سورة
اية:

وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مسلياً لنبيه محمد صلى اللّه عليه وسلم في تكذيب من خالفه من قومه { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح - إلى أن قال - وكذب موسى} أي مع ما جاء به من الآيات والدلائل الواضحات، { فأمليت للكافرين} أي أنظرتهم وأخرتهم، { ثم أخذتهم فكيف كان نكير} أي فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم؟! وذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه { أنا ربكم الأعلى} وبين إهلاك اللّه له أربعون سنة، وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (إن اللّه ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، ثم قرأ { وكذلك أخذ ربك إذ أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} ""أخرجه البخاري ومسلم""، ثم قال تعالى: { فكأين من قرية أهلكناها} أي كم من قرية أهلكتها { وهي ظالمة} أي مكذبة لرسلها، { فهي خاوية على عروشها} ، قال الضحاك: سقوفها، أي قد خربت منازلها وتعطلت حواضرها، { وبئر معطلة} أي لا يستقى منها ولا يردها أحد، بعد كثرة وارديها والازدحام عليها، { وقصر مشيد} قال عكرمة: يعني المبيض بالجص، وقال آخرون هو المنيف المرتفع، وقال آخرون: المشيد المنيع الحصين، وكل هذه الأقوال متقاربة، ولا منافاة بينها، فإنه لم يحم أهلّه شدةُ بنائه ولا ارتفاعه ولا إحكامه ولا حصانته عن حلول بأس اللّه بهم، كما قال تعالى: { أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة} ، وقوله: { أفلم يسيروا في الأرض} أي بأبدانهم وبفكرهم أيضاً، وذلك للاعتبار، أي انظروا ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال، { فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها} أي فيعتبرون بها، { فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} أي ليس العمى عمى البصر، وإنما العمى عمى البصيرة، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ولا تدري ما الخبر.

تفسير الجلالين

{ وقوم إبراهيم وقوم لوط } .

تفسير الطبري

يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُسَلِّيًا نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَنَالهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ , وَحَاضًّا لَهُ عَلَى الصَّبْر عَلَى مَا يَلْحَقهُ مِنْهُمْ مِنَ السَّبّ وَالتَّكْذِيب : وَإِنْ يُكَذِّبك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ عَلَى مَا آتَيْتهمْ بِهِ مِنَ الْحَقّ وَالْبُرْهَان , وَمَا تَعِدهُمْ مِنَ الْعَذَاب عَلَى كُفْرهمْ بِاللَّهِ , فَذَلِكَ سُنَّة إِخْوَانهمْ مِنَ الْأُمَم الْخَالِيَة الْمُكَذِّبَة رُسُل اللَّه الْمُشْرِكَة بِاللَّهِ وَمِنْهَاجهمْ مِنْ قَبْلهمْ , فَلَا يَصُدَّنَّك ذَلِكَ , فَإِنَّ الْعَذَاب الْمُهِين مِنْ وَرَائِهِمْ وَنَصْرِي إِيَّاكَ وَأَتْبَاعك عَلَيْهِمْ آتِيهِمْ مِنْ وَرَاء ذَلِكَ , كَمَا أَتَى عَذَابِي عَلَى أَسْلَافهمْ مِنَ الْأُمَم الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ بَعْد الْإِمْهَال إِلَى بُلُوغ الْآجَال . { فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلهمْ } يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْش ; قَوْم نُوح , وَقَوْم عَاد وَثَمُود , وَقَوْم إِبْرَاهِيم , وَقَوْم لُوط .يَقُول تَعَالَى ذِكْره مُسَلِّيًا نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَنَالهُ مِنْ أَذَى الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ , وَحَاضًّا لَهُ عَلَى الصَّبْر عَلَى مَا يَلْحَقهُ مِنْهُمْ مِنَ السَّبّ وَالتَّكْذِيب : وَإِنْ يُكَذِّبك يَا مُحَمَّد هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ عَلَى مَا آتَيْتهمْ بِهِ مِنَ الْحَقّ وَالْبُرْهَان , وَمَا تَعِدهُمْ مِنَ الْعَذَاب عَلَى كُفْرهمْ بِاللَّهِ , فَذَلِكَ سُنَّة إِخْوَانهمْ مِنَ الْأُمَم الْخَالِيَة الْمُكَذِّبَة رُسُل اللَّه الْمُشْرِكَة بِاللَّهِ وَمِنْهَاجهمْ مِنْ قَبْلهمْ , فَلَا يَصُدَّنَّك ذَلِكَ , فَإِنَّ الْعَذَاب الْمُهِين مِنْ وَرَائِهِمْ وَنَصْرِي إِيَّاكَ وَأَتْبَاعك عَلَيْهِمْ آتِيهِمْ مِنْ وَرَاء ذَلِكَ , كَمَا أَتَى عَذَابِي عَلَى أَسْلَافهمْ مِنَ الْأُمَم الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ بَعْد الْإِمْهَال إِلَى بُلُوغ الْآجَال . { فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلهمْ } يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْش ; قَوْم نُوح , وَقَوْم عَاد وَثَمُود , وَقَوْم إِبْرَاهِيم , وَقَوْم لُوط .'

