سورة
اية:

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ

تفسير بن كثير

ولما ظن يوسف عليه السلام أن الساقي ناج، قال له يوسف خفية عن الآخر‏:‏ ‏ { ‏اذكرني عند ربك‏} ‏ يقول‏:‏ اذكر قصتي عند ربك وهو الملك فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه الملك بذلك وكان من جملة مكايد الشيطان لئلا يطلع نبي اللّه من السجن، هذا هو الصواب أن الضمير في قوله‏:‏ ‏ { ‏فأنساه الشيطان ذكر ربه‏} ‏ عائد على الناجي، كما قاله مجاهد وغير واحد؛ ويقال إن الضمير عائد على يوسف عليه السلام، رواه ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أيضاً، وأما البضع فقال مجاهد وقتادة‏:‏ هو ما بين الثلاث إلى التسع، وقال وهب بن منبه‏:‏ مكث أيوب في البلاء سبعاً، ويوسف في السجن سبعاً‏.

تفسير الجلالين

{ وقال للذي ظن } أيقن { أنه ناج منهما } وهو الساقي { اذكرني عند ربك } سيدك فقل له إن في السجن غلاما محبوسا ظلما فخرج { فأنساه } أي الساقي { الشيطان ذكْرَ } يوسف عند { ربه فلبث } مكث يوسف { في السجن بضع سنين } قيل سبعا وقيل اثنتي عشرة.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَان ذِكْر رَبّه فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ يُوسُف لِلَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ اللَّذَيْنِ اسْتَعْبَرَاهُ الرُّؤْيَا { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } يَقُول : اُذْكُرْنِي عِنْد سَيِّدك , وَأَخْبِرْهُ بِمَظْلِمَتِي وَأَنِّي مَحْبُوس بِغَيْرِ جُرْم . كَمَا : 14770 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ , يَعْنِي لنبو : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } : أَيْ اُذْكُرْ لِلْمَلِكِ الْأَعْظَم مَظْلِمَتِي وَحَبْسِي فِي غَيْر شَيْء . قَالَ : أَفْعَل 14771 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } قَالَ لِلَّذِي نَجَا مِنْ صَاحِبَيِ السِّجْن , يُوسُف يَقُول : اُذْكُرْنِي عِنْد الْمَلِك - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 14772 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ أَسْبَاط : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } قَالَ : عِنْد مَلِك الْأَرْض 14773 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } يَعْنِي بِذَلِكَ الْمَلِك - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } الَّذِي نَجَا مِنْ صَاحِبَيِ السِّجْن لِلْمَلِكِ , يَقُول يُوسُف : اُذْكُرْنِي 14774 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام بْن حَوْشَب , عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى بَاب السِّجْن قَالَ لَهُ صَاحِب لَهُ . حَاجَتك أَوْصِنِي بِحَاجَتِك ! قَالَ : حَاجَتِي أَنْ تَذْكُرَنِي عِنْد رَبّك . يَنْوِي الرَّبّ الَّذِي مَلَكَ يُوسُف وَكَانَ قَتَادَة يُوَجِّه مَعْنَى الظَّنّ فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَى الظَّنّ الَّذِي هُوَ خِلَاف الْيَقِين . 14775 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } وَإِنَّمَا عِبَارَة الرُّؤْيَا بِالظَّنِّ , فَيُحِقّ اللَّه مَا يَشَاء وَيُبْطِل مَا يَشَاء وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَة مِنْ أَنَّ عِبَارَة الرُّؤْيَا ظَنٌّ , فَإِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْر الْأَنْبِيَاء . فَأَمَّا الْأَنْبِيَاء فَغَيْر جَائِز مِنْهَا أَنْ تُخْبِر بِخَبَرٍ عَنْ أَمْر أَنَّهُ كَائِن ثُمَّ لَا يَكُون , أَوْ أَنَّهُ غَيْر كَائِن ثُمَّ يَكُون مَعَ شَهَادَتهَا عَلَى حَقِيقَة مَا أَخْبَرَتْ عَنْهُ أَنَّهُ كَائِن أَوْ غَيْر كَائِن ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ عَلَيْهَا فِي أَخْبَارهَا لَمْ يُؤْمِن مِثْل ذَلِكَ فِي كُلّ أَخْبَارهَا , وَإِذَا لَمْ يُؤْمِن ذَلِكَ فِي أَخْبَارهَا سَقَطَتْ حُجَّتهَا عَلَى مَنْ أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ غَيْر جَائِز عَلَيْهَا أَنْ تُخْبِر بِخَبَرٍ إِلَّا وَهُوَ حَقّ وَصِدْق . فَمَعْلُوم إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت أَنَّ يُوسُف لَمْ يَقْطَع الشَّهَادَة عَلَى مَا أَخْبَرَ الْفَتَيَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَعْبَرَاهُ أَنَّهُ كَائِن , فَيَقُول لِأَحَدِهِمَا : { أَمَّا أَحَدكُمَا فَيَسْقِي رَبّه خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَر فَيُصْلَب فَتَأْكُل الطَّيْر مِنْ رَأْسه } ثُمَّ يُؤَكِّد ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { قُضِيَ الْأَمْر الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } عِنْد قَوْلهمَا : لَمْ تَرَ شَيْئًا , إِلَّا وَهُوَ عَلَى يَقِين أَنَّ مَا أَخْبَرَهُمَا بِحُدُوثِهِ وَكَوْنه أَنَّهُ كَائِن لَا مَحَالَة لَا شَكَّ فِيهِ , وَلِيَقِينِهِ بِكَوْنِ ذَلِكَ قَالَ لِلنَّاجِي مِنْهُمَا : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } . فَبُيِّنَ إِذَنْ بِذَلِكَ فَسَاد الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ قَتَادَة فِي مَعْنَى قَوْله : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا } , وَقَوْله : { فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَان ذِكْر رَبّه } وَهَذَا خَبَر مِنَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ غَفْلَة عَرَضَتْ لِيُوسُف مِنْ قِبَل الشَّيْطَان نَسِيَ لَهَا ذِكْر رَبّه الَّذِي لَوْ بِهِ اسْتَغَاثَ لَأَسْرَعَ بِمَا هُوَ فِيهِ خَلَاصه , وَلَكِنَّهُ زَلَّ بِهَا , فَأَطَالَ مِنْ أَجْلهَا فِي السِّجْن حَبْسَهُ وَأَوْجَعَ لَهَا عُقُوبَته . كَمَا : 14776 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان الضُّبَعِيّ , عَنْ بِسِطَامِ بْن مُسْلِم , عَنْ مَالِك بْن دِينَار , قَالَ : لَمَّا قَالَ يُوسُف لِلسَّاقِي : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } قَالَ : قِيلَ : يَا يُوسُف اتَّخَذْت مِنْ دُونِي وَكِيلًا ؟ لَأُطِيلَنَّ حَبْسك ! فَبَكَى يُوسُف وَقَالَ : يَا رَبّ أَنْسَى قَلْبِي كَثْرَةُ الْبَلْوَى , فَقُلْت كَلِمَة , فَوَيْل لِإِخْوَتِي 14777 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْلَا أَنَّهُ " يَعْنِي يُوسُف " قَالَ الْكَلِمَة الَّتِي قَالَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ " . 14778 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا يُونُس , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : قَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَحِمَ اللَّه يُوسُف لَوْلَا كَلِمَته مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ " , يَعْنِي قَوْله : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } . قَالَ : ثُمَّ يَبْكِي الْحَسَن فَيَقُول : نَحْنُ إِذَا نَزَلَ بِنَا أَمْر فَزِعْنَا إِلَى النَّاس . - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَوْلَا كَلِمَة يُوسُف مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ " . 14779 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُف " يَعْنِي الْكَلِمَة الَّتِي قَالَ " مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ " يَعْنِي حَيْثُ يَبْتَغِي الْفَرَج مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه . 14780 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَوْ لَمْ يَسْتَعِنْ يُوسُف عَلَى رَبّه مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ " . - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " لَوْلَا أَنَّ يُوسُف اسْتَشْفَعَ عَلَى رَبّه مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ , وَلَكِنْ إِنَّمَا عُوقِبَ بِاسْتِشْفَاعِهِ عَلَى رَبّه " . 14781 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَالَ لَهُ : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } قَالَ : فَلَمْ يَذْكُرهُ حَتَّى رَأَى الْمَلِك الرُّؤْيَا ; وَذَلِكَ أَنَّ يُوسُف أَنْسَاهُ الشَّيْطَان ذِكْرَ رَبّه , وَأَمَرَهُ بِذِكْرِ الْمَلِك وَابْتِغَاء الْفَرَج مِنْ عِنْده . { فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ } بِقَوْلِهِ : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ , غَيْر أَنَّهُ قَالَ : { فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ } عُقُوبَة لِقَوْلِهِ : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } - قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْل حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو سَوَاء . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْل حَدِيث الْمُثَنَّى , عَنْ أَبِي حُذَيْفَة . وَكَانَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق يَقُول : إِنَّمَا أَنْسَى الشَّيْطَان السَّاقِي ذِكْر أَمْر يُوسُف لِمَلِكِهِمْ . 