سورة
اية:

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس { وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً} أي عليهم يعذبون به لما صدقوا ولما أيقنوا، بل يقولون هذا { سحاب مركوم} أي متراكم، وهذا كقوله: { ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} ، وقال اللّه تعالى { فذرهم} أي دعهم يا محمد { حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون} وذلك يوم القيامة، { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً} أي لا ينفعهم كيدهم ولا مكرهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يجزي عنهم يوم القيامة شيئاً، { ولا هم ينصرون} . ثم قال تعالى: { وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك} أي قبل ذلك في الدار الدنيا كقوله تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} ، ولهذا قال تعالى: { ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي نعذبهم في الدنيا ونبتليهم فيها بالمصائب، لعلهم يرجعون وينيبون، فلا يفهمون ما يراد بهم، بل إذا جلي عنهم مما كانوا عليه فيه، عادوا إلى أسوأ مما كانوا كما جاء في بعض الأحاديث: (إن المنافق إذا مرض وعوفي، مثله في ذلك كمثل البعير لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أرسوله) وقوله تعالى: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} أي اصبر على أذاهم ولا تبالهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، واللّه يعصمك من الناس، وقوله تعالى { وسبح بحمد ربك حين تقوم} أي إلى الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك قاله الضحّاك وعبد الرحمن بن أسلم ، وروى مسلم في صحيحه عن عمر أنه كان يقول: هذا ابتداء الصلاة، وقال أبو الجوزاء: { وسبح بحمد ربك حين تقوم} أي من نومك من فراشك، واختاره ابن جرير، ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد، عن عبادة بن الصامت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه، ثم قال: رب اغفر لي - أو قال ثم دعا - أستجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته) ""أخرجه أحمد ورواه البخاري وأهل السنن"". وقال مجاهد: { وسبح بحمد ربك حين تقوم} قال من كل مجلس، وقال الثوري { وسبح بحمد ربك حين تقوم} قال إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال سبحانك اللهم وبحمدك، وهذا القول كفارة المجالس، وعن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر اللّه له ما كان في مجلسه ذلك) ""أخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح"". وقوله تعالى: { ومن الليل فسبحه} أي أذكره وأعبده بالتلاوة والصلاة في الليل، كما قال تعالى: { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} ، وقوله تعالى: { وإدبار النجوم} قد تقدم عن ابن عباس: أنهما الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم أي عند جنوحها للغيبوبة، لحديث: (لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل، يعني ركعتي الفجر) ""رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً"". وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر، وفي لفظ لمسلم: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) سورة النجم روى البخاري، عن عبد اللّه بن مسعود قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة { والنجم} ، قال: فسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم وسجد من خلفه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب، فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتِل كافراً، وهو أُمية بن خلف ""أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي، وجاء في بعض الروايات أنه عتبة بن ربيعة . بسم اللّه الرحمن الرحيم

