سورة
اية:

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء، وجعل شعاع القمر نوراً، هذا فن وهذا فن آخر؛ ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدّر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيراً، ثم يتزايد نوره وجرمه حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حالته الأولى في تمام شهر، كقوله تعالى: { والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم} . وقوله تعالى: { والشمس والقمر حسبانا} ، { وقدره} أي القمر، { منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام، { ما خلق اللّه ذلك إلا بالحق} أي لم يخلقه عبثاً بل له حكمة عظيمة في ذلك وحجة بالغة، كقوله تعالى: { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا} ، وقال تعالى: { أفحسبتم إنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} ، وقوله: { نفصل الآيات} أي نبين الحجج والأدلة، { لقوم يعلمون} ، وقوله: { إن في اختلاف الليل والنهار} أي تعاقبهما إذا جاء هذا ذهب هذا، وإذا ذهب هذا جاء هذا، لا يتأخر عنه شيئاً كقوله: { يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا} ، وقال: { لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر} الآية، وقوله: { وما خلق اللّه في السماوات والأرض} أي من الآيات الدالة على عظمته تعالى، كما قال: { وكأين من آية في السموات والأرض} الآية، وقوله: { قل انظروا ماذا في السموات والأرض} ، وقال: { إن في خلق السموات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيات لأولي الألباب} أي العقول، وقال ههنا { لآيات لقوم يتقون} ، أي عقاب اللّه وسخطه وعذابه.

