سورة
اية:

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس: نزلت في محمد وأصحابه حين أخرجوا من مكة، وقال مجاهد والضحاك وغير واحد من السلف: هذه أول آية نزلت في الجهاد، وقال ابن جرير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا للّه وإنا إليه راجعون ليهلكن، قال ابن عباس: فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} ، قال أبو بكر رضي اللّه عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، زاد أحمد: وهي أول آية نزلت في القتال ""أخرجه الترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن"". وقوله: { وإن اللّه على نصرهم لقدير} أي هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبذلوا جهدهم في طاعته كما قال: { ذلك ولو يشاء اللّه لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض، والذين قتلوا في سبيل اللّه فلن يضل أعمالهم} ، وقال تعالى: { قاتلوهم يعذبهم اللّه بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} ، وقال: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} ، وقال: { ولنبلوكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} والآيات في هذا كثيرة، ولهذا قال ابن عباس في قوله: { وإن اللّه على نصرهم لقدير} وقد فعل، وإنما شرع تعالى الجهاد في الوقت الأليق به، لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عدداً، فلو أمر المسلمون وهم أقل بقتال الباقين لشق عليهم، ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكانوا نيفاً وثمانين قالوا: يا رسول اللّه ألا نميل على أهل الوادي، يعنون أهل منى ليالي منى فنقتلهم؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إني لم أومر بهذا)، فلما بغى المشركون وأخرجوا النبي صلى اللّه عليه وسلم من بين أظهرهم، وهموا بقتله وشردوا أصحابه، فلما استقروا بالمدينة وصارت لهم دار إسلام، ومعقلاً يلجئون إليه، شرع اللّه جهاد الأعداء، فكانت هذه الآية أول ما نزل في ذلك، فقال تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن اللّه على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} قال ابن عباس: أخرجوا من مكة إلى المدينة بغير حق يعني محمداً وأصحابه، { إلا أن يقولوا ربنا اللّه} أي ما كان لهم إساءة ولا ذنب، إلا أنهم وحدوا اللّه وعبدوه لا شريك له، كما قال تعالى: { يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا باللّه ربكم} ، وقال تعالى في قصة أصحاب الأخدود: { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا باللّه العزيز الحميد} . ثم قال تعالى: { ولولا دفع اللّه الناس بعضهم ببعض} أي لولا أنه يدفع بقوم عن قوم، ويكف شرور أناس عن غيرهم، بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف، { لهدمت صوامع} وهي المعابد للرهبان قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وغيرهم وقال قتادة: هي معابد الصابئين، وفي رواية عنه: صوامع المجوس، { وبيع} وهي أوسع منها وهي للنصارى أيضاً، وحكى ابن جبير عن مجاهد وغيره: أنها كنائس اليهود، وعن ابن عباس: أنها كنائس اليهود، وقوله: { وصلوات} قال ابن عباس: الصلوات الكنائس، وكذا قال عكرمة والضحاك وقتادة: إنها كنائس اليهود وهم يسمونها صلوات، وحكى السدي عن ابن عباس: أنها كنائس النصارى، وقال أبو العالية وغيره: الصلوات معابد الصابئين. وقال مجاهد: الصلوات مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام بالطرق، وأما المساجد فهي للمسلمين. وقوله: { يذكر فيها اسم اللّه كثيرا} ، فقد قيل: الضمير في قوله: { يذكر فيها} عائد إلى المساجد لأنها أقرب المذكورات، وقال الضحاك: الجميع يذكر فيها اللّه كثيراً، وقال ابن جرير: الصواب لهدمت صوامع الرهبان وبيع النصارى وصلوات اليهود وهي كنائسهم ومساجد المسلمين التي يذكر فيها اسم اللّه كثيراً، لأن هذا هو المستعمل المعروف في كلام العرب. وقال بعض العلماء: هذا تَرَقٍ من الأقل إلى الأكثر إلى أن انتهى إلى المساجد، وهي أكثر عُمّاراً وأكثر عبَّاداً، وهم ذوو القصد الصحيح. وقوله: { ولينصرن اللّه من ينصره} ، كقوله تعالى: { إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبت أقدامكم} ، وقوله: { إن اللّه لقوي عزيز} وصف نفسه بالقوة والعزة؛ فبقوته خلق كل شيء فقدره تقديراً وبعزته لا يقهره قاهر، ولا يغلبه غالب، بل كل شيء ذليل لديه فقير إليه، ومن كان القوي العزيز ناصره فهو المنصور، وعدوه هو المقهور، قال اللّه تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون} ، وقال تعالى: { كتب اللّه لأغلبن أنا ورسلي إن اللّه لقوي عزيز} .

