سورة
اية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

تفسير بن كثير

هذا تعليم من اللّه تعالى لعباده المؤمنين آداب اللقاء وطريق الشجاعة عند مواجهة الأعداء فقال: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا} . وفي الصحيحين: (يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا اللّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف)، ثم قام النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم) ""أخرجه الشيخان عن عبد اللّه بن أبي أوفى مرفوعاً"". وفي الحديث: (إن اللّه يحب الصمت عند ثلاث: عند تلاوة القرآن، وعند الزحف، وعند الجنازة) ""أخرجه الطبراني عن زيد بن أرقم مرفوعاً"". وفي الحديث الآخر المرفوع يقول اللّه تعالى: (إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجزٌ قرنه : أي لا يشغله ذلك الحال عن ذكري ودعائي واستعانتي. وقال قتادة: افترض اللّه ذكره عند أشغل ما يكون، عند الضرب بالسيوف. وعن كعب الأحبار قال: ما من شيء أحب إلى اللّه تعالى من قراءة القرآن والذكر، ولولا ذلك ما أمر الناس بالصلاة والقتال، ألا ترون أنه أمر الناس بالذكر عند القتال فقال: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا اللّه كثيرا لعلكم تفلحون} . فأمر تعالى بالثبات عند قتال الأعداء والصبر على مبارزتهم، فلا يفروا ولا ينكلوا ولا يجبنوا، وأن يذكروا اللّه في تلك الحال ولا ينسوه، بل يستعينوا به، ويتوكلوا عليه، ويسألوه النصر على أعدائهم، ولا يتنازعوا فيما بينهم أيضاً فيختلفوا، فيكون سبباً لتخاذلهم وفشلهم، { وتذهب ريحكم} أي قوتكم وحدتكم وما كنتم فيه من الإقبال { واصبروا إن اللّه مع الصابرين} وقد كان للصحابة رضي اللّه عنهم في باب الشجاعة والائتمار بما أمرهم اللّه ورسوله به، وامتثال ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحد من الأمم والقرون قبلهم، ولا يكون لأحد ممن بعدهم، فإنهم ببركة الرسول صلى اللّه عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم فتحوا القلوب والأقاليم شرقاً وغرباً في المدة اليسيرة، مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم، وقهروا الجميع حتى علت كلمة اللّه وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها في أقل من ثلاثين سنة، فرضي اللّه عنهم وأرضاهم.

