سورة
اية:

فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم في تكذيب من خالفه من قومه { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح - إلى أن قال - وكذب موسى} أي مع ما جاء به من الآيات والدلائل الواضحات، { فأمليت للكافرين} أي أنظرتهم وأخرتهم، { ثم أخذتهم فكيف كان نكير} أي فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟! وذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه { أنا ربكم الأعلى} وبين إهلاك اللّه له أربعون سنة، وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ { وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} ""أخرجه البخاري ومسلم""، ثم قال تعالى: { فكأين من قرية أهلكناها} أي كم من قرية أهلكتها { وهي ظالمة} أي مكذبة لرسلها، { فهي خاوية على عروشها} ، قال الضحاك: سقوفها، أي قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها، { وبئر معطلة} أي لا يستقى منها ولا يردها أحد، بعد كثرة وارديها والازدحام عليها، { وقصر مشيد} قال عكرمة: يعني المبيض بالجص، وقال آخرون هو المنيف المرتفع، وقال آخرون: المشيد المنيع الحصين، وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهلّه شدةُ بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس اللّه بهم، كما قال تعالى: { أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} ، وقوله: { أفلم يسيروا في الأرض} أي بأبدانهم وبفكرهم أيضاً، وذلك للاعتبار، أي انظروا ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال، { فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} أي فيعتبرون بها، { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} أي ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر.