تفسير الجلالين

هم { الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق } في الإخراج، ما أخرجوا { إلا أن يقولوا } أي بقولهم { ربنا الله } وحده وهذا القول حق فالإخراج به إخراج بغير حق { ولولا دفع الله الناس بعضهم } بدل بعض من الناس { ببعض لهدمت } بالتشديد للتكثير وبالتخفيف { صوامع } للرهبان { وبيع } كنائس للنصارى { وصلوات } كنائس لليهود بالعبرانية { ومساجد } للمسلمين { يذكر فيها } أي المواضع المذكورة { اسم الله كثيرا } وتنقطع العبادات بخرابها { ولينصرن الله من ينصره } أي ينصر دينه { إن الله لقويٌ } على خلقه { عزيز } منيع في سلطانه وقدرته .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } فَ " الَّذِينَ " الثَّانِيَة رَدّ عَلَى " الَّذِينَ " الْأُولَى . وَعَنَى بِالْمُخْرَجِينَ مِنْ دُورهمْ : الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ كُفَّار قُرَيْش مِنْ مَكَّة . وَكَانَ إِخْرَاجهمْ إِيَّاهُمْ مِنْ دُورهمْ وَتَعْذِيبهمْ بَعْضهمْ عَلَى الْإِيمَان بِاللَّهِ وَرَسُوله , وَسَبّهمْ بَعْضهمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَوَعِيدهمْ إِيَّاهُمْ , حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إِلَى الْخُرُوج عَنْهُمْ , وَكَانَ فِعْلهمْ ذَلِكَ بِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى بَاطِل وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى الْحَقّ , فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } فَ " الَّذِينَ " الثَّانِيَة رَدّ عَلَى " الَّذِينَ " الْأُولَى . وَعَنَى بِالْمُخْرَجِينَ مِنْ دُورهمْ : الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أَخْرَجَهُمْ كُفَّار قُرَيْش مِنْ مَكَّة . وَكَانَ إِخْرَاجهمْ إِيَّاهُمْ مِنْ دُورهمْ وَتَعْذِيبهمْ بَعْضهمْ عَلَى الْإِيمَان بِاللَّهِ وَرَسُوله , وَسَبّهمْ بَعْضهمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَوَعِيدهمْ إِيَّاهُمْ , حَتَّى اضْطَرُّوهُمْ إِلَى الْخُرُوج عَنْهُمْ , وَكَانَ فِعْلهمْ ذَلِكَ بِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ ; لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى بَاطِل وَالْمُؤْمِنُونَ عَلَى الْحَقّ , فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ بِغَيْرِ حَقّ } . ' وَقَوْله : { إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبّنَا اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ دِيَارهمْ إِلَّا بِقَوْلِهِمْ : رَبّنَا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ ! فَ " أَنْ " فِي مَوْضِع خَفْض رَدًّا عَلَى الْبَاء فِي قَوْله : { بِغَيْرِ حَقّ } , وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى وَجْه الِاسْتِثْنَاء .وَقَوْله : { إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبّنَا اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَمْ يَخْرُجُوا مِنْ دِيَارهمْ إِلَّا بِقَوْلِهِمْ : رَبّنَا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ ! فَ " أَنْ " فِي مَوْضِع خَفْض رَدًّا عَلَى الْبَاء فِي قَوْله : { بِغَيْرِ حَقّ } , وَقَدْ يَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى وَجْه الِاسْتِثْنَاء .' وَقَوْله : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَوْلَا دَفْع اللَّه الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19106 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } دَفْع الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَوْلَا الْقِتَال وَالْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19107 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } قَالَ لَوْلَا الْقِتَال وَالْجِهَاد . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَوْلَا دَفْع اللَّه بِأَصْحَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ بَعْدهمْ مِنَ التَّابِعِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19108 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ سَيْف بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ ثَابِت بْن عَوْسَجَة الْحَضْرَمِيّ , قَالَ : حَدَّثَنِي سَبْعَة وَعِشْرُونَ مِنْ أَصْحَاب عَلِيّ وَعَبْد اللَّه مِنْهُمْ لَاحِق بْن الْأَقْمَر , وَالْعَيْزَار بْن جَرْوَل , وَعَطِيَّة الْقُرَظِيّ , أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } لَوْلَا دِفَاع اللَّه بِأَصْحَابِ مُحَمَّد عَنِ التَّابِعِينَ { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع وَبِيَع } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَوْلَا أَنَّ اللَّه يَدْفَع بِمَنْ أَوْجَبَ قَبُول شَهَادَته فِي الْحُقُوق تَكُون لِبَعْضِ النَّاس عَلَى بَعْض عَمَّنْ لَا يَجُوز قَبُول شَهَادَته وَغَيْره , فَأَحْيَا بِذَلِكَ مَال هَذَا وَيُوقِي بِسَبَبِ هَذَا إِرَاقَة دَم هَذَا , وَتَرَكُوا الْمَظَالِم مِنْ أَجْله , لَتَظَالَمَ النَّاس فَهُدِّمَتْ صَوَامِع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19109 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } يَقُول : دَفْع بَعْضهمْ بَعْضًا فِي الشَّهَادَة , وَفِي الْحَقّ , وَفِيمَا يَكُون مِنْ قِبَل هَذَا . يَقُول : لَوْلَاهُمْ لَأُهْلِكَتْ هَذِهِ الصَّوَامِع وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْلَا دِفَاعه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ , لَهُدِّمَ مَا ذُكِرَ , مِنْ دَفْعه تَعَالَى ذِكْره بَعْضهمْ بِبَعْضٍ , وَكَفّه الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ ; وَمِنْهُ كَفّه بِبَعْضِهِمْ التَّظَالُم , كَالسُّلْطَانِ الَّذِي كَفَّ بِهِ رَعِيَّته عَنِ التَّظَالُم بَيْنهمْ ; وَمِنْهُ كَفّه لِمَنْ أَجَازَ شَهَادَته بَيْنهمْ بِبَعْضِهِمْ عَنِ الذَّهَاب بِحَقِّ مَنْ لَهُ قِبَله حَقّ , وَنَحْو ذَلِكَ . وَكُلّ ذَلِكَ دَفْع مِنْهُ النَّاس بَعْضهمْ عَنْ بَعْض , لَوْلَا ذَلِكَ لَتَظَالَمُوا , فَهَدَمَ الْقَاهِرُونَ صَوَامِع الْمَقْهُورِينَ وَبِيَعهمْ وَمَا سَمَّى جَلَّ ثَنَاؤُهُ . وَلَمْ يَضَع اللَّه تَعَالَى دَلَالَة فِي عَقْل عَلَى أَنَّهُ عَنَى مِنْ ذَلِكَ بَعْضًا دُون بَعْض , وَلَا جَاءَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ خَبَر يَجِب التَّسْلِيم لَهُ , فَذَلِكَ عَلَى الظَّاهِر وَالْعُمُوم عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْته قَبْل لِعُمُومِ ظَاهِر ذَلِكَ جَمِيع مَا ذَكَرْنَا .وَقَوْله : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَوْلَا دَفْع اللَّه الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19106 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } دَفْع الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَوْلَا الْقِتَال وَالْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19107 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } قَالَ لَوْلَا الْقِتَال وَالْجِهَاد . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَوْلَا دَفْع اللَّه بِأَصْحَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّنْ بَعْدهمْ مِنَ التَّابِعِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19108 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , عَنْ سَيْف بْن عَمْرو , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ ثَابِت بْن عَوْسَجَة الْحَضْرَمِيّ , قَالَ : حَدَّثَنِي سَبْعَة وَعِشْرُونَ مِنْ أَصْحَاب عَلِيّ وَعَبْد اللَّه مِنْهُمْ لَاحِق بْن الْأَقْمَر , وَالْعَيْزَار بْن جَرْوَل , وَعَطِيَّة الْقُرَظِيّ , أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } لَوْلَا دِفَاع اللَّه بِأَصْحَابِ مُحَمَّد عَنِ التَّابِعِينَ { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع وَبِيَع } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَوْلَا أَنَّ اللَّه يَدْفَع بِمَنْ أَوْجَبَ قَبُول شَهَادَته فِي الْحُقُوق تَكُون لِبَعْضِ النَّاس عَلَى بَعْض عَمَّنْ لَا يَجُوز قَبُول شَهَادَته وَغَيْره , فَأَحْيَا بِذَلِكَ مَال هَذَا وَيُوقِي بِسَبَبِ هَذَا إِرَاقَة دَم هَذَا , وَتَرَكُوا الْمَظَالِم مِنْ أَجْله , لَتَظَالَمَ النَّاس فَهُدِّمَتْ صَوَامِع . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19109 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَوْلَا دَفْع اللَّه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ } يَقُول : دَفْع بَعْضهمْ بَعْضًا فِي الشَّهَادَة , وَفِي الْحَقّ , وَفِيمَا يَكُون مِنْ قِبَل هَذَا . يَقُول : لَوْلَاهُمْ لَأُهْلِكَتْ هَذِهِ الصَّوَامِع وَمَا ذُكِرَ مَعَهَا . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْلَا دِفَاعه النَّاس بَعْضهمْ بِبَعْضٍ , لَهُدِّمَ مَا ذُكِرَ , مِنْ دَفْعه تَعَالَى ذِكْره بَعْضهمْ بِبَعْضٍ , وَكَفّه الْمُشْرِكِينَ بِالْمُسْلِمِينَ عَنْ ذَلِكَ ; وَمِنْهُ كَفّه بِبَعْضِهِمْ التَّظَالُم , كَالسُّلْطَانِ الَّذِي كَفَّ بِهِ رَعِيَّته عَنِ التَّظَالُم بَيْنهمْ ; وَمِنْهُ كَفّه لِمَنْ أَجَازَ شَهَادَته بَيْنهمْ بِبَعْضِهِمْ عَنِ الذَّهَاب بِحَقِّ مَنْ لَهُ قِبَله حَقّ , وَنَحْو ذَلِكَ . وَكُلّ ذَلِكَ دَفْع مِنْهُ النَّاس بَعْضهمْ عَنْ بَعْض , لَوْلَا ذَلِكَ لَتَظَالَمُوا , فَهَدَمَ الْقَاهِرُونَ صَوَامِع الْمَقْهُورِينَ وَبِيَعهمْ وَمَا سَمَّى جَلَّ ثَنَاؤُهُ . وَلَمْ يَضَع اللَّه تَعَالَى دَلَالَة فِي عَقْل عَلَى أَنَّهُ عَنَى مِنْ ذَلِكَ بَعْضًا دُون بَعْض , وَلَا جَاءَ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ خَبَر يَجِب التَّسْلِيم لَهُ , فَذَلِكَ عَلَى الظَّاهِر وَالْعُمُوم عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْته قَبْل لِعُمُومِ ظَاهِر ذَلِكَ جَمِيع مَا ذَكَرْنَا .' وَقَوْله : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِالصَّوَامِعِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا صَوَامِع الرُّهْبَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19110 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ رُفَيْع فِي هَذِهِ الْآيَة : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } قَالَ : صَوَامِع الرُّهْبَان . 19111 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } قَالَ : صَوَامِع الرُّهْبَان . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } قَالَ : صَوَامِع الرُّهْبَان . 19112 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } قَالَ : صَوَامِع الرُّهْبَان . 19113 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : فِي قَوْله : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } وَهِيَ صَوَامِع الصِّغَار يَبْنُونَهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ صَوَامِع الصَّابِئِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19114 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { صَوَامِع } قَالَ : هِيَ لِلصَّابِئِينَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { لَهُدِّمَتْ } . فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : " لَهُدِمَتْ " . خَفِيفَة . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة وَالْبَصْرَة : { لَهُدِّمَتْ } بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى تَكْرِير الْهَدْم فِيهَا مَرَّة بَعْد مَرَّة , وَالتَّشْدِيد فِي ذَلِكَ أَعْجَب الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَال أَهْل الْكُفْر بِذَلِكَ .وَقَوْله : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِالصَّوَامِعِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهَا صَوَامِع الرُّهْبَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19110 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ رُفَيْع فِي هَذِهِ الْآيَة : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } قَالَ : صَوَامِع الرُّهْبَان . 19111 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } قَالَ : صَوَامِع الرُّهْبَان . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } قَالَ : صَوَامِع الرُّهْبَان . 19112 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } قَالَ : صَوَامِع الرُّهْبَان . 19113 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : فِي قَوْله : { لَهُدِّمَتْ صَوَامِع } وَهِيَ صَوَامِع الصِّغَار يَبْنُونَهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ صَوَامِع الصَّابِئِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19114 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { صَوَامِع } قَالَ : هِيَ لِلصَّابِئِينَ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { لَهُدِّمَتْ } . فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة : " لَهُدِمَتْ " . خَفِيفَة . وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْكُوفَة وَالْبَصْرَة : { لَهُدِّمَتْ } بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنَى تَكْرِير الْهَدْم فِيهَا مَرَّة بَعْد مَرَّة , وَالتَّشْدِيد فِي ذَلِكَ أَعْجَب الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَفْعَال أَهْل الْكُفْر بِذَلِكَ .' وَأَمَّا قَوْله { وَبِيَع } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهَا : بِيَع النَّصَارَى . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ مِثْل الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19115 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ رُفَيْع : { وَبِيَع } قَالَ : بِيَع النَّصَارَى . 19116 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَبِيَع } لِلنَّصَارَى . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19117 -حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : الْبِيَع : بِيَع النَّصَارَى . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِالْبِيَعِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : كَنَائِس الْيَهُود . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19118 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث . قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { وَبِيَع } قَالَ : وَكَنَائِس . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19119 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَبِيَع } قَالَ : الْبِيَع لِلْكَنَائِسِ . وَأَمَّا قَوْله { وَبِيَع } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهَا : بِيَع النَّصَارَى . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ مِثْل الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19115 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ رُفَيْع : { وَبِيَع } قَالَ : بِيَع النَّصَارَى . 19116 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَبِيَع } لِلنَّصَارَى . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19117 -حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : الْبِيَع : بِيَع النَّصَارَى . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِالْبِيَعِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : كَنَائِس الْيَهُود . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19118 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث . قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : { وَبِيَع } قَالَ : وَكَنَائِس . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 19119 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَبِيَع } قَالَ : الْبِيَع لِلْكَنَائِسِ . ' قَوْله : { وَصَلَوَات } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِالصَّلَوَاتِ الْكَنَائِس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19120 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَصَلَوَات } قَالَ : يَعْنِي بِالصَّلَوَاتِ الْكَنَائِس . 19121 - حُدِّثْت عَنِ الْحَسَن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَصَلَوَات } كَنَائِس الْيَهُود , وَيُسَمُّونَ الْكَنِيسَة صلوتا . 19122 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَصَلَوَات } كَنَائِس الْيَهُود . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِالصَّلَوَاتِ مَسَاجِد الصَّابِئِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19123 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , قَالَ : سَأَلْت أَبَا الْعَالِيَة عَنِ الصَّلَوَات . قَالَ : هِيَ مَسَاجِد الصَّابِئِينَ . 19124 - قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ رُفَيْع , نَحْوه . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مَسَاجِد لِلْمُسْلِمِينَ وَلِأَهْلِ الْكِتَاب بِالطُّرُقِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19125 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَصَلَوَات } قَالَ : مَسَاجِد لِأَهْلِ الْكِتَاب وَلِأَهْلِ الْإِسْلَام بِالطُّرُقِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . 19126 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَصَلَوَات } قَالَ : الصَّلَوَات صَلَوَات أَهْل الْإِسْلَام , تَنْقَطِع إِذَا دَخَلَ الْعَدُوّ عَلَيْهِمْ , انْقَطَعَتِ الْعِبَادَة , وَالْمَسَاجِد تُهْدَم , كَمَا صَنَعَ بُخْتَنَصَّر . قَوْله : { وَصَلَوَات } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَاهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِالصَّلَوَاتِ الْكَنَائِس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19120 -حَدَّثَنَا مُحَمَّد سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَصَلَوَات } قَالَ : يَعْنِي بِالصَّلَوَاتِ الْكَنَائِس . 19121 - حُدِّثْت عَنِ الْحَسَن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَصَلَوَات } كَنَائِس الْيَهُود , وَيُسَمُّونَ الْكَنِيسَة صلوتا . 19122 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَصَلَوَات } كَنَائِس الْيَهُود . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِالصَّلَوَاتِ مَسَاجِد الصَّابِئِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19123 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا دَاوُد , قَالَ : سَأَلْت أَبَا الْعَالِيَة عَنِ الصَّلَوَات . قَالَ : هِيَ مَسَاجِد الصَّابِئِينَ . 19124 - قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ رُفَيْع , نَحْوه . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مَسَاجِد لِلْمُسْلِمِينَ وَلِأَهْلِ الْكِتَاب بِالطُّرُقِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19125 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَصَلَوَات } قَالَ : مَسَاجِد لِأَهْلِ الْكِتَاب وَلِأَهْلِ الْإِسْلَام بِالطُّرُقِ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , نَحْوه . 19126 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَصَلَوَات } قَالَ : الصَّلَوَات صَلَوَات أَهْل الْإِسْلَام , تَنْقَطِع إِذَا دَخَلَ الْعَدُوّ عَلَيْهِمْ , انْقَطَعَتِ الْعِبَادَة , وَالْمَسَاجِد تُهْدَم , كَمَا صَنَعَ بُخْتَنَصَّر . ' وَقَوْله : { وَمَسَاجِد يُذْكَر فِيهَا اسْم اللَّه كَثِيرًا } اُخْتُلِفَ فِي الْمَسَاجِد الَّتِي أُرِيدَتْ بِهَذَا الْقَوْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : أُرِيدَ بِذَلِكَ مَسَاجِد الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19127 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ رُفَيْع , قَوْله : { وَمَسَاجِد } قَالَ : مَسَاجِد الْمُسْلِمِينَ . 19128 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , قَالَ : ثنا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمَسَاجِد يُذْكَر فِيهَا اسْم اللَّه كَثِيرًا } قَالَ : الْمَسَاجِد : مَسَاجِد الْمُسْلِمِينَ يُذْكَر فِيهَا اسْم اللَّه كَثِيرًا . * -حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , نَحْوه . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { وَمَسَاجِد } الصَّوَامِع وَالْبِيَع وَالصَّلَوَات . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19129 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { وَمَسَاجِد } يَقُول فِي كُلّ هَذَا يُذْكَر اسْم اللَّه كَثِيرًا , وَلَمْ يَخُصّ الْمَسَاجِد . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : الصَّلَوَات لَا تُهْدَم , وَلَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى فِعْل آخَر , كَأَنَّهُ قَالَ : وَتُرِكَتْ صَلَوَات . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا يَعْنِي : مَوَاضِع الصَّلَوَات . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا هِيَ صَلَوَات , وَهِيَ كَنَائِس الْيَهُود , تُدْعَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ : صلوتا . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَهُدِّمَتْ صَوَامِع الرُّهْبَان وَبِيَع النَّصَارَى , وَصَلَوَات الْيَهُود , وَهِيَ كَنَائِسهمْ , وَمَسَاجِد الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يُذْكَر فِيهَا اسْم اللَّه كَثِيرًا . وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْل أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب الْمُسْتَفِيض فِيهِمْ , وَمَا خَالَفَهُ مِنَ الْقَوْل وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْه فَغَيْر مُسْتَعْمَل فِيمَا وَجَّهَهُ إِلَيْهِ مَنْ وَجَّهَهُ إِلَيْهِ.وَقَوْله : { وَمَسَاجِد يُذْكَر فِيهَا اسْم اللَّه كَثِيرًا } اُخْتُلِفَ فِي الْمَسَاجِد الَّتِي أُرِيدَتْ بِهَذَا الْقَوْل , فَقَالَ بَعْضهمْ : أُرِيدَ بِذَلِكَ مَسَاجِد الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19127 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا دَاوُد , عَنْ رُفَيْع , قَوْله : { وَمَسَاجِد } قَالَ : مَسَاجِد الْمُسْلِمِينَ . 19128 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , قَالَ : ثنا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَمَسَاجِد يُذْكَر فِيهَا اسْم اللَّه كَثِيرًا } قَالَ : الْمَسَاجِد : مَسَاجِد الْمُسْلِمِينَ يُذْكَر فِيهَا اسْم اللَّه كَثِيرًا . * -حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , نَحْوه . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { وَمَسَاجِد } الصَّوَامِع وَالْبِيَع وَالصَّلَوَات . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19129 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { وَمَسَاجِد } يَقُول فِي كُلّ هَذَا يُذْكَر اسْم اللَّه كَثِيرًا , وَلَمْ يَخُصّ الْمَسَاجِد . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : الصَّلَوَات لَا تُهْدَم , وَلَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى فِعْل آخَر , كَأَنَّهُ قَالَ : وَتُرِكَتْ صَلَوَات . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا يَعْنِي : مَوَاضِع الصَّلَوَات . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا هِيَ صَلَوَات , وَهِيَ كَنَائِس الْيَهُود , تُدْعَى بِالْعِبْرَانِيَّةِ : صلوتا . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَهُدِّمَتْ صَوَامِع الرُّهْبَان وَبِيَع النَّصَارَى , وَصَلَوَات الْيَهُود , وَهِيَ كَنَائِسهمْ , وَمَسَاجِد الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يُذْكَر فِيهَا اسْم اللَّه كَثِيرًا . وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْل أَوْلَى بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب الْمُسْتَفِيض فِيهِمْ , وَمَا خَالَفَهُ مِنَ الْقَوْل وَإِنْ كَانَ لَهُ وَجْه فَغَيْر مُسْتَعْمَل فِيمَا وَجَّهَهُ إِلَيْهِ مَنْ وَجَّهَهُ إِلَيْهِ.' وَقَوْله : { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّه مَنْ يَنْصُرهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَيُعِينَنَّ اللَّه مَنْ يُقَاتِل فِي سَبِيله , لِتَكُونَ كَلِمَته الْعُلْيَا عَلَى عَدُوّهُ ; فَنَصْر اللَّه عَبْده : مَعُونَته إِيَّاهُ , وَنَصْر الْعَبْد رَبّه : جِهَاده فِي سَبِيله , لِتَكُونَ كَلِمَته الْعُلْيَا.وَقَوْله : { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّه مَنْ يَنْصُرهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَيُعِينَنَّ اللَّه مَنْ يُقَاتِل فِي سَبِيله , لِتَكُونَ كَلِمَته الْعُلْيَا عَلَى عَدُوّهُ ; فَنَصْر اللَّه عَبْده : مَعُونَته إِيَّاهُ , وَنَصْر الْعَبْد رَبّه : جِهَاده فِي سَبِيله , لِتَكُونَ كَلِمَته الْعُلْيَا.' وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه لَقَوِيّ عَزِيز } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه لَقَوِيّ عَلَى نَصْر مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيله مِنْ أَهْل وِلَايَته وَطَاعَته , عَزِيز فِي مُلْكه , يَقُول : مَنِيع فِي سُلْطَانه , لَا يَقْهَرهُ قَاهِر , وَلَا يَغْلِبهُ غَالِب .وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه لَقَوِيّ عَزِيز } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه لَقَوِيّ عَلَى نَصْر مَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيله مِنْ أَهْل وِلَايَته وَطَاعَته , عَزِيز فِي مُلْكه , يَقُول : مَنِيع فِي سُلْطَانه , لَا يَقْهَرهُ قَاهِر , وَلَا يَغْلِبهُ غَالِب .'

