سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

تفسير بن كثير

ثم إنه تبارك وتعالى ذم الذين ينادونه من وراء الحجرات، وهي بيوت نسائه كما يصنع أجلاف الأعراب فقال: { أكثرهم لا يعقلون} ، ثم أرشد تعالى إلى الأدب في ذلك، فقال عزَّ وجلَّ: { ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم} أي لكان لهم في ذلك الخيرة، والمصلحة في الدنيا والآخرة، ثم قال جلَّ ثناؤه داعياً لهم إلى التوبة والإنابة { واللّه غفور رحيم} وقد ذكر أنها نزلت في الأقرع بن حابس التميمي رضي اللّه عنه نادى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا محمد يا محمد، وفي رواية: يا رسول اللّه، فلم يجبه، فقال: يا رسول اللّه إن حمدي لزين، وإن ذمي لشين، فقال: (ذاك اللّه عزَّ وجلَّ) ""أخرجه الإمام أحمد"". وعن البراء في قوله تبارك وتعالى: { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} قال: جاء رجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: يا محمد، إن حمدي زين وذمي شين، فقال صلى اللّه عليه وسلم: (ذاك اللّه عزَّ وجلَّ) ""أخرجه ابن جرير""، وعن زيد بن أرقم رضي اللّه عنه قال: اجتمع أناس من العرب فقالوا: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يك نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكاً نعش بجناحه، قال: فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأخبرته بما قالوا، فجاءوا إلى حجرة النبي صلى اللّه عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو في حجرته: يا محمد .. يا محمد، فأنزل اللّه تعالى: { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} قال: فأخذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإذني فمدها، فجعل يقول: (لقد صدّق اللّه تعالى يا زيد، لقد صدّق اللّه قولك يا زيد) ""أخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير"".