تفسير الجلالين

{ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة } جماعة كافرة { فاثبتوا } لقتالهم ولا تنهزموا { واذكروا الله كثيرا } ادعوه بالنصر { لعلكم تفلحون } تفوزون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وَهَذَا تَعْرِيف مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَهْل الْإِيمَان بِهِ السِّيرَة فِي حَرْب أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْل الْكُفْر بِهِ وَالْأَفْعَال الَّتِي تُرْجَى لَهُمْ بِاسْتِعْمَالِهَا عِنْد لِقَائِهِمْ النُّصْرَة عَلَيْهِمْ وَالظَّفَر بِهِمْ , ثُمَّ يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا , صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله إِذَا لَقِيتُمْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْكُفْر بِاَللَّهِ لِلْحَرْبِ وَالْقِتَال , فَاثْبُتُوا لِقِتَالِهِمْ وَلَا تَنْهَزِمُوا عَنْهُمْ وَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَار هَارِبِينَ , إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة مِنْكُمْ . { وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا } يَقُول : وَادْعُوا اللَّه بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وَالظَّفَر بِهِمْ , وَأَشْعِرُوا قُلُوبكُمْ وَأَلْسِنَتكُمْ ذِكْره . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يَقُول : كَيْمَا تَنْجَحُوا فَتَظْفَرُوا بِعَدُوِّكُمْ , وَيَرْزُقكُمْ اللَّه النَّصْر وَالظَّفَر عَلَيْهِمْ . كَمَا : 12543 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } اِفْتَرَضَ اللَّه ذِكْره عِنْد أَشْغَل مَا تَكُونُونَ عِنْد الضِّرَاب بِالسُّيُوفِ . 12544 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة } يُقَاتِلُونَكُمْ فِي سَبِيل اللَّه , { فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا } اُذْكُرُوا اللَّه الَّذِي بَذَلْتُمْ لَهُ أَنْفُسكُمْ وَالْوَفَاء بِمَا أَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ بَيْعَتكُمْ , { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وَهَذَا تَعْرِيف مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَهْل الْإِيمَان بِهِ السِّيرَة فِي حَرْب أَعْدَائِهِ مِنْ أَهْل الْكُفْر بِهِ وَالْأَفْعَال الَّتِي تُرْجَى لَهُمْ بِاسْتِعْمَالِهَا عِنْد لِقَائِهِمْ النُّصْرَة عَلَيْهِمْ وَالظَّفَر بِهِمْ , ثُمَّ يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا , صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله إِذَا لَقِيتُمْ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْكُفْر بِاَللَّهِ لِلْحَرْبِ وَالْقِتَال , فَاثْبُتُوا لِقِتَالِهِمْ وَلَا تَنْهَزِمُوا عَنْهُمْ وَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَار هَارِبِينَ , إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة مِنْكُمْ . { وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا } يَقُول : وَادْعُوا اللَّه بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وَالظَّفَر بِهِمْ , وَأَشْعِرُوا قُلُوبكُمْ وَأَلْسِنَتكُمْ ذِكْره . { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } يَقُول : كَيْمَا تَنْجَحُوا فَتَظْفَرُوا بِعَدُوِّكُمْ , وَيَرْزُقكُمْ اللَّه النَّصْر وَالظَّفَر عَلَيْهِمْ . كَمَا : 12543 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } اِفْتَرَضَ اللَّه ذِكْره عِنْد أَشْغَل مَا تَكُونُونَ عِنْد الضِّرَاب بِالسُّيُوفِ . 12544 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَة } يُقَاتِلُونَكُمْ فِي سَبِيل اللَّه , { فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّه كَثِيرًا } اُذْكُرُوا اللَّه الَّذِي بَذَلْتُمْ لَهُ أَنْفُسكُمْ وَالْوَفَاء بِمَا أَعْطَيْتُمُوهُ مِنْ بَيْعَتكُمْ , { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة} أي جماعة { فاثبتوا} أمر بالثبات عند قتال الكفار، كما في الآية قبلها النهي عن الفرار عنهم، فالتقى الأمر والنهي على سواء. وهذا تأكيد على الوقوف للعدو والتجلد له. قوله تعالى: { واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال : الأول : اذكروا الله عند جزع قلوبكم، فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد. الثاني : اثبتوا بقلوبكم، واذكروه بألسنتكم، فإن القلب لا يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت اللسان على الذكر، ويقول ما قاله أصحاب طالوت { ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين} [البقرة : 250]. وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة، واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس. الثالث : اذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في ابتياعه أنفسكم ومثامنته لكم. قلت : والأظهر أنه ذكر اللسان الموافق للجنان. قال محمد بن كعب القرظي : لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا، يقول الله عز وجل { ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا} [آل عمران : 41]. ولرخص للرجل يكون في الحرب، يقول الله عز وجل: { إذا لقيتم فئة فاثبوا واذكروا الله كثيرا} . وقال قتادة : افترض الله جل وعز ذكره على عباده، أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف. وحكم هذا الذكر أن يكون خفيا، لأن رفع الصوت في مواطن القتال رديء مكروه إذا كان الذاكر واحدا. فأما إذا كان من الجميع عند الحملة فحسن، لأنه يفت في أعضاد العدو. وروى أبو داود عن قيس بن عباد قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال. وروى أبو بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. قال ابن عباس : يكره التلثم عند القتال. قال ابن عطية : وبهذا والله أعلم استن المرابطون بطرحه عند القتال على صيانتهم به.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 44 - 50

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وساعة تسمع كلمة " فئة " فاعلم أن معناها جماعة اختصت بخوض المعارك في ميدان القتال، فليست مطلق جماعة، بل هي جماعة مترابطة من المقاتلين؛ لأن كل مقاتل يفيء لغيره من زملائه، أي جماعة أخرى غير مترابطة تستطيع تفريقهم بصرخة أو عصا، أما المقاتلون فأنت لا تصرفهم إلا بقوة أكبر منهم، ويحاول كل منهم أن يحمي زميله، إذن فكل منهم يفيء إلى الآخرين.

والحق تبارك يقول:
{  كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ }
[البقرة: 249].

ويقول الحق سبحانه وتعالى:
{  قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ ٱلْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ }
[آل عمران: 13].

إذن فالفئة هي جماعة في الحرب.

وقوله تعالى:

{ لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ } [الأنفال: 45].

