، ومثلها كلمة توأم يعني مولود معه مثله فكل واحد منهما يسمى (توأم) وهما معاً (توأمان) ولا نقول: هما توأم.

وهنا مظهر من مظاهر دِقَّة الأداء القرآني: { كُلِّ زَوْجٍ.. } [الحج: 5] لأن كل المخلوقات، سواء أكانت جماداً أو نباتاً أو حيواناً، لا بُدَّ فيه من ذكر وأنثى، هذه الزوجية قال الله فيها:
{  وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ.. }
[الذاريات: 49] حتى في الجماد الذي نظنه جماداً لا حركةَ فيه، يتكَّون من زوجين: سالب وموجب في الكهرباء، وفي الذرة، وفي المغناطيس، فكلُّ شيء يعطي أعلى منه، فلا بُدَّ فيه من زوجيْن.

لذلك، فالحق سبحانه وتعالى حينما عالج هذه المسألة عالجها برصيد احتياطي في القرآن، يقول سبحانه:
{  سُبْحَانَ ٱلَّذِي خَلَق ٱلأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36].

فقوله سبحانه:
{  وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ }
[يس: 36] رصيد عالٍ لما سيأتي به العلم من اكتشافات تثبت صِدْق القرآن على مَرِّ الأيام، ففي الماضي عرفنا الكهرباء، وأنها سالب وموجب فقلنا: هذه مما لا نعلم، وفي الماضي القريب عرفنا الذرة فقلنا: هذه مما لا نعلم، وفي الماضي القريب عرفنا الذرة فقلنا: هذه مما لا نعلم، وهذا وجه من وجوه الإعجاز في القرآن الكريم.

إذن: خُذْها قضية عامة: كل شيء يتكاثر إلى أعلى منه، فلا بُدَّ ان فيه زوجية.

فقوله تعالى: { وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } [الحج: 5] فالزوج من النبات مفرد معه مثله، وهذا واضح في لقاح الذكر والأنثى، هذا اللقاح قد يكون في الذكر وحده، أو في الأنثى وحدها كما في النخل مثلاً، وقد يكون العنصران معاً في النبات الواحد كما في سنبلة القمح أو كوز الذرة.

ولو تأملت نبات الذرة لوجدتَ له في أعلاه (شوشة) بها حبيبات دقيقة تحمل لقاح الذكورة، وفي منتصف العود يخرج الكوز، وبه شعيرات تصل كل شعرة منها إلى حبة من حبات الذرة المصطفة على الكوز، وهذه تحمل لقاح الأنوثة، فإذا هبَّتْ الريح هزَّتْ أعلى العود فتساقطت لقاحات الذكورة على هذه الشعيرات فلقحتها؛ لذلك نرى الحبة التي لا يخرج منها شعرة إلى خارج الغلاف تضمر وتموت؛ لأنها لم تأخذ حظها من اللقاح.ومعنى: { بَهِيجٍ } [الحج: 5] من البهجة، فالمراد: الشيء حسن المنظر والجميل الذي يجذب الأنظار إليه، وبهجة النظر إلى النبات شائعة لا تقتصر على مَنْ يملكه بخلاف الأكل منه، فحين تمر ببستان أو حديقة تتمتع بمنظرها وجمال ألوانها وتُسَرُّ برائحتها.

وفي النفس الإنسانية ملكات تتغذى على هذه الخضرة، وعلى هذه الألوان وتنبسط لهذا الجمال، ولو لم تكُنْ تمتلكه.

لذلك الحق - سبحانه وتعالى - ينبهنا إلى هذه المسألة في قوله تعالى:
{  ٱنْظُرُوۤاْ إِلِىٰ ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ.. }
[الأنعام: 99] أي: أن النظر مشاع للجميع، ثم بعد ذلك اتركوا الخصوصيات لأصحابها، تمتَّعوا بما خلق الله، ففي النفس ملكَات أخرى غير الطعام.

واقرأ أيضاً قوله تعالى في الخيل:
{  وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ }
[النحل: 6] فليست الخيل لحمل الأثقال وفقط، وإنما فيها جمال وأُبَّهة، تُرضِي شيئاً في نفوسكم، وتُشْبِع ملكَة من ملكاتها.

ثم يقول الحق سبحانه: { ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ.. }

.


www.alro7.net