سورة
اية:

وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى لنبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم: وإن كذبك هؤلاء المشركون فتبرأ منهم ومن عملهم { فقل لي عملي ولكم عملكم} ، كقوله تعالى عن إبراهيم الخليل وأتباعه لقومهم المشركين: { إنا برءآؤ منكم ومما تعبدون من دون اللّه} ، وقوله: { ومنهم من يستمعون إليك} أي يسمعون كلامك الحسن والقرآن العظيم النافع في القلوب والأبدان، ولكن ليس ذلك إليك ولا إليهم، فإنك كما لا تقدر على إسماع الأصم، فكذلك لا تقدر على هداية هؤلاء إلا أن يشاء اللّه، { ومنهم من ينظر إليك} أي ينظرون إليك وإلى ما أعطاك اللّه من الخلق العظيم، والدلالة الظاهرة على نبوتك، وهؤلاء ينظرون كما ينظر غيرهم، ولا يحصل لهم من الهداية شيء كما يحصل لغيرهم، بل المؤمنون ينظرون إليك بعين الوقار، وهؤلاء الكفار ينظرون إليك بعين الاحتقار، { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا} الآية، ثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحداً شيئاً، وإن كان قد هدى به من هدى وبصر به من العمى، وفتح به أعيناً عمياء وآذاناً صماء وقلوباً غلفاً، وأضل به عن الإيمان آخرين؛ فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء لعلمه وحكمته وعدله؛ ولهذا قال تعالى: { إن اللّه لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون} .

تفسير الجلالين

{ ومنهم من يستمعون إليك } إذا قرأت القرآن { أ فأنت تُسمع الصم } شبههم بهم في عدم الانتفاع بما يتلى عليهم { ولو كانوا } مع الصمم { لا يعقلون } يتدبرون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى قَوْلِك . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْك } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَى قَوْلِك .' يَقُول : أَفَأَنْت تَخْلُق لَهُمْ السَّمْع وَلَوْ كَانُوا لَا سَمْعَ لَهُمْ يَعْقِلُونَ بِهِ , أَمْ أَنَا ؟ وَإِنَّمَا هَذَا إِعْلَام مِنْ اللَّه عِبَاده أَنَّ التَّوْفِيقَ لِلْإِيمَانِ بِهِ بِيَدِهِ لَا إِلَى أَحَد سِوَاهُ , يَقُول لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَمَا أَنَّك لَا تَقْدِر أَنْ تُسْمِعَ يَا مُحَمَّد مَنْ سَلَبْته السَّمْع , فَكَذَلِكَ لَا تَقْدِر أَنْ تُفْهِم أَمْرِي وَنَهْيِي قَلْبًا سَلَبْته فَهْمَ ذَلِكَ , لِأَنِّي خَتَمْت عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِن .يَقُول : أَفَأَنْت تَخْلُق لَهُمْ السَّمْع وَلَوْ كَانُوا لَا سَمْعَ لَهُمْ يَعْقِلُونَ بِهِ , أَمْ أَنَا ؟ وَإِنَّمَا هَذَا إِعْلَام مِنْ اللَّه عِبَاده أَنَّ التَّوْفِيقَ لِلْإِيمَانِ بِهِ بِيَدِهِ لَا إِلَى أَحَد سِوَاهُ , يَقُول لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَمَا أَنَّك لَا تَقْدِر أَنْ تُسْمِعَ يَا مُحَمَّد مَنْ سَلَبْته السَّمْع , فَكَذَلِكَ لَا تَقْدِر أَنْ تُفْهِم أَمْرِي وَنَهْيِي قَلْبًا سَلَبْته فَهْمَ ذَلِكَ , لِأَنِّي خَتَمْت عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُؤْمِن .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ومنهم من يستمعون إليك} يريد بظواهرهم، وقلوبهم لا تعي شيئا مما يقوله من الحق ويتلوه من القرآن؛ ولهذا قال: { أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون} أي لا تسمع؛ فظاهره الاستفهام ومعناه النفي، وجعلهم كالصم للختم على قلوبهم والطبع عليها، أي لا تقدر على هداية من أصمه الله عن سماع الهدى. وكذا المعنى في { ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} أخبر تعالى أن أحدا لا يؤمن إلا بتوفيقه وهدايته. وهذا وما كان مثله يرد على القدرية قولهم؛ كما تقدم في غير موضع. وقال: { يستمعون} على معنى { من} و { ينظر} على اللفظ؛ والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، أي كما لا تقدر أن تسمع من سلب السمع ولا تقدر أن تخلق للأعمى بصرا يهتدي به، فكذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء للإيمان وقد حكم الله عليهم ألا يؤمنوا. ومعنى { ينظر إليك} أي يديم النظر إليك؛ كما قال: { ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} [الأحزاب : 19] قيل : إنها نزلت في المستهزئين، والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 38 - 43

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وكلمة " مَنْ " تطلق وقد يراد بها المفرد، وقد يراد بها المفردة، وقد يراد بها المثنى، وقد يراد بها الجمع، ومرة يطابق اللفظ فيقول سبحانه:
{  وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ }
[الأنعام: 25].

ومرة يقصد المعنى فيقول: { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ } [يونس: 42].

لأن { مَّن } صالحة للموقعين.

والسماع كما نعلم هو استقبال الأذن للصوت، فإن كان صوتاً مُبْهماً كأصوات الحيوانات أو أصوات الأعواد، فهذه الأصوات لا تفيد إلا ما تفيده النغمة في الجسم من هزة أو ارتجاج.

وإما أن يكون الصوت له معنى تواضُعيٌّ، كاللغات المختلفة التي يتخاطب بها الناس في البلدان المختلفة، فإن تكلمتَ بالإنجليزية في بلد يتكلم أهله بهذه اللغة فهموك وفهمت عنهم. هذا هو معنى التواضع في اللغة، أي: أن المتكلم والسامع على درجة. واحدة من الاتفاق على اللغة.

والنبي صلى الله عليه وسلم عربي يتحدث بلسان عربي مبين لقوم من العرب، فما العائق عن السمع إذن؟

إن العائق عن السمع نفض الأذن لما يأتي من جهة الخصم، والسماع ـ كما نعلم ـ هو استشراف المخاطب إلى ما يفهم من المتكلم، فإن لم يوجد عند المخاطب استشراف إلى أن يسمع، فالكلام يُقال ولا يصل.

إذن: لا بد للسامع من حالة الاستشراف إلى فهم ما يقوله المتكلم. وكما يقول المثل: " إذن من طين وأخرى من عجين ". أو كما تقول المزحة أن واحداً مال على أذن صديق له وقال: " أريد أن أقول لك سِراً " فاقترب الصديق مستشرفاً سماع السر، فقال الرجل: " أريد مائة جنيه كقرض "؛ فقال الصديق: " كأني لم أسمع هذا السر ".

إذن: فالكلام ليس مجرد صوت يصل إلى الأذن، لكن لا بد من استشراف نفسي للتقلي. وهم لا يملكون هذا الاستشراف؛ لذلك قال الحق سبحانه: { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ } [يونس: 42] أي: كان سمعهم لا يسمع.

ومثال ذلك: أننا نجد المدرس الذي يشرح الدرس للتلاميذ، وبين التلاميذ من يستشرف السمع؛ ولذلك يفهم الدرس، أما الذي لا يستشرف فكأنه لم يسمع الدرس.

وهم قد فاتوا الصُّمَّ؛ لأن الأصم قد يفهم بالحركة او الإشارة أو لغة العين، ولكن هؤلاء لا يسمعون ولا يعقلون { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ } [يونس: 42].

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ }


www.alro7.net