تفسير الجلالين

{ إن الذين ينادونك من وراء الحجرات } حجرات نسائه صلى الله عليه وسلم جمع حجرة وهي ما يحجر عليه من الأرض بحائط ونحوه، وكان كل واحد منهم نادى خلف حجرة لأنهم لم يعلموه في أي حجرة مناداة الأعراب بغلظة وجفاء { أكثرهم لا يعقلون } فيما فعلوه محلَّك الرفيع وما يناسبه من التعظيم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك يَا مُحَمَّد مِنْ وَرَاء حُجُرَاتك , وَالْحُجُرَات : جَمْع حُجْرَة , وَالثَّلَاث : حُجَر , ثُمَّ تُجْمَع الْحُجَر فَيُقَال : حُجُرَات وَحُجْرَات , وَقَدْ تَجْمَع بَعْض الْعَرَب الْحُجَر : حُجَرَات بِفَتْحِ الْجِيم , وَكَذَلِكَ كُلّ جَمْع كَانَ مِنْ ثَلَاثَة إِلَى عَشْرَة عَلَى فُعَل يَجْمَعُونَهُ عَلَى فُعَلَات بِفَتْحِ ثَانِيه , وَالرَّفْع أَفْصَح وَأَجْوَد ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : أَمَا كَانَ عَبَّاد كَفِيئًا لِدَارِمِ بَلَى , وَلِأَبْيَاتٍ بِهَا الْحُجُرَات يَقُول : بَلَى وَلِبَنِي هَاشِم . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي بَعْدهَا نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْأَعْرَاب جَاءُوا يُنَادُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاء حُجُرَاته : يَا مُحَمَّد اُخْرُجْ إِلَيْنَا . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 24530 -حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّار الْمَرْوَزِيّ , وَالْحَسَن بْن الْحَارِث , قَالَا : ثَنَا الْفَضْل بْن مُوسَى , عَنْ الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ حَمْدِي زَيْن , وَإِنَّ ذَمِّي شَيْن , فَقَالَ : " ذَاكَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى " . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بِمِثْلِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : ذَاكُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . 24531 -حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , قَالَ : سَمِعْت دَاوُد الطُّفَاوِيّ يَقُول : سَمِعْت أَبَا مُسْلِم الْبَجَلِيّ يُحَدِّث عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم , قَالَ : جَاءَ أُنَاس مِنْ الْعَرَب إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : اِنْطَلِقُوا بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُل , فَإِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَنَحْنُ أَسْعَد النَّاس بِهِ , وَإِنْ يَكُنْ مَلَكًا نَعِشْ فِي جَنَاحه ; قَالَ : فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخْبَرْته بِذَلِكَ , قَالَ : ثُمَّ جَاءُوا إِلَى حُجَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ . يَا مُحَمَّد , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات أَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } قَالَ : فَأَخَذَ نَبِيّ اللَّه بِأُذُنِي فَمَدَّهَا , فَجَعَلَ يَقُول : " قَدْ صَدَّقَ اللَّه قَوْلك يَا زَيْد , قَدْ صَدَّقَ اللَّه قَوْلك يَا زَيْد " . 24532 -حَدَّثَنَا الْحَسَن ابْن أَبِي يَحْيَى الْمُقَدِّمِيّ , قَالَ : ثَنَا عَفَّان , قَالَ : ثَنَا وُهَيْب , قَالَ : ثَنَا مُوسَى بْن عُقْبَة , عَنْ أَبِي سَلَمَة , قَالَ : ثَنِي الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَادَاهُ , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ مَدْحِي زَيْن , وَإِنَّ شَتْمِي شَيْن ; فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " وَيْلك ذَلِكَ اللَّه " فَأَنْزَلَ اللَّه { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } . .. الْآيَة ( 2 ) . 24533 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } : أَعْرَاب بَنِي تَمِيم . 24534 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَادَاهُ مِنْ وَرَاء الْحُجَر , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ مَدْحِي زَيْن , وَإِنَّ شَتْمِي شَيْن ; فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " وَيْلك ذَلِكَ اللَّه " فَأَنْزَلَ اللَّه { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات أَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } . 24535 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } ... الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يُنَادِي يَا نَبِيّ اللَّه يَا مُحَمَّد , فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " مَا شَأْنك " ؟ فَقَالَ : وَاَللَّه إِنَّ حَمْده لَزَيْن , وَإِنَّ ذَمّه لَشَيْن , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَذَاكُمْ اللَّه " , فَأَدْبَرَ الرَّجُل , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُل كَانَ شَاعِرًا . 24536 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب ابْن أَبِي عَمْرَة , قَالَ : كَانَ بِشْر بْن غَالِب وَلَبِيد بْن عُطَارِد , أَوْ بِشْر بْن عُطَارِد وَلَبِيد بْن غَالِب , وَهُمَا عِنْد الْحَجَّاج جَالِسَانِ , يَقُول بِشْر بْن غَالِب لِلَبِيد بْن عُطَارِد نَزَلَتْ فِي قَوْمك بَنِي تَمِيم { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر , فَقَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِآخِرِ الْآيَة , أَجَابَهُ : { يَمُنُّونَ عَلَيْك أَنْ أَسْلَمُوا } قَالُوا : أَسْلَمْنَا , وَلَمْ يُقَاتِلك بَنُو أَسَد . 