تفسير القرطبي

هذا تسليه للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية؛ أي كان قبلك أنبياء كذبوا فصبروا إلى أن أهلك الله المكذبين، فاقتد بهم واصبر. { وكذب موسى} أي كذبه فرعون وقومه. فأما بنو إسرائيل فما كذبوه، فلهذا لم يعطفه على ما قبله فيكون وقوم موسى. { فأمليت للكافرين} أي أخرت عنهم العقوبة. { ثم أخذتهم} فعاقبتهم. { فكيف كان نكير} استفهام بمعنى التغيير؛ أي فانظر كيف كان تغييري ما كانوا فيه من النعم بالعذاب والهلاك، فكذلك أفعل بالمكذبين من قريش. قال الجوهري : النكير والإنكار تغيير المنكر، والمنكر واحد المناكير.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 40 - 45

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نلحظ هنا أن الحق سبحانه ذكر المكذبين، إلا في قصة موسى فذكر المكذَّب، فلم يَقُل: وقوم موسى بل قال: وكُذِّب موسى، لماذا؟ قالوا: لأن مهمته كانت أصعب حيث تعرَّض في دعوته لمنِ ادَّعى الألوهية ذاتها.

وقوله تعالى: { فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ.. } [الحج: 44] أمليت: أمهلْتُ حتى ظنوه إهمالاً، وهو إمهال بأنْ يمدّ الله لهم، ويطيل في مدتهم، لا إكراماً لهم، ولكن ليأخذهم بعد هذا أخْذ عزيز مقتدر، وفي آية أخرى يُوضِّح لنا هذه البرقية المختصرة، فيقول سبحانه:
{  وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً.. }
[آل عمران: 178]

وفي هذا المعنى يقول أيضاً:
{  فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ }
[التوبة: 55].

إذن: لا تغتر بما في أيديهم؛ لأنه فتنة، حتى إذا أخذهم الله كانت حسرتهم أكبر، فمن عُدم هذه النعم لا يتعلق قلبه بها، ولا يألَم لفقدها.

وقد حدث شيء من هذا في أيام سعد زغلول، وكان أحد معارضيه يشتمه ويتطاول عليه، لكن فوجئ الجميع بأنه يُولِّيه منصباً مرموقاً في القاهرة، فتعجّب الناس وسألوه في ذلك فقال: نعم، وضعته في هذا المنصب ليعرف العلو والمنزلة حتى يتحسَّر عليها حين تُسْلَب منه، وتكون أنكى له. يعني: يرفعه إلى أعلى حتى يهوي على رقبته، لأنه ما فائدة أن توقعه من على الحصيرة مثلا ً؟!!

ثم يقول تعالى: { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } [الحج: 44] الحق سبحانه يُلقِي الخبر في صورة استفهام لتقول أنت ما حدث وتشهد به.

والمراد: أعاقبناهم بما يستحقون؟

والنكير: هو الإنكار على شخص بتغيير حاله من نعمة إلى نقمة، كالذي يُكرمك ويُواسيك ويَبَشُّ في وجهك ويُغدق عليك، ثم يقطع عنك هذا كله، فتقول: لماذا تنكَّر لي فلان؟ يعني: قطع عني نعمته.

وكأن الحق - تبارك وتعالى - يريد أن ينتزع مِنَّا الإقرار بقدرته تعالى على عقاب أعدائه ومُكذِّبي رسله، وهذا المعنى جاء أيضاً في قوله تعالى:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّ هَـٰؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُواْ عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ * فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }
[المطففين: 29 - 36] يعني: هل جُوزي الكفار بما عملوا؟ وهل استطعنا أنْ نعاقبهم بما يستحقون من العذاب؟

{ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } [الحج: 44] أي: إنكاري لموقفهم من عدم أداء حقوق النعمة فبدَّلها الله عليهم نقمة.

ثم يقول الحق سبحانه: { فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا.. }

.


www.alro7.net