سورة
اية:

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ۖ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان رجاء ثواب اللّه وجزائه، وقد وعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال: { لنبوئنهم في الدنيا حسنة} ، قال ابن عباس: المدينة، وقيل: الرزق الطيب، قاله مجاهد، ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم اللّه خيرا منها في الدنيا، فإن من ترك شيئا للّه عوضه اللّه بما هو خير له منه، وكذلك وقع، فإن اللّه مكن لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، وصاروا أمراء حكاما وكل منهم للمتقين إماما، وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا فقال: { ولأجر الآخرة أكبر} أي مما أعطيناهم في الدنيا { لو كانوا يعلمون} أي لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر اللّه لمن أطاعه واتبع رسوله، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك اللّه لك فيه، هذا ما وعدك اللّه في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ هذه الآية: { لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} ، ثم وصفهم تعالى فقال: { الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} أي صبروا على الأذى من قومهم متوكلين على اللّه الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة.

تفسير الجلالين

{ والذين هاجروا في الله } لإقامة دينه { من بعدما ظلموا } بالأذى من أهل مكة وهم النبي وأصحابه { لنبوِّئَنهم } ننزلهم { في الدنيا } داراً { حسنة } هي المدينة { ولأجر الآخرة } أي الجنة { أكبر } أعظم { لو كانوا يعلمون } أي الكفار أو المتخلفون عن الهجرة ما للمهاجرين من الكرامة لوافقوهم .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَلَّذِينَ فَارَقُوا قَوْمهمْ وَدُورهمْ وَأَوْطَانهمْ عَدَاوَة لَهُمْ فِي اللَّه عَلَى كُفْرهمْ إِلَى آخَرِينَ غَيْرهمْ . { مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا } يَقُول : مِنْ بَعْد مَا نِيلَ مِنْهُمْ فِي أَنْفُسهمْ بِالْمَكَارِهِ فِي ذَات اللَّه . { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } يَقُول : لَنُسْكِنَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا مَسْكَنًا يَرْضَوْنَهُ صَالِحًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16306 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظَلَمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } قَالَ : هَؤُلَاءِ أَصْحَاب مُحَمَّد ظَلَمَهُمْ أَهْل مَكَّة , فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارهمْ حَتَّى لَحِقَ طَوَائِف مِنْهُمْ بِالْحَبَشَةِ , ثُمَّ بَوَّأَهُمْ اللَّه الْمَدِينَة بَعْد ذَلِكَ فَجَعَلَهَا لَهُمْ دَار هِجْرَة , وَجَعَلَ لَهُمْ أَنْصَارًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . 16307 - حُدِّثْت عَنْ الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد , عَنْ الشَّعْبِيّ : { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } قَالَ : الْمَدِينَة . 16308 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } قَالَ : هُمْ قَوْم هَاجَرُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل مَكَّة بَعْد ظُلْمهمْ , وَظَلَمَهُمْ الْمُشْرِكُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } لِنَرْزُقهُمْ فِي الدُّنْيَا رِزْقًا حَسَنًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16309 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } لَنَرْزُقَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا رِزْقًا حَسَنًا . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16310 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ الْعَوَّام , عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب كَانَ إِذَا أَعْطَى الرَّجُل مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَطَاءَهُ يَقُول : خُذْ بَارَكَ اللَّه لَك فِيهِ , هَذَا مَا وَعَدَك اللَّه فِي الدُّنْيَا , وَمَا ذَخَرَهُ لَك فِي الْآخِرَة أَفْضَل . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَلَأَجْر الْآجِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } : لَنُحِلّهُمْ وَلَنُسْكِنَنَّهُم , لِأَنَّ التَّبَوُّء فِي كَلَام الْعَرَب الْحُلُول بِالْمَكَانِ وَالنُّزُول بِهِ . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيل مُبَوَّأ صِدْق } وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16311 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد , قَالَ : نَزَلَتْ { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا } إِلَى قَوْله : { وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ } فِي أَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل . وَقَوْله : { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَاَلَّذِينَ فَارَقُوا قَوْمهمْ وَدُورهمْ وَأَوْطَانهمْ عَدَاوَة لَهُمْ فِي اللَّه عَلَى كُفْرهمْ إِلَى آخَرِينَ غَيْرهمْ . { مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا } يَقُول : مِنْ بَعْد مَا نِيلَ مِنْهُمْ فِي أَنْفُسهمْ بِالْمَكَارِهِ فِي ذَات اللَّه . { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } يَقُول : لَنُسْكِنَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا مَسْكَنًا يَرْضَوْنَهُ صَالِحًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16306 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظَلَمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } قَالَ : هَؤُلَاءِ أَصْحَاب مُحَمَّد ظَلَمَهُمْ أَهْل مَكَّة , فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارهمْ حَتَّى لَحِقَ طَوَائِف مِنْهُمْ بِالْحَبَشَةِ , ثُمَّ بَوَّأَهُمْ اللَّه الْمَدِينَة بَعْد ذَلِكَ فَجَعَلَهَا لَهُمْ دَار هِجْرَة , وَجَعَلَ لَهُمْ أَنْصَارًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ . 16307 - حُدِّثْت عَنْ الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد , عَنْ الشَّعْبِيّ : { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } قَالَ : الْمَدِينَة . 16308 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } قَالَ : هُمْ قَوْم هَاجَرُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل مَكَّة بَعْد ظُلْمهمْ , وَظَلَمَهُمْ الْمُشْرِكُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة } لِنَرْزُقهُمْ فِي الدُّنْيَا رِزْقًا حَسَنًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16309 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } لَنَرْزُقَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا رِزْقًا حَسَنًا . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16310 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ الْعَوَّام , عَمَّنْ حَدَّثَهُ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب كَانَ إِذَا أَعْطَى الرَّجُل مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَطَاءَهُ يَقُول : خُذْ بَارَكَ اللَّه لَك فِيهِ , هَذَا مَا وَعَدَك اللَّه فِي الدُّنْيَا , وَمَا ذَخَرَهُ لَك فِي الْآخِرَة أَفْضَل . ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَلَأَجْر الْآجِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ } : لَنُحِلّهُمْ وَلَنُسْكِنَنَّهُم , لِأَنَّ التَّبَوُّء فِي كَلَام الْعَرَب الْحُلُول بِالْمَكَانِ وَالنُّزُول بِهِ . وَمِنْهُ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيل مُبَوَّأ صِدْق } وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي أَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16311 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن سُلَيْمَان , عَنْ دَاوُدَ بْن أَبِي هِنْد , قَالَ : نَزَلَتْ { وَاَلَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا ظُلِمُوا } إِلَى قَوْله : { وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ } فِي أَبِي جَنْدَل بْن سُهَيْل . ' وَقَوْله : { وَلَأَجْر الْآخِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَقُول : وَلَثَوَاب اللَّه إِيَّاهُمْ عَلَى هِجْرَتهمْ فِيهِ فِي الْآخِرَة أَكْبَر , لِأَنَّ ثَوَابه إِيَّاهُمْ هُنَالِكَ الْجَنَّة الَّتِي يَدُوم نَعِيمهَا وَلَا يَبِيد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16312 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ اللَّه : { وَلَأَجْر الْآخِرَة أَكْبَر } أَيْ وَاَللَّه لِمَا يُثِيبهُمْ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ جَنَّته أَكْبَر { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } وَقَوْله : { وَلَأَجْر الْآخِرَة أَكْبَر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } يَقُول : وَلَثَوَاب اللَّه إِيَّاهُمْ عَلَى هِجْرَتهمْ فِيهِ فِي الْآخِرَة أَكْبَر , لِأَنَّ ثَوَابه إِيَّاهُمْ هُنَالِكَ الْجَنَّة الَّتِي يَدُوم نَعِيمهَا وَلَا يَبِيد . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16312 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ اللَّه : { وَلَأَجْر الْآخِرَة أَكْبَر } أَيْ وَاَللَّه لِمَا يُثِيبهُمْ اللَّه عَلَيْهِ مِنْ جَنَّته أَكْبَر { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ } '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا} قد تقدم في { النساء} معنى الهجرة، وهي ترك الأوطان والأهل والقرابة في الله أو في دين الله، وترك السيئات. وقيل { في} بمعنى اللام، أي لله. { من بعد ما ظلموا} أي عذبوا في الله. نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار، عذبهم أهل مكة حتى قالوا لهم ما أرادوا، فلما خلوهم هاجروا إلى المدينة؛ قاله الكلبي. وقيل : نزلت في أبي جندل بن سهيل. وقال قتادة : المراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة؛ ثم بوأهم الله تعالى دار الهجرة وجعل لهم أنصارا من المؤمنين. والآية تعم الجميع. { لنبوئنهم في الدنيا حسنة} في الحسنة ستة أقوال : الأول : نزول المدينة؛ قاله ابن عباس والحسن والشعبي وقتادة. الثاني : الرزق الحسن؛ قاله مجاهد. الثالث : النصر على عدوهم؛ قاله الضحاك. الرابع : إنه لسان صدق؛ حكاه ابن جريج. الخامس : ما استولوا عليه من فتوح البلاد وصار لهم فيها من الولايات. السادس : ما بقي لهم في الدنيا من الثناء، وما صار فيها لأولادهم من الشرف. وكل ذلك اجتمع لهم بفضل الله، والحمد لله. { ولأجر الآخرة أكبر} أي ولأجر دار الآخرة أكبر، أي أكبر من أن يعلمه أحد قبل أن يشاهده؛ { وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا} [الإنسان : 20] { لو كانوا يعلمون} أي لو كان هؤلاء الظالمون يعلمون ذلك. وقيل : هو راجع إلى المؤمنين. أي لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا دفع إلى المهاجرين العطاء قال : هذا ما وعدكم الله في الدنيا وما دخر لكم في الآخرة أكثر؛ ثم تلا عليهم هذه الآية.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 36 - 41