24537 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ الْمُبَارَك بْن فَضَالَة , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : " أَتَى أَعْرَابِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاء حُجْرَته , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد , يَا مُحَمَّد ; فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَالَك مَالَك " , فَقَالَ : تَعْلَم أَنَّ مَدْحِي لَزَيْن , وَأَنَّ ذَمِّي لَشَيْن , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ذَاكُمْ اللَّه " , فَنَزَلَتْ { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ فَوْق صَوْت النَّبِيّ } " . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْأَمْصَار بِضَمِّ الْحَاء وَالْجِيم مِنْ الْحُجُرَات , سِوَى أَبِي جَعْفَر الْقَارِئ , فَإِنَّهُ قَرَأَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الْجِيم عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ جَمْع الْحُجْرَة حُجَر , ثُمَّ جَمْع الْحُجَر : حُجُرَات . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا الضَّمّ فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا لِمَا وَصَفْت قَبْل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك يَا مُحَمَّد مِنْ وَرَاء حُجُرَاتك , وَالْحُجُرَات : جَمْع حُجْرَة , وَالثَّلَاث : حُجَر , ثُمَّ تُجْمَع الْحُجَر فَيُقَال : حُجُرَات وَحُجْرَات , وَقَدْ تَجْمَع بَعْض الْعَرَب الْحُجَر : حُجَرَات بِفَتْحِ الْجِيم , وَكَذَلِكَ كُلّ جَمْع كَانَ مِنْ ثَلَاثَة إِلَى عَشْرَة عَلَى فُعَل يَجْمَعُونَهُ عَلَى فُعَلَات بِفَتْحِ ثَانِيه , وَالرَّفْع أَفْصَح وَأَجْوَد ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : أَمَا كَانَ عَبَّاد كَفِيئًا لِدَارِمِ بَلَى , وَلِأَبْيَاتٍ بِهَا الْحُجُرَات يَقُول : بَلَى وَلِبَنِي هَاشِم . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي بَعْدهَا نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْأَعْرَاب جَاءُوا يُنَادُونَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاء حُجُرَاته : يَا مُحَمَّد اُخْرُجْ إِلَيْنَا . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 24530 -حَدَّثَنَا أَبُو عَمَّار الْمَرْوَزِيّ , وَالْحَسَن بْن الْحَارِث , قَالَا : ثَنَا الْفَضْل بْن مُوسَى , عَنْ الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ حَمْدِي زَيْن , وَإِنَّ ذَمِّي شَيْن , فَقَالَ : " ذَاكَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى " . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ الْبَرَاء بِمِثْلِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : ذَاكُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . 24531 -حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , قَالَ : سَمِعْت دَاوُد الطُّفَاوِيّ يَقُول : سَمِعْت أَبَا مُسْلِم الْبَجَلِيّ يُحَدِّث عَنْ زَيْد بْن أَرْقَم , قَالَ : جَاءَ أُنَاس مِنْ الْعَرَب إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : اِنْطَلِقُوا بِنَا إِلَى هَذَا الرَّجُل , فَإِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَنَحْنُ أَسْعَد النَّاس بِهِ , وَإِنْ يَكُنْ مَلَكًا نَعِشْ فِي جَنَاحه ; قَالَ : فَأَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَخْبَرْته بِذَلِكَ , قَالَ : ثُمَّ جَاءُوا إِلَى حُجَر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَجَعَلُوا يُنَادُونَهُ . يَا مُحَمَّد , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات أَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } قَالَ : فَأَخَذَ نَبِيّ اللَّه بِأُذُنِي فَمَدَّهَا , فَجَعَلَ يَقُول : " قَدْ صَدَّقَ اللَّه قَوْلك يَا زَيْد , قَدْ صَدَّقَ اللَّه قَوْلك يَا زَيْد " . 24532 -حَدَّثَنَا الْحَسَن ابْن أَبِي يَحْيَى الْمُقَدِّمِيّ , قَالَ : ثَنَا عَفَّان , قَالَ : ثَنَا وُهَيْب , قَالَ : ثَنَا مُوسَى بْن عُقْبَة , عَنْ أَبِي سَلَمَة , قَالَ : ثَنِي الْأَقْرَع بْن حَابِس التَّمِيمِيّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَادَاهُ , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ مَدْحِي زَيْن , وَإِنَّ شَتْمِي شَيْن ; فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " وَيْلك ذَلِكَ اللَّه " فَأَنْزَلَ اللَّه { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } . .. الْآيَة ( 2 ) . 24533 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } : أَعْرَاب بَنِي تَمِيم . 24534 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَادَاهُ مِنْ وَرَاء الْحُجَر , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد إِنَّ مَدْحِي زَيْن , وَإِنَّ شَتْمِي شَيْن ; فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " وَيْلك ذَلِكَ اللَّه " فَأَنْزَلَ اللَّه { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات أَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } . 24535 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } ... الْآيَة , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا جَعَلَ يُنَادِي يَا نَبِيّ اللَّه يَا مُحَمَّد , فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : " مَا شَأْنك " ؟ فَقَالَ : وَاَللَّه إِنَّ حَمْده لَزَيْن , وَإِنَّ ذَمّه لَشَيْن , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَذَاكُمْ اللَّه " , فَأَدْبَرَ الرَّجُل , وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُل كَانَ شَاعِرًا . 24536 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب ابْن أَبِي عَمْرَة , قَالَ : كَانَ بِشْر بْن غَالِب وَلَبِيد بْن عُطَارِد , أَوْ بِشْر بْن عُطَارِد وَلَبِيد بْن غَالِب , وَهُمَا عِنْد الْحَجَّاج جَالِسَانِ , يَقُول بِشْر بْن غَالِب لِلَبِيد بْن عُطَارِد نَزَلَتْ فِي قَوْمك بَنِي تَمِيم { إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَك مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } فَذَكَرْت ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْن جُبَيْر , فَقَالَ : أَمَا إِنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِآخِرِ الْآيَة , أَجَابَهُ : { يَمُنُّونَ عَلَيْك أَنْ أَسْلَمُوا } قَالُوا : أَسْلَمْنَا , وَلَمْ يُقَاتِلك بَنُو أَسَد . 24537 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا مَهْرَان , عَنْ الْمُبَارَك بْن فَضَالَة , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : " أَتَى أَعْرَابِيّ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَرَاء حُجْرَته , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد , يَا مُحَمَّد ; فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " مَالَك مَالَك " , فَقَالَ : تَعْلَم أَنَّ مَدْحِي لَزَيْن , وَأَنَّ ذَمِّي لَشَيْن , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ذَاكُمْ اللَّه " , فَنَزَلَتْ { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتكُمْ فَوْق صَوْت النَّبِيّ } " . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { مِنْ وَرَاء الْحُجُرَات } فَقَرَأَتْهُ قُرَّاء الْأَمْصَار بِضَمِّ الْحَاء وَالْجِيم مِنْ الْحُجُرَات , سِوَى أَبِي جَعْفَر الْقَارِئ , فَإِنَّهُ قَرَأَ بِضَمِّ الْحَاء وَفَتْح الْجِيم عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ جَمْع الْحُجْرَة حُجَر , ثُمَّ جَمْع الْحُجَر : حُجُرَات . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة عِنْدنَا الضَّمّ فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا لِمَا وَصَفْت قَبْل .' وَقَوْله : { أَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } يَقُول : أَكْثَرهمْ جُهَّال بِدِينِ اللَّه , وَاللَّازِم لَهُمْ مِنْ حَقّك وَتَعْظِيمك .وَقَوْله : { أَكْثَرهمْ لَا يَعْقِلُونَ } يَقُول : أَكْثَرهمْ جُهَّال بِدِينِ اللَّه , وَاللَّازِم لَهُمْ مِنْ حَقّك وَتَعْظِيمك .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن الذين ينادونك من وراء الحجرات} قال مجاهد وغيره : نزلت في أعراب بني تميم، قدم الوفد منهم على النبي صلى الله عليه وسلم، فدخلوا المسجد ونادوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجرته أن اخرج إلينا، فإن مدحنا زين وذمنا شين. وكانوا سبعين رجلا قدّموا الفداء ذراري لهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم نام للقائلة. وروي أن الذي نادي الأقرع بن حابس، وأنه القائل : إن مدحي زين وإن ذمي شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (ذاك الله) ذكره الترمذي عن البراء بن عازب أيضا. وروى زيد بن أرقم فقال : أتى أناس النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس باتباعه، وإن يكن ملكا نعش في جنابه. فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو في حجرته : يا محمد، يا محمد، فأنزل الله تعالى هذه الآية. قيل : إنهم كانوا من بني تميم. قال مقاتل كانوا تسعة عشر : قيس بن عاصم، والزبرقان بن بدر، والأقرع بن حابس، وسويد بن هاشم، وخالد بن مالك، وعطاء بن حابس، والقعقاع بن معبد، ووكيع بن وكيع، وعيينة بن حصن وهو الأحمق المطاع، وكان من الجرارين يجر عشرة آلاف قناة، أي يتبعه، وكان اسمه حذيفة وسمي عيينة لشتركان في عينيه ذكر عبدالرزاق في عيينة هذا : أنه الذي نزل فيه { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا} [الكهف: 28]. وقد مضى في آخر [الأعراف] من قول لعمر رضي الله عنه ما فيه كفاية، ذكره البخاري. وروي أنهم وفدوا وقت الظهيرة ورسول الله صلى الله عليه وسلم راقد، فجعلوا ينادونه : يا محمد يا محمد، أخرج إلينا، فاستيقظ وخرج، ونزلت. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : (هم جفاة بني تميم لولا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت الله عليهم أن يهلكهم). والحجرات جمع الحجرة، كالغرفات جمع غرفة، والظلمات جمع ظلمة. وقيل : الحجرات جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع. وفيه لغتان : ضم الجيم وفتحها. قال : ولما رأونا باديا ركباتنا ** على موطن لا نخلط الجد بالهزل والحجرة : الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها. وحظيرة الإبل تسمى الحجرة، وهي فعلة بمعنى مفعولة. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع { الحُجَرات} بفتح الجيم استثقالا للضمتين. وقرئ { الحُجْرات} بسكون الجيم تخفيفا. وأصل الكلمة المنع. وكل ما منعت أن يوصل إليه فقد حجرت عليه. ثم يحتمل أن يكون المنادي بعضا من الجملة فلهذا قال { أكثرهم لا يعقلون} أي إن الذين ينادونك من جملة قوم الغالب عليهم الجهل.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحجرات الايات 1 - 6