تفسير الجلالين

{ هو الذي جعل الشمس ضياءً } ذات ضياء، أي نور { والقمر نورا وقدره } من حيث سيره { منازل } ثمانية وعشرين منزلا في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر، ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوما، أو ليلة إن كان تسعة وعشرين يوما { لتعلموا } بذلك { عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك } المذكور { إلا بالحق } لا عبثا تعالى عن ذلك { يفصل } بالياء والنون يبين { الآيات لقوم يعلمون } يتدبرون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِل } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّكُمْ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْس ضِيَاء } بِالنَّهَارِ { وَالْقَمَر نُورًا } بِاللَّيْلِ , وَمَعْنَى ذَلِكَ : هُوَ الَّذِي أَضَاءَ الشَّمْس وَأَنَارَ الْقَمَر , { وَقَدَّرَهُ مَنَازِل } يَقُول : قَضَاهُ فَسَوَّاهُ مَنَازِل لَا يُجَاوِزهَا , وَلَا يَقْصُر دُونهَا عَلَى حَال وَاحِدَة أَبَدًا . وَقَالَ : { وَقَدَّرَهُ مَنَازِل } فَوَحَّدَهُ , وَقَدْ ذَكَرَ الشَّمْس وَالْقَمَر , فَإِنَّ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ تَكُون الْهَاء فِي قَوْله : { وَقَدَّرَهُ } لِلْقَمَرِ خَاصَّة ; لِأَنَّ بِالْأَهِلَّةِ يُعْرَف اِنْقِضَاء الشُّهُور وَالسِّنِينَ لَا بِالشَّمْسِ . وَالْآخَر : أَنْ يَكُون اِكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدهمَا عَنْ الْآخَر , كَمَا قَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { وَاَللَّه وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ } 9 62 وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْت مِنْهُ وَوَالِدِي بَرِيًّا وَمِنْ جُول الطَّوِيّ رَمَانِي الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْس ضِيَاء وَالْقَمَر نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِل } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّكُمْ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْس ضِيَاء } بِالنَّهَارِ { وَالْقَمَر نُورًا } بِاللَّيْلِ , وَمَعْنَى ذَلِكَ : هُوَ الَّذِي أَضَاءَ الشَّمْس وَأَنَارَ الْقَمَر , { وَقَدَّرَهُ مَنَازِل } يَقُول : قَضَاهُ فَسَوَّاهُ مَنَازِل لَا يُجَاوِزهَا , وَلَا يَقْصُر دُونهَا عَلَى حَال وَاحِدَة أَبَدًا . وَقَالَ : { وَقَدَّرَهُ مَنَازِل } فَوَحَّدَهُ , وَقَدْ ذَكَرَ الشَّمْس وَالْقَمَر , فَإِنَّ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ تَكُون الْهَاء فِي قَوْله : { وَقَدَّرَهُ } لِلْقَمَرِ خَاصَّة ; لِأَنَّ بِالْأَهِلَّةِ يُعْرَف اِنْقِضَاء الشُّهُور وَالسِّنِينَ لَا بِالشَّمْسِ . وَالْآخَر : أَنْ يَكُون اِكْتَفَى بِذِكْرِ أَحَدهمَا عَنْ الْآخَر , كَمَا قَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { وَاَللَّه وَرَسُوله أَحَقّ أَنْ يُرْضُوهُ } 9 62 وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : رَمَانِي بِأَمْرٍ كُنْت مِنْهُ وَوَالِدِي بَرِيًّا وَمِنْ جُول الطَّوِيّ رَمَانِي ' وَقَوْله : { لِتَعْلَمُوا عَدَد السِّنِينَ وَالْحِسَاب } يَقُول : وَقَدَّرَ ذَلِكَ مَنَازِل لِتَعْلَمُوا أَنْتُمْ أَيّهَا النَّاس عَدَد السِّنِينَ : دُخُول مَا يَدْخُل مِنْهَا , وَانْقِضَاء مَا يُسْتَقْبَل مِنْهَا وَحِسَابهَا , يَقُول : وَحِسَاب أَوْقَات السِّنِينَ وَعَدَد أَيَّامهَا وَحِسَاب سَاعَات أَيَّامهَا .وَقَوْله : { لِتَعْلَمُوا عَدَد السِّنِينَ وَالْحِسَاب } يَقُول : وَقَدَّرَ ذَلِكَ مَنَازِل لِتَعْلَمُوا أَنْتُمْ أَيّهَا النَّاس عَدَد السِّنِينَ : دُخُول مَا يَدْخُل مِنْهَا , وَانْقِضَاء مَا يُسْتَقْبَل مِنْهَا وَحِسَابهَا , يَقُول : وَحِسَاب أَوْقَات السِّنِينَ وَعَدَد أَيَّامهَا وَحِسَاب سَاعَات أَيَّامهَا .' يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَمْ يَخْلُق اللَّه الشَّمْس وَالْقَمَر وَمَنَازِلهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ , يَقُول الْحَقّ تَعَالَى ذِكْره : خَلَقْت ذَلِكَ كُلّه بِحَقٍّ وَحْدِي بِغَيْرِ عَوْن وَلَا شَرِيك .يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَمْ يَخْلُق اللَّه الشَّمْس وَالْقَمَر وَمَنَازِلهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ , يَقُول الْحَقّ تَعَالَى ذِكْره : خَلَقْت ذَلِكَ كُلّه بِحَقٍّ وَحْدِي بِغَيْرِ عَوْن وَلَا شَرِيك .' يَقُول : يُبَيِّن الْحُجَج وَالْأَدِلَّة { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } إِذَا تَدَبَّرُوهَا , حَقِيقَة وَحْدَانِيَّة اللَّه , وَصِحَّة مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَلْع الْأَنْدَاد وَالْبَرَاءَة مِنْ الْأَوْثَان .يَقُول : يُبَيِّن الْحُجَج وَالْأَدِلَّة { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } إِذَا تَدَبَّرُوهَا , حَقِيقَة وَحْدَانِيَّة اللَّه , وَصِحَّة مَا يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَلْع الْأَنْدَاد وَالْبَرَاءَة مِنْ الْأَوْثَان .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { هو الذي جعل الشمس ضياء} مفعولان، أي مضيئة، ولم يؤنث لأنه مصدر؛ أو ذات ضياء { والقمر نورا} عطف، أي منيرا، أو ذا نور، فالضياء ما يضيء الأشياء، والنور ما يبين فيخفى، لأنه من النار من أصل واحد. والضياء جمع ضوء؛ كالسياط والحياض جمع سوط وحوض. وقرأ قنبل عن ابن كثير { ضئاء} بهمز الياء ولا وجه له، لأن ياءه كانت واوا مفتوحة وهي عين الفعل، أصلها ضواء فقلبت وجعلت ياء كما جعلت في الصيام والقيام. قال المهدوي : ومن قرأ ضئاء بالهمز فهو مقلوب، قدمت الهمزة التي بعد الألف فصارت قبل الألف ضئايا، ثم قلبت الياء همزة لوقوعها بعد ألف زائدة. وكذلك إن قردت أن الياء حين تأخرت رجعت إلى الواو التي انقلبت عنها فإنها تقلب همزة أيضا فوزنه فلاع مقلوب من فعال. ويقال : إن الشمس والقمر تضيء وجوهها لأهل السموات السبع وظهورهما لأهل الأرضين السبع. قوله تعالى: { وقدره منازل} أي ذا منازل، أو قدر له منازل. ثم قيل : المعنى وقدرهما، فوحد إيجازا واختصارا؛ كما قال: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها} . وكما قال : نحن بما عندنا وأنت بما ** عندك راض والرأي مختلف وقيل : إن الإخبار عن القمر وحده؛ إذ به تحصى الشهور التي عليها العمل في المعاملات ونحوها، كما تقدم في { البقرة} . وفي سورة يس { والقمر قدرناه منازل} [يس : 39] أي على عدد الشهر، وهو ثمانية وعشرون منزلا. ويومان للنقصان والمحاق، وهناك يأتي بيانه. قوله تعالى: { لتعلموا عدد السنين والحساب} قال ابن عباس : لو جعل شمسين، شمسا بالنهار وشمسا بالليل ليس فيهما ظلمة ولا ليل، لم يعلم عدد السنين وحساب الشهور. وواحد { السنين} سنة، ومن العرب من يقول : سنوات في الجمع ومنهم من يقول : سنهات. والتصغير سنية وسنيهة. قوله تعالى: { ما خلق الله ذلك إلا بالحق} أي ما أراد الله عز وجل بخلق ذلك إلا الحكمة والصواب، وإظهارا لصنعته وحكمته، ودلالة على قدرته وعلمه، ولتجزى كل نفس بما كسبت؛ فهذا هو الحق. { يفصل الآيات لقوم يعلمون} تفصيل الآيات تبيينها ليستدل بها على قدرته تعالى، لاختصاص الليل بظلامه والنهار بضيائه من غير استحقاق لهما ولا إيجاب؛ فيكون هذا لهم دليلا على أن ذلك بإرادة مريد. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص ويعقوب { يفصل} بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله من قبله: { ما خلق الله ذلك إلا بالحق} وبعده { وما خلق الله في السموات والأرض} فيكون متبعا له. وقرأ ابن السميقع { تفصل} بضم التاء وفتح الصاد على الفعل المجهول، { والآيات} رفعا. الباقون { نفصل} بالنون على التعظيم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 4 - 6