سورة النحل الايات 41 - 44

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

المهاجرون قوم آمنوا بالله إيماناً صار إلى مرتبة من مراتب اليقين جعلتهم يتحمَّلون الأذى والظلم والاضطهاد في سبيل إيمانهم، فلا يمكن أن يُضحِّي الإنسان بماله وأهله ونفسه إلا إذا كان لأمر يقينيّ.

وقد جاءت هذه الآية بعد آية إثبات البعث الذي أنكره الكافرون وألحُّوا في إنكاره وبالغوا فيه، بل وأقسموا على ذلك:
{  وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ.. }
[النحل: 38].

وهم يعلمون أن من الخلق مَنْ يُسيء، ومنهم من يُحسِن، فهل يعتقدون ـ في عُرْف العقل ـ أن يتركَ الله من أساء ليُعربد في خَلْق الله دون أن يُجازيه؟

ذلك يعني أنهم خائفون من البعث، فلو أنهم كانوا محسنين لَتَمنَّوا البعث، أمَا وقد أسرفوا على أنفسهم إسرافاً يُشفِقون معه على أنفسهم من الحساب والجزاء، فمن الطبيعي أنْ يُنِكروا البعث، ويلجأوا إلى تمنية أنفسهم بالأماني الكاذبة، ليطمئنوا على أن ما أخذوه من مظالم الناس ودمائهم وكرامتهم وأمنهم أمرٌ لا يُحاسبون عليه.

وإذا كانوا قد أنكروا البعث، ويوجد رسول ومعه مؤمنون به يؤمنون بالبعث والجزاء إيماناً يصل إلى درجة اليقين الذي يدفعهم إلى التضحية في سبيل هذا الإيمان.. إذن: لا بُدَّ من وجود معركة شرسة بين أهل الإيمان وأهل الكفر، معركة بين الحق والباطل.

ومن حكمة الله أن ينشر الإسلام في بدايته بين الضعفاء، حتى لا يظن ظَانٌّ أن المؤمنين فرضوا إيمانهم بالقوة، لا.. هؤلاء هم الضعفاء الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، والكفار هم السادة.. إذن: جاء الإسلام ليعاند الكبارَ الصناديدَ العتاة.

وكان من الممكن أن ينصرَ الله هؤلاء الضعفاء ويُعلي كلمة الدين من البداية، ولكن أراد الحق تبارك وتعالى أن تكون الصيحةُ الإيمانية في مكَّة أولاً؛ لأن مكة مركز السيادة في جزيرة العرب، وقريش هم أصحاب المهابة وأصحاب النفوذ والسلطان، ولا تقوى أيَّ قبيلة في الجزيرة أن تعارضها، ومعلوم أنهم أخذوا هذه المكانة من رعايتهم لبيت الله الحرام وخدمتهم للوافدين إليه.

فلو أن الإسلام اختار بقعة غير مكة لَقَالوا: إن الإسلام استضعفَ جماعة من الناس، وأغرَاهم بالقول حتى آمنوا به. لا، فالصيحة الإسلاميةُ جاءت في أُذن سادة قريش وسادة الجزيرة الذين أمَّنهم الله في رحلة الشتاء والصيف، وهم أصحاب القوة وأصحاب المال.

وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم ينصر الله دينه في بلد السادة؟ نقول: لا.. الصيحة في أذن الباطل تكون في بلد السادة في مكة، لكن نُصْرة الدين لا تأتي على يد هؤلاء السادة، وإنما تأتي في المدينة.

وهذا من حكمة الله تعالى حتى لا يقول قائل فيما بعد: إن العصبية لمحمد في مكة فرضتْ الإيمان بمحمد.. لا بل يريد أن يكون الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم هو الذي خلق العصبية لمحمد، فجاء له بعصبية بعيدة عن قريش، وبعد ذلك دانتْ لها قريش نفسها.

وما دامت هناك معركة، فمَن المطحون فيها؟ المطحون فيها هو الضعيف الذي لا يستطيع أنْ يحميَ نفسه.. وهؤلاء هم الذين ظُلِموا.. ظُلِموا في المكان الذي يعيشون فيه؛ ولذلك كان ولا بُدَّ أن يرفع الله عنهم هذا الظلم.

وقد جاء رَفْع الظلم عن هؤلاء الضعفاء على مراحل.. فكانت المرحلة الأولى أن ينتقلَ المستضعفون من مكة، لا إلى دار إيمان تحميهم وتساعدهم على نَشْر دينهم، بل إلى دار أَمْن فقط يأمنون فيها على دينهم.. مجرد أَمْن يتيح لهم فرصة أداء أوامر الدين.

ولذلك استعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم البلاد كلها لينظر أيَّ الأماكن تصلح دار أَمْن يهاجر إليها المؤمنون بدعوته فلا يعارضهم أحد، فلم يجد إلا الحبشة؛ ولذلك قال عنها: " إن بأرض الحبشة ملكاً لا يُظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه ".

وتكفي هذه الصفة في ملك الحبشة ليهاجر إليه المؤمنون، ففي هذه المرحلة من نُصْرة الدين لا نريد أكثر من ذلك، وهكذا تمت الهجرة الأولى إلى الحبشة.

ثم يسَّر الله لدينه أتباعاً وأنصاراً التقوْا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعوه على النُّصْرة والتأييد، ذلكم هم الأنصار من أهل المدينة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند العقبة ومَهَّدوا للهجرة الثانية إلى المدينة، وهي هجرةٌ ـ هذه المرة ـ إلى دار أَمْن وإيمان، يأمن فيها المسلمون على دينهم، ويجدون الفرصة لنشره في رُبُوع المعمورة.

ونقف هنا عند قوله تعالى:

{ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ... } [النحل: 41].

ومادة هذا الفعل: هجر.. وهناك فَرْق بين هجر وبين هاجر:

هجر: أن يكره الإنسانُ الإقامةَ في مكان، فيتركه إلى مكان آخر يرى انه خَيْرٌ منه، إنما المكان نفسه لم يكرهه على الهجرة.. أي المعنى: ترك المكان مختاراً.

أما هاجر: وهي تدل على المفاعلة من الجانبين، فالفاعل هنا ليس كارهاً للمكان، ولكن المفاعلة التي حدثتْ من القوم هي التي اضطرتْه للهجرة.. وهذا ما حدث في هجرة المؤمنين من مكة؛ لأنهم لم يتركوها إلى غيرها إلاَّ بعد أن تعرضوا للاضطهاد والظُلْم، فكأنهم بذلك شاركوا في الفعل، فلو لم يتعرَّضوا لهم ويظلموهم لما هاجروا.

ولذلك قال الحق تبارك وتعالى:

{ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ... } [النحل: 41].

وينطبق هذا المعنى على قول المتنبي:
إِذَا ترحلْتَ عن قَوْمٍ وَقَدْ قَدَرُوا   ألاَّ تُفارِقهم فَالرَّاحِلُون هُمُوا
يعني: إذا كنت في جماعة وأردْتَ الرحيل عنهم، وفي إمكانهم أن يقدموا لك من المساعدة ما يُيسِّر لك الإقامة بينهم ولكنهم لم يفعلوا، وتركوك ترحل مع مقدرتهم، فالراحلون في الحقيقة هم، لأنهم لم يساعدوك على الإقامة.كذلك كانت الحال عندما هاجر المؤمنون من مكة؛ لأنه أيضاً لا يعقل أن يكره هؤلاء مكة وفيها البيت الحرام الذي يتمنى كل مسلم الإقامة في جواره.

