سورة
اية:

يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين بالعناد والمكابرة للمحسوس { وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً} أي عليهم يعذبون به لما صدقوا ولما أيقنوا، بل يقولون هذا { سحاب مركوم} أي متراكم، وهذا كقوله: { ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} ، وقال اللّه تعالى { فذرهم} أي دعهم يا محمد { حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون} وذلك يوم القيامة، { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاً} أي لا ينفعهم كيدهم ولا مكرهم الذي استعملوه في الدنيا، لا يجزي عنهم يوم القيامة شيئاً، { ولا هم ينصرون} . ثم قال تعالى: { وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك} أي قبل ذلك في الدار الدنيا كقوله تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون} ، ولهذا قال تعالى: { ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي نعذبهم في الدنيا ونبتليهم فيها بالمصائب، لعلهم يرجعون وينيبون، فلا يفهمون ما يراد بهم، بل إذا جلي عنهم مما كانوا عليه فيه، عادوا إلى أسوأ مما كانوا كما جاء في بعض الأحاديث: (إن المنافق إذا مرض وعوفي، مثله في ذلك كمثل البعير لا يدري فيما عقلوه ولا فيما أرسوله) وقوله تعالى: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} أي اصبر على أذاهم ولا تبالهم فإنك بمرأى منا وتحت كلاءتنا، واللّه يعصمك من الناس، وقوله تعالى { وسبح بحمد ربك حين تقوم} أي إلى الصلاة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك قاله الضحّاك وعبد الرحمن بن أسلم ، وروى مسلم في صحيحه عن عمر أنه كان يقول: هذا ابتداء الصلاة، وقال أبو الجوزاء: { وسبح بحمد ربك حين تقوم} أي من نومك من فراشك، واختاره ابن جرير، ويتأيد هذا القول بما رواه الإمام أحمد، عن عبادة بن الصامت عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (من تعارّ من الليل فقال: لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، سبحان اللّه والحمد للّه ولا إله إلا اللّه واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه، ثم قال: رب اغفر لي - أو قال ثم دعا - أستجيب له، فإن عزم فتوضأ ثم صلى قبلت صلاته) ""أخرجه أحمد ورواه البخاري وأهل السنن"". وقال مجاهد: { وسبح بحمد ربك حين تقوم} قال من كل مجلس، وقال الثوري { وسبح بحمد ربك حين تقوم} قال إذا أراد الرجل أن يقوم من مجلسه قال سبحانك اللهم وبحمدك، وهذا القول كفارة المجالس، وعن أبي هريرة، عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر اللّه له ما كان في مجلسه ذلك) ""أخرجه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح"". وقوله تعالى: { ومن الليل فسبحه} أي أذكره وأعبده بالتلاوة والصلاة في الليل، كما قال تعالى: { ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً} ، وقوله تعالى: { وإدبار النجوم} قد تقدم عن ابن عباس: أنهما الركعتان اللتان قبل صلاة الفجر، فإنهما مشروعتان عند إدبار النجوم أي عند جنوحها للغيبوبة، لحديث: (لا تدعوهما وإن طردتكم الخيل، يعني ركعتي الفجر) ""رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعاً"". وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها قالت: لم يكن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهداً منه على ركعتي الفجر، وفي لفظ لمسلم: (ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها) سورة النجم روى البخاري، عن عبد اللّه بن مسعود قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة { والنجم} ، قال: فسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم وسجد من خلفه، إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب، فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قُتِل كافراً، وهو أُمية بن خلف ""أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي، وجاء في بعض الروايات أنه عتبة بن ربيعة . بسم اللّه الرحمن الرحيم