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وبعد أن بيَّن الحق أنه خلق السماء والأرض وخلق الكون كله وسخره للإنسان جاء لنا بنعم من آياته التي خلقها لنا، والتي جعلها الله سبحانه وتعالى سبباً لقوام الحياة؛ فالشمس هي التي تُنضج لنا كل شيء في الوجود، وتعطي لكل كائن الإشعاع الخاص به، كما أن الشمس تبخر المياه - كما قلنا من قبل - لينزل الماء بعد ذلك عذباً فراتاً، يرتوي منه الإنسان وتشرب منه الأنعام ونروي به الزرع.

والشمس هي الأم لمجموعة من الكواكب التي تدور حولها، فدورة الأرض حول الشمس تمثل السنة، ودورة الأرض حول نفسها تمثل اليوم. فيقول الحق سبحانه هنا:

{ هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً } ولو نظرت إلى المعنى السطحي في الشمس والقمر لقلت: إن الشمس تعطي نوراً وكذلك القمر، ولكن النظرة الأعمق تتطلب منك أن تفرِّق بين الاثنين؛ فالشمس تعطي ضياء، والقمر يعطي نوراً. والفرق بين الضياء والنور يتمثل في أن الضياء تصحبه الحرارة والدفء، والنور إنارة حليمة، ولذلك يسمى نور القمر النور الحليم؛ فلا تحتاج إلى الظل لتستظل من حرارته، لكن الشمس تحتاج إلى مظلة لتقيك حرارتها.

إذن: فالنور هو ضوء ليس فيه حرارة، والحرارة لا تنشأ إلا حين يكون الضوء ذاتيّاً من المضيء مثل الشمس. أما القمر فضوؤه غير ذاتي ويكتسب ضوءه من أشعة الشمس حين تنعكس عليه، فهو مثل المرآة حين تسلط عليها بعضاً من الضوء فهي تعكسه.

إذن: القمر مضيء بغيره، أما الشمس فهي تضيء بذاتها. لذلك قال الحق هنا: { جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً }.