تفسير الجلالين

{ ومن الليل فسبحه } حقيقة أيضا { وإدبار النجوم } مصدر، أي عقب غروبها سبحه أيضا، أو صلّ في الأول العشاءين، وفي الثاني الفجر وقيل الصبح .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَمِنَ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ } يَقُول : وَمِنَ اللَّيْل فَعَظِّمْ رَبّك يَا مُحَمَّد بِالصَّلَاةِ وَالْعِبَادَة , وَذَلِكَ صَلَاة الْمَغْرِب وَالْعِشَاء , وَكَانَ ابْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 25082 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمِنَ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ } قَالَ : وَمِنْ اللَّيْل صَلَاة الْعِشَاء { وَإِدْبَارَ النُّجُوم } يَعْنِي حِين تُدْبِر النُّجُوم لِلْأُفُولِ عِنْد إِقْبَال النَّهَار , وَقِيلَ : عُنِيَ بِذَلِكَ رَكْعَتَا الْفَجْر . ذِكْر بَعْض مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25083 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَار النُّجُوم } قَالَ : هُمَا السَّجْدَتَانِ قَبْل صَلَاة الْغَدَاة . 25084 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمِنَ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم } كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُمَا الرَّكْعَتَانِ عِنْد طُلُوع الْفَجْر . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يَقُول : لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْر النَّعَمِ . 25085 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ زُرَارَة بْن أَوْفَى , عَنْ سَعِيد بْن هِشَام عَنْ عَائِشَة , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر " هُمَا خَيْر مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا " . * حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَإِدْبَارَ النُّجُوم } قَالَ : رَكْعَتَانِ قَبْل صَلَاة الصُّبْح . 25086 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ وَحَمَّاد بْن مَسْعَدَة قَالَا : ثنا حُمَيْد , عَنِ الْحَسَن , عَنْ عَلِيّ , فِي قَوْله : { وَإِدْبَار النُّجُوم } قَالَ : الرَّكْعَتَانِ قَبْل صَلَاة الصُّبْح . 25087 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَطَاء , قَالَ : قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ { إِدْبَار النُّجُوم } الرَّكْعَتَانِ قَبْل الْفَجْر . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِالتَّسْبِيحِ { إِدْبَار النُّجُوم } : صَلَاة الصُّبْح الْفَرِيضَة. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25088 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَإِدْبَار النُّجُوم } قَالَ : صَلَاة الْغَدَاة . 25089 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِدْبَار النُّجُوم } قَالَ : صَلَاة الصُّبْح. وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَا : الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة صَلَاة الْفَجْر , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه أَمَرَ فَقَالَ : { وَمِنَ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم } وَالرَّكْعَتَانِ قَبْل الْفَرِيضَة غَيْر وَاجِبَتَيْنِ , وَلَمْ تَقُمْ حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا , أَنَّ قَوْله فَسَبِّحْهُ عَلَى النَّدْب , وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كُتُبِنَا عَلَى أَمْر اللَّه عَلَى الْفَرْض حَتَّى تَقُوم حُجَّة بِأَنَّهُ مُرَاد بِهِ النَّدْب , أَوْ غَيْر الْفَرْض بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .وَقَوْله : { وَمِنَ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ } يَقُول : وَمِنَ اللَّيْل فَعَظِّمْ رَبّك يَا مُحَمَّد بِالصَّلَاةِ وَالْعِبَادَة , وَذَلِكَ صَلَاة الْمَغْرِب وَالْعِشَاء , وَكَانَ ابْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 25082 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمِنَ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ } قَالَ : وَمِنْ اللَّيْل صَلَاة الْعِشَاء { وَإِدْبَارَ النُّجُوم } يَعْنِي حِين تُدْبِر النُّجُوم لِلْأُفُولِ عِنْد إِقْبَال النَّهَار , وَقِيلَ : عُنِيَ بِذَلِكَ رَكْعَتَا الْفَجْر . ذِكْر بَعْض مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25083 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَار النُّجُوم } قَالَ : هُمَا السَّجْدَتَانِ قَبْل صَلَاة الْغَدَاة . 25084 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمِنَ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم } كُنَّا نُحَدِّث أَنَّهُمَا الرَّكْعَتَانِ عِنْد طُلُوع الْفَجْر . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يَقُول : لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حُمْر النَّعَمِ . 25085 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ زُرَارَة بْن أَوْفَى , عَنْ سَعِيد بْن هِشَام عَنْ عَائِشَة , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْر " هُمَا خَيْر مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا " . * حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَإِدْبَارَ النُّجُوم } قَالَ : رَكْعَتَانِ قَبْل صَلَاة الصُّبْح . 25086 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ وَحَمَّاد بْن مَسْعَدَة قَالَا : ثنا حُمَيْد , عَنِ الْحَسَن , عَنْ عَلِيّ , فِي قَوْله : { وَإِدْبَار النُّجُوم } قَالَ : الرَّكْعَتَانِ قَبْل صَلَاة الصُّبْح . 25087 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ عَطَاء , قَالَ : قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ { إِدْبَار النُّجُوم } الرَّكْعَتَانِ قَبْل الْفَجْر . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِالتَّسْبِيحِ { إِدْبَار النُّجُوم } : صَلَاة الصُّبْح الْفَرِيضَة. ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25088 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَإِدْبَار النُّجُوم } قَالَ : صَلَاة الْغَدَاة . 