سورة
اية:

لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ۚ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

تفسير بن كثير

يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحكم والأمثال البينة المحكمة كثيراً جداً، وأنه يرشد إلى تفهمهما وتعقلها أولي الألباب والبصائر والنهى، ولهذا قال: { واللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} .

تفسير الجلالين

{ لقد أنزلنا آيات مبينات } أي بينات هي القرآن { والله يهدي من يشاء إلى صراط } طريق { مستقيم } أي دين الإسلام .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَات مُبَيِّنَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَقَدْ أَنْزَلْنَا أَيّهَا النَّاس عَلَامَات وَاضِحَات , دَالَّات عَلَى طَرِيق الْحَقّ , وَسَبِيل الرَّشَاد . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَات مُبَيِّنَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَقَدْ أَنْزَلْنَا أَيّهَا النَّاس عَلَامَات وَاضِحَات , دَالَّات عَلَى طَرِيق الْحَقّ , وَسَبِيل الرَّشَاد .' يَقُول : وَاللَّه يُرْشِد مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه بِتَوْفِيقِهِ , فَيَهْدِيه إِلَى دِين الْإِسْلَام , وَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم وَالطَّرِيق الْقَاصِد الَّذِي لَا اعْوِجَاج فِيهِ .يَقُول : وَاللَّه يُرْشِد مَنْ يَشَاء مِنْ خَلْقه بِتَوْفِيقِهِ , فَيَهْدِيه إِلَى دِين الْإِسْلَام , وَهُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم وَالطَّرِيق الْقَاصِد الَّذِي لَا اعْوِجَاج فِيهِ .'

تفسير القرطبي

قوله ‏ { ‏والله خلق كل دابة من ماء‏} ‏قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي ‏ { ‏والله خالق كل‏} ‏بالإضافة‏.‏ الباقون ‏ { ‏خلق‏} ‏على الفعل‏.‏ قيل‏:‏ إن المعنيين في القراءتين صحيحان‏.‏ أخبر الله عز وجل بخبرين، ولا ينبغي أن يقال في هذا‏:‏ إحدى القراءتين أصح من الأخرى‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن ‏ { ‏خلق‏} ‏لشيء مخصوص، وإنما يقال خالق على العموم؛ كما قال الله عز وجل ‏ { ‏الخالق البارئ‏} ‏.‏ وفي الخصوص ‏ { ‏الحمد لله الذي خلق السموات والأرض‏} وكذا‏ { ‏هو الذي خلقكم من نفس واحدة‏} ‏ ‏.‏ فكذا يجب أن يكون ‏ { ‏والله خلق كل دابة من ماء‏} ‏‏.‏ والدابة كل ما دب على وجه الأرض من الحيوان؛ يقال‏:‏ دب يدب فهو داب؛ والهاء للمبالغة‏.‏ وقد تقدم في -البقرة- ‏ { ‏من ماء‏} ‏لم يدخل في هذا الجن والملائكة؛ لأنا لم نشاهدهم، ولم يثبت أنهم خلقوا من ماء، بل في الصحيح ‏(‏إن الملائكة خلقوا من نور والجن من نار‏)‏‏.‏ وقد تقدم‏.‏ وقال المفسرون‏ { ‏من ماء‏} ‏أي من نطفة‏.‏ قال النقاش‏:‏ أراد أمنية الذكور‏.‏ وقال جمهور النظرة‏:‏ أراد أن خلقة كل حيوان فيها ماء كما خلق آدم من الماء والطين؛ وعلى هذا يتخرج قول النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ الذي سأله في غزاة بدر‏:‏ ممن أنتما‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏نحن من ماء‏)‏‏.‏ الحديث‏.‏ وقال قوم‏:‏ لا يستثني الجن والملائكة، بل كل حيوان خلق من الماء؛ وخلق النار من الماء، وخلق الريح من الماء؛ إذ أول ما خلق الله تعالى من العالم الماء، ثم خلق منه كل شيء‏.‏ قلت‏:‏ ويدل على صحة هذا قوله ‏ { ‏فمنهم من يمشي على بطنه‏} ‏المشي على البطن للحيات والحوت، ونحوه من الدود وغيره‏.‏ وعلى الرجلين للإنسان والطير إذا مشى‏.‏ والأربع لسائر الحيوان‏.‏ وفي مصحف أبي ‏ { ‏ومنهم من يمشي على أكثر} ‏؛ فعم بهذه الزيادة جميع الحيوان كالسرطان والخشاش؛ ولكنه قرآن لم يثبته إجماع؛ لكن قال النقاش‏:‏ إنما اكتفى في القول بذكر ما يمشي على أربع عن ذكر ما يمشي على أكثر؛ لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، وهي قوام مشيه، وكثرة الأرجل في بعضه زيادة في خلقته، لا يحتاج ذلك الحيوان في مشيه إلى جميعها‏.‏ قال ابن عطية‏:‏ والظاهر أن تلك الأرجل الكثيرة ليست باطلا بل هي محتاج إليها في تنقل الحيوان، وهي كلها تتحرك في تصرفه‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ ليس في الكتاب ما يمنع من المشي على أكثر من أربع؛ إذ لم يقل ليس منها ما يمشي على أكثر من أربع‏.‏ وقيل فيه إضمار‏:‏ ومنهم من يمشي على أكثر من أربع؛ كما وقع في مصحف أبي‏.‏ والله أعلم‏.‏ و‏ { ‏دابة‏} ‏تشمل من يعقل وما لا يعقل؛ فغلب من يعقل لما اجتمع مع من لا يعقل؛ لأنه المخاطب والمتعبد؛ ولذلك قال ‏ { ‏فمنهم‏} ‏‏.‏ وقال ‏ { ‏من يمشي‏} ‏فأشار بالاختلاف إلى ثبوت الصانع؛ أي لو لا أن للجميع صانعا مختارا لما اختلفوا، بل كانوا من جنس واحد؛ وهو كقوله ‏ { ‏يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات‏} ‏.‏ ‏ { ‏إن الله على كل شيء‏} ‏مما يريد خلقه ‏ { ‏قدير‏} ‏‏.‏ { لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} تقدم بيانه في غير موضع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النور الايات 41 - 51