يُقصد به ساعة حدوث المعركة ونشوب القتال؛ لأن الحرب تقتضي أولاً إعداداً، ثم تخطيطاً يتم قبل الالتحام ثم ذهاباً إلى مكان المعركة. وقوله تعالى: { إِذَا لَقِيتُمْ } أي أن المسألة قد وصلت إلى الواجهة مع الكفار ويقول الحق تبارك وتعالى { فَٱثْبُتُواْ } والثبات هنا معناه المواجهة الشجاعة، لأن الإنسان إذا ما كان ثابتاً في القتال، فالعدو يخشاه ويهابه، وإن لم يكن كذلك فسوف يضطر إلى النكوص، وهذا ما يُجريء الكفار عليكم.

وما دمتم قد جئتم إلى القتال، فلا بد أن يشهد الأعداء شجاعتكم؛ لأنكم إن فررتم فهذه شهادة ضعف ضدكم.

ولذلك لا بد من التدريب على الثبات والقتال، وهذا هو الإعداد المسبق للحرب؛ بالتدريب القوي والتخطيط الدقيق، وألا يتولى أحد منكم ويفر لحظة الزحف لأن هذا العمل هو من أكبر الكبائر، والحق سبحانه وتعالى يقول:
{  وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ }
[الأنفال: 16].

{ يُوَلِّهِمْ } أي يعطيهم، و { دُبُرَهُ } أي ظهره، وهذا تقبيح لعملية الفرار، لأن الدبر محل الصيانة ومحل المحافظة. ونعلم أن هناك من قال للإمام عليّ - كرم الله وجهه -: إن درعك له صدار وليس له ظهر، أي أن الدرع يحمي صدرك إنما وراءك لا يوجد جزء من الدرع ليحمي ظهرك. فقال: (لا كنت إن مكنت خَصمي من ظهري)، أي أنه - كرّم الله وجهه - يفضل الاستشهاد على أن يُمَكِّن خصمه من ظهره، فلو أنَّ درعه من الأمام ومن الخلف، ففي هذه الحالة يكون في نيته أن يمَكِّن خصمه من ظهره، ولذلك جعل الدرع يحمي الصدر فقط، وهو على يقين أنه لن يدير ظهره لعدوه، ويسمون تلك الحالة الأخرى " ظاهرة ضبط النفس " أي أنها طريق لمنع الشيء أن يحدث ولو في ساعة الشدة؛ لأن المقاتل حين يدخل المعركة، وهو يحمي صدره فقط فهو لا يتولى ليفر؛ لأنه يعلم أنه لو تولى فسيكشف لهم ظهره وسيتمكن منه عدوه وسوف يُقتل.والحق سبحانه وتعالى حين يقول: { فَٱثْبُتُواْ } لا يطلب هذا الثبات على إطلاقه، ولكن يريد من المؤمنين الثبات والقوة في القتال. أما غذا كانت الفئة التي يواجهها المؤمنون كبيرة العدد أو كثيرة العتاد فذلك يتطلب الدراسة والاستعداد، وهنا طلب الحق الثبات ليعلم المؤمنون يقيناً؛ أنهم لا يواجهون عدوهم بقوتهم ولكن بقوة الله الذي يجاهدون من أجله. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: { وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً } ، أي تذكروا وأنتم تقاتلون أن الله معكم بعونه ونصره، فإن لم تستطع أسبابكم أن تأتي بالنصر، فإن خالق الأسباب يستطيع بقدرته أن يأتي بتالنصر.

وكلنا نعلم أن الحق تبارك وتعالى قد وضع في كونه الأسباب، فإذا استنفدنا أسبابنا، اتجهنا إلى خالق الأسباب، ولذلك نجد أن من لا يؤمن بالله إذا خانته الأسباب ينتحر أو ينهار تماماً أو يصاب بالجنون، ولكن المؤمن يقول: إذا خانتني الأسباب فمعي رب الأسباب وخالقها، ويأوي إلى ركن شديد.

إن الطفل الصغير إذا اعتدى عليه أحد يقول: إن لي أباً أو أخاً سيرد عني الإيذاء؛ لأن الأسباب لا تعطيه قدرة الرد، فكيف لمن له رب قدرته فوق قدرة الكون كله، وقوته موجودة دائماً. ولذلك نجد قوم موسى حين وصلوا إلى شاطيء البحر ووجدوا أمامهم الماء، ونظروا خلفهم ورأوا جنود فرعون مقبلين من بعيد، قالوا: { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }

وكانوا منطقيين فيما قالوه، فالبحر أمامهم والعدو وراءهم. وليس لهم من طريق للنجاة باستخدام الأسباب العادية في هذا الكون، ولكن موسى عليه السلام بقوة إيمانه بالله تعالى يقول ما جاء على لسانه في القرآن الكريم:
{  قَالَ كَلاَّ }
[الشعراء: 62].