تفسير الجلالين

{ يوم لا يغني } بدل من يومهم { عنهم كيدهم شيئا ولا هم يُنصرون } يمنعون من العذاب في الآخرة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَوْم لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } يَوْم الْقِيَامَة , حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمهمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ , ثُمَّ بَيَّنَ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْم أَيّ يَوْم هُوَ , فَقَالَ : يَوْم لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا , يَعْنِي : مَكْرهمْ أَنَّهُ لَا يَدْفَع عَنْهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه شَيْئًا , فَالْيَوْم الثَّانِي تَرْجَمَة عَنِ الْأَوَّل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَوْم لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } يَوْم الْقِيَامَة , حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمهمْ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ , ثُمَّ بَيَّنَ عَنْ ذَلِكَ الْيَوْم أَيّ يَوْم هُوَ , فَقَالَ : يَوْم لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدهمْ شَيْئًا , يَعْنِي : مَكْرهمْ أَنَّهُ لَا يَدْفَع عَنْهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه شَيْئًا , فَالْيَوْم الثَّانِي تَرْجَمَة عَنِ الْأَوَّل .' وَقَوْله : { وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } يَقُول : وَلَا هُمْ يَنْصُرُهُمْ نَاصِر , فَيَسْتَقِيد لَهُمْ مِمَّنْ عَذَّبَهُمْ وَعَاقَبَهُمْ .وَقَوْله : { وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } يَقُول : وَلَا هُمْ يَنْصُرُهُمْ نَاصِر , فَيَسْتَقِيد لَهُمْ مِمَّنْ عَذَّبَهُمْ وَعَاقَبَهُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإن يروا كسفا من السماء ساقطا} قال ذلك جوابا لقولهم { فأسقط علينا كسفا من السماء} [الشعراء : 187]، وقولهم { أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا} [الإسراء : 92] فاعلم أنه لو فعل ذلك لقالوا { سحاب مركوم} أي بعضه فوق بعض سقط علينا وليس سماء؛ وهذا فعل المعاند أو فعل من استولى عليه التقليد، وكان في المشركين القسمان. والكسف جمع كسفة وهي القطعة من الشيء؛ يقال : أعطني كسفة من ثوبك، ويقال في جمعها أيضا : كِسْف. ويقال : الكسف والكسفة واحد. وقال الأخفش : من قرأ كِسْفا جعله واحدا، ومن قرأ { كِسَفا} جعله جمعا. وقد تقدم القول في هذا في [الإسراء] وغيرها والحمد لله. قوله تعالى { فذرهم} منسوخ بآية السيف. { حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون} بفتح الياء قراءة العامة، وقرأ ابن عامر وعاصم بضمها. قال الفراء : هما لغتان صعق وصعق مثل سعد وسعد. قال قتادة : يوم يموتون. وقيل : هو يوم بدر. وقيل : يوم النفخة الأولى. وقيل : يوم القيامة يأتيهم فيه من العذاب ما يزيل عقولهم. وقيل { يصعقون} بضم الياء من أصعقه الله. { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا} أي ما كادوا به النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا. { ولا هم ينصرون} من الله. و { يوم} منصوب على البدل من { يومهم الذي فيه يصعقون} .

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الطور الايات 31 - 49

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ فَذَرْهُمْ... } [الطور: 45] دعْهم واتركهم، والمعنى أنه لا فائدة منهم ولا أملَ فيهم، فاتركهم ولا تُحمل نفسك في سبيل هدايتهم ما لا تطيق، وقد خاطبه ربه بقوله:
{  فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ... }
[النحل: 82].

إذن: فاتركهم { حَتَّىٰ يُلَـٰقُواْ يَوْمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ } [الطور: 45] أي: تصيبهم الصاعة والهلاك، والمراد يوم القيامة، ثم يزيد هذا اليوم بياناً فيقول: { يَوْمَ لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً... } [الطور: 46] أي: كيدهم لرسول الله وتآمرهم عليه.

{ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } [الطور: 46] ليس لهم ناصر من الله ولا دافع يدفع عنهم العذاب، لأن الأمر لله وحده في هذا اليوم.


www.alro7.net