14782 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ , يَعْنِي الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا , رُدَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ , وَرَضِيَ عَنْهُ صَاحِبه . فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَان ذِكْر ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الَّذِي أَمَرَهُ يُوسُف أَنْ يَذْكُرهُ , فَلَبِثَ يُوسُف بَعْد ذَلِكَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلَبِثَ يُوسُف فِي السِّجْن لِقَيْلِهِ لِلنَّاجِي مِنْ صَاحِبَيِ السِّجْن مِنْ الْقَيْلِ : اُذْكُرْنِي عِنْد سَيِّدك بِضْع سِنِينَ , عُقُوبَة لَهُ مِنَ اللَّه بِذَلِكَ وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَدْر الْبِضْع الَّذِي لَبِثَ يُوسُف فِي السِّجْن , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ سَبْع سِنِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14783 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد أَبُو عَثْمَة , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : لَبِثَ يُوسُف فِي السِّجْن سَبْع سِنِينَ - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ } قَالَ : سَبْع سِنِينَ 14784 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا عِمْرَان أَبُو الْهُذَيْل الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : سَمِعْت وَهْبًا يَقُول : أَصَابَ أَيُّوبَ الْبَلَاءُ سَبْع سِنِينَ , وَتُرِكَ فِي السِّجْن يُوسُف سَبْع سِنِينَ , وَعُذِّبَ بُخْتُ نَصَّرَ يَجُول فِي السِّبَاع سَبْع سِنِينَ 14785 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : زَعَمُوا أَنَّهَا , يَعْنِي الْبِضْع : سَبْع سِنِينَ , كَمَا لَبِثَ يُوسُف وَقَالَ آخَرُونَ : الْبِضْع : مَا بَيْن الثَّلَاث إِلَى التِّسْع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14786 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا أَبُو هِلَال , قَالَ : سَمِعْت قَتَادَة يَقُول : الْبِضْع : مَا بَيْن الثَّلَاث إِلَى التِّسْع 14787 - حَدَّثَنَا وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { بِضْع سِنِينَ } قَالَ : مَا بَيْن الثَّلَاث إِلَى التِّسْع وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ مَا دُون الْعَشْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14788 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْج , قَالَ ابْن عَبَّاس : { بِضْع سِنِينَ } دُون الْعَشْرَة وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الْبِضْع لَا يُذْكَر إِلَّا مَعَ عَشْر , وَمَعَ الْعِشْرِينَ إِلَى التِّسْعِينَ , وَهُوَ نَيِّف مَا بَيْن الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة . وَقَالَ : كَذَلِكَ رَأَيْت الْعَرَب تَفْعَل وَلَا يَقُولُونَ بِضْع وَمِائَة , وَلَا بِضْع وَأَلْف , وَإِذَا كَانَتْ لِلذُّكْرَانِ قِيلَ : بِضْع . وَالصَّوَاب فِي الْبِضْع مِنْ الثَّلَاث إِلَى التِّسْع إِلَى الْعَشْر , وَلَا يَكُون دُون الثَّلَاث , وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى الْعَقْد إِلَى الْمِائَة , وَمَا زَادَ عَلَى الْمِائَة فَلَا يَكُون فِيهِ بِضْع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَان ذِكْر رَبّه فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ يُوسُف لِلَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْ صَاحِبَيْهِ اللَّذَيْنِ اسْتَعْبَرَاهُ الرُّؤْيَا { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } يَقُول : اُذْكُرْنِي عِنْد سَيِّدك , وَأَخْبِرْهُ بِمَظْلِمَتِي وَأَنِّي مَحْبُوس بِغَيْرِ جُرْم . كَمَا : 14770 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ , يَعْنِي لنبو : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } : أَيْ اُذْكُرْ لِلْمَلِكِ الْأَعْظَم مَظْلِمَتِي وَحَبْسِي فِي غَيْر شَيْء . قَالَ : أَفْعَل 14771 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } قَالَ لِلَّذِي نَجَا مِنْ صَاحِبَيِ السِّجْن , يُوسُف يَقُول : اُذْكُرْنِي عِنْد الْمَلِك - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 14772 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن يَمَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ أَسْبَاط : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } قَالَ : عِنْد مَلِك الْأَرْض 14773 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } يَعْنِي بِذَلِكَ الْمَلِك - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } الَّذِي نَجَا مِنْ صَاحِبَيِ السِّجْن لِلْمَلِكِ , يَقُول يُوسُف : اُذْكُرْنِي 14774 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام بْن حَوْشَب , عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : أَنَّهُ لَمَّا انْتَهَى بِهِ إِلَى بَاب السِّجْن قَالَ لَهُ صَاحِب لَهُ . حَاجَتك أَوْصِنِي بِحَاجَتِك ! قَالَ : حَاجَتِي أَنْ تَذْكُرَنِي عِنْد رَبّك . يَنْوِي الرَّبّ الَّذِي مَلَكَ يُوسُف وَكَانَ قَتَادَة يُوَجِّه مَعْنَى الظَّنّ فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَى الظَّنّ الَّذِي هُوَ خِلَاف الْيَقِين . 