25089 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِدْبَار النُّجُوم } قَالَ : صَلَاة الصُّبْح. وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِهَا : الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة صَلَاة الْفَجْر , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه أَمَرَ فَقَالَ : { وَمِنَ اللَّيْل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُوم } وَالرَّكْعَتَانِ قَبْل الْفَرِيضَة غَيْر وَاجِبَتَيْنِ , وَلَمْ تَقُمْ حُجَّة يَجِب التَّسْلِيم لَهَا , أَنَّ قَوْله فَسَبِّحْهُ عَلَى النَّدْب , وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كُتُبِنَا عَلَى أَمْر اللَّه عَلَى الْفَرْض حَتَّى تَقُوم حُجَّة بِأَنَّهُ مُرَاد بِهِ النَّدْب , أَوْ غَيْر الْفَرْض بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإن للذين ظلموا} أي كفروا { عذابا دون ذلك} قيل : قبل موتهم. ابن زيد : مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا وذهاب الأموال والأولاد. مجاهد : هو الجوع والجهد سبع سنين. ابن عباس : هو القتل. عنه : عذاب القبر. وقاله البراء بن عازب وعلي رضي الله عنهم. فـ { دون} بمعنى غير. وقيل : عذابا أخف من عذاب الآخرة. { ولكن أكثرهم لا يعلمون} أن العذاب نازل بهم وقيل { ولكن أكثرهم لا يعلمون} ما يصيرون إليه. قوله تعالى { واصبر لحكم ربك} فيه مسألتان: الأولى: { واصبر لحكم ربك} قيل : لقضاء ربك فيما حملك من رسالته. وقيل : لبلائه فيما ابتلاك به من قومك؛ ثم نسخ بآية السيف. الثانية: قوله تعالى: { فإنك بأعيننا} أي بمرأى ومنظر منا نرى ونسمع ما تقول وتفعل. وقيل : بحيث نراك ونحفظك ونحوطك ونحرسك ونرعاك. والمعنى واحد. ومنه قوله تعالى لموسى عليه السلام { ولتصنع على عيني} أي بحفظي وحراستي وقد تقدم. قوله تعالى { وسبح بحمد ربك حين تقوم . ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { وسبح بحمد ربك حين تقوم} اختلف في تأويل قوله { حين تقوم} فقال عون بن مالك وابن مسعود وعطاء وسعيد بن جبير وسفيان الثوري وأبو الأحوص : يسبح الله حين يقوم من مجلسه؛ فيقول : سبحان الله وبحمده، أوسبحانك اللهم وبحمدك؛ فإن كان المجلس خيرا ازددت ثناء حسنا، وإن كان غير ذلك كان كفارة له؛ ودليل هذا التأويل ما خرجه الترمذي عن أبي هريرة قال : قال وسول الله صلى الله عليه وسلم : (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه : سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك) قال : حديث حسن صحيح غريب. وفيه عن ابن عمر قال : كنا نعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم : (رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور) قال حديث حسن صحيح غريب. وقال محمد بن كعب والضحاك والربيع : المعنى حين تقوم إلى الصلاة. قال الضحاك يقول : الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. قال الكيا الطبري : وهذا فيه بعد؛ فإن قوله { حين تقوم} لا يدل على التسبيح بعد التكبير، فإن التكبير هو الذي يكون بعد القيام، والتسبيح يكون وراء ذلك، فدل على أن المراد فيه حين تقوم من كل مكان كما قال ابن مسعود رضي الله عنه. وقال أبو الجوزاء وحسان بن عطية : المعنى حين تقوم من منامك. قال حسان : ليكون مفتتحا لعمله بذكر الله. وقال الكلبي : واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة وهي صلاة الفجر. وفي هذا روايات مختلفات صحاح؛ منها حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (من تعار في الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير والحمد لله وسبحان الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ثم قال اللهم اغفر لي أودعا استجيب له فإن توضأ وصلى قبلت صلاته) خرجه البخاري. تعار الرجل من الليل : إذا هب من نومه مع صوت؛ ومنه عار الظليم يعار عرارا وهو صوته؛ وبعضهم يقول : عر الظليم يعر عرارا،كما قالوا زمر النعام يزمر زمارا. عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل : (اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت رب السموات ولأرض ومن فيهن أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق اللهم لك أسلمت وعليك توكلت وبك آمنت وإليك أنبت وبك خاصمت وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وأسررت وأعلنت أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت ولا إله غيرك) متفق عليه. وعن ابن عباس أيضا أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا استيقظ من الليل مسح النوم من وجهه؛ ثم قرأ العشر الآيات الأواخر من سورة [آل عمران]. وقال زيد بن أسلم : المعنى حين تقوم من نوم القائلة لصلاة الظهر. قال ابن العربي : أما نوم القائلة فليس فيه أثر وهو ملحق بنوم الليل. وقال الضحاك : إنه التسبيح في الصلاة إذا قام إليها. الماوردي : وفي هذا التسبيح قولان : أحدهما وهو قوله سبحان ربي العظيم في الركوع وسبحان ربي الأعلى في السجود. الثاني أنه التوجه في الصلاة يقول : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. قال ابن العربي : من قال إنه التسبيح للصلاة فهذا أفضله، والآثار في ذلك كثيرة أعظمها ما ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال (وجهت وجهي) الحديث. وقد ذكرناه وغيره في آخر سورة [الأنعام]. وفي البخاري عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : قلت يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي؛ فقال : (قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم). الثانية: { قوله تعالى} ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم} تقدم في [ق] مستوفى عند قوله تعالى { ومن الليل فسبحه وإدبار السجود} [ق : 49]. وأما { إدبار النجوم} فقال علي وابن عباس وجابر وأنس : يعني ركعتي الفجر. فحمل بعض العلماء الآية على هذا القول على الندب وجعلها منسوخة بالصلوات الخمس. وعن الضحاك وابن زيد : أن قوله { وإدبار النجوم} يريد به صلاة الصبح وهو اختيار الطبري. وعن ابن عباس : أنه التسبيح في آخر الصلوات. وبكسر الهمزة في { إدبار النجوم} قرأ السبعة على المصدر حسب ما بيناه في [ق]. وقرأ سالم بن أبي الجعد ومحمد بن السميقع { وأدبار} بالفتح، ومثله روي عن يعقوب وسلام وأيوب؛ وهو جمع دبر ودبر ودبر الأمر ودبره آخره. و""روى الترمذي من حديث محمد بن فضيل""، عن رشدين بن كريب عن أبيه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إدبار النجوم الركعتان قبل الفجر وإدبار السجود الركعتان بعد المغرب) قال : حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه من حديث محمد بن فضيل عن رشدين بن كريب. وسألت محمد بن إسماعيل عن محمد بن فضيل ورشدين بن كريب أيهما أوثق؟ فقال : ما أقربهما، ومحمد عندي أرجح. قال : وسألت عبدالله بن عبدالرحمن عن هذا فقال : ما أقربهما، ورشدين بن كريب أرجحهما عندي. قال الترمذي : والقول ما قال أبو محمد ورشدين بن كريب عندي أرجح من محمد وأقدم، وقد أدرك رشدين ابن عباس ورآه. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد معاهدة منه على ركعتين قبل الصبح. وعنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها). تم تفسير سورة { والطور} والحمد لله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الطور الايات 31 - 49