وكلمة { ضِيَآءً } إما أن تعتبرها مفرداً مثل صام صياماً، وقام قياماً، وضاء ضياءً. وإما أن تعتبرها جمعاً، مثلها مثل حوض ـ جمعه: حياض، ومثل روض ـ جمعه رياض، وكذلك جمع ضوء هو ضياء.

إذن كلمة { ضِيَآءً } تصلح أن تكون جمعاً وتصلح أن تكون مفرداً، وحين يجيء اللفظ صالحاً للجمع وللإفراد، لا بد أن يكون له عند البليغ ملحظ؛ لأنه يحتمل هذه المعاني كلها، وقبل معرفتنا أسرار ضوء الشمس وقبل تحليله، كنا نقول: إنه ضوء، لكن بعد أن حللنا ضوء الشمس، وجدنا أن ألوان الطيف سبعة منها ضوء أحمر، وضوء أخضر، وضوء أصفر، وغيرها.

إذن: فـ " ضياء " تعبر عن تعدد الألوان المخزونة في ضياء الشمس، فإن قلت: ضياء جمع ضوء، فهذا بتحليل الضوء إلى عناصره كلها، وإن قلت: ضياء مثل قيام، ومثل صيام، فهذا يصلح في المعنى العام.

ولذلك كان القرآن ينزل بما تحتمله العقول المعاصرة لتزوله التي لا تعرف المعاني العلمية للظواهر. ولو قال القرآن هذه الحقائق، لقال واحد: إنني أرى الشمس حمراء لحظة الغروب، وأراها صفراء لحظة الظهيرة، وهو لا يعلم أن الحمرة وقت الغروب هي حمرة في الرؤية لطول الأشعة الحمراء، وهي لا تظهر إلى حين الغروب حيث تكون الشمس في أبعد نقطة، فلا يصل إلينا إلا الضوء الأحمر، أما بقية الأضواء فهي تشع في الكون ولا تصل إلينا.إذن: كلمة { ضِيَآءً } ، إما أن تعتبرها جمع ضوء، مثل سوط وسياط، وحوض وحياض، وروض ورياض، وإما أن تعتبرها مفردة. هذه صالحة للمعنى لعام، وتلك صالحة للمعنى التحليلي؛ ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى:
{  تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً }
[الفرقان: 61]

والسراج هو ما يعطي الضوء والحرارة، وهو وصف مناسب للشمس.

وهنا يقول الحق: { هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ } ، وكلمة { وَقَدَّرَهُ } تعود في ظاهر الأمر إلى القمر. لكن في الواقع أن الشمس لها منازل أيضاً، وقال الحق: { وَقَدَّرَهُ } لأن هناك شيئاً اسمه " الجعل " ، فهو سبحانه جعل الشمس ضياء، وجعل القمر نوراً.

إذن: فالجَعْل جاء بأمرين اثنين؛ جعل للشمس ضياء وجعل للقمر نوراً، هذا الجعل نفسه جعله الله لنقدر به الزمن، فهو صالح للاثنين؛ للشمس وللقمر؛ لنعلم عدد السنين والحساب.

وفي العبادات نحتاج إلى تحديد بداية شهر رمضان؛ لنمارس عبادة الصوم، ونحتاج إلى تحديد أشهر الحج، وكذلك تحتاج المرأة مثلاً إلى حساب شهور العدة، وكل هذه التقديرات تخضع للهلال، فهو علامة واضحة للكل، فهو يبدأ صغيراً ويكبر ثم يصغر.
{  وَٱلْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلعُرجُونِ ٱلْقَدِيمِ }
[يس: 39]

و " العرجون " هو ما نسميه " السباطة " التي تحمل " شماريخ " البلح، وكانوا يصنعون منها قديماً المكانس التي يكنسون بها بيوت البادية والريف، وهكذا أعطانا الله تشبيهاً من البيئة التي عاش فيها العربي القديم.

وفي أول شهر كلنا نرى الهلال كعلامة مخبرة عن ميلاد الشهر، وهكذا تعلَّم الإنسان أن يحسب الشهور بتقدير منازل القمر، وبالنسبة للسنة؛ فالحق سبحانه يقول:
{  إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ ٱللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ... }
[التوبة: 36]

والتقدير هنا اثنا عشر شهراً هلاليّاً. أما اليوم فيقدر بالشمس؛ لذلك فهي تدخل في تقدير المنازل. وهكذا نجد أن الحق سبحانه قد شاء أن يجعل " الجعل " لأمرين؛ مجعول الشمس، ومجعول القمر، مصداقاً لقوله: { وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ }.

