سورة
اية:

وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ۖ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

تفسير بن كثير

يقول اللّه تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم قل لهؤلاء المكذبين المعاندين { أرأيتم إن أخذ اللّه سمعكم وأبصاركم} أي سلبكم إياها كما أعطاكموها، كما قال تعالى: { هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار} الآية، ويحتمل أن يكون هذا عبارة عن منع الانتفاع بها الانتفاع الشرعي، ولهذا قال: { وختم على قلوبكم} ، كما قال: { أمن يملك السمع والأبصار} وقال: { واعلموا أن اللّه يحول بين المرء وقلبه} ، وقوله: { من إله غير اللّه يأتيكم به} أي هل أحد غير اللّه يقدر على رد ذلك إليكم إذا سلبه اللّه منكم؟ لا يقدر على ذلك أحد سواه، ولهذا قال: { انظر كيف نصرف الآيات} أي نبينها ونوضحها ونفسرها دالة على أنه لا إله إلا اللّه، وأن ما يعبدون من دونه باطل وضلال، { ثم هم يصدفون} أي ثم هم مع البيان يصدفون، أي يعرضون عن الحق ويصدون الناس عن اتباعه قال ابن عباس: يصدفون أي يعدلون. وقال مجاهد وقتادة: يعرضون، وقال السدي: يصدون. وقوله تعالى: { قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب اللّه بغتة} أي وأنتم لا تشعرون به حتى بغتكم وفجأكم، { أو جهرة} أي ظاهراً عياناً، { هل يهلك إلا القوم الظالمون} أي إنما كان يحيط بالظالمين أنفسهم بالشرك بالله ينجو الذين كانوا يعبدون اللّه وحده لا شريك له فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقوله: { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} أي مبشرين عباد اللّه المؤمنين بالخيرات، ومنذرين من كفر باللّه النقمات والعقوبات، ولهذا قال: { فمن آمن وأصلح} أي فمن آمن قلبه بما جاءوا به وأصلح عمله باتباعه إياهم { فلا خوف عليهم} أي بالنسبة لما يستقبلونه، { ولا هم يحزنون} أي بالنسبة إلى ما فاتهم وتركوه وراء ظهورهم من أمر الدنيا وصنيعها، اللّه وليهم فيما خلفوه، وحافظهم فيما تركوه؛ ثم قال: { والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون} أي ينالهم العذاب بما كفروا بما جاءت به الرسل، وخرجوا عن أوامر اللّه وطاعته، وارتكبوا من مناهيه ومحارمه وانتهاك حرماته.

تفسير الجلالين

{ وما نرسل المرسلين إلا مبشِّرين } من آمن بالجنة { ومنذرين } من كفر بالنار { فمن آمن } بهم { وأصلح } عمله { فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون } في الآخرة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذَرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَا نُرْسِل رُسُلنَا إِلَّا بِبِشَارَةِ أَهْل الطَّاعَة لَنَا بِالْجَنَّةِ وَالْفَوْز الْمُبِين يَوْم الْقِيَامَة , جَزَاء مِنَّا لَهُمْ عَلَى طَاعَتنَا , وَبِإِنْذَارِ مَنْ عَصَانَا وَخَالَفَ أَمْرنَا , عُقُوبَتنَا إِيَّاهُ عَلَى مَعْصِيَتنَا يَوْم الْقِيَامَة , جَزَاء مِنَّا عَلَى مَعْصِيَتنَا , لِنَعْذِر إِلَيْهِ , فَيَهْلِك إِنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة . { فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ } يَقُول : فَمَنْ صَدَّقَ مَنْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ مِنْ رُسُلنَا إِنْذَارهمْ إِيَّاهُ , وَقَبِلَ مِنْهُمْ مَا جَاءُوهُ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه وَعَمِلَ صَالِحًا فِي الدُّنْيَا , { فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ } عِنْد قُدُومهمْ عَلَى رَبّهمْ مِنْ عِقَابه وَعَذَابه الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّه لِأَعْدَائِهِ وَأَهْل مَعَاصِيه : { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } عِنْد ذَلِكَ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذَرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَمَا نُرْسِل رُسُلنَا إِلَّا بِبِشَارَةِ أَهْل الطَّاعَة لَنَا بِالْجَنَّةِ وَالْفَوْز الْمُبِين يَوْم الْقِيَامَة , جَزَاء مِنَّا لَهُمْ عَلَى طَاعَتنَا , وَبِإِنْذَارِ مَنْ عَصَانَا وَخَالَفَ أَمْرنَا , عُقُوبَتنَا إِيَّاهُ عَلَى مَعْصِيَتنَا يَوْم الْقِيَامَة , جَزَاء مِنَّا عَلَى مَعْصِيَتنَا , لِنَعْذِر إِلَيْهِ , فَيَهْلِك إِنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة . { فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ } يَقُول : فَمَنْ صَدَّقَ مَنْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِ مِنْ رُسُلنَا إِنْذَارهمْ إِيَّاهُ , وَقَبِلَ مِنْهُمْ مَا جَاءُوهُ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه وَعَمِلَ صَالِحًا فِي الدُّنْيَا , { فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ } عِنْد قُدُومهمْ عَلَى رَبّهمْ مِنْ عِقَابه وَعَذَابه الَّذِي أَعَدَّهُ اللَّه لِأَعْدَائِهِ وَأَهْل مَعَاصِيه : { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } عِنْد ذَلِكَ عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين} أي بالترغيب والترهيب. قال الحسن : مبشرين بسعة الرزق في الدنيا والثواب في الآخرة؛ يدل على ذلك قوله تعالى { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} [الأعراف : 96]. ومعنى { منذرين} مخوفين عقاب الله؛ فالمعنى : إنما أرسلنا المرسلين لهذا لا لما يقترح عليهم من الآيات، وإنما يأتون من الآيات بما تظهر معه براهينهم وصدقهم. وقوله { فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} . تقدم القول فيه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 47 - 50