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يعني: مَنْ ملك هذا الملْك وحده، وخلق لكم هذه العجائب أنزل لكم آيات بينات تحمل إليكم الأحكام، فكما فعل لكم الجميل، ووفر لكم ما يخدمكم في الكون، سمائه وأرضه، فأدُّوا أنتم ما عليكم نحو منهجه وأحكامه، واتبعوا هذه الآيات البينات.

ومعنى: { مُّبَيِّنَاتٍ } [النور: 46] أي: لاستقامة حركة الحياة؛ لأن حركة الحياة تحتاج لأنْ يتحرك الجميع ويؤدي كُلٌّ مهمته حتى تتساند الحركات ولا تتعاند، فالذي يُتعب الدنيا أن تبنى وغيرك يهدم.

إذن: لا بُدَّ من ضابط قيمي يضبط كل الحركات ويحثّ كل صانع أنْ يتقن صَنْعته ويُخلِص فيها، والإنسان غالباً لا يحسن إلا زاوية واحدة في حياته، هي حرفته وتخصصه، وربما لا يحسنها لنفسه؛ لأنه لا يتقاضى عليها أجراً، لذلك يقولون (باب النجار مخلع) أما إنْ عمل للآخرين فإنه يُحسِن عمله ويتقن صنعته، وكذلك يتقن الناس لك ما في أيديهم، فتستقيم الأمور، فأحْسن ما في يدك للناس، يحسنْ لك الناسُ ما في أيديهم.

وقوله تعالى: { وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [النور: 46].

ولقائل أنْ يسأل: وما ذنب مَنْ لم يدخل في هذه المشيئة فلم يُهْتد؟ وسبق أن قلنا: إن الهداية نوعان: هداية الدلالة وهداية المعونة على الدلالة.

فالله تعالى يهدي الجميع هداية الدلالة، ويبين للكل أسباب الخير وسُبل النجاة وطريق الفلاح والأسلوب الأمثل في إدارة حركة الحياة، فمَنْ سمع كلام الله ووثق في توجيهه وأطاع في هداية الدلالة أعانه بهداية المعونة.

فساعة تسمع:
{  وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ }
[المائدة: 108].


{  وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ }
[البقرة: 258].

فاعلم أنهم امتنعوا عن هداية الدلالة فامتنعت عنهم هداية المعونة، لا هداية الدلالة والإرشاد والبيان.

وقلنا: إن كلمة { أَنزَلْنَآ } [النور: 46] تشعر باحترام الشيء المنزّل؛ لأن الإنزال لا يكون إلا من العُلُو إلى الأدنى، فكأن ربك ـ عز وجل ـ حين يكلفك يقول لك: أريد أن أرتفع بك من مستوى الأرض إلى عُلو السماء؛ لذلك يقول تعالى في موضع آخر:
{  قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ }
[الأنعام: 151].

أي: لا تضعوا لأنفسكم القوانين، ولا تسيروا خلف آرائكم وأفكاركم، إنما تعالوا إلى الله وخذوا منه سبحانه منهج حياتكم، فهو الذي خلقكم، وخلق لكم هذه الحياة.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ }


www.alro7.net