إذن: لم يترك المهاجرون مكة، بل اضطروا إلى تركها وأجبروا عليه، وطبيعي إذن أن يلجأوا إلى دار أخرى حتى تقوى شوكتهم ثم يعودون للإقامة ثانية في مكة إقامة طبيعية صحيحة.

ثم إن الحق تبارك وتعالى قال:

{ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ... } [النحل: 41].

ونلاحظ في الحديث الشريف الذي يوضح معنى هذه الآية: " فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ".

فما الفرق هنا بين: هاجر في الله، وهاجر إلى الله؟

هاجر إلى مكان تدل على أن المكان الذي هاجر إليه افضل من الذي تركه، وكأن الذي هاجر منه ليس مناسباً له.

أما هاجر في الله فتدل على أن الإقامة السابقة كانت أيضاً في الله.. إقامتهم نفسها في مكة وتحمُّلهم الأذى والظلم والاضطهاد كانت أيضاً في الله.

أما لو قالت الآية " هاجروا إلى الله " لدلَّ ذلك على أن إقامتهم الأولى لم تكن لله.. إذن: معنى الآية:

{ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ... } [النحل: 41].

أي: أن إقامتهم كانت لله، وهجرتهم كانت لله.

ومثل هذا قوله تعالى:
{  وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ... }
[آل عمران: 133].

أي: إذا لم تكونوا في مغفرة فسارعوا إلى المغفرة، وفي الآية الأخرى:
{  يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ.. }
[المؤمنون: 61].

ذلك لأنهم كانوا في خير سابق، وسوف يسارعون إلى خير آخر.. أي: أنتم في خير ولكن سارعوا إلى خير منه.

وهناك ملمح آخر في قوله تعالى:

{ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ.. } [النحل: 41].

نلاحظ أن كلمة " الذين " جمع.. لكن هل هي خاصة بمَنْ نزلت فيهم الآية؟ أم هي عامة في كُلِّ مَنْ ظُلِم في أيِّ مكان ـ في الله ـ ثم هاجر منه؟

الحقيقة أن العبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهي عامة في كل مَنْ انطبقت عليه هذه الظروف، فإن كانت هذه الآية نزلت في نفر من الصحابة منهم: صُهيب، وعمار، وخباب، وبلال، إلا أنها تنتظم غيرهم مِمَّن اضطروا إلى الهجرة فِراراً بدينهم.

" ونعلم قصة صهيب رضي الله عنه ـ وكان رجلاً حداداً ـ لما أراد أنْ يهاجر بدينه، عرض الأمر على قريش: والله أنا رجل كبير السِّنِّ، إنْ كنت معكم فلن أنفعكم، وإنْ كنت مع المسلمين فلن أضايقكم، وعندي مال.. خذوه واتركوني أهاجر، فرضَوْا بذلك، وأخذوا مال صُهَيب وتركوه لهجرته.

ولذلك قال له صلى الله عليه وسلم: " ربح البيع يا صُهَيْب " أي: بيعة رابحة.

ويقول له عمر ـ رضي الله عنه: " نِعْم العبدُ صُهيب، لو لم يخَفِ الله لم يَعْصِه ".

وكأن عدم عصيانه ليس خوفاً من العقاب، بل حُبّاً في الله تعالى، فهو سبحانه لا يستحق أنْ يُعصى.

ثم يقول الحق تبارك وتعالى:

{ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً.. } [النحل: 41].

نُبوِّئ، مثل قوله تعالى:
{  وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ.. }
[الحج: 26].

أي: بيَّنا له مكانه، ونقول: باء الإنسان إلى بيته إذا رجع إليه، فالإنسان يخرج للسعي في مناكب الأرض في زراعة أو تجارة، ثم يأوي ويبوء إلى بيته، إذن: باء بمعنى رجع، أو هو مسكن الإنسان، وما أعدَّه الله له.

فإنْ كان المؤمنون سيخرجون الآن من مكة مغلوبين مضطهدين فسوف نعطيهم ونُحِلهم ونُنزِلهم منزلةً أحسن من التي كانوا فيها، فقد كانوا مُضطهدين في مكة، فأصبحوا آمنين في المدينة، وإنْ كانوا تركوا بلدهم فسوف نُمهّد لهم الدنيا كلها ينتشرون فيها بمنهج الله، ويجنُون خير الدنيا كلها، ثم بعد ذلك نُرجعهم إلى بلدهم سادة أعزَّة بعد أن تكون مكة بلداً لله خالصة من عبادة الأوثان والأصنام.. هذه هي الحسنة في الدنيا.