أي إن فرعون وجنوده لن يدركونا، ولم يفهم قوم موسى؛ لأن البحر أمامهم وجنود فرعون وراءهم، وأضاف سيدنا موسى عليه السلام بملء فيه قوله:
{  إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ }
[الشعراء: 62].

أي أنه رفع الأمر من الأسباب إلى المسبب، وإذا بالله يأمره أن يضرب بعصاه البحر؛ فينفلق؛ وتظهر الأرض اليابسة. ويعبر بنو إسرائيل البحر، وعندما وصل موسى وقومه إلى شاطيء البحر بعد أن عبروا، أراد موسى أن يضرب البحر مرة أخرى حتى يعود الماء إلى الاستطراق. فلا يتمكن جنود فرعون من اللحاق بهم، ولكن الله سبحانه وتعالى قال لموسى:
{  وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ }
[الدخان: 24].

أي لا تتعجل وتضرب البحر ليعود مرة أخرى لاستطراق الماء بل اتركه على حاله ساكناً فما أنجى الله به بني إسرائيل سيغرق به آل فرعون، وبذلك أنجي وأهلك بالشيء الواحد، وهذا لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتعالى.

وهنا يقول الحق تبارك وتعالى:

{ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ } [الأنفال:45].

وسبحانه وتعالى هو خالق النفس البشرية وهو العليم بها حين تكون أمام قوة لم تحسب حسابها وكيف تعاني النفس من كرب عظيم، خصوصاً إذا كان ذلك في ميدان القتال، ولذلك طلب من المؤمنين لأن يتذكروا دائماً أنهم ليسوا وحدهم في المعركة وأنه سبحانه وتعالى معهم، فليذكروا هذا كثيراً ليوالي نصرهم على عدوهم؛ لأنهم إذا ما داوموا على ذكر الله تعالى فسيقوي هذا الذكر إيمانهم، ويجعل في قلوبهم الشجاعة اللازمة لتحقيق النصر.وذِكْرُ الحق كلمة { كَثِيراً } هنا يعني أن الإنسان قد يذكر الله عند اليأس فقط، فإن جاءت الحياة بعد ذلك بالرخاء فقد ينسى ذكر الله؛ لذلك يؤكد سبحانه وتعالى هنا أن يكون ذكر الله كثيراً، ليوالي الله نصر المؤمن على عدوه. ومثال ذلك: أننا نجده سبحانه وتعالى حينما يستحضر الخلق المؤمنين للصلاة في يوم الجمعة يقول:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }
[الجمعة: 9-10].

يطلب الحق سبحانه وتعالى ذلك من المؤمنين وهو العليم بأنهم يداومون الولاء له سبحانه كل يوم خمس مرات.

ثم بعد صلاة الجمعة يطالبهم بالانتشار في الأرض والابتغاء من فضل الله تعالى، وينبهنا أن نداوم على ذكره فكأنه يقول؛ إياكم أن تلهيكم أعمالكم ومصالحكم الدنيوية عن ذكر الله، أو تعتقدوا أن ذكر الله في المسجد أو وقت الصلاة فقط، بل داوموا على ذكر الله في كل أحداث الحياة. فإن فعلتم ذلك وذكرتم الله كثيراً فستكونون من المفلحين.

وذكر الله كثيراً معناه أنك تشعر في كل لحظة أن الله سبحانه وتعالى معك فتخشاه وتحمده وتستعين به. وهكذا تكون الصلة دائمة بينك وبين الله عز وجل في كل وقت.

مثال ذلك ما حدث في عام 1973 في معركة العاشر من رمضان، كان ذكر الله يملأ القلوب واستمد الجند من قولهم: { الله أكبر } طاقة هائلة واجهوا بها العدو، واقتحموا خط " بارليف ". وأعانهم الحق بمدد الإيمان من عنده، وأوجد في نفس كل منهم طاقة هائلة تحقق بها النصر؛ وذلك بإجادة التدريب ومداومة الذكر لله تعالى.

ثم يقول الحق بعد ذلك: { وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَٱصْبِرُوۤاْ... }


www.alro7.net