سورة
اية:

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه خالق الأشياء، فخلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وقد تقدم الكلام على ذلك، { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} أي بل هو المالك لأزمة الأمور، الخالق لكل شيء المدبر لكل شيء، القادر على كل شيء، فلا ولي لخلقه سواه، ولا شفيع إلا من بعد إذنه، { أفلا تتذكرون} يعني أيها العابدون غيره، المتوكلون على من عداه، تعالى وتقدس وتنزه أن يكون له نظير أو شريك أو وزير، لا إله إلا هو، ولا رب سواه. وقوله تعالى: { يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} أي يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، كما قال تعالى: { اللّه الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن} الآية، وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا، ومسافة ما بينها وبين الأرض مسيرة خمسمائة سنة، وسمك السماء خمسمائة سنة، وقال مجاهد والضحاك: النزول من الملك في مسيرة خمسمائة عام، وصعوده في مسيرة خمسمائة عام، ولكنه يقطعها في طرفة عين، ولهذا قال تعالى: { في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون . ذلك عالم الغيب والشهادة} أي المدبر لهذه الأمور الذي هو شهيد على أعمال عباده، يرفع إليه جليلها وحقيرها وصغيرها وكبيرها، هو العزيز الذي قد عز كل شيء فقهره وغلبه، ودانت له العباد والرقاب، { الرحيم} بعباده المؤمنين.

تفسير الجلالين

{ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام } أولها الأحد وآخرها الجمعة { ثم استوى على العرش } هو في اللغة سرير الملك استواءً يليق به { مالكم } يا كفار مكة { من دونه } أي: غيره { من وليٍّ } اسم ما بزيادة من، أَي: ناصر { ولا شفيع } يدفع عذابه عنكم { أفلا تتذكرون } هذا فتؤمنون.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الْمَعْبُود الَّذِي لَا تَصْلُح الْعِبَادَة إِلَّا لَهُ أَيّهَا النَّاس { الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَا } مِنْ خَلْق { فِي سِتَّة أَيَّام } ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى عَرْشه فِي الْيَوْم السَّابِع بَعْدَ خَلْقه السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا . كَمَا : 2147 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش } فِي الْيَوْم السَّابِع . يَقُول : مَا لَكُمْ أَيّهَا النَّاس إِلَه إِلَّا مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْل , وَخَلَقَ هَذَا الْخَلْقَ الْعَجِيبَ فِي سِتَّة أَيَّام . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : الْمَعْبُود الَّذِي لَا تَصْلُح الْعِبَادَة إِلَّا لَهُ أَيّهَا النَّاس { الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنَهُمَا } مِنْ خَلْق { فِي سِتَّة أَيَّام } ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى عَرْشه فِي الْيَوْم السَّابِع بَعْدَ خَلْقه السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا . كَمَا : 2147 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّة أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش } فِي الْيَوْم السَّابِع . يَقُول : مَا لَكُمْ أَيّهَا النَّاس إِلَه إِلَّا مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْل , وَخَلَقَ هَذَا الْخَلْقَ الْعَجِيبَ فِي سِتَّة أَيَّام . ' وَقَوْله : { مَا لَكُمْ مِنْ دُونه مِنْ وَلِيّ وَلَا شَفِيع } يَقُول : مَا لَكُمْ أَيّهَا النَّاس دُونَهُ وَلِيّ يَلِي أَمْركُمْ وَيَنْصُركُمْ مِنْهُ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضُرًّا , وَلَا شَفِيع يَشْفَع لَكُمْ عِنْده إِنْ هُوَ عَاقَبَكُمْ عَلَى مَعْصِيَتكُمْ إِيَّاهُ , يَقُول : فَإِيَّاهُ فَاتَّخِذُوا وَلِيًّا , وَبِهِ وَبِطَاعَتِهِ فَاسْتَعِينُوا عَلَى أُمُوركُمْ فَإِنَّهُ يَمْنَعكُمْ إِذَا أَرَادَ مَنْعكُمْ مِمَّنْ أَرَادَكُمْ بِسُوءٍ , وَلَا يَقْدِر أَحَد عَلَى دَفْعه عَمَّا أَرَادَ بِكُمْ هُوَ , لِأَنَّهُ لَا يَقْهَرهُ قَاهِر , وَلَا يَغْلِبهُ غَالِب { أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَا تَعْتَبِرُونَ وَتَتَفَكَّرُونَ أَيّهَا النَّاس , فَتَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ دُونه وَلِيّ وَلَا شَفِيع , فَتُفْرِدُوا لَهُ الْأُلُوهَةَ , وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ , وَتَخْلَعُوا مَا دُونَهُ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة.وَقَوْله : { مَا لَكُمْ مِنْ دُونه مِنْ وَلِيّ وَلَا شَفِيع } يَقُول : مَا لَكُمْ أَيّهَا النَّاس دُونَهُ وَلِيّ يَلِي أَمْركُمْ وَيَنْصُركُمْ مِنْهُ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضُرًّا , وَلَا شَفِيع يَشْفَع لَكُمْ عِنْده إِنْ هُوَ عَاقَبَكُمْ عَلَى مَعْصِيَتكُمْ إِيَّاهُ , يَقُول : فَإِيَّاهُ فَاتَّخِذُوا وَلِيًّا , وَبِهِ وَبِطَاعَتِهِ فَاسْتَعِينُوا عَلَى أُمُوركُمْ فَإِنَّهُ يَمْنَعكُمْ إِذَا أَرَادَ مَنْعكُمْ مِمَّنْ أَرَادَكُمْ بِسُوءٍ , وَلَا يَقْدِر أَحَد عَلَى دَفْعه عَمَّا أَرَادَ بِكُمْ هُوَ , لِأَنَّهُ لَا يَقْهَرهُ قَاهِر , وَلَا يَغْلِبهُ غَالِب { أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