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي أن الحق سبحانه لم يعط الرسل قدرته ليفعلوا ما شاءوا، ولكنهم فقط مبلّغون عن الله، فلا يطلبن منهم أحد آيات؛ لأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بالآيات، وكل رسول يعلم أنه من البشر، وهو يستقبل عن الله فقط، ولذلك فلنأخذ الرسل على أنهم مبشرون ومنذرون { وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ }.

ونعرف أن البشارة هي الإخبار بما يسر قبل أن يقع. والسبب في البشارة هو تهيئة السامع لها ليبادر إلى ما يجعل البشارة واقعاً بأن يمتثل إلى المنهج القادم من الإله الخالق. ونعرف أن الإنذار هو الإخبار بما يسوء قبل أن يقع ليحترز السامع أن يقع في المحاذير التي حرمها الله.

والبشارة - كما نعلم - تلهب في الراغب في الفعل والمحب له أن يفعل العمل الطيب، والإنذار يحذر ويخوف من يرغب في العمل الشيء ليزدجر ويرتدع. إذن فمهمة الرسل هي البشارة والإنذار، فلا تخرجوا بهم أيها الناس إلى مرتبة أخرى أو منزلة ليست لهم فتطلبوا منهم آيات أو أشياء؛ لأن الآيات والأشياء كلها من تصريف الحق تبارك وتعالى، ومن سوء الأدب أن نُخطّئ الله في الآيات التي أرسلها مع الرسل ونطلب آيات أخرى. إنكم بهذا تستدركون على الله.

ويبيّن الحق لنا حدود مهمة الرسل فيقول: { وَمَا نُرْسِلُ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ } [الأنعام: 48].

هذا هو عمل الرسل، فماذا عن عمل الذين يستمعون للرسل؟ إن الحق يقول: { فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [الأنعام: 48].

فالمطلوب - إذن - من الذين يستمعون إلى الرسل أن يقبلوا على اختيار الإيمان، وأن يستمعوا إلى جوهر المنهج وأن يطبقوه. فمن آمن منهم وأصلح فلا خوف عليه لأنه قد ضمن الفوز العظيم، ولا يصيبه أو يناله حزن، لأن ناتج عمله كله يلقاه في كتابه يوم القيامة. والإيمان هو اطمئنان القلب إلى قضية عقدية لا تطفو إلى الذهن لتناقش من جديد. ولذلك نسمي الإيمان عقيدة، أي شيئاً انعقد عقداً لا ينحل أبداً.

إنّ على المؤمن بربه أن يستحضر الأدلة والآيات التي تجعل إيمانه بربه إيماناً قوياً معقوداً؛ وهذا عمل القلب. ويعرف المؤمن أن عمل القلب لا يكفي كتعبير عن الإيمان؛ لأن الكائن الحي ليس قلباً فقط، ولكنه قلب وجوارح وأجهزة متعددة، وكل الكائن الحي المؤمن يجب أن ينقاد إلى منهج ربه، فلا بد من التعبير عن الإيمان بأن يصلح الإنسان كل عمل فيؤديه بجوارحه أداء صحيحا سليما.

