سورة
اية:

الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ

تفسير بن كثير

عن عائشة قالت: أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء فكان يأتي حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى فجأه الوحي، وهو في غار حراء فجاءه الملك فيه، فقال: اقرأ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (فقلت: ما أنا بقارئ - قال - فأخذني فغطّني، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثانية، حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطّني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ باسم ربك الذي خلق - حتى بلغ - ما لم يعلم). قال: فرجع بها ترجف بوادره، حتى دخل على خديجة فقال: (زمّلوني زمّلوني)، فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع فقال: يا خديجة: (مالي)؟! وأخبرها الخبر، وقال: (قد خشيت على نفسي). فقالت له: (كّلا أبشر فواللّه لا يخزيك اللّه أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق)، ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة أخي أبيها، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء اللّه أن يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بما رأى فقال ورقة: هذا الناموس الذي أُنزل على موسى، ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيًّا حين يخرجك قومك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أو مخرجيَّ هم؟) فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي) ""أخرجه الشيخان والإمام أحمد واللفظ له"". فأول شيء نزل من القرآن هذه الآيات الكريمات المباركات، وهن أول رحمة رحم اللّه بها العباد، وأول نعمة أنعم اللّه بها عليهم، وفيها التنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقة، وأن من كرمه تعالى أن علّم الإنسان ما لم يعلم فشرّفه وكرّمه بالعلم، وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم على الملائكة؛ والعلم تارة يكون في الأذهان، وتارة يكون في اللسان، وتارة يكون في الكتابة بالبنان وفي الأثر: قيدوا العلم بالكتابة ذهني، ولفظي، ورسمي، فلهذا قال: { اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم} ، وفي الأثر: من عمل بما علم ورّثه اللّه علم ما لم يكن يعلم.

تفسير الجلالين

{ الذي علم } الخط { بالقلم } وأول من خط به إدريس عليه السلام.

تفسير الطبري

{ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } : خَلْقَهُ الْكِتَاب وَالْخَطّ , كَمَا : أَنَّ الْحَدِيث تَقَدَّمَ بَيَانه { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ } : خَلْقَهُ الْكِتَاب وَالْخَطّ , كَمَا : أَنَّ الْحَدِيث تَقَدَّمَ بَيَانه'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { الذي علم بالقلم} يعني الخط والكتابة؛ أي علم الإنسان الخط بالقلم. وروى سعيد عن قتادة قال : القلم نعمة من اللّه تعالى عظيمة، لولا ذلك لم يقم دين، ولم يصلح عيش. فدل على كمال كرمه سبحانه، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبه على فضل علم الكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو. وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين ومقالاتهم، ولا كتب اللّه المنزلة إلا بالكتابة؛ ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا. وسمي قلما لأنه يقلم؛ أي يقطع، ومنه تقليم الظفر. وقال بعض الشعراء المحدثين يصف القلم : فكأنه والحبر يخضب رأسه ** شيخ لوصل خريدة يتصنع لم لا ألاحظه بعين جلالة ** وبه إلى الله الصحائف ترفع وعن عبدالله بن عمر قال : يا رسول اللّه، أأكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال : (نعم فاكتب، فإن اللّه علم بالقلم). وروى مجاهد عن أبي عمر قال : خلق اللّه عز وجل أربعة أشياء بيده، ثم قال لسائر الحيوان : كن فكان : القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عليه السلام. وفيمن علمه بالقلم ثلاثة أقاويل : أحدها : أنه آدم عليه السلام؛ لأنه أول من كتب، قاله كعب الأحبار. الثاني : أنه إدريس، وهو أول من كتب. قال الضحاك. الثالث : أنه أدخل كل من كتب بالقلم؛ لأنه ما علم إلا بتعليم اللّه سبحانه، وجمع بذلك نعمته عليه في خلقه، وبين نعمته عليه في تعليمه؛ استكمالا للنعمة عليه. الثانية: صح عن النبي صلى اللّه عليه وسلم من حديث أبي هريرة، قال : (لما خلق اللّه الخلق كتب في كتابه - فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي تغلب غضبي). وثبت عنه عليه السلام أنه قال : (أول ما خلق اللّه : القلم، فقال له اكتب، فكتب ما يكون إلى يوم القيامة، فهو عنده في الذكر فوق عرشه).""وفي الصحيح من حديث ابن مسعود"" أنه سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث اللّه إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها، ثم يقول، يا رب، أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول : يا رب أجله، فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول يا رب رزقه، ليقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص، وقال تعالى { إن عليكم لحافظين. كراما كاتبين} [الانفطار : 10] قال علماؤنا : فالأقلام في الأصل ثلاثة : القلم الأول : الذي خلقه اللّه بيده، وأمره أن يكتب. والقلم الثاني : أقلام الملائكة، جعلها اللّه بأيديهم يكتبون بها المقادير والكوائن والأعمال. والقلم الثالث : أقلام الناس، جعلها اللّه بأيديهم، يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم. وفي الكتابة فضائل جمة. والكتابة من جملة البيان، والبيان مما اختص به الآدمي. الثالثة: قال علماؤنا : كانت العرب أقل الخلق معرفة بالكتاب، وأقل العرب معرفة به المصطفى صلى اللّه عليه وسلم؛ صرف عن علمه، ليكون ذلك أثبت لمعجزته، وأقوى في حجته، وقد مضى هذا مبينا في سورة [العنكبوت] . وروى حماد بن سلمة عن الزبير بن عبدالسلام، عن أيوب بن عبدالله الفهري، عن عبدالله بن مسعود، قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لا تسكنوا نساءكم الغرف، ولا تعلموهن الكتابة). قال علماؤنا : وإنما حذرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك، لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجل؛ وليس في ذلك تحصين لهن ولا تستر. وذلك أنهن لا يملكن أنفسهن حتى يشرفن على الرجل؛ فتحدث الفتنة والبلاء؛ فحذرهم أن يجعلوا لهن غرفا ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (ليس للنساء خير لهن من ألا يراهن الرجال، ولا يرين الرجال). وذلك أنها خلقت من الرجل، فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشهوة، وجعلت سكنا له، فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه. وكذلك تعليم الكتابة ربما كانت سببا للفتنة، وذلك إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى. والكتابة عين من العيون، بها يبصر الشاهد الغائب، والخط هو آثار يده. وفي ذلك تعبير عن الضمير بما لا ينطلق به اللسان، فهو أبلغ من اللسان. فأحب رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن ينقطع عنهن أسباب الفتنة؛ تحصينا لهن، وطهارة لقلوبهن.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي - صوتي

العلق من اية 1 الى 6


www.alro7.net