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

نزلت هذه الآية في جماعة كان لهم أسرى، فجاءوا يراجعون رسول الله في أمرهم ليطلق سراحهم، لكنهم أخطأوا من عدة وجوه:

أولاً: جاءوا بيت النبي صلى الله عليه وسلم من الوراء ولم يأتوا من الأبواب.

ذلك لأنهم لا يعرفون في أيِّ حجرة يقيم رسول الله، أهو عند عائشة؟ أمن عند حفصة؟ أمن عند أم سلمة؟ وهم يعلمون أن لرسول الله مهمات شتى، له مهمة مع الناس، ومهمة مع أهله، ومهمة قبل ذلك مع ربه.

فكان عليهم إذا لم يظهر لهم رسول الله في المسجد أنْ ينتظروا خروجه وألاَّ يُزعجوه، فهو ولا بدَّ في مهمة من هذه المهمات وربما كان مشغولاً في خلوة مع ربه عز وجل أو مع أهله.

ثانياً: نادوا رسول الله كما ينادي بعضهم بعضاً، ولم يراعوا حرمة رسول الله ومنزلته، لذلك وُصف أكثرهم بأنهم لا يعقلون، فالتعقل يقتضي خلاف هذا التصرف.

{ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ... } [الحجرات: 5] نعم خيراً لهم لأنه صلى الله عليه وسلم بعد أنْ نادوه واضطروه للخروج أطلق نصف الأسرى، وقال: والله لو صبروا حتى أخرج عليهم لأطلقت الأسرى كلهم.

إنما جعل ذلك تأديباً لهم لخروجهم عن اللياقة والأدب في التعامل معه صلى الله عليه وسلم.

{ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الحجرات: 5] لم يأخذهم بالعذاب ورسول الله عاقبهم على قدر أعمالهم حتى لا يكون غضبه لنفسه.

ثم قول الحق سبحانه: { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ... } [الحجرات: 6].

