سورة
اية:

أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ومن يَعْشُ} أي يتعامى ويتغافل ويعرض { عن ذكر الرحمن} ، والعشا في العين ضعف بصرها، والمراد ههنا عشا البصيرة، { نُقيّضْ له شيطاناً فهو له قرين} كقوله تعالى: { فلما أزاغوا أزاغ اللّه قلوبهم} ولهذا قال تبارك وتعالى ههنا: { وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} ، { حتى إذا جاءنا} أي هذا الذي تغافل عن الهدى، إذا وافى اللّه عزَّ وجلَّ يوم القيامة، يتبرم بالشيطان الذي وُكِّلَ به { قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين} والمراد بالمشرقين ههنا هو ما بين المشرق والمغرب، وإنما استعمل ههنا تغليباً كما يقال: القمران والعُمَران والأبوان، قاله ابن جرير وغيره، ثم قال تعالى: { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون} أي لا يغني عنكم اجتماعكم في النار واشتراككم في العذاب الأليم. وقوله جلَّت عظمته: { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين} ؟ أي ليس ذلك إليك، إنما عليك البلاغ، وليس عليك هداهم، ثم قال تعالى { فإمّا نذهبن بك فإنّا منهم منتقمون} أي لابد أن ننتقم منهم ونعاقبهم ولو ذهبت أنت، { أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون} أي نحن قادرون على هذا ولم يقبض اللّه تعالى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى أقرّ عينه من أعدائه، وحكّمه في نواصيهم، واختاره ابن جرير، وقال قتادة: ذهب النبي صلى اللّه عليه وسلم وبقيت النقمة، ولن يُرِيَ اللّهُ تبارك وتعالى نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم في أُمته شيئاً يكرهه، حتى مضى ولم يكن نبي قط إلا وقد رأى العقوبة في أُمته إلا نبيكم صلى اللّه عليه وسلم، قال: وذكر لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أري ما يصيب أُمته من بعده، فما رئي ضاحكاً منبسطاً حتى قبضه اللّه عزَّ وجلَّ ""رواه ابن جرير عن قتادة رضي اللّه عنه""، ثم قال عزَّ وجلَّ: { فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم} أي خذ بالقرآن المنزل على قلبك، فإنه هو الحق وما يهدي إليه هو الحق، المفضي إلى صراط اللّه المستقيم، الموصل إلى جنات النعيم. ثم قال جلَّ جلاله: { وإنه لذكر لك ولقومك} ، قيل معناه لشرف لك ولقومك، وفي الحديث: (إن هذا الأمر في قريش لا ينازعهم فيه أحد إلا أكبَّه اللّه تعالى على وجهه ما أقاموا الدين) ""أخرجه البخاري عن معاوية رضي اللّه عنه""، ومعناه أنه شرف لهم من حيث أنه أنزل بلغتهم، فهم أفهم الناس له، فينبغي أن يكونوا أقوم الناس به، وأعملهم بمقتضاه، وهكذا كان خيارهم وصفوتهم من الخلّص، من المهاجرين السابقين الأولين ومن شابههم وتابعهم، وقيل معناه { وإنه لذكر لك ولقومك} أي لَتذكيرٌ لك ولقومك، وتخصيصهم بالذكر لا ينفي من سواهم، كقوله تعالى: { لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون} ، وكقوله تعالى: { وأنذر عشيرتك الأقربين} ، { وسوف تسألون} ، أي عن هذا القرآن وكيف كنتم في العمل به والاستجابة له، وقوله سبحانه وتعالى: { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} ؟ أي جميع الرسل دعوا إلى ما دعوت الناس إليه، من عبادة اللّه وحده لا شريك له، ونهوا عن عبادة الأصنام والأنداد، كما قال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت} .

