سورة
اية:

قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ

تفسير بن كثير

هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر اللّه تعالى أنها كانت سبباً لخروج يوسف عليه السلام من السجن معززاً مكرماً وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا فهالته، وتعجب من أمرها، وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة وكبار دولته وأمراءه، فقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأنها { أضغاث أحلام} أي أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه، { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} أي لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها؛ وعند ذلك تذكر الذي نجا من ذنيك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ماوصاه به يوسف من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر { بعد أمة} أي مدة، فقال للملك: { أنا أنبئكم بتأويله} أي بتأويل هذا المنام { فأرسلون} أي فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن، ومعنى الكلام فبعثوه فجاء فقال: { يوسف أيها الصديق أفتنا} وذكر المنام الذي رآه الملك، فعند ذلك ذكر له يوسف عليه السلام تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما أوصاه به ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: { تزرعون سبع سنين دأبا} أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، { فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون} : أي مهما استغللتم وهذه السبع السنين الخصب فادخروه في سنبله ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلاً لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان، لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب، وهن السنبلات اليابسات، وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئاً وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء، ولهذا قال: { يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون} ثم بشَّرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك { عام فيه يغاث الناس} أي يأتيهم الغيث وهو المطر، وتغل البلاد، ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت وسكر ونحوه.