14775 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } وَإِنَّمَا عِبَارَة الرُّؤْيَا بِالظَّنِّ , فَيُحِقّ اللَّه مَا يَشَاء وَيُبْطِل مَا يَشَاء وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَة مِنْ أَنَّ عِبَارَة الرُّؤْيَا ظَنٌّ , فَإِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْر الْأَنْبِيَاء . فَأَمَّا الْأَنْبِيَاء فَغَيْر جَائِز مِنْهَا أَنْ تُخْبِر بِخَبَرٍ عَنْ أَمْر أَنَّهُ كَائِن ثُمَّ لَا يَكُون , أَوْ أَنَّهُ غَيْر كَائِن ثُمَّ يَكُون مَعَ شَهَادَتهَا عَلَى حَقِيقَة مَا أَخْبَرَتْ عَنْهُ أَنَّهُ كَائِن أَوْ غَيْر كَائِن ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَازَ عَلَيْهَا فِي أَخْبَارهَا لَمْ يُؤْمِن مِثْل ذَلِكَ فِي كُلّ أَخْبَارهَا , وَإِذَا لَمْ يُؤْمِن ذَلِكَ فِي أَخْبَارهَا سَقَطَتْ حُجَّتهَا عَلَى مَنْ أُرْسِلَتْ إِلَيْهِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ غَيْر جَائِز عَلَيْهَا أَنْ تُخْبِر بِخَبَرٍ إِلَّا وَهُوَ حَقّ وَصِدْق . فَمَعْلُوم إِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت أَنَّ يُوسُف لَمْ يَقْطَع الشَّهَادَة عَلَى مَا أَخْبَرَ الْفَتَيَيْنِ اللَّذَيْنِ اسْتَعْبَرَاهُ أَنَّهُ كَائِن , فَيَقُول لِأَحَدِهِمَا : { أَمَّا أَحَدكُمَا فَيَسْقِي رَبّه خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَر فَيُصْلَب فَتَأْكُل الطَّيْر مِنْ رَأْسه } ثُمَّ يُؤَكِّد ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { قُضِيَ الْأَمْر الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } عِنْد قَوْلهمَا : لَمْ تَرَ شَيْئًا , إِلَّا وَهُوَ عَلَى يَقِين أَنَّ مَا أَخْبَرَهُمَا بِحُدُوثِهِ وَكَوْنه أَنَّهُ كَائِن لَا مَحَالَة لَا شَكَّ فِيهِ , وَلِيَقِينِهِ بِكَوْنِ ذَلِكَ قَالَ لِلنَّاجِي مِنْهُمَا : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } . فَبُيِّنَ إِذَنْ بِذَلِكَ فَسَاد الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ قَتَادَة فِي مَعْنَى قَوْله : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا } , وَقَوْله : { فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَان ذِكْر رَبّه } وَهَذَا خَبَر مِنَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ غَفْلَة عَرَضَتْ لِيُوسُف مِنْ قِبَل الشَّيْطَان نَسِيَ لَهَا ذِكْر رَبّه الَّذِي لَوْ بِهِ اسْتَغَاثَ لَأَسْرَعَ بِمَا هُوَ فِيهِ خَلَاصه , وَلَكِنَّهُ زَلَّ بِهَا , فَأَطَالَ مِنْ أَجْلهَا فِي السِّجْن حَبْسَهُ وَأَوْجَعَ لَهَا عُقُوبَته . كَمَا : 14776 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان الضُّبَعِيّ , عَنْ بِسِطَامِ بْن مُسْلِم , عَنْ مَالِك بْن دِينَار , قَالَ : لَمَّا قَالَ يُوسُف لِلسَّاقِي : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } قَالَ : قِيلَ : يَا يُوسُف اتَّخَذْت مِنْ دُونِي وَكِيلًا ؟ لَأُطِيلَنَّ حَبْسك ! فَبَكَى يُوسُف وَقَالَ : يَا رَبّ أَنْسَى قَلْبِي كَثْرَةُ الْبَلْوَى , فَقُلْت كَلِمَة , فَوَيْل لِإِخْوَتِي 14777 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْلَا أَنَّهُ " يَعْنِي يُوسُف " قَالَ الْكَلِمَة الَّتِي قَالَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ " . 14778 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا يُونُس , عَنِ الْحَسَن , قَالَ : قَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رَحِمَ اللَّه يُوسُف لَوْلَا كَلِمَته مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ " , يَعْنِي قَوْله : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } . قَالَ : ثُمَّ يَبْكِي الْحَسَن فَيَقُول : نَحْنُ إِذَا نَزَلَ بِنَا أَمْر فَزِعْنَا إِلَى النَّاس . - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَوْلَا كَلِمَة يُوسُف مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ " . 14779 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن يَزِيد , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ لَمْ يَقُلْ يُوسُف " يَعْنِي الْكَلِمَة الَّتِي قَالَ " مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ " يَعْنِي حَيْثُ يَبْتَغِي الْفَرَج مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه . 14780 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَوْ لَمْ يَسْتَعِنْ يُوسُف عَلَى رَبّه مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ " . - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " لَوْلَا أَنَّ يُوسُف اسْتَشْفَعَ عَلَى رَبّه مَا لَبِثَ فِي السِّجْن طُول مَا لَبِثَ , وَلَكِنْ إِنَّمَا عُوقِبَ بِاسْتِشْفَاعِهِ عَلَى رَبّه " . 14781 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَالَ لَهُ : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } قَالَ : فَلَمْ يَذْكُرهُ حَتَّى رَأَى الْمَلِك الرُّؤْيَا ; وَذَلِكَ أَنَّ يُوسُف أَنْسَاهُ الشَّيْطَان ذِكْرَ رَبّه , وَأَمَرَهُ بِذِكْرِ الْمَلِك وَابْتِغَاء الْفَرَج مِنْ عِنْده . { فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ } بِقَوْلِهِ : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ , غَيْر أَنَّهُ قَالَ : { فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ } عُقُوبَة لِقَوْلِهِ : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } - قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْل حَدِيث مُحَمَّد بْن عَمْرو سَوَاء . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْل حَدِيث الْمُثَنَّى , عَنْ أَبِي حُذَيْفَة . وَكَانَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق يَقُول : إِنَّمَا أَنْسَى الشَّيْطَان السَّاقِي ذِكْر أَمْر يُوسُف لِمَلِكِهِمْ . 14782 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ , يَعْنِي الَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا , رُدَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ , وَرَضِيَ عَنْهُ صَاحِبه . فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَان ذِكْر ذَلِكَ لِلْمَلِكِ الَّذِي أَمَرَهُ يُوسُف أَنْ يَذْكُرهُ , فَلَبِثَ يُوسُف بَعْد ذَلِكَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلَبِثَ يُوسُف فِي السِّجْن لِقَيْلِهِ لِلنَّاجِي مِنْ صَاحِبَيِ السِّجْن مِنْ الْقَيْلِ : اُذْكُرْنِي عِنْد سَيِّدك بِضْع سِنِينَ , عُقُوبَة لَهُ مِنَ اللَّه بِذَلِكَ وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي قَدْر الْبِضْع الَّذِي لَبِثَ يُوسُف فِي السِّجْن , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ سَبْع سِنِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14783 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد أَبُو عَثْمَة , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : لَبِثَ يُوسُف فِي السِّجْن سَبْع سِنِينَ - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ } قَالَ : سَبْع سِنِينَ 14784 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا عِمْرَان أَبُو الْهُذَيْل الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : سَمِعْت وَهْبًا يَقُول : أَصَابَ أَيُّوبَ الْبَلَاءُ سَبْع سِنِينَ , وَتُرِكَ فِي السِّجْن يُوسُف سَبْع سِنِينَ , وَعُذِّبَ بُخْتُ نَصَّرَ يَجُول فِي السِّبَاع سَبْع سِنِينَ 14785 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : زَعَمُوا أَنَّهَا , يَعْنِي الْبِضْع : سَبْع سِنِينَ , كَمَا لَبِثَ يُوسُف وَقَالَ آخَرُونَ : الْبِضْع : مَا بَيْن الثَّلَاث إِلَى التِّسْع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14786 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا أَبُو هِلَال , قَالَ : سَمِعْت قَتَادَة يَقُول : الْبِضْع : مَا بَيْن الثَّلَاث إِلَى التِّسْع 14787 - حَدَّثَنَا وَكِيع , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { بِضْع سِنِينَ } قَالَ : مَا بَيْن الثَّلَاث إِلَى التِّسْع وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هُوَ مَا دُون الْعَشْر . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14788 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ ابْن جُرَيْج , قَالَ ابْن عَبَّاس : { بِضْع سِنِينَ } دُون الْعَشْرَة وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ الْبِضْع لَا يُذْكَر إِلَّا مَعَ عَشْر , وَمَعَ الْعِشْرِينَ إِلَى التِّسْعِينَ , وَهُوَ نَيِّف مَا بَيْن الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة . وَقَالَ : كَذَلِكَ رَأَيْت الْعَرَب تَفْعَل وَلَا يَقُولُونَ بِضْع وَمِائَة , وَلَا بِضْع وَأَلْف , وَإِذَا كَانَتْ لِلذُّكْرَانِ قِيلَ : بِضْع . وَالصَّوَاب فِي الْبِضْع مِنْ الثَّلَاث إِلَى التِّسْع إِلَى الْعَشْر , وَلَا يَكُون دُون الثَّلَاث , وَكَذَلِكَ مَا زَادَ عَلَى الْعَقْد إِلَى الْمِائَة , وَمَا زَادَ عَلَى الْمِائَة فَلَا يَكُون فِيهِ بِضْع .'