تفسير الجلالين

{ أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين } بيّن، أي فهم لا يؤمنون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَأَنْتَ تُسْمِع الصُّمّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَال مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفَأَنْتَ تُسْمِع الصُّمّ } : مَنْ قَدْ سَلَبَهُ اللَّه اسْتِمَاع حُجَجه الَّتِي احْتَجَّ بِهَا فِي هَذَا الْكِتَاب فَأَصَمَّهُ عَنْهُ , أَوْ تَهْدِي إِلَى طَرِيق الْهُدَى مَنْ أَعْمَى اللَّه قَلْبه عَنْ إِبْصَاره , وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَان , فَزَيَّنَ لَهُ الرَّدَى { وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَال مُبِين } يَقُول : أَوْ تَهْدِي مَنْ كَانَ فِي جَوْر عَنْ قَصْد السَّبِيل , سَالِك غَيْر سَبِيل الْحَقّ , قَدْ أَبَانَ ضَلَاله أَنَّهُ عَنْ الْحَقّ زَائِل , وَعَنْ قَصْد السَّبِيل جَائِر : يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْك , إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّه الَّذِي بِيَدِهِ صَرْف قُلُوب خَلْقه كَيْفَ شَاءَ , وَإِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِر , فَبَلِّغْهُمْ النِّذَارَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَأَنْتَ تُسْمِع الصُّمّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْي وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَال مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفَأَنْتَ تُسْمِع الصُّمّ } : مَنْ قَدْ سَلَبَهُ اللَّه اسْتِمَاع حُجَجه الَّتِي احْتَجَّ بِهَا فِي هَذَا الْكِتَاب فَأَصَمَّهُ عَنْهُ , أَوْ تَهْدِي إِلَى طَرِيق الْهُدَى مَنْ أَعْمَى اللَّه قَلْبه عَنْ إِبْصَاره , وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَان , فَزَيَّنَ لَهُ الرَّدَى { وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَال مُبِين } يَقُول : أَوْ تَهْدِي مَنْ كَانَ فِي جَوْر عَنْ قَصْد السَّبِيل , سَالِك غَيْر سَبِيل الْحَقّ , قَدْ أَبَانَ ضَلَاله أَنَّهُ عَنْ الْحَقّ زَائِل , وَعَنْ قَصْد السَّبِيل جَائِر : يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْك , إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّه الَّذِي بِيَدِهِ صَرْف قُلُوب خَلْقه كَيْفَ شَاءَ , وَإِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِر , فَبَلِّغْهُمْ النِّذَارَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي} يا محمد { ومن كان في ضلال مبين} أي ليس لك ذلك فلا يضيق صدرك إن كفروا؛ ففيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم. وفيه رد على القدرية وغيرهم، وأن الهدى والرشد والخذلان في القلب خلق الله تعالى، يضل من يشاء ويهدي من يشاء.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الزخرف الايات 36 - 45

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

المعنى - والخطاب هنا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وفِّر نفسك يا محمد، ولا تُجهدها ولا تُحملها مَا لا تُطيق في سبيل هداية هؤلاء.

ووصفهم بالصمم وبالعمى مع أنهم في واقع الأمر يُبصرون ويسمعون، يسمعون الحق ولا يتبعونه، ويروْنَ الطريق المستقيم ولا يسلكونه، فصار مثل الأصم الذي لا يسمع، ومثل الأعمى الذي لا يرى.

لذلك قال سبحانه في موضع آخر:
{  فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ }
[الحج: 46] إذن: هم مُعرضون معاندون مكبِّرون عن قبول الحق.

وهذا هو معنى الضلال في { وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ } [الزخرف: 40].

وهل هناك ضلال أبْيَن وأوضح من ضلال مَنْ يرى الحق ولا يتبعه؟

والحق سبحانه وتعالى لا يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم هذا الخطاب إلا إن كان فعلاً يشقُّ على نفسه، ويكاد أن يهلكها في سبيل دعوته؛ لذلك خاطبه ربه بقوله:
{  فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }
[الكهف: 6] وخطابه بقوله
{  إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ }
[الشورى: 48] ذلك لأن رسول الله كان محباً لرسالته، ومحباً لمنهجه، محباً لأمته جميعاً يريد أنْ يُذيقهم ما ذاق من حلاوة الإيمان، يريد أنْ يُطبِّق في نفسه أنْ تحب لأخيك ما تحبّ لنفسك.


www.alro7.net