والحق - كما أوضحنا - هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. وحين نتأمل مسار الأفلاك، ومسار الشمس، ومسار القمر، لا نجد فيها خلافاً، بل نجد مراصد الكفار تعلن مواعيد تواجد القمر بين الأرض والشمس، وقد توجد الأرض بين القمر والشمس، ويتسبب هذا في ظاهرتي الكسوف للشمس، والخسوف للقمر، وكل هذه الأمور تجدها عندهم غاية في الدقة.
{  وَلاَ ٱلَّيلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ }
[يس: 40]

وهذا القول الحكيم قد أثبت للعرب حكماً يعتقدونه، ونفى حكماً آخر يعتقدونه، فالعرب كانت تعتقد أن الليل قبل النهار، بدليل أن تحديد الليلة الأولى في رمضان هو الميعاد الذي يبدأ فيه شهر الصوم، وما داموا قد حكموا بأن الليل هو الذي يسبق النهار، فلا بد من حكم مقابل؛ وهو أن النهار لا يسبق الليل.

وجاء القرآن إلى القضية المتفق عليها وتركها، وهي أن النهار لا يسبق الليل مثلما اعتقد العرب، ونفي القرآن أن يسبق الليل النهار. وكان المخاطب - إذن - يعتقد أن الليل يسبق النهار، ويصحح الله المفاهيم فلا الليل يسبق النهار ولا النهار يسبق الليل.

وهكذا عرض الحق سبحانه للكونيات عرضاً رمزيّاً في القرآن؛ لأنه لو جاء بالتوضيح العلمي لذلك لكَذَّب العرب القرآن، فلو قال القرآن بصريح العبارة: إن الأرض كروية، لعارض الناس ذلك وقت نزول القرآن، وما زلنا نجد من يعارض تلك الحقيقة في أواخر القرن العشرين؛ لذلك لم يكشف الحق كل الحقائق الكونية، بل أشار إليها بما يحتمل قبول العربي البسيط لها.

وما دام لا يسبق النهار، والنهار لا يسبق الليل، فكيف جاء هذا الأمر - إذن؟

ونقول: هل خلق الله الشمسَ مواجهة لسطح الأرض أولاً، ثم الشمس فجاء الليل؟ كان الأمر يصح لو أن الأرض كانت مسطوحة، ولكن الحق سبحانه خلق الأرض كروية، وذلك دليل على أن الحق سبحانه خلق الشمس والأرض على هيئة يوجد فيها الليل والنهار معاً، ولا يكون ذلك إلا إذا كانت الأرض كروية، فالنصف المواجه للشمس يكون الوقت فيه نهاراً، وغير المواجه لها يكون الوقت فيه ليلاً، ثم تدور الأرض؛ فيأتي النهار إلى القسم الذي كان ليلاً، ويأتي الليل للقسم الذي كان نهاراً.

إذن: فالحق سبحانه حكى في القرآن الكريم عن الأمور الكونية - التي سوف تستكشفها العقول بعد نزول القرآن - وعالجها بحكمة ودقة، وعلى سبيل المثال نجد قوله الحق:
{  وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً... }
[الفرقان: 62].

ثم يأتي التعليل:
{  لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً }
[الفرقان: 62].

فالليل خلْفة النهار، ومعنى خلفه أي: يخلف غيره. والمثال من حياتنا نجده في دوريات الحراسة، نجد إنساناً يحرس موقعاً ما - مدّة ست ساعات مثلاً - وبعد انتهاء فترة الحراسة يسلم المهمة لحارس ثان، وبذلك يخلف واحدٌ الآخر، لكن من الذي بدأ المهمة الأولى في الحراسة قبل أن يأتي إنسان ليتسلم منه دورية الحراسة؟

وكذلك الأمر في الليل والنهار، فبيّن الحق سبحانه أن الليل والنهار خلْفة، ومعنى ذلك أن كلا منهما كان موجوداً من البدء ولأن الأرض تدور جَاء النهار في البلاد التي تشرق فيها الشمس، وجاء الليل في البلاد التي تغيب عنها الشمس، وتتابع الليل والنهار. هكذا فَصَّل الحق سبحانه آياته لنا، وقال سبحانه:

{ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }.

ويقول سبحانه بعد ذلك: { إِنَّ فِي ٱخْتِلاَفِ ٱلَّيلِ... }.


www.alro7.net