إنني أقول ذلك حتى يسمع الذي يقول: إن قلبي مؤمن وسليم. لا، فليست المسألة في الإيمان هكذا، صحيح أنك آمنت بقلبك ولكن لماذا عطلت كل جوارحك عن أداء مطلوب الإيمان؟ لماذا لا تعطي عقلك فرصة ليتدبر ويفكر ويخطط ويتذكر، لماذا لا تعطي العين فرصة لتعتبر وتستفيد من معطيات ما ترى؟ وكذلك اليد، واللسان، والأذن، والقدم، وكل الجوارح.والإصلاح هو عمل الجوارح، فيفكر الإنسان بعقله في الفكرة التي تنفع الناس، ويسمع القول فيتبع أحسنه، ويصلح بيديه كل ما يقوم به من أعمال. ويعلم المؤمن أنه حين أقبل على الكون وجده محكماً غاية الإحكام، ويرى الإنسان الأشياء التي لا دخل له فيها في هذا الكون وهي على أعلى درجات الصلاحية الراقية، فالمطر ينزل في مواسمه، والرياح تهب في مواسمها ومساراتها، وحركة الشمس تنتظم مع حركة الأرض، وكل عمل في النواميس العليا هو على الصلاح المطلق.

إن الفساد يأتي مما للإنسان دخل فيه، فالهواء يفسد من بناء المنازل المتقاربة، وعدم وجود مساحات من الخضرة الكافية، ويفسد الهواء أيضاً بالآلات التي تعمل ولها من السموم ما تخرجه وتدفعه من أثر عملية احتراق الوقود. وعندما صنع الإنسان الآلات نظر إلى هواه في الراحة، وغابت عنه أشياء كان يجب أن يحتاط لها، ومثال ذلك: " عادم " السيارات الذي يزيد من تلوث البيئة، ورغم اكتشاف بعض من الوسائل التي يمكن أن تمنع هذا التلوث. إلا أن البعض يتراخى في الأخذ بها.

ونحن حين نأخذ بقمة الحضارة ونركب السيارات فلماذا ننسى القاعدة التي تقوم عليها الحضارة وهي الدراسة العلمية الدقيقة لنصنع الآلات ونأخذ من الآلات ما يفيد الناس، فنعمل على الأخذ بأسباب تنقية البيئة من التلوث ونمنع الأذى عن حياة الناس. فالعادم الذي من صناعتنا - مثل عادم السيارات والآلات - يفسد علينا الهواء فتفسد الرئة في الإنسان.

إن علينا أن نعرف أن من مسئولية الإيمان أن ننظر إلى الشيء الذي نصنعه وكمية الضر الناتجة عنه، وكل إنسان يحيا في مدينة مزدحمة إنما يضار بآثار عادم السيارات على الرغم من أنه ليس في مقدور كل إنسان أن يشتري سيارة ليركبها، فكيف يرتضي راكب السيارة لنفسه ألا يصلح من تلك الآلة التي تسهل له حياته ويصيب بعادمها الضر لنفسه ولغيره من الناس؟ لذلك فعلى المسلم ألا يأخذ الحضارة من مظهرها وشكلها بل على المجتمع المسلم أن يعمل على الأخذ بأسباب الحضارة من قواعدها الأصلية، وأن يدرس كيفية تجنب الأضرار حتى لا نقع في دائرة الأخسرين أعمالاً، هؤلاء الذين قال فيهم الحق سبحانه:
{  قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً }
[الكهف: 103-104].

ولنا أن نأخذ المثل الأعلى دائماً من الكون الذي خلقه الله لنصونه، إن عادم وأثر وناتج أي شيء مخلوق لله يفيد الإنسان ويفيد الكون حتى فضلات الحيوان يُنتفع بها في تسميد الأرض وزيادة خصوبتها. وهكذا نعرف معنى: { فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.فالإيمان عمل القلب، والإصلاح عمل الجوارح، ولذلك يجب أن نصلح في الكون بما يزيد من صلاحه. ولنعلم أن الكون لم يكن ناقصاً وأننا بعملنا نستكمل ما فيه من نقص، ليس الأمر كذلك، ولكننا أردنا أن نترف في الحياة، وما دمنا نريد الترف فلنزد من عمل العقل المخلوق لله في المواد والعناصر التي أمامنا وهي المخلوقة لله. وأن نتفاعل معها بالطاقات والجوارح المخلوقة لله، ما دمنا نريد أن نتنعم نعيماً فوق ضروريات الحياة.