ثم يقول تعالى:

{ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ.. } [النحل: 41].

ما ذكرناه من حسنة الدنيا وخيرها للمؤمنين هذا من المعجِّلات للعمل، ولكن حسنات الدنيا مهما كانت ستؤول إلى زوال، إما أنْ تفارقها، وإما أن تُفارقك، وقد أنجز الله وَعْده للمؤمنين في الدنيا، فعادوا منتصرين إلى مكة، بل دانتْ لهم الجزيرة العربية كلها بل العالم كله، وانساحوا في الشرق في فارس، وفي الغرب في الرومان، وفي نصف قرن كانوا سادة العالم أجمع.

وإنْ كانت هذه هي حسنة الدنيا المعَجَّلة، فهناك حسنة الآخرة المؤجلة:

{ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ... } [النحل: 41].

أي: أن ما أعدَّ لهم من نعيم الآخرة أعظم مما وجدوه في الدنيا.

ولذلك كان سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ إذا أعطى أحد الصحابة نصيب المهاجرين من العطاء يقول له: " بارك الله لك فيه.. هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة اكبر من هذا ". فهذه حسنة الدنيا.

{ وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ.. } [النحل: 41].

وساعة أنْ تسمع كلمة (أكبر) فاعلم أن مقابلها ليس أصغر أو صغير، بل مقابلها (كبير) فتكون حسنة الدنيا التي بوَّأهم الله إياها هي (الكبيرة)، لكن ما ينتظرهم في الآخرة (أكبر).

وكذلك قد تكون صيغةُ أفعل التفضيل أقلَّ في المدح من غير أفعل التفضيل.. فمن أسماء الله الحسنى (الكبير) في حين أن الأكبر صفةٌ من صفاته تعالى، وليس اسماً من أسمائه، وفي شعار ندائنا لله نقول: الله اكبر ولا نقول: الله كبير.. ذلك لأن كبير ما عداه يكون صغيراً.. إنما أكبر، ما عداه يكون كبيراً، فنقول في الأذان: الله أكبر لأن أمور الدنيا في حَقِّ المؤمن كبيرة من حيث هي وسيلة للآخرة.فإياك أنْ تظنَّ أن حركةَ الدنيا التي تتركها من أجل الصلاة أنها صغيرة، بل هي كبيرة بما فيها من وسائل تُعينك على طاعة الله، فبها تأكل وتشرب وتتقوَّى، وبها تجمع المال لِتسُدَّ به حاجتك، وتُؤدِّي الزكاة إلى غير ذلك، ومن هنا كانت حركة الدنيا كبيرة، وكانت الصلاة والوقوف بين يدي الله أكبر.

ولذلك حينما قال الحق تبارك وتعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ.. }
[الجمعة: 9].

أخرجنا بهذا النداء من عمل الدنيا وحركتها، ثم قال:
{  فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلاَةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ... }
[الجمعة: 10].

فأمرنا بالعودة إلى حركة الحياة؛ لأنها الوسيلةُ للدار الآخرة، والمزرعة التي نُعد فيها الزاد للقاء الله تعالى.. إذن: الدنيا أهم من أنْ تُنسَى من حيث هي معونة للآخرة، ولكنها أتفَهُ من أن تكونَ غاية في حَدِّ ذاتها.

ثم يقول الحق سبحانه: { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ.. } [النحل: 41].

الخطاب هنا عن مَنْ؟ الخطاب هنا يمكن أن يتجه إلى ثلاثة أشياء:

يمكن أنْ يُراد به الكافرون.. ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون عاقبة الإيمان وجزاء المؤمنين لآثروه على الكفر.

ويمكن أنْ يُراد به المهاجرون.. ويكون المعنى: لو كانوا يعلمون لازدادوا في عمل الخير.

وأخيراً قد يُرَاد به المؤمن الذي لم يهاجر.. ويكون المعنى: لو كان يعلم نتيجة الهجرة لسارع إليها.

وهذه الأوجه التي يحتملها التعبير القرآني دليل على ثراء الأداء وبلاغة القرآن الكريم، وهذا ما يسمونه تربيب الفوائد.

ثم يقول الحق سبحانه: { ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ... }.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله عز وجل: { وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ} الآية. [41].
نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بمكة: بلال، وصُهَيب، وخَبَّاب، وعمّار، و [أبي] جَنْدَل بن سُهَيل، أخذهم المشركون بمكة فعذّبوهم وآذوهم، فبَّوأهم الله تعالى المدينة بعد ذلك.


www.alro7.net