تفسير الجلالين

{ فكأين } أي كم { من قرية أهلكتها } وفي قراءة أهلكناها { وهي ظالمة } أي أحلها بكفرهم { فهي خاوية } ساقطة { على عروشها } سقوفها { و } كم من { بئر معطلة } متروكة بموت أهلها { وقصر مشيد } رفيع خال بموت أهله .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَمْ يَا مُحَمَّد مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْت أَهْلهَا وَهُمْ ظَالِمُونَ ; يَقُول : وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْر مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَد , وَيَعْصُونَ مَنْ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَمْ يَا مُحَمَّد مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْت أَهْلهَا وَهُمْ ظَالِمُونَ ; يَقُول : وَهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْر مَنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَد , وَيَعْصُونَ مَنْ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْصُوهُ .' وَقَوْله : { فَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا } يَقُول : فَبَادَ أَهْلهَا وَخَلَتْ , وَخَوَتْ مِنْ سُكَّانهَا , فَخَرِبَتْ وَتَدَاعَتْ , وَتَسَاقَطَتْ عَلَى عُرُوشهَا ; يَعْنِي عَلَى بِنَائِهَا وَسُقُوفهَا . كَمَا : 19131 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك : { فَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا } قَالَ : خُوَاؤُهَا : خَرَابهَا , وَعُرُوشهَا : سُقُوفهَا . 19132 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { خَاوِيَة } قَالَ : خَرِبَة لَيْسَ فِيهَا أَحَد . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة . مِثْله .وَقَوْله : { فَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا } يَقُول : فَبَادَ أَهْلهَا وَخَلَتْ , وَخَوَتْ مِنْ سُكَّانهَا , فَخَرِبَتْ وَتَدَاعَتْ , وَتَسَاقَطَتْ عَلَى عُرُوشهَا ; يَعْنِي عَلَى بِنَائِهَا وَسُقُوفهَا . كَمَا : 19131 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو خَالِد , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك : { فَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا } قَالَ : خُوَاؤُهَا : خَرَابهَا , وَعُرُوشهَا : سُقُوفهَا . 19132 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { خَاوِيَة } قَالَ : خَرِبَة لَيْسَ فِيهَا أَحَد . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة . مِثْله .' وَقَوْله : { وَبِئْر مُعَطَّلَة } يَقُول تَعَالَى : فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا , وَمِنْ بِئْر عَطَّلْنَاهَا , بِإِفْنَاءِ أَهْلهَا وَهَلَاك وَارِدِيهَا , فَانْدَفَنَتْ وَتَعَطَّلَتْ , فَلَا وَارِدَة لَهَا وَلَا شَارِبَة مِنْهَا . { وَقَصْر مَشِيد } رَفِيع بِالصُّخُورِ وَالْجِصّ , قَدْ خَلَا مِنْ سُكَّانه , بِمَا أَذَقْنَا أَهْله مِنْ عَذَابنَا بِسُوءِ فِعَالهمْ , فَبَادُوا وَبَقِيَ قُصُورهمْ الْمَشِيدَة خَالِيَة مِنْهُمْ . وَالْبِئْر وَالْقَصْر مَخْفُوضَانِ بِالْعَطْفِ عَلَى " الْقَرْيَة " . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : هُمَا مَعْطُوفَانِ عَلَى " الْعُرُوش " بِالْعَطْفِ عَلَيْهَا خَفْضًا , وَإِنْ لَمْ يَحْسُن فِيهِمَا , عَلَى أَنَّ الْعُرُوش أَعَالِي الْبُيُوت وَالْبِئْر فِي الْأَرْض , وَكَذَلِكَ الْقَصْر ; لِأَنَّ الْقَرْيَة لَمْ تَخْوِ عَلَى الْقَصْر , وَلَكِنَّهُ أَتْبَعَ بَعْضه بَعْضًا كَمَا قَالَ : { وَحُور عِين كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤ } 56 22 : 23 فَمَعْنَى الْكَلَام عَلَى مَا قَالَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْله فِي ذَلِكَ : فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَة , فَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا , وَلَهَا بِئْر مُعَطَّلَة وَقَصْر مَشِيد , وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْبِئْر رَافِع وَلَا عَامِل فِيهَا , أَتْبَعَهَا فِي الْإِعْرَاب " الْعُرُوش " وَالْمَعْنَى مَا وَصَفْت وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَبِئْر مُعَطَّلَة } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 19133 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس : { وَبِئْر مُعَطَّلَة } قَالَ : الَّتِي قَدْ تُرِكَتْ . وَقَالَ غَيْره : لَا أَهْل لَهَا . 