تفسير القرطبي

فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى { وقال للذي ظن} { ظن} هنا بمعنى أيقن، في قول أكثر المفسرين وفسره قتادة على الظن الذي هو خلاف اليقين؛ قال : إنما ظن يوسف نجاته لأن العابر يظن ظنا وربك يخلق ما يشاء؛ والأول أصح وأشبه بحال الأنبياء وأن ما قاله للفتيين في تعبير الرؤيا كان عن وحي، وإنما يكون ظنا في حكم الناس، وأما في حق الأنبياء فإن حكمهم حق كيفما وقع. الثانية: قوله تعالى { اذكرني عند ربك} أي سيدك، وذلك معروف في اللغة أن يقال للسيد رب؛ قال الأعشى : ربي كريم لا يكدر نعمة ** وإذا تنوشد في المهارق أنشدا أي اذكر ما رأيته، وما أنا عليه من عبارة الرؤيا للملك، وأخبره أني مظلوم محبوس بلا ذنب. وفي صحيح مسلم وغيره عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يقل أحدكم اسق ربك أطعم ربك وضئ ربك ولا يقل أحدكم ربي وليقل سيدي مولاي ولا يقل أحدكم عبدي أمتي وليقل فتاي فتاتي غلامي). وفي القرآن { اذكرني عند ربك} { إلى ربك} { إنه ربي أحسن مثواي} [يوسف : 23] أي صاحبي؛ يعني العزيز. ويقال لكل من قام بإصلاح شيء وإتمامه : قد ربه يربه، فهو رب له. قال العلماء قوله عليه السلام : (لا يقل أحدكم) (وليقل) من باب الإرشاد إلى إطلاق اسم الأولى؛ لا أن إطلاق ذلك الاسم محرم؛ ولأنه قد جاء عنه عليه السلام (أن تلد الأمة ربها) أي مالكها وسيدها؛ وهذا موافق للقرآن في إطلاق ذلك اللفظ؛ فكان محل النهي في هذا الباب ألا نتخذ هذه الأسماء عادة فنترك الأولى والأحسن. وقد قيل : إن قول الرجل عبدي وأمتي يجمع معنيين : أحدهما : أن العبودية بالحقيقة إنما هي لله تعالى؛ ففي قول الواحد من الناس لمملوكه عبدي وأمتي تعظيم عليه، وإضافة له إلى نفسه بما أضافه الله تعالى به إلى نفسه؛ وذلك غير جائز. والثاني : أن المملوك يدخله من ذلك شيء في استصغاره بتلك التسمية، فيحمله ذلك على سوء الطاعة. وقال ابن شعبان في } الزاهي} : (لا يقل السيد عبدي وأمتي ولا يقل المملوك ربي ولا ربتي) وهذا محمول على ما ذكرنا. وقيل : إنما قال صلى الله عليه وسلم (لا يقل العبد ربي وليقل سيدي) لأن الرب من أسماء الله تعالى المستعملة بالاتفاق؛ واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى أم لا؟ فإذا قلنا ليس من أسماء الله فالفرق واضح؛ إذ لا التباس ولا إشكال، وإذا قلنا إنه من أسمائه فليس في الشهرة ولا الاستعمال كلفظ الرب، فيحصل، الفرق. وقال ابن العربي : يحتمل أن يكون ذلك جائزا في شرع يوسف عليه السلام. الثالثة: قوله تعالى { فأنساه الشيطان ذكر ربه} الضمير في { فأنساه} فيه قولان : أحدهما : أنه عائد إلى يوسف عليه السلام، أي أنساه الشيطان ذكر الله عز وجل؛ وذلك أنه لما قال يوسف لساقي الملك - حين علم أنه سينجو ويعود إلى حالته الأولى مع الملك - { اذكرني عند ربك} نسي في ذلك الوقت أن يشكو إلى الله ويستغيث به، وجنح إلى الاعتصام بمخلوق؛ فعوقب باللبث. قال عبدالعزيز بن عمير الكندي : دخل جبريل على يوسف النبي عليه السلام في السجن فعرفه يوسف، فقال : يا أخا المنذرين! مالي أراك بين الخاطئين؟! فقال جبريل عليه السلام : يا طاهر ابن الطاهرين! يقرئك السلام رب العالمين ويقول : أما استحيت إذ استغثت بالآدميين؟! وعزتي! لألبثنك في السجن بضع سنين؛ فقال : يا جبريل! أهو عني راض؟ قال : نعم! قال : لا أبالي الساعة. وروي أن جبريل عليه السلام جاءه فعاتبه عن الله تعالى في ذلك وطول سجنه، وقال له : يا يوسف! من خلصك من القتل من أيدي أخوتك؟! قال : الله تعالى، قال : فمن أخرجك من الجب؟ قال : الله تعالى قال : فمن عصمك من الفاحشة؟ قال : الله تعالى، قال : فمن صرف عنك كيد النساء؟ قال : الله تعالى، قال : فكيف وثقت بمخلوق وتركت ربك فلم تسأله؟! قال : يا رب كلمة زلت مني! أسألك يا إله إبراهيم وإسحاق والشيخ يعقوب عليهم السلام أن ترحمني؛ فقال له جبريل : فإن عقوبتك أن تلبث في السجن بضع سنين. وروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قال { اذكرني عند ربك} ما لبث في السجن بضع سنين). وقال ابن عباس : عوقب يوسف بطول الحبس بضع سنين لما قال للذي نجا منهما { اذكرني عند ربك} ولو ذكر يوسف ربه لخلصه. وروى إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لولا كلمة يوسف - يعني قوله { اذكرني عند ربك} - ما لبث في السجن ما لبث) قال : ثم يبكي الحسن ويقول : نحن ينزل بنا الأمر فنشكو إلى الناس. وقيل : إن الهاء تعود على الناجي، فهو الناسي؛ أي أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه، أي لسيده؛ وفيه حذف، أي أنساه الشيطان ذكره لربه؛ وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال : لولا أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله لما استحق العقاب باللبث في السجن؛ إذ الناسي غير مؤاخذ. وأجاب أهل القول الأول بأن النسيان قد يكون بمعنى الترك، فلما ترك ذكر الله ودعاه الشيطان إلى ذلك عوقب؛ رد عليهم أهل القول الثاني بقوله تعالى { وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة} [يوسف : 45] فدل على أن الناسي هو الساقي لا يوسف؛ مع قوله تعالى { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر : 42] فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى الشيطان، وليس له على الأنبياء سلطنة؟! قيل : أما النسيان فلا عصمة للأنبياء عنه إلا في وجه واحد، وهو الخبر عن الله تعالى فيما يبلغونه، فإنهم معصومون فيه؛ وإذا وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان إطلاقا، وذلك إنما يكون فيما أخبر الله عنهم، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم؛ قال صلى الله عليه وسلم : (نسي آدم فنسيت ذريته). وقال : (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون). وقد تقدم. الرابعة: قوله تعالى { فلبث في السجن بضع سنين} البضع قطعة من الدهر مختلف فيها؛ قال يعقوب عن أبي زيد : يقال بضع وبضع بفتح الباء وكسرها، قال أكثرهم : ولا يقال بضع ومائة، وإنما هو إلى التسعين. وقال الهروي : العرب تستعمل البضع فيما بين الثلاث إلى التسع. والبضع والبضعة واحد، ومعناهما القطعة من العدد. وحكى أبو عبيدة أنه قال : البضع ما دون نصف العقد، يريد ما بين الواحد إلى أربعة، وهذا ليس بشيء. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر الصديق رضي الله عنه : (وكم البضع) فقال : ما بين الثلاث إلى السبع. فقال : (اذهب فزائد في الخطر). وعلى هذا أكثر المفسرين، أن البضع سبع، حكاه الثعلبي. قال الماوردي : وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقطرب. وقال مجاهد : من ثلاث إلى تسع، وقال الأصمعي. ابن عباس : من ثلاث إلى عشرة. وحكى الزجاج أنه ما بين الثلاث إلى الخمس قال الفراء : والبضع لا يذكر العشرة والعشرين إلى التسعين، ولا يذكر بعد المائة. وفي المدة التي لبث فيها يوسف مسجونا ثلاثة أقاويل : أحدها : سبع سنين، قاله ابن جريج وقتادة ووهب بن منبه، قال وهب : أقام أيوب في البلاء سبع سنين، وأقام يوسف في السجن سبع سنين. الثاني : - اثنتا عشرة سنة، قال ابن عباس. الثالث : أربع عشرة سنة، قاله الضحاك. وقال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس قال : مكث يوسف في السجن خمسا وبضعا. واشتقاقه من بضعت الشيء أي قطعته، فهو قطعة من العدد، فعاقب الله يوسف بأن حبس سبع سنين أو تسع سنين بعد الخمس التي مضت، فالبضع مدة العقوبة لا مدة الحبس كله. قال وهب بن منبه : حبس يوسف في السجن سبع سنين، ومكث أيوب في البلاء سبع سنين، وعذب بختنصر بالمسخ سبع سنين. وقال عبدالله بن راشد البصري عن سعيد بن أبي عروبة : إن البضع ما بين الخمس إلى الاثنتي عشرة سنة. الخامسة: في هذه الآية دليل على جواز التعلق بالأسباب وإن كان اليقين حاصلا فإن الأمور بيد مسببها، ولكنه جعلها سلسلة، وركب بعضها على بعض، فتحريكها سنة، والتعويل على المنتهى يقين. والذي يدل على جواز ذلك نسبة ما جرى من النسيان إلى الشيطان كما جرى لموسى في لقيا الخضر؛ وهذا بين فتأملوه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 36 - 45