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا أمر لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصبر لحكم الله وقضائه، وهو أمر مصحوب بهذه الرعاية وهذه العناية التي ما اختصَّ بها إلا سيدنا رسول الله وسيدنا نوح عليهما السلام، وقد خاطبه ربه بقوله:
{  ٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا... }
[المؤمنون: 27].

فالحق سبحانه يُسلِّي رسوله صلى الله عليه وسلم ويُطمئنه: اصبر يا محمد على أذى القوم وأنت تحت نظرنا وفي رعايتنا وحفظنا، فلا تهتم لما يفعلون.

وهذه المكانة خصّ بها أيضاً سيدنا موسى عليه السلام في قوله تعالى
{  وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ }
[طه: 39].

إذن: فقوله تعالى: { فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا... } [الطور: 48] منزلة أعلى تناسب مقام مقام سيد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ } [الطور: 48] أي: سبِّحه تسبيحاً مقروناً بالحمد { حِينَ تَقُومُ } [الطور: 48] أي: حين تقوم من مجلسك تقول: سبحان الله والحمد لله، فهي كفارة لما قد يكون حدث في مجلسك وهي تطهير للمجلس وخاتمة له، والقعود والجلوس بمعنى واحد وهيئة واحدة ولكن القعود يكون عن قيام، والجلوس يكون عن اضطجاع، نقول: كان مضجعاً فجلس، وكان قائماً فقعد.

أو { حِينَ تَقُومُ } [الطور: 48] أي: حين تقوم من نومك فتُسبِّح الله وتحمده على أنْ أعاد عليك روحك، وأعاد إليك نشاطك بعد النوم، وقد علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ نقول عندما نقوم: " سبحان الذى أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور " وأن نقرأ القيام من المجلس سورة العصر فهي كفارة لما حدث فيه.

كذلك { وَمِنَ ٱللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ... } [الطور: 49] أي: سبِّح ربك آناء الليل، وفي أوله وفي آخره { وَإِدْبَارَ ٱلنُّجُومِ } [الطور: 49] أي في وقت السَّحَر حينما تغيب النجوم، فالمعنى سبِّح ربك في كل هذه الأوقات فهو تسبيح موصول، ذلك لأن الله أنعم عليك وخصَّك بنعم تستوجب هذا التسبيح وهذا الحمد.


www.alro7.net