19134 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَبِئْر مُعَطَّلَة } قَالَ : عَطَّلَهَا أَهْلهَا , تَرَكُوهَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19135 -حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَبِئْر مُعَطَّلَة } قَالَ : لَا أَهْل لَهَا . وَقَوْله : { وَبِئْر مُعَطَّلَة } يَقُول تَعَالَى : فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا , وَمِنْ بِئْر عَطَّلْنَاهَا , بِإِفْنَاءِ أَهْلهَا وَهَلَاك وَارِدِيهَا , فَانْدَفَنَتْ وَتَعَطَّلَتْ , فَلَا وَارِدَة لَهَا وَلَا شَارِبَة مِنْهَا . { وَقَصْر مَشِيد } رَفِيع بِالصُّخُورِ وَالْجِصّ , قَدْ خَلَا مِنْ سُكَّانه , بِمَا أَذَقْنَا أَهْله مِنْ عَذَابنَا بِسُوءِ فِعَالهمْ , فَبَادُوا وَبَقِيَ قُصُورهمْ الْمَشِيدَة خَالِيَة مِنْهُمْ . وَالْبِئْر وَالْقَصْر مَخْفُوضَانِ بِالْعَطْفِ عَلَى " الْقَرْيَة " . وَكَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة يَقُول : هُمَا مَعْطُوفَانِ عَلَى " الْعُرُوش " بِالْعَطْفِ عَلَيْهَا خَفْضًا , وَإِنْ لَمْ يَحْسُن فِيهِمَا , عَلَى أَنَّ الْعُرُوش أَعَالِي الْبُيُوت وَالْبِئْر فِي الْأَرْض , وَكَذَلِكَ الْقَصْر ; لِأَنَّ الْقَرْيَة لَمْ تَخْوِ عَلَى الْقَصْر , وَلَكِنَّهُ أَتْبَعَ بَعْضه بَعْضًا كَمَا قَالَ : { وَحُور عِين كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤ } 56 22 : 23 فَمَعْنَى الْكَلَام عَلَى مَا قَالَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْله فِي ذَلِكَ : فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَة , فَهِيَ خَاوِيَة عَلَى عُرُوشهَا , وَلَهَا بِئْر مُعَطَّلَة وَقَصْر مَشِيد , وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْبِئْر رَافِع وَلَا عَامِل فِيهَا , أَتْبَعَهَا فِي الْإِعْرَاب " الْعُرُوش " وَالْمَعْنَى مَا وَصَفْت وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْله : { وَبِئْر مُعَطَّلَة } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 19133 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس : { وَبِئْر مُعَطَّلَة } قَالَ : الَّتِي قَدْ تُرِكَتْ . وَقَالَ غَيْره : لَا أَهْل لَهَا . 19134 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَبِئْر مُعَطَّلَة } قَالَ : عَطَّلَهَا أَهْلهَا , تَرَكُوهَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19135 -حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَبِئْر مُعَطَّلَة } قَالَ : لَا أَهْل لَهَا . ' وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَقَصْر مُجَصَّص . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19136 - حَدَّثَنِي مَطَر بْن مُحَمَّد الضَّبِّيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ هِلَال بْن خَبَّاب عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : مُجَصَّص . * -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ هِلَال ابْن خَبَّاب , عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله . * -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْأَحْمَسِيّ , قَالَ : ثني غَالِب بْن فَائِد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ هِلَال بْن خَبَّاب عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : مُجَصَّص . 19137 - حَدَّثَنِي مَطَر بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا كَثِير بْن هِشَام . قَالَ . ثنا جَعْفَر بْن بَرْقَان , قَالَ : كُنْت أَمْشِي مَعَ عِكْرِمَة , فَرَأَى حَائِط آجُرّ مُصَهْرَج , فَوَضَعَ يَده عَلَيْهِ وَقَالَ : هَذَا الْمَشِيد الَّذِي قَالَ اللَّه . 