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والمقصود هنا هو السجين الذي رأى حُلْماً يعصر فيه العنب، فهو الذي فسر له يوسف رؤياه بأنه سينجو؛ ويواصل مهمته في صناعة الخمر لسيده.

وقوله سبحانه:

{ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ.. } [يوسف: 42].

يعني أن الأمر بالنجاة لم يتيقن بعد، ولم يصبح علماً.

وقد أوصاه يوسف عليه السلام:

{ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ... } [يوسف: 42].

والذكر هو حضور شيء بالبال؛ وكان له بالبال صِلَة استقبال، مثل أي قضية عرفتَها من قبل ثم تركتَها، ونسيتَهَا لفترة، ثم تذكرتَها من جديد.

وهكذا نعلم أن للإنسان استقبالات للإدراكات، وهي لا تظل في بُؤْرة الشعور كل الوقت؛ لأن الذهن لا يستطيع أن يكون مشغولاً إلا بشيء واحد، فإن جاء شيء آخر فهو يزحزح الأمر الأول إلى حافة الشعور، ليستقر الأمر الجديد في بؤرة الشعور.

والمثل الذي أضربه دائماً هو إلقاء حجر في الماء، فيصنع الحجر دوائر تكبر ويتتابع اتساع أقطارها، وهكذا بؤرة الشعور، حين تستقبل أمراً أو خاطراً جديداً.

فالخاطر الجديد يُبعد كل الخواطر الأخرى من المركز إلى الحاشية، ثم يأتي ما يُذكِّرك بما في حاشية الشعور؛ ليعود لك الخاطر أو الأمر الذي كنت قد نسيتَه وتتذكره بكل تفاصيله؛ لأن ذاكرة الإنسان تعمل على مُسْتويين؛ فهي تحفظ المعلومات؛ وتسترجع المعلومات أيضاً.

وقد قال يوسف لمن ظن أنه نَاجٍ:

{ ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ.. } [يوسف: 42].

أي: اذكر ما وجدته عندي من خير أمام سيدك.

وقال بعض المفسرين: إن يوسف عليه السلام حين نطق هذا القول؛ شاء له الله أن يمكث في السجن بضع سنين؛ فما كان ينبغي له كرسول أن يُوسِّط الغير في مسألة ذِكْره بالخير عند سيد ذلك السجين.

فيوسف كرسول إنما يتلقى عن الله بواسطة الوحي؛ وهو قد قال لذلك السجين وزميله:
{  لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ }
[يوسف: 37].

وهذا يعني أنه يستقبل عن الله مباشرة، وكان عليه أن يظل موصولاً بالمصدر الذي يفيض عليه.

ويتابع الحق سبحانه:

{ فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } [يوسف: 42].

ونسيان ذكر الله فيه نوع من العقوبة، أو يحمل شيئاً من التأديب ليوسف، وهكذا نرى أن الشيطان نفسه إنما يُعِين الحق على مُرَاداته من خَلْقه.

وهذا ما يشرح لنا بقاء يوسف في السجن بضع سنين؛ ونعرف أن البِضْع من السنين يعني من ثلاث سنوات إلى عَشْر سنوات، وبعض العلماء حَدَّده بسبع سنين.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وَقَالَ ٱلْمَلِكُ... }.


www.alro7.net