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} . [4].
أخبرنا أحمد بن عبيد الله المَخْلَدِي، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن زياد الدّقّاق، قال: حدَّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى العتكي، قال: حدَّثنا المعتمر بن سليمان، قال: حدَّثنا داود الطفاوي قال: حدَّثنا أبو مسلم البَجَلِيّ، قال: سمعت زيد بن أَرْقَم يقول:
أتى ناس النبي صلى الله عليه وسلم فجعلوا ينادونه وهو في الحجرة يا محمد يا محمد، فأنزل الله تعالى: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} .
وقال محمد بن إسحاق وغيره: نزلت في جُفاة بني تميم، قدم وفد منهم على النبي صلى الله عليه وسلم: فدخلوا المسجد فنادَوا النبي صلى الله عليه وسلم من وراء حجرته: أن أخرج إلينا يا محمد، فإن مدحنا زَيْنٌ، وإن ذمنا شين فآذى ذلك مِنْ صياحهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فقالوا: إنا جئناك يا محمد نفاخرك، ونزل فيهم: { إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} . وكان فيهم: الأقْرَع بن حَابِس، وعُيَيْنَة بن حِصن، والزِّبْرِقَان بن بدر، وقيس بن عاصم.
وكانت قصة هذه المفاخرة على ما أخبرناه أبو إسحاق أحمد بن محمد المقرئ، قال: أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن السّدُوسِي، قال: حدَّثنا الحسن بن صالح بن هانئ، قال: حدَّثنا الفضل بن محمد بن المسيب، قال: حدَّثنا القاسم بن أبي شيبة قال: حدَّثنا مُعَلّى بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا عبد الحميد بن جعفر، عن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبد الله، قال:
جاءت بنو تميم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنادوا على الباب: يا محمد اخرج إلينا فإن مدحنا زَيْن، وإن ذَمَّنا شَيْن. فسمعهم النبي صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم وهو يقول: إنما ذلكم الله الذي مدحه زين، وذمه شين، فقالوا: نحن ناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا نُشَاعِرك ونُفاخرك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بالشعر بعثت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا. فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم فاذكر فضلك وفضل قومك. فقام فقال:
الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالاً نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض، ومن أكثرهم عُدَّة ومالاً وسلاحاً، فمن أنكر علينا قولنا فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفَعَال هو أحسن من فعالنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس بن شِمَاس: قم فأجبه، فقام فقال:
الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، دعا المهاجرين من بني عمه - أحسن الناس وجوهاً وأعظمهم أحلاماً - فأجابوه، فالحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعِزَّاً لدينه، فنحن نقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فمن قالها منع مِنّا نَفْسه وماله، ومن أباها قتلناه، وكان رغمه في الله تعالى علينا هيناً، أقول قولي هذا وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات.
فقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم يا فلان فقل أبياتاً تذكر فيها فضلك وفضل قومك، فقام الشاب فقال:
نحن الكرام فـلا حَيٌّ يُعادلنــا * فينا الرؤوس وفينا تُقْسَمُ الرُّبَعُ
ونطعمُ الناسَ عندَ القحطِ كلَّهم * من السّدِيفِ إِذا لم يؤنس القَزَعُ
إذا أبَيْنَا فلا يأبى لنـا أحــدٌ * إنا كذلك عند الفخرِ نرتفعُ
قال: فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حسان بن ثابت، فانطلق إليه الرسول فقال: وما يريد مني وقد كنت عنده؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم وخطيبهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت بن قيس فأجابهم، وتكلم شاعرهم فأرسل إليك تجيبه. فجاء حسان، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجيبه، فقال حسانٌ: [يا رسول الله مره فليسمعني ما قال، فأنشده ما قال، فقال حسان]:
نصرنا رسولَ الله والديـنَ عَنْوةً * على رغم بادٍ من مَعَدٍّ وحاضـرِ
ألسنا نخوض الموتَ في حَوْمَة الوَغَى * إذا طَابَ وِرْدُ الموتِ بَيْنَ العساكر
ونضرب هام الدَّارعين وَنَنْتَمِــي * إلى حسب من جِذْم غَسَّان قاهـر
فلولا حيــاءُ الله قلْنـا تكَرُّمـا * على الناس بالخَيفين هل من منافر
فأَحياؤُنا مِن خير مَن وطِئَ الحصى * وأمواتنا مِـن خير أهـل المقابـر
قال: فقام الأقْرَع بن حابس فقال: إني والله لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء، وقد قلت شعراً فأسمعه، فقال: هات، فقال:
أتيناك كيما يعرف الناسُ فضلنَـا * إذا فاخرُونا عند ذكـرِ المكـارمِ
وإنا رؤوس الناس في كلّ مَعْشَـرٍ * وأن ليس في أرض الحجاز كَدَارِمِ
وإنّ لنا المِرْبَاعَ في كــل غارة * تكون بنجد أو بأرض التَّهَائــمِ
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا حسان فأجبه [فقام حسان] فقال:
بَنِي دَارِمٍ لا تفخروا إنّ فَخْرَكُمْ * يَعودُ وَبَالاً عند ذكرِ المكـارِم
هَبِلْتُم علينا تَفْخَرُونَ وأنتُــم * لنا خَوَلٌ من بين ظِئْـرٍ وخَادِمِ
وأفْضلُ ما نلتم من المجد والعُلَى * رِدَافَتُنا منْ بعد ذكر الأكـارم
فإن كنُتم جئتُم لَحِقْنِ دمائكْم * وأموالكم أن تقسموا في المَقاسِمِ
فلا تجعلوا لله نداً وأسلمـوا * ولا تفخروا عند النبي بـدارم
وإلا وربِّ البيت مالت أكُفُّنَا * على هامِكم بالمُرْهَفَات الصَّوارِمِ
قال: فقام الأقْرَع بن حابس فقال: إِن محمداً لمؤتى له والله ما أدري ما هذا الأمر! تكلم خطيبنا فكان خطيبهم أحسن قولاً، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر. ثم دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما يَضُرُّكَ ما كان قبل هذا"، ثم أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم، وارتفعت الأصوات، وكثر اللَّغط عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآيات { لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ} إلى قوله: { وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} .


www.alro7.net