تفسير القرطبي

فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى { الذين أخرجوا من ديارهم} هذا أحد ما ظلموا به؛ وإنما أخرجوا لقولهم : ربنا الله وحده. فقوله { إلا أن يقولوا ربنا الله} استثناء منقطع؛ أي لكن لقولهم ربنا الله؛ قال سيبويه. وقال الفراء يجوز أن تكون في موضع خفض، يقدرها مردودة على الباء؛ وهو قول أبي إسحاق الزجاج، والمعنى عنده : الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا بأن يقولوا ربنا الله؛ أي أخرجوا بتوحيدهم، أخرجهم أهل الأوثان. و { الذين أخرجوا} في موضع خفض بدلا من قوله { للذين يقاتلون} . الثانية: قال ابن العربي : قال علماؤنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تحل له الدماء؛ إنما يؤمر بالدعاء إلى الله والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل مدة عشرة أعوام؛ لإقامة حجة الله تعالى عليهم، ووفاء بوعده الذي امتن به بفضله في قوله { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء : 15]. فاستمر الناس في الطغيان وما استدلوا بواضح البرهان، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم ونفوهم عن بلادهم؛ فمنهم من فر إلى أرض الحبشة، ومنهم من خرج إلى المدينة، ومنهم من صبر على الأذى. فلما عتت قريش على الله تعالى وردوا أمره وكذبوا نبيه عليه السلام، وعذبوا من آمن به ووحده وعبده، وصدق نبيه عليه السلام واعتصم بدينه، أذن الله لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم، وأنزل { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا - إلى قوله - الأمور} . الثالثة: في هذه الآية دليل على أن نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكره إلى الذي ألجأه وأكرهه؛ لأن الله تعالى نسب الإخراج إلى الكفار، لأن الكلام في معنى تقدير الذنب وإلزامه. وهذه الآية مثل قوله تعالى { إذ أخرجه الذين كفروا} [التوبة : 40] والكلام فيهما واحد؛ وقد تقدم في { التوبة} والحمد لله. الرابعة: قوله تعالى { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض} أي لولا ما شرعه الله تعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بينته أرباب الديانات من مواضع العبادات، ولكنه دفع بأن أوجب القتال ليتفرغ أهل الدين للعبادة. فالجهاد أمر متقدم في الأمم، وبه صلحت الشرائع واجتمعت المتعبدات؛ فكأنه قال : أذن في القتال، فليقاتل المؤمنون. ثم قوي هذا الأمر في القتال بقوله { ولولا دفع الله الناس} الآية؛ أي لولا القتال والجهاد لتغلب على الحق في كل أمة. فمن استبشع من النصارى والصابئين الجهاد فهو مناقض لمذهبه؛ إذ لولا القتال لما بقي الدين الذي يذب عنه. وأيضا هذه المواضع التي اتخذت قبل تحريفهم وتبديلهم وقبل نسخ تلك الملل بالإسلام إنما ذكرت لهذا المعنى؛ أي لولا هذا الدفع لهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد عليه السلام المساجد. { لهدمت} من هدمت البناء أي نقضته فانهدم. قال ابن عطية : هذا أصوب ما قيل في تأويل الآية. وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : ولولا دفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الكفار عن التابعين فمن بعدهم. وهذا وإن كان فيه دفع قوم بقوم إلا أن معنى القتال أليق؛ كما تقدم. وقال مجاهد لولا دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول. وقالت فرقة : ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة. وقال أبو الدرداء : لولا أن الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن لا يغزو، لأتاهم العذاب. وقالت فرقة : ولولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء والأخيار إلى غير ذلك من التفصيل المفسر لمعنى الآية؛ وذلك أن الآية ولا بد تقتضي مدفوعا من الناس ومدفوعا عنه، فتأمله. الخامسة: قال ابن خويزمنداد : تضمنت هذه الآية المنع من هدم كنائس أهل الذمة وبيعهم وبيوت نيرانهم، ولا يتركون أن يحدثوا ما لم يكن، ولا يزيدون في البنيان لا سعة ولا ارتفاعا، ولا ينبغي للمسلمين أن يدخلوها ولا يصلوا فيها، ومتى أحدثوا زيادة وجب نقضها. وينقض ما وجد في بلاد الحرب من البيع والكنائس. وإنما لم ينقض ما في بلاد الإسلام لأهل الذمة؛ لأنها جرت مجرى بيوتهم وأموالهم التي عاهدوا عليها في الصيانة. ولا يجوز أن يمكنوا من الزيادة لأن في ذلك إظهار أسباب الكفر. وجائز أن ينقض المسجد ليعاد بنيانه؛ وقد فعل ذلك عثمان رضي الله عنه بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم. السادسة: قرئ { لهدمت} بتخفيف الدال وتشديدها. { صوامع وبيع} جمع صومعة، وزنها فوعلة، وهي بناء مرتفع حديد الأعلى؛ يقال : صمع الثريدة أي رفع رأسها وحدده. ورجل أصمع القلب أي حاد الفطنة. والأصمع من الرجال الحديد القول. وقيل : هو الصغير الأذن من الناس وغيرهم. وكانت قبل الإسلام مختصة برهبان النصارى وبعباد الصابئين - قال قتادة - ثم استعمل في مئذنة المسلمين. والبيع. جمع بيعة، وهي كنيسة النصارى. وقال الطبري : قيل هي كنائس اليهود؛ ثم أدخل عن مجاهد ما لا يقتضي ذلك. قوله تعالى { وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا} قال الزجاج والحسن : هي كنائس اليهود؛ وهي بالعبرانية صلوتا. وقال أبو عبيدة : الصلوات بيوت تبنى للنصارى في البراري يصلون فيها في أسفارهم، تسمى صلوتا فعربت فقيل صلوات. وفي { صلوات} تسع قراءات ذكرها ابن عطية : صلوات، صلوات، صلوات، صلولي على وزن فعولي، صلوب بالباء بواحدة جمع صليب، صلوث بالثاء المثلثة على وزن فعول، صلوات بضم الصاد واللام وألف بعد الواو، صلوثا بضم الصاد واللام وقصر الألف بعد الثاء المثلثة، [صلويثا بكسر الصاد وإسكان اللام وواو مكسورة بعدها ياء بعدها ثاء منقوطة بثلاث بعدها ألف]. وذكر النحاس : وروي عن عاصم الجحدري أنه قرأ { وصلوب} . وروي عن الضحاك { وصلوث} بالثاء معجمة بثلاث؛ ولا أدري أفتح الصاد أم ضمها. قلت : فعلى هذا تجيء هنا عشر قراءات. وقال ابن عباس : (الصلوات الكنائس). أبو العالية : الصلوات مساجد الصابئين. ابن زيد : هي صلوات المسلمين تنقطع إذا دخل عليهم العدو وتهدم المساجد؛ فعلى هذا استعير الهدم للصلوات من حيث تعطل، أو أراد موضع صلوات فحذف المضاف. وعلى قول ابن عباس والزجاج وغيرهم يكون الهدم حقيقة. وقال الحسن : هدم الصلوات تركها، قطرب : هي الصوامع الصغار ولم يسمع لها واحد. وذهب خصيف إلى أن القصد بهذه الأسماء تقسيم متعبدات الأمم. فالصوامع للرهبان، والبيع للنصارى، والصلوات لليهود، والمساجد للمسلمين. قال ابن عطية : والأظهر أنها قصد بها المبالغة في ذكر المتعبدات. وهذه الأسماء تشترك الأمم في مسمياتها، إلا البيعة فإنها مختصة بالنصارى في لغة العرب. ومعاني هذه الأسماء هي في الأمم التي لها كتاب على قديم الدهر. ولم يذكر في هذه الآية المجوس ولا أهل الإشراك؛ لأن هؤلاء ليس لهم ما يجب حمايته، ولا يوجد ذكر الله إلا عند أهل الشرائع. وقال النحاس { يذكر فيها اسم الله} الذي يجب في كلام العرب على حقيقة النظر أن يكون { يذكر فيها اسم الله} عائدا على المساجد لا على غيرها؛ لأن الضمير يليها. ويجوز أن يعود على { صوامع} وما بعدها؛ ويكون المعنى وقت شرائعهم وإقامتهم الحق. السابعة: فإن قيل : لم قدمت مساجد أهل الذمة ومصلياتهم على مساجد المسلمين؟ قيل : لأنها أقدم بناء. وقيل لقربها من الهدم وقرب المساجد من الذكر؛ كما أخر السابق في قوله { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات} [فاطر : 32]. الثامنة: قوله تعالى { ولينصرن الله من ينصره} أي من ينصر دينه ونبيه. { إن الله لقوي} أي قادر. قال الخطابي : القوي يكون بمعنى القادر، ومن قوي على شيء فقد قدر عليه. { عزيز} أي جليل شريف؛ قال الزجاج. وقيل الممتنع الذي لا يرام؛ وقد بيناهما في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 38 - 40


سورة الحج الايات 40 - 45

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فلو أنهم أُخْرِجوا بحقٍّ كأنْ فعلوا شيئاً يستدعي إخراجهم من ديارهم، كأنْ خدشوا الحياء، أو هددوا الأمْن، أو أجرموا، أو خرجوا على قوانين قبائلهم لكانَ إخراجهُم بحقٍّ.

إنما الواقع أنهم ما فعلوا شيئاً، وليس لهم ذَنْب { إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا.. } [الحج: 40] هذه المقولة اعتبرها القوم ذَنْباً وجريمة تستحق أنْ يخرجوهم بها من ديارهم.

كما قال سبحانه في أهل الأخدود:
{  وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلاَّ أَن يُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ }
[البروج: 8].

وفي آية أخرى:
{  هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِٱللَّهِ.. }
[المائدة: 59].

وفي قصة لوط عليه السلام:
{  قَالُوۤاْ أَخْرِجُوۤاْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ }
[النمل: 56].

إذن: أخرجوهم، لا لأنهم أهل نجاسة ومعصية، إنما لأنهم أناسٌ يتطهَّرون، فالطهارة والعفة جريمتهم التي يُخْرَجُون من أجلها!! كما تقول: لا عيْبَ في فلان إلا أنه كريم، أو تقول: لا كرامةَ في فلان إلا أنه لِصٌّ. فهذه - إذن - صفة لا تمدح، وتلك صفة لا تذم.

لقد قلب هؤلاء الموازين، وخالفوا الطبيعة السويّة بهذه الأحكام الفاسدة التي تدل على فساد الطباع، وأيّ فساد بعد أنْ قَلَبوا المعايير، فكرهوا ما يجب أنْ يُحب، وأحبوا ما يجب أن يكره؟ ولا أدلَّ على فساد طبائعهم من عبادتهم لحجر، وترْكهِم عبادة خالق السماوات والأرض.

ثم يقول تعالى: { وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً.. } [الحج: 40]

وفي آية أخرى يُبيِّن الحق سبحانه نتيجة انعدام هذا التدافع:
{  وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ.. }
[البقرة: 251].

والفساد إنْ حدث بين الناس في حركة الحياة فيمكن أنْ يُعوَّض ويُتدارك، أما إنْ تعدّى الفساد إلى مُقوِّمات اليقين الإيماني في الأرض فَكرِه الناس ما يربطهم بالسماء، وهدموا أماكن العبادة، فهذه الطامة والفساد الذي لا صلاحَ بعده، فكأن الآيتين تصوران نوعاً من الإيغال في الفساد، والاتّضاع في الجرائم.

وتفسد الأرض حين ينعدم هذا التدافع، كيف؟ هَبْ أن ظالماً مسْتبداً في بلد ما يستعبد الناس ويمتصّ خيراتهم بل ودماءهم دون أنْ يردَّه أحد، لا شكَّ أن هذا سيُحدث في المجتمع تهاوناً وفوضى، ولن يجتهد أحد فوق طاقته، ولمن سيعمل وخيره لغيره؟ وهذا بداية الفساد في الأرض.

فإنْ قُلْنا: هذا فساد بين الناس في حركة حياتهم يمكن أنْ يصلح فيما بعد، فما بالك إن امتدَّ الفساد إلى أماكن الطاعات والعبادات، وقطع بين الناس الرباط الذي يربطهم بالسماء؟

إنْ كان الفساد الأول قابلاً للإصلاح، ففساد الدين لا يصلح، لأنك خرَّبْتَ الموازين التي كانت تُنظِّم حركة الحياة، فأصبح المجتمع بلا ميزان وبلا ضوابط يرجع إليها.