تفسير الجلالين

{ قالوا } هذه { أضغاث أحلام } أخلاط { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا أَضْغَاث أَحْلَام وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَام بِعَالِمِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ سَأَلَهُمْ مَلِك مِصْر عَنْ تَعْبِير رُؤْيَاهُ : رُؤْيَاك هَذِهِ أَضْغَاث أَحْلَام ; يَعْنُونَ أَنَّهَا أَخْلَاط رُؤْيَا كَاذِبَة لَا حَقِيقَة لَهَا , وَهِيَ جَمْع ضِغْث , وَالضِّغْث : أَصْله الْحُزْمَة مِنَ الْحَشِيش , يُشَبَّه بِهَا الْأَحْلَام الْمُخْتَلِطَة الَّتِي لَا تَأْوِيل لَهَا , وَالْأَحْلَام جَمْع حُلْم , وَهُوَ مَا لَمْ يَصْدُق مِنَ الرُّؤْيَا , وَمِنَ الْأَضْغَاث قَوْل ابْن مُقْبِل : خَوْدٌ كَأَنَّ فِرَاشهَا وُضِعَتْ بِهِ أَضْغَاث رَيْحَان غَدَاةَ شِمَال وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : يَحْمِي ذِمَارَ جَنِينٍ قَلَّ مَانِعُهُ طَاوٍ كَضِغْثِ الْخَلَا فِي الْبَطْن مُكْتَمِن وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } يَقُول : مُشْتَبِهَة 14792 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } كَاذِبَة 14793 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : لَمَّا قَصَّ الْمَلِك رُؤْيَاهُ الَّتِي رَأَى عَلَى أَصْحَابه , قَالُوا : أَضْغَاث أَحْلَام : أَيْ فِعْل الْأَحْلَام 14794 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { أَضْغَاث أَحْلَام } قَالَ : أَخْلَاط أَحْلَام , { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَام بِعَالِمِينَ } 14795 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , عَنْ أَبِي مَرْزُوق , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك , قَالَ : أَضْغَاث أَحْلَام كَاذِبَة - قَالَ : ثني الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك , قَالُوا : أَضْغَاث , قَالَ : كَذِب - حُدِّثْنَا عَنِ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } : هِيَ الْأَحْلَام الْكَاذِبَة وَقَوْله : { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَام بِعَالِمِينَ } يَقُول : وَمَا نَحْنُ بِمَا تَئُول إِلَيْهِ الْأَحْلَام الْكَاذِبَة بِعَالِمِينَ . وَالْبَاء الْأُولَى الَّتِي فِي التَّأْوِيل مِنْ صِلَة " الْعَالِمِينَ " , وَاَلَّتِي فِي " الْعَالِمِينَ " الْبَاء الَّتِي تَدْخُل فِي الْخَبَر مَعَ " مَا " الَّتِي بِمَعْنَى الْجَحْد . وَرُفِعَ " أَضْغَاث أَحْلَام " ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : لَيْسَ هَذِهِ الرُّؤْيَا بِشَيْءٍ إِنَّمَا هِيَ أَضْغَاث أَحْلَام . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا أَضْغَاث أَحْلَام وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَام بِعَالِمِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ الْمَلَأ الَّذِينَ سَأَلَهُمْ مَلِك مِصْر عَنْ تَعْبِير رُؤْيَاهُ : رُؤْيَاك هَذِهِ أَضْغَاث أَحْلَام ; يَعْنُونَ أَنَّهَا أَخْلَاط رُؤْيَا كَاذِبَة لَا حَقِيقَة لَهَا , وَهِيَ جَمْع ضِغْث , وَالضِّغْث : أَصْله الْحُزْمَة مِنَ الْحَشِيش , يُشَبَّه بِهَا الْأَحْلَام الْمُخْتَلِطَة الَّتِي لَا تَأْوِيل لَهَا , وَالْأَحْلَام جَمْع حُلْم , وَهُوَ مَا لَمْ يَصْدُق مِنَ الرُّؤْيَا , وَمِنَ الْأَضْغَاث قَوْل ابْن مُقْبِل : خَوْدٌ كَأَنَّ فِرَاشهَا وُضِعَتْ بِهِ أَضْغَاث رَيْحَان غَدَاةَ شِمَال وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : يَحْمِي ذِمَارَ جَنِينٍ قَلَّ مَانِعُهُ طَاوٍ كَضِغْثِ الْخَلَا فِي الْبَطْن مُكْتَمِن وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14791 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } يَقُول : مُشْتَبِهَة 14792 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } كَاذِبَة 14793 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : لَمَّا قَصَّ الْمَلِك رُؤْيَاهُ الَّتِي رَأَى عَلَى أَصْحَابه , قَالُوا : أَضْغَاث أَحْلَام : أَيْ فِعْل الْأَحْلَام 14794 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { أَضْغَاث أَحْلَام } قَالَ : أَخْلَاط أَحْلَام , { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَام بِعَالِمِينَ } 14795 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , عَنْ أَبِي مَرْزُوق , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك , قَالَ : أَضْغَاث أَحْلَام كَاذِبَة - قَالَ : ثني الْمُحَارِبِيّ , عَنْ جُوَيْبِر , عَنِ الضَّحَّاك , قَالُوا : أَضْغَاث , قَالَ : كَذِب - حُدِّثْنَا عَنِ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { أَضْغَاث أَحْلَام } : هِيَ الْأَحْلَام الْكَاذِبَة وَقَوْله : { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَام بِعَالِمِينَ } يَقُول : وَمَا نَحْنُ بِمَا تَئُول إِلَيْهِ الْأَحْلَام الْكَاذِبَة بِعَالِمِينَ . وَالْبَاء الْأُولَى الَّتِي فِي التَّأْوِيل مِنْ صِلَة " الْعَالِمِينَ " , وَاَلَّتِي فِي " الْعَالِمِينَ " الْبَاء الَّتِي تَدْخُل فِي الْخَبَر مَعَ " مَا " الَّتِي بِمَعْنَى الْجَحْد . وَرُفِعَ " أَضْغَاث أَحْلَام " ; لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : لَيْسَ هَذِهِ الرُّؤْيَا بِشَيْءٍ إِنَّمَا هِيَ أَضْغَاث أَحْلَام .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { أضغاث أحلام} قال الفراء : ويجوز { أضغاث أحلام} قال النحاس : النصب بعيد، لأن المعنى : لم تر شيئا له تأويل، إنما هي أضغاث أحلام، أي أخلاط. وواحد الأضغاث ضغث، يقال لكل مختلط من بقل أو حشيش أو غيرهما ضغث؛ قال الشاعر : كضغث حلم غر منه حالمه ** { وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين} قال الزجاج : المعنى بتأويل الأحلام المختلطة، نفوا عن أنفسهم علم ما لا تأويل له، لا أنهم نفوا عن أنفسهم علم التأويل. وقيل : نفوا عن أنفسهم علم التعبير. والأضغاث على هذا الجماعات من الرؤيا التي منها صحيحة ومنها باطلة، ولهذا قال الساقي { أنا أنبئكم بتأويله} { يوسف : 45] فعلم أن القوم عجزوا عن التأويل، لا أنهم ادعوا ألا تأويل لها. وقيل : إنهم لم يقصدوا تفسيرا، وإنما أرادوا محوها من صدر الملك حتى لا تشغل باله، وعلى هذا أيضا فعندهم علم. و { الأحلام} جمع حلم، والحلم بالضم ما يراه النائم، تقول منه حلم بالفتح واحتلم، وتقول : حلمت، بكذا وحلمته، قال : فَحَلَمْتُهَا وبنو رُفيدة دونها ** لا يبعدنَّ خيالُها المحلُوم أصله الأناة، ومنه الحلم ضد الطيش؛ فقيل لما يرى في النوم حلم لأن النوم حالة أناة وسكون ودعة. الثانية: في الآية دليل على بطلان قول من يقول : إن الرؤيا على أول ما تعبر، لأن القوم قالوا { أضغاث أحلام} ولم تقع كذلك؛ فإن يوسف فسرها على سني الجدب والخصب، فكان كما عبر؛ وفيها دليل على فساد أن الرؤيا على، رجل طائر، فإذا عبّرت وقعت.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 36 - 45

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهكذا أعلن الملأ أن رؤيا الملك ليست سوى أخلاط أحلام بلا معنى. و " الضِّغْث " هو حِزْمة من الحشائش مختلفة الأجناس؛ فكأن رُؤْيا الملك لا تأويلَ لها عندهم؛ لأنهم ليسوا من أهل التمييز في التأويل.

وهذا صِدْق من البطانة في ألاَّ يخبر أحدهم بشيء، إلا إذا كان على علم به؛ ولا يضير أحدهم أن يعلن جهله بأمر ما لا يعلمه.

والذي يعلن جهله بأمر لسائله ـ ويكون قد علمه ـ يجعله يسأل غيره، أما إن أجاب بجواب؛ فربما جعله يَثْبُتُ على هذا الجواب.

ولذلك قال العلماء ليفسحوا مجال الصِّدْق في الفُتْيا: " مَنْ قال لا أدري فقد أفتى "؛ لأنه حين يقول " لا أدري "؛ سيضطرك إلى أن تسأل غيره.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وَقَالَ ٱلَّذِي... }.


www.alro7.net