ومثال ذلك أننا قديماً وفي أوائل عهد البشرية بالحياة، كان الإنسان عندما يعاني من العطش، يشرب من النهر، وبعد ذلك وجد الإنسان أنه لا يسعد بالارتواء عندما يمد يده ليأخذ غرفة من ماء النهر، فصنع إناءً من فخار ليشرب منه الماء، ثم صنع إناءً من الصاج، ثم صنع إناء من البلور، فهل هذه الأشياء أثرت في ضرورة الحياة أو هي ترف الحياة؟

إنها من ترف الحياة. فإن أردت أن تترف حياتك فلتُعمل عقلك المخلوق لله في العناصر المخلوقة لله، بالطاقة والجوارح المخلوقة لله، وبذلك يهبك الله من الخواطر ما تستكشف به آيات العلم في الكون. ومثال ذلك: أن أهل الريف قديماً كانوا يعتمدون على نسائهم ليملأن الجرار من الآبار أو الترع ثم تقوم سيدة البيت بترويق المياه. وعندما ارتقينا قليلاً، كان هناك من الرجال من يعمل في مهنة السقاية، ويمر بالقرب المملوءة بالماء على البيوت. وعندما قام أهل العلم بالاستنباط والاعتبار اكتشفوا قانون الاستطراق، فرفعوا المياه إلى خزانٍ عالٍ، وامتدت من الخزان " مواسير " وأنابيب مختلفة الأقطار والأحجام، وصار الماء موجوداً في كل منزل، هذا ما فعله الناس الذين استخدموا العقول المخلوقة لله.

وكان الناس من قبل ذلك يكتفون بالضروري من كميات المياه، فالأسرة كانت تكتفي بملء قربة أو قربتين من الماء، ولكن بعد أن صارت في كل منزل، أساء الكثير من الناس استخدام المياه، فأهدروا كميات تزيد عن حاجتهم، وتمثل ضغطاً على " مواسير " الصرف الصحي، فتنفجر ويشكو الناس من طفح المجاري.

إن على المسلم أن يرعى حق الله في استخدامه لكل شيء، فالماء الذي يهدره الإنسان قد يحتاج إليه إنسان آخر، وعندما نتوقف عن إهداره، نمنع الضرر عن أنفسنا وعن غيرنا من طفح " مواسير " الصرف الصحي. وليحسب كل منا - على سبيل المثال - كم يستهلك من مياه في أثناء الوضوء. إن الإنسان منا يفتح الصنبور ويغسل يديه ثلاثاً ويتمضمض ثلاثاً، ويستنشق ثلاثاً، ويغسل وجهه ثلاثاً، ويغسل ذراعيه ثلاثاً، ويمسح برأسه، ويغسل أقدامه. ويترك الإنسان الصنبور مفتوحاً طَوال تلك المدة فيهدر كميات من المياه، ولو فكر في حسن استخدام المياه التي تنزل من الصنبور لما اشتكى غيره من قلة المياه.فلماذا لا يفكر المسلم في أن يأخذ قدراً من المياه يكفي الوضوء ويحسن استخدام الماء؟ وكان الإنسان يتوضأ قديماً من إناء به نصف لتر من الماء، فلماذا لا نحسن استخدام ما استخلفنا الله فيه؟

على الإنسان منا أن يعلم أن الإيمان كما يقتضي أو يوجب ويفرض الصلاة ليصلح الإنسان من نفسه، يقتضي - أيضاً - إصلاح السلوك فلا نبذر ونهدر فيما نملك من إمكانات، وأن ندرس كيفية الارتقاء بالصلاح، فلا نتخلص من متاعب شيء لنقع في متاعب ناتجة من سوء تصرفنا في الشيء السابق، بل علينا أن ندرس كل أمر دراسة محكمة حتى لا يدخل الإنسان منا في مناقضة قوله الحق:
{  وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً }
[الإسراء: 36].

أي عليك أن تعرف أيها المسلم أنك مسئول عن السمع والبصر والقلب وستسأل عن ذلك يوم القيامة، لذلك لا يصح أن تتوانى عن الأخذ بأحسن العلم ليحسن قولك وفعلك. وبذلك لا يكون هناك خوف عليك في الدنيا أو الآخرة؛ لأنك آمنت وأصلحت، وأيضاً لا حزن يمسك في الدنيا ولا في الآخرة: { فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }.

إنك بذلك تصون نفسك في الآخرة وفي الدنيا أيضاً؛ لأنك تسير في الحياة بإيمان وتصلح في الدنيا متبعاً قوانين الله. وإن رأيت أيها المسلم متعبة في الكون فاعلم أن حكماً من أحكام الله قد عطِّل، إن رأيت فقيراً جائعاً أو عرياناً فاعلم أن حقاً من حقوقه قد أكله أو جحده غيره؛ لأن الذي خلق الكون، خلق ما يعطيه الغني من فائض عنه للفقير ليسد عوزه، لكن الغني قبض يده عن حق الله، وأيضاً جاء قوم يتسولون بغير حاجة للتسول، والفساد هنا إنما يأتي من ناحيتين: ناحية إنسان استمرأ أن يبني جسمه من عرق غيره، أو من إنسان آخر غني لا يؤدي حق الله في ماله، بذلك يعاني المجتمع من المتاعب.

ويقول الحق من بعد ذلك: { وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا... }


www.alro7.net