19138 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن الْعَوَّام , عَنْ هِلَال بْن خَبَّاب , عَنْ عِكْرِمَة : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : الْمُجَصَّص . قَالَ عِكْرِمَة : وَالْجِصّ بِالْمَدِينَةِ يُسَمَّى الشِّيد . 19139 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : بِالْقِصَّةِ أَوْ الْفِضَّة . 19140 -حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : بِالْقِصَّةِ يَعْنِي بِالْجِصِّ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19141 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , فِي قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : مُجَصَّص . 19142 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنِ الثَّوْرِيّ , عَنْ هِلَال بْن خَبَّاب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : مُجَصَّص . هَكَذَا هُوَ فِي كِتَابِي عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَقَصْر رَفِيع طَوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19143 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : كَانَ أَهْله شَيَّدُوهُ وَحَصَّنُوهُ , فَهَلَكُوا وَتَرَكُوهُ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19144 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } يَقُول : طَوِيل . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ : قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِالْمَشِيدِ الْمُجَصَّص , وَذَلِكَ أَنَّ الشِّيد فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الْجِصّ بِعَيْنِهِ ; وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : كَحَبَّةِ الْمَاء بَيْن الطَّيّ وَالشِّيد فَالْمَشِيد : إِنَّمَا هُوَ مَفْعُول مِنَ الشِّيد ; وَمِنْهُ قَوْل امْرِئِ الْقَيْس : وَتَيْمَاء لَمْ يَتْرُك بِهَا جِذْع نَخْلَة وَلَا أُطُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ يَعْنِي بِذَلِكَ : إِلَّا بِالْبِنَاءِ بِالشِّيدِ وَالْجَنْدَل . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِالْمَشِيدِ : الْمَرْفُوع بِنَاؤُهُ بِالشِّيدِ , فَيَكُون الَّذِينَ قَالُوا : عُنِيَ بِالْمَشِيدِ الطَّوِيل نَحَوْا بِذَلِكَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيل ; وَمِنْهُ قَوْل عَدِيّ بْن زَيْد : شَادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْ سًا فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُور وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِلُغَاتِ الْعَرَب بِمَعْنَى الْمُزَيَّن بِالشِّيدِ مِنْ شِدْته أَشِيدهُ . إِذَا زَيَّنْته بِهِ , وَذَلِكَ شَبِيه بِمَعْنَى مَنْ قَالَ مُجَصَّص .وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَقَصْر مُجَصَّص . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19136 - حَدَّثَنِي مَطَر بْن مُحَمَّد الضَّبِّيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ هِلَال بْن خَبَّاب عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : مُجَصَّص . * -حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ هِلَال ابْن خَبَّاب , عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله . * -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْأَحْمَسِيّ , قَالَ : ثني غَالِب بْن فَائِد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ هِلَال بْن خَبَّاب عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن مُحَمَّد الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : مُجَصَّص . 19137 - حَدَّثَنِي مَطَر بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا كَثِير بْن هِشَام . قَالَ . ثنا جَعْفَر بْن بَرْقَان , قَالَ : كُنْت أَمْشِي مَعَ عِكْرِمَة , فَرَأَى حَائِط آجُرّ مُصَهْرَج , فَوَضَعَ يَده عَلَيْهِ وَقَالَ : هَذَا الْمَشِيد الَّذِي قَالَ اللَّه . 