ونلْحظُ في قوله تعالى: { وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ.. } [الحج: 40] جاءت قضية عامة لكل الناس، فلم يخصْ طائفة دون أخرى، فلم يَقُلْ مثلاً: لولا دَفْع الله الكافرين بالمؤمنين، إنما قال مُطلْق الناس؛ لأنها قضية عامة يستوي فيها الجميع في كل المجتمعات.

كذلك جاءت كلمة (بعض) عامة؛ لتدل على أن كلاَ الطرفين صالح أن يكون مدفوعاً مرة، ومدفوعاً عنه أخرى، فَهُمْ لبعض بالمرصاد: مَنْ أفسد يتصدى له الآخر لِيُوقِفه عند حَدِّه، فليس المراد أن طائفة تدفع طائفة على طول الخط.

ومثال ذلك قوله تعالى:
{  وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ.. }
[الزخرف: 32] دون أنْ يُحدِّد أيّهما مرفوع، وأيهما مرفوع عليه؛ لأن كلاً منهما مرفوع في شيء، ومرفوع عليه في شيء آخر؛ ذلك لأن العباد كلهم عيال الله، لا يُحابي منهم أحداً على أحد.

انظر الآن إلى قوة روسيا في الشرق وقوة أمريكا في الغرب، إنهما مثال لقوله تعالى: { وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ.. } [الحج: 40] فكلٌّ منهما تقف للأخرى بالمرصاد، ترقبها وترصُد تحركاتها وتقدّمها العسكري، وكأن الله تعالى جعلها لحماية سلامة الآخرين أنْ تقف كُلٌّ منهما موقفَ الحذَر والخوف من الأخرى.

وهذا الخوف والترقُّب والإعداد هو الذي يمنع اندلاع الحرب بينهما، فما بالك لو قامت بينهما حرب أسفرت عن منتصر ومهزوم؟ لا بُدَّ أن المنتصر سيعيثُ في الأرض فساداً ويستبد بالآخرين، ويستشري ظُلْمه لعدم وجود مَنْ يُردِعه.

ومن رحمة الله بالمؤمنين أنْ يكيد الظالمين بالظالمين بكل ألوانهم وفنونهم، ويؤدِّب الظالم بمَنْ هو أشد منه ظُلْماً؛ ليظلّ أهلُ الخير بعيدين عن هذه المعركة، لا يدخلون طَرَفاً فيها؛ لأن الأخيار لا يصمدون أمام هذه العمليات، لأنهم قوم رِقَاق القلوب، لا تناسبهم هذه القسوة وهذه الغِلْظة في الانتقام.

اقرأ قول الله تعالى:
{  وَكَذٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ ٱلظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ }
[الأنعام: 129].

وهكذا يُوفِّر الله أهل الخير، ويحْقِن دماءهم، ويُريح أولياءه من مثل هذه الصراعات الباطلة.

لذلك لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخولَ المنتصر، بعد أنْ أخرجه قومه منها، وبعد أنْ فعلوا به وبأصحابه الأفاعيل، كيف دخلها وهو القائد المنتصر الذي تمكَّن من رقاب أعدائه؟

دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة مُطأطيء الرأس، حتى لتكاد رأسه تلمس قربوس السرج الذي يجلس عليه، تواضعاً منه صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك قال أبو سفيان لما رأى رسول الله في هذا الموقف، قال للعباس: لقد أصبح مُلْك ابن أخيك عظيماً.

وبعد أن تمكَّن رسول الله من كفار مكة، وكان باستطاعته القضاء عليهم جميعهم، قال: " يا معشر قريش، ما تظنُّون أَنِّي فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال: فاذهبوا فأنتم الطلقاء ".

فأيُّ رحمة هذه؟ وأيُّ لين هذا الذي جعله الله في قلوب المؤمنين؟ وهل مِثْل هذا الدين يُعارَض ويُنْصَرف عنه؟

إذن: يُسلِّط الحق - تبارك وتعالى - الأشرار بعضهم على بعض، وهذه آية نراها في الظالمين في كل زمان ومكان، ويجلس الأخيار يرقبون مثل هذه الصراعات التي يُهلِك الله فيها الظالمين بالظالمين.ثم يقول سبحانه وتعالى: { لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ.. } [الحج: 40] صوامع جمع صومعة، وهي مكان خاصٌّ للعبادة عند النصارى، وعندهم مُتعبَّد عام يدخله الجميع هو الكنائس، أما الصَّومعة فهي مكان خاص لينفرد فيه صاحبه وينقطع للعبادة، ولا تكون الصَّوْمعة في حضر، إنما تكون في الجبال والأودية، بعيداً عن العمران لينقطع فيها الراهب عن حركة حياة الناس، وهي التي يسمونها الأديرة وتوجد في الأماكن البعيدة.

وقد حرم الإسلام الرهبانية بهذا المعنى؛ لأنها رهبانية ما شرّعها الله، كما قال سبحانه:
{  وَرَهْبَانِيَّةً ٱبتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ رِضْوَانِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.. }
[الحديد: 27].

ومعنى: { وَبِيَعٌ.. } [الحج: 40] البِيعَ هي الكنائس.

فالحق - سبحانه وتعالى - مَا نَعَى عليهم الانقطاع للعبادة، لكن نعى عليهم انقطاعهم عن حركة الحياة، وأسباب العيش؛ لذلك قال:
{  فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.. }
[الحديد: 27].

وقد أباح الإسلام أيضاً الترهُّب والانقطاع للعبادة، لكن شريطة أن تكون في جَلْوة يعني: بين الناس، لا تعتزل حركة الحياة، إنما تعبَّد الله في كل حركة من حركات حياتك، وتجعل الله تعالى دائماً في بالك ونُصْب عينيك في كُلِّ ما تأتي، وفي كل ما تدَع، إذن: هناك فَرْق بين مَنْ يعبد الله في خَلْوته، ومَنْ يعبد الله في جَلْوته.

لذلك سيدنا عمر - رضي الله عنه - قال عن الرجل الذي لازم المسجد للعبادة وعرف أن أخاه يتكفّل به ويُنفق عليه، قال: أخوه أعبد منه. كيف؟

قالوا: لأنك تستطيع أنْ تجعل من كل حركة لك في الحياة عبادة، حين تُخِلص النية فيها لله عز وجل. ولك أن تقارن بين مؤمن وكافر، كلاهما يعمل ويجتهد لِيقُوتَ نفسه وأهل بيته، ويحيا الحياة الكريمة، وهذا هدف الجميع من العمل، لكن لو أن المؤمن اقتصر في عمله على هذا الهدف لاستوى مع الكافر تماماً.

إنما للمؤمن فوق هذا مقاصد أخرى تكمن في نيته وضميره، المؤمن يفعل على قَدْر طاقته، لا على قَدْر حاجته، ثم يأخذ ما يحتاج إليه ويُنفِق من الباقي ويتصدَّق على مَنْ لا يقدر على الحركة الحياتية.

لذلك يقول الحق سبحانه وتعالى:
{  قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُّعْرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ }
[المؤمنون: 1 - 4] هل يعني: مُؤدُّون فقط؟ لا، بل إن المؤمن يتحرك ويعمل ويسعى، وفي نيته مَنْ لا يقدر على السَّعْي والعمل، فكأنه يُقبل على العمل ويجتهد فيه، وفي نيته أنْ يعمل شيئاً لله بما يفيض عن حاجته من ناتج عمله وهذا ما يُميِّز المؤمن في حركة الحياة عن الكافر.وأذكر مرة أننا جئنا من الريف في الشتاء في الثلاثينيات لزيارة سيدنا الشيخ الحافظ التيجاني، وكان مريضاً - رحمه الله ورضي الله عنه - وكان يسكن في حارة، وفضَّلنا أن نأخذ (تاكسي) يُوصِّلنا بدل أن نمشي في وَحْل الشتاء، وعند مدخل الحارة رفض سائق (التاكسي) الدخول وقال: إن أجرة التوصيل لا تكفي لغسيل السيارة وتنظيفها من هذا الوَحْل، وبعد إلحاح وافق وأوصلنا إلى حيث نريد، فأعطيناه ضِعْف أجرته، لكني قبل أن أنصرف قلتُ له: أنت لماذا تعمل على هذا (التاكسي) ولماذا تتعب؟ قال: من أجل مصالحي ومصالح أولادي، فقلت له: وما يُضيرك إنْ زِدْتَ على ذلك وجعلْتَ في نيتك أنْ تُيسِّر بعملك هذا على الناس؟ فاهتمّ الرجل ولبسته الكلمة فقال: والله لا اردُّ راكباً أبداً.

ومعنى:
{  وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ }
[المؤمنون: 4] لم يقل مؤدون؛ لأن
{  فَاعِلُونَ }
[المؤمنون: 4] تعني: أن نيتهم في الفعل أنْ يفعلوا على قَدْر طاقتهم ويجتهدوا لتوفير شيء بعد نفقاتهم يتصدقون منه.

إذن: حرَّم الإسلام الرهبانية التي تَحرِم المجتمع من مشاركة الإنسان فقال صلى الله عليه وسلم: " لا رهبانية في الإسلام " لأنه اعتبر كل حركة مقصودٍ منها صالحُ المجتمع كله حركةً إيمانية عبادية، ومن هنا كان العمل عبادة.

وقد وضع العلماء شروطاً لمَنْ أراد الانقطاع للعبادة: أولها: ألاَّ يأخذ نفقته من أحد، بمعنى أن يعمل أولاً لِيُوفِّر احتياجاته طوال فترة انقطاعه، وصدق (إقبال) حين قال:
لَيْسَ زُهْداً تصوف من تقي   فرَّ من غَمْرة الحيَاةِ بدين
إنما يُعرَفُ التصَوفُ في الـ   سُّوق بمالٍ ومَطْمعٍ وفُتُون
ثم يقول تعالى: { وَصَلَوَاتٌ.. } [الحج: 40] وهذه لليهود يُسمُّون مكان التعبد: صَالوتاً. لكن، لماذا لم يرتبها القرآن ترتيباً زمنياً، فيقول: لهدمت صلوات وصوامع وبيع؟ قالوا: لأن القرآن يُؤرِّخ للقريب منه فالأبعد.

{ وَمَسَاجِدُ.. } [الحج: 40] وهذه للمسلمين { يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً.. } [الحج: 40].

وما دام الحق سبحانه ذكر المساجد بعد الفعل { لَّهُدِّمَتْ.. } [الحج: 40] فهذا دليل على أنه لا بُدَّ أن يكون للمسلمين مكان يُحكر للعبادة، وإنْ جُعِلَتْ الأرض كلها لهم مسجداً وطَهُوراً، ومعنى ذلك أنْ تصلي في أيِّ بقعة من الأرض، وإنْ عُدِم الماء تتطهر بترابها، وبذلك تكون الأرض مَحَلاً للعبادة ومَحَلاً لحركة الحياة وللعمل وللسَّعْي، فيمكنك أن تباشر عملك في مصنعك مثلاً وتُصلِّي فيه، لكن الحق سبحانه يريد منا أن نُخصِّص بعض أرضه ليكون بيتاً له تنقطع منه حركة الحياة كلها، ويُوقَف فقط لأمور العبادة.

لذلك قال صلى الله عليه وسلم: " مَنْ بنى لله مسجداً ولو كمِفْحَصِ قَطَاةٍ بنى الله له بيتاً في الجنة ".

فقوله تعالى: { لَّهُدِّمَتْ.. وَمَسَاجِدُ.. } [الحج: 40] تدل على مكان خاص للعبادة وإلاَّ لو اعتُبرَتْ الأرضُ كلها مسجداً، فماذا تهدم؟

وعليه، فكل مكان تُزاوَل فيه أمورٌ غير العبادة لا يُعتبر مسجداً، كأماكن الصلاة التي يتخذونها تحت العمارات السكنية، هذه ليست مساجد، والصلاة فيها كالصلاة في الشارع وفي البيت؛ لأن المسجد (مكان) وما يُبنى عليه (مكين).والمسجدية تعني: المكان من الأرض إلى السماء، بدليل أننا في بيت الله الحرام نصلي فوق سطح المسجد، ونتجه لجوِّ الكعبة، لا للكعبة ذاتها، لماذا؟ لأن جَوَّ الكعبة إلى السماء كعبة، وكذلك لو كنا في مخابيء أو في مناجم تحت الأرض؛ لأن ما تحت الكعبة من الأرض كعبة. وكذلك في المسْعَى مَسْعَى.

إذن: المسجد ما حُكِر للعبادة، وخُصِّص للمسجدية من أرضه إلى سمائه، وهذا لا يُمارس فيه عمل دنيوي ولا تُعقد فيه صفقة.. إلخ.

أما أنْ نجعل المسجد تحت عمارة سكنية، وفوق المسجد مباشرة يباشر الناس حياتهم ومعيشتهم بما فيها من هَرج ولَهْو، حلال وحرام، وطهارة ونجاسة، ومعاشرة زوجية.. إلخ فهذا كله يتنافى مع المسجدية التي جعلها الله حِكْراً للعبادة من الأرض إلى السماء. فلنُسَمِّ هذه الأماكن: مُصلّى. ولا نقول: مسجد.

ثم يصف الحق سبحانه المساجد بقوله: { يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ كَثِيراً.. } [الحج: 40] لأن ذِكْر الله في المساجد دائم لا ينقطع، ونحن لا نتحدث عن مسجد، ولا عن مساجد قُطْر من الأقطار، إنما المراد مساجد الدنيا كلها من أقصى الشرق لأقصى الغرب، ومن الشمال للجنوب.

ولو نظرتَ إلى أوقات الصلوات لرأيتَ أنها مرتبطة بحركة الفلك وبالشمس في الشروق، وفي الزوال، وفي الغروب، وباعتبار فارق التوقيت في كل بلاد الله تجد أن ذِكْر الله دائم لا ينقطع أبداً في ليل أو نهار، فأنت تُؤذِّن للصلاة، وغيرُك يقيم، وغيركما يصلي، أنت تصلي الظهر، وغيرك يصلي الصبح أو العصر، بل أنت في الركعة الأولى من الصبح، وغيرك في الركعة الثانية، أنت تركع وغيرك يسجد.

إذن: هي منظومة عبادية دائمة في كل وقت، ودائرة في كل مكان من الأرض، فلا ينفكّ الكون ذاكراً لله. أليس هذا ذِكْراً كثيراً؟ أليستْ كلمة (الله أكبرُ) دائرة على ألسنة الخلق لا تنتهي أبداً؟

ثم لما كان دَفْع الله الناسَ بعضهم ببعض ينتج عنه معركة تُسْفر عن منتصر ومنهزم، قال سبحانه: { وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ.. } [الحج: 40] فإنْ كان التدافع بين الكفار فإنه لا ينتهي، وإنْ كان بين حقٍّ لله وباطل حكم الله بأنه باطل لا بُدَّ أن تنتهي بنُصْرة الحق، وغالباً لا تطول هذه المعركة؛ لأن الحق دائماً في حضانة الله، إنما تطول المعارك بين باطل وباطل، فليس أحدهما أَوْلَى بنُصْرة الله من الآخر، فيظل كل منهما يطحن في الآخر، وإنْ لم تكن حرباً ساخنة كانت حرباً باردة، لماذا؟ لأنه لا يوجد قويٌّ لا هوى له يستطيع أن يفصل فيها، وطالما تدخّل الهوى تستمر المعركة.يبقى في القسمة العقلية المعركة بين حق وحق، وهذه لا وجودَ لها؛ لأن الحق واحد في الوجود، فلا يمكن أنْ يحدث تصادم أبداً بين أهل الحق.

والحق - تبارك وتعالى - في نُصْرته لأوليائه يستطيع أن ينصرهم دون حرب، ويُهلك أعداءهم، لكن الحق سبحانه يريد أنْ يأخذوا هم بأسباب النصر؛ لذلك يُعلّمهم أصول هذه المسألة، فيقول سبحانه:
{  فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰ إِذَآ أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَآءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لِّيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ.. }
[محمد: 4].

ومعنى
{  أَثْخَنتُمُوهُمْ.. }
[محمد: 4] يعني: جعلتموهم لا يقدرون على الحركة
{  فَشُدُّواْ ٱلْوَثَاقَ.. }
[محمد: 4] لا تُجهِزوا عليهم، ولا تقتلوهم، إنما شُدُّوا قيودهم واستأسِروهم، وهذه من رحمة الإسلام وآدابه في الحروب، فليس الهدف القتل وإزهاق الأرواح ثم
{  فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءً.. }
[محمد: 4] مَنّاً إنْ كان هناك تبادل للأسرى. فأنت تمنُّ وهو يمنُّ. والفداء أنْ يفدي نفسه.

وكانت هذه المسألة حجة لنا حينما نتحدث عن الرقِّ في الإسلام، ونرد على هؤلاء الذين يحلو لهم اتهام الإسلام، ويستخدمون في ذلك السفسطة والمراوغة اللغوية لإقناع الناس بأن الإسلام ساهم في نِشْر الرقِّ والعبودية.

ونقول: لقد جاء الإسلام والرق موجود ومنتشر لم يُشرِّعه الإسلام، ولم يُوجِدْه بداية، حيث كانت أسباب الرق كثيرة، وأسباب الاستعباد متعددة: فَمنْ تحمّل دَيْناً وعجز عن سدادة يُسْتعبد لصاحب الدين، ومَنْ عمل ذنباً وخاف من عقوبته أخذوه عبداً، ومَنْ اختطفه الأشرار في الطريق جعلوه عبداً.. إلخ.

فلما جاء الإسلام عمل على سَدِّ منابع الرقِّ هذه، وجعل الرقَّ مقصوراً على الحرب المشروعة. ثم فتح عدة مصارف شرعية للتخلُّص من الرق القائم، حيث لم يكُنْ موجوداً من أبواب العتق إلا إرادة السيد في أنْ يعتق عبده، فأضاف الإسلام إلى هذا الباب أبواباً أخرى، فجعل العتق كفارة لبعض الذنوب، وكفارة لليمين، وكفارة للظِّهار، وحثَّ على الصدقة في سبيل العتق، ومساعدة المكاتب الذي يريد العتق ويسعى إليه.. إلخ.

فإذا لم تعتق عبدك، فلا أقل من أن تطعمه من طعامك، وتُلْبسه من ملبسك، ولا تُحمِّله ما لا يطيق، وإنْ حمَّلْته فأعِنْه، وكما يقول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما هم إخوانكم ".

ونلاحظ على الذين يعيبون على الإسلام مسألة الرقِّ في الحروب أنهم يقارنون بين الرِّق والحرية، لكن المقارنة هنا ليستْ كذلك، المقارنة هنا بين الرق والقتل؛ لأنه لا يُسترقّ إلا مَنْ قدر المسترقُّ عليه وتمكَّن منه في المعركة، وكان باستطاعته قَتْله، لكن رحمة الله بعباده منعتْ قتله، وأباحت أَخْذه رقيقاً، فالنفعية للمقاتل المنتصر يقابلها حَقْن دم الآخر، ثم بعد انتهاء الحرب نحثُّ على عتقه، ونفتح له أبواب الحرية.

إذن: لا تقارن بين عبد وحر، إنما قارن بين العبودية والقتل: أيهما أقلّ ضرراً؟

لذلك قال تعالى:
{  قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }
[التوبة: 14 - 15].

هذه نتائج سِتٌّ للأمر
{  قَاتِلُوهُمْ.. }
[التوبة: 14] وجواب الأمر مجزوم بالسكون كما في (يُعذِّبْهم) ومجزوم بحذف حرف العلة كما في (وَيُخْزِهِم)، والخزي لأنهم كانوا مغترين بقوتهم، ولديهم جبروت مفتعل، يظنون أَلاَّ يقدر عليهم أحد، وكذلك في: ينصركم، ويشف، ويذهب.

ثم قطع السياقُ الحكمَ السابق، واستأنف كلاماً جديداً، وإنْ كان معطوفاً على ما قبله في اللفظ، وهذا مظهر من مظاهر الدقة في الأداء القرآني، ومَلْحَظ لرحمة الله تعالى حتى بالكفار، فقال تعالى:
{  وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ.. }
[التوبة: 15] هكذا بالرفع، لا بالجزم فقطع الفعل (يتوب) عما قبله؛ لأن الله تعالى لم يشأ أن يشرِّك بينهم حتى في جواب الأمر.

وحتى على اعتبار أنهم هُزِمُوا، وكُسِرت شوكتهم، وضاعتْ هيبتهم، لعلهم يفيقون لأنفسهم، ويعودون للحق، وهذه من رحمة بالكافرين في معاركهم مع الإيمان.

لكن، لماذا يتوب الله على الكفار ويرحمهم وهم أعداء دينه وأعداء نبيه؟ قالوا: لأنه سبحانه وتعالى ربهم وخالقهم، وهم عباده وعياله، وهو أرحم بهم، ومرادات الله في الخَلْق أن يكونوا جميعاً طائعين.

لذلك، يقول سبحانه في الحديث القدسي: " قالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كسفاً على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت الأرض: يا رب ائذن لي أن أخسف بابن آدم فقد طَعِم خيرك ومنع شكرك، وقالت الجبال: يا رب ائذن لي أن أسقط على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك، وقالت البحار: يا رب ائذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك " ".

فالكون كله ناقم على الكافرين، متمرد على العصاة، مغتاظ منهم، فماذا قال الحق - تبارك وتعالى - لهم؟ قال سبحانه: " دعوني وخَلْقي، لو خلقتموهم لرحمتموهم، فإنْ تابوا إليَّ، فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم ".

نعود إلى قوله تعالى: { وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ.. } [الحج: 40] وما دام أن النصر من عند الله فإياكم أنْ تبحثوا في القوة أو تقيسوا قوتكم بقوة عدوكم، فلربك عز وجل جنود لا يعلمها إلا هو، ووسائل النصر وأنت في حضانة الله كثيرة تأتيك من حيث لا تحتسب وبأهْون الأسباب، أقلّها أن الله يُريكم أعداءكم قليلاً ويُكثِّر المؤمنين في أعين الكافرين ليفتَّ ذلك في عَضُدهم ويُرهبهم ويُزعزع معنوياتهم، وقد يحدث العكس، فيرى الكفار المؤمنين قليلاً فيجترئون عليهم، ويتقدمون، ثم تفاجئهم الحقيقة.

إذن:
{  وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ.. }
[المدثر: 31] فلا تُعوِّل فقط على قوتك وتحسب مدى تكافُئِك مع عدوك، دَعْكَ من هذه الحسابات، وما عليك إلا أنْ تستنفد وسائلك وأسبابك، ثم تدع المجال لأسباب السماء.وأقلُّ جنود ربك أنْ يُلقي الرعب في قلوب أعدائك، وهذه وحدها كافية، ويُرْوى أنهم في إحدى المعارك الإسلامية تغيرت رائحة أفواه المسلمين، وأحسُّوا فيها بالمرارة لطول فترة القتال، فأخرجوا السواك يُنظفِّون أسنانهم، ويُطيِّبون أفواههم، عندها قال الكفار: إنهم يسنُّون أسنانهم ليأكلونا، وقذف الله في قلوبهم الرعب من حيث لا يدرون.

ثم يقول تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } [الحج: 40] عزيز: يعني لا يُغلب، وما دام أن الله تعالى ينصر مَنْ نصره فلا بُدَّ أن تنتهي المعركة بالنصر مهما خارتْ القوى ومهما ضَعُفتْ، ألم يكُن المسلمون في مكة ضعفاء مضطهدين، لا يستطيع واحد منهم أن يرفع رأسه بين الكفار؟

ولما نزل قول الله تعالى وهم على هذه الحال:
{  سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }
[القمر: 45] تعجب عمر بفراسته وعبقريته: أيُّ جمع هذا الذي سيُهزم ونحن غير قادرين حتى حماية أنفسنا؟ فلما رأى يوم بدر قال: صدق الله
{  سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ }
[القمر: 45].

فما دام أن الله قوي عزيز فلا بُدَّ أن ينصركم، وهذه مسألة محكوم بها أزلاً:
{  كَتَبَ ٱللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي.. }
[المجادلة: 21].

فإذا تمَّتْ لكم الغَلَبة، فاعلموا أن لك دَوْراً، أَلاَ وهو: { ٱلَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَـاةَ.. }

.


www.alro7.net