19138 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن الْعَوَّام , عَنْ هِلَال بْن خَبَّاب , عَنْ عِكْرِمَة : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : الْمُجَصَّص . قَالَ عِكْرِمَة : وَالْجِصّ بِالْمَدِينَةِ يُسَمَّى الشِّيد . 19139 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : بِالْقِصَّةِ أَوْ الْفِضَّة . 19140 -حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : بِالْقِصَّةِ يَعْنِي بِالْجِصِّ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19141 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , فِي قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : مُجَصَّص . 19142 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنِ الثَّوْرِيّ , عَنْ هِلَال بْن خَبَّاب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : مُجَصَّص . هَكَذَا هُوَ فِي كِتَابِي عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَقَصْر رَفِيع طَوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19143 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَقَصْر مَشِيد } قَالَ : كَانَ أَهْله شَيَّدُوهُ وَحَصَّنُوهُ , فَهَلَكُوا وَتَرَكُوهُ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19144 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { وَقَصْر مَشِيد } يَقُول : طَوِيل . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ : قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِالْمَشِيدِ الْمُجَصَّص , وَذَلِكَ أَنَّ الشِّيد فِي كَلَام الْعَرَب هُوَ الْجِصّ بِعَيْنِهِ ; وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : كَحَبَّةِ الْمَاء بَيْن الطَّيّ وَالشِّيد فَالْمَشِيد : إِنَّمَا هُوَ مَفْعُول مِنَ الشِّيد ; وَمِنْهُ قَوْل امْرِئِ الْقَيْس : وَتَيْمَاء لَمْ يَتْرُك بِهَا جِذْع نَخْلَة وَلَا أُطُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ يَعْنِي بِذَلِكَ : إِلَّا بِالْبِنَاءِ بِالشِّيدِ وَالْجَنْدَل . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِالْمَشِيدِ : الْمَرْفُوع بِنَاؤُهُ بِالشِّيدِ , فَيَكُون الَّذِينَ قَالُوا : عُنِيَ بِالْمَشِيدِ الطَّوِيل نَحَوْا بِذَلِكَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيل ; وَمِنْهُ قَوْل عَدِيّ بْن زَيْد : شَادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْ سًا فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُور وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِلُغَاتِ الْعَرَب بِمَعْنَى الْمُزَيَّن بِالشِّيدِ مِنْ شِدْته أَشِيدهُ . إِذَا زَيَّنْته بِهِ , وَذَلِكَ شَبِيه بِمَعْنَى مَنْ قَالَ مُجَصَّص .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فكأين من قرية أهلكناها} أي أهلكنا أهلها. وقد مضى في { آل عمران} الكلام في كأين. { وهي ظالمة} أي بالكفر. { فهي خاوية على عروشها} تقدم في الكهف. { وبئر معطلة وقصر مشيد} قال الزجاج { وبئر معطلة} معطوف على { من قرية} أي ومن أهل قرية ومن أهل بئر. والفراء يذهب إلى أن { وبئر} معطوف على { عروشها} . وقال الأصمعي : سألت نافع بن أبي نعيم أيهمز البئر والذئب؟ فقال : إن كانت العرب تهمزهما فاهمزهما. وأكثر الرواة عن نافع بهمزهما؛ إلا ورشا فإن روايته عنه بغير همز فيهما، والأصل الهمز. ومعنى { معطلة} متروكة؛ قاله الضحاك. وقيل : خالية من أهلها لهلاكهم. وقيل : غائرة الماء. وقيل : معطلة من دلائها وأرشيتها؛ والمعنى متقارب. { وقصر مشيد} قال قتادة والضحاك ومقاتل : رفيع طويل. قال عدي بن زيد : شاده مرمرا وجلله كلـ ** ـسا فللطير في ذراه وكور أي رفعه. وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد : مجصص؛ من الشيد وهو الجص. قال الراجز : لا تحسبني وإن كنت امرأ غمرا ** كحية الماء بين الطين والشيد وقال امرؤ القيس : ولا أطما إلا مشيدا بجندل وقال ابن عباس : ( { مشيد} أي حصين)؛ وقال الكلبي. وهو مفعل بمعنى مفعول كمبيع بمعنى مبيوع. وقال الجوهري : والمشيد المعمول بالشيد. والشيد (بالكسر) : كل شيء طليت به الحائط من جص أو بلاط، وبالفتح المصدر. تقول : شاده يشيده شيدا جصصه. والمشيد (بالتشديد) المطول. وقال الكسائي { المشيد} للواحد، من قوله تعالى { وقصر مشيد} والمشيد للجمع، من قوله تعالى { في بروج مشيدة} . [النساء : 78]. وفي الكلام مضمر محذوف تقديره : وقصر مشيد مثلها معطل. ويقال : إن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان، فالقصر مشرف على قلة جبل لا يرتقى إليه بحال، والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئا سقط فيه إلا أخرجته. وأصحاب القصور ملوك الحضر، وأصحاب الآبار ملوك البوادي؛ أي فأهلكنا هؤلاء وهؤلاء. وذكر الضحاك وغيره فيما ذكر الثعلبي وأبو بكر محمد بن الحسن المقرئ وغيرهما أن البئر الرس، وكانت بعدن باليمن بحضرموت، في بلد يقال له حضور، نزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح، ونجوا من العذاب ومعهم صالح، فمات صالح فسمي المكان حضرموت؛ لأن صالحا لما حضره مات فبنوا حضور وقعدوا على هذه البئر، وأمروا عليهم رجلا يقال له العلس بن جلاس بن سويد؛ فيما ذكر الغزنوي. الثعلبي : جلهس بن جلاس. وكان حسن السيرة فيهم عاملا عليهم، وجعلوا وزيره سنحاريب بن سوادة، فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى كثروا، وكانت البئر تسقي المدينة كلها وباديتها وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك؛ لأنها كانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها، ورجال كثيرون موكلون بها، وأبازن (بالنون) من رخام وهي شبه الحياض كثيرة تملأ للناس، وأخر للدواب، وأخر للبقر، وأخر للغنم. والقوام يسقون عليها بالليل والنهار يتداولون، ولم يكن لهم ماء غيرها. وطال عمر الملك الذي أمروه، فلما جاءه الموت طلي بدهن لتبقى صورته لا تتغير، وكذلك كانوا يفعلون إذا مات منهم الميت وكان ممن يكرم عليهم. فلما مات شق ذلك عليهم ورأوا أن أمرهم قد فسد، وضجوا جميعا بالبكاء، واغتنمها الشيطان منهم فدخل في جثة الملك بعد موته بأيام كثيرة، فكلمهم وقال : إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم؛ ففرحوا أشد الفرح وأمر خاصته أن يضربوا له حجابا بينه وبينهم ويكلمهم من ورائه لئلا يعرف الموت في صورته. فنصبوا صنما من وراء الحجاب لا يأكل ولا يشرب. وأخبرهم أنه لا يموت أبدا وأنه إلههم؛ فذلك كله يتكلم به الشيطان على لسانه، فصدق كثير منهم وارتاب بعضهم، وكان المؤمن المكذب منهم أقل من المصدق له، وكلما تكلم ناصح لهم زجر وقهر. فأصفقوا على عبادته، فبعث الله إليهم نبيا كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة، كان اسمه حنظلة بن صفوان، فأعلمهم أن الصورة صنم لا روح له، وأن الشيطان قد أضلهم، وأن الله لا يتمثل بالخلق، وأن الملك لا يجوز أن يكون شريكا لله، ووعظهم ونصحهم وحذرهم سطوة ربهم ونقمته؛ فآذوه وعادوه وهو يتعهدهم بالموعظة ولا يغبهم بالنصيحة، حتى قتلوه في السوق وطرحوه في بئر؛ فعند ذلك أصابتهم النقمة، فباتوا شباعا رواء من الماء وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطل رشاؤها، فصاحوا بأجمعهم وضج النساء والولدان، وضجت البهائم عطشا؛ حتى عمهم الموت وشملهم الهلاك، وخلفتهم في أرضهم السباع، وفي منازلهم الثعالب والضباع، وتبدلت جناتهم وأموالهم بالسدر وشوك العضاه والقتاد، فلا يسمع فيها إلا عزيف الجن وزئير الأسد، نعوذ بالله من سطواته؛ ومن الإصرار على ما يوجب نقماته. قال السهيلي. وأما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عامر بن إرم، لم يبن في الأرض مثله - فيما ذكروا وزعموا - وحاله أيضا كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الأنيس، وإقفاره بعد العمران، وإن أحدا لا يستطيع أن يدنو منه على أميال؛ لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرغد وبهاء الملك وانتظام الأهل كالسلك فبادروا وما عدوا؛ فذكرهم الله تعالى في هذه الآية موعظة وعبرة وتذكرة، وذكرا وتحذيرا من مغبة المعصية وسوء عاقبة المخالفة؛ نعوذ بالله من ذلك ونستجير به من سوء المآل. وقيل : إن الذي أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة { الأنبياء} في قوله { وكم قصمنا من قرية} [الأنبياء : 11]. فتعطلت بئرهم وخربت قصورهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 40 - 45


سورة الحج الايات 45 - 48

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ.. } [الحج: 45] (كأيِّن) أداة تدل على الكَثْرة مثل: كم الخبرية حين تقول: كَمْ أحسنتُ إليك. تعني مرات عديدة تفوق الحصر، فهي تدل على المبالغة في العدد والكمية، ومنها قوله تعالى:
{  وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ.. }
[آل عمران: 146].

والقرية: اسم للمكان، وحين يُهلِك الله القرية لا يُهلك المكان، إنما يهلك المكين فيه، فالمراد بالقرية أهلها، كما ورد في قوله تعالى:
{  وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا.. }
[يوسف: 82] أي: اسأل أهل القرية.

ويحتمل أن يكون المعنى: اسأل القرية تُجبك، لأنك لو سألتَ أهل القرية فلربما يكذبون، أمَّا القرية فتسجل الأحداث وتُخبِر بها كما حدثت.

وقد يتعدى الهلاك إلى القرية ذاتها، فيغير معالمها بدليل قوله تعالى:
{  فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوۤاْ.. }
[النمل: 52].

ومعنى: { أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ.. } [الحج: 45] أي: بسبب ظُلْمها، ولا يُغيِّر الله ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم، وفي آية أخرى يقول تعالى:
{  وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ }
[النحل: 112].

فهلاك القُرَى لا بُدَّ أن يكون له سبب، فلما وقع عليها الهلاك أصبحت { خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا.. } [الحج: 45] الشيء الخاوي يعني: الذي سقط وتهدَّم على غيره، وقوله: { عَلَىٰ عُرُوشِهَا.. } [الحج: 45] يدل على عِظَم ما حَلَّ بها من هلاك، حيث سقط السقف أولاً، ثم انهارت عليه الجدران، أو: أن الله تعالى قَلَبها رأساً على عَقِب، وجعل عاليها سافلها.

وقوله سبحانه: { وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ.. } [الحج: 45] البئر: هو الفجوة العميقة في الأرض، بحيث تصل إلى مستوى الماء الجوفيّ، ومنه يُخرجون الماء للشُّرْب وللزراعة.. إلخ ومنه قوله تعالى:
{  وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ.. }
[القصص: 23] أي: البئر الذي يشربون منه.

والبئر حين تكون عاملة ومُسْتفاداً منها تلحظ حولها مظاهر حياة، حيث ينتشر الناس حولها، وينمو النبات على بقايا المياه المستخرجة منها، ويحوم حولها الطير ليرتوي منها، أما البئر المعطّلة غير المستعملة فتجدها خَرِبة ليس بها علامات حياة، وربما تسفو عليها الرياح، وتطمسها فتُعطَّل وتُهجَر، فالمراد معطلة عن أداء مهمتها، ومهمة البئر السُّقيا.

{ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } [الحج: 45] القصر: اسم للمأوى الفَخْم؛ لأن المأوى قد يكون خيمة، أو فسطاطاً، أو عريشة، أو بيتاً، أو عمارة، وعندما يرتقي الإنسان في المأوى فيبني لنفسه شيئاً خاصاً به، لكن لا بُدَّ له أنْ يخرج لقضاء لوازم الحياة من طعام وخلافه، أما القصر فيعني مكان السكن الذي يتوفر لك بداخله كل ما تحتاج إليه، بحيث لا تحتاج إلى الخروج منه، يعني: بداخله كل مُقوِّمات الحياة. ومنه: سميت الحور مقصورات في قوله تعالى:
{  حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي ٱلْخِيَامِ }
[الرحمن: 72] يعني: لا تتعداها ولا تخرج منها.

و { مَّشِيدٍ } [الحج: 45] من الشيد، وهو الجير الذي يستعمل كَمُونَةٍ في بناء الحجر يعني: مادة للصق الحجارة، وجَعْلها على مستوى واحد، وقديماً كان البناء بالطوب اللَّبن، والمونة من الطين، أما في القصور والمساكن الفخمة الراقية فالبناء بالحجر، والمشيد أيضاً العالي المرتفع، ومنه قولهم: أشاد به يعني: رفعه وأعْلى من مكانته، والارتفاع من مَيْزات القصور، ومعلوم أن مقاسات الغرف في العمارات مثلاً غيرها في القصور، هذه ضيقة منخفضة، وهذه واسعة عالية.

وفي قوله تعالى { وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ } [الحج: 45] دليل على أن هؤلاء المهلْكين كانوا من أصحاب الغِنَى والنعيم، ومن سكان القصور ومِنْ عِلْية القوم.

ثم يقول الحق سبحانه: { أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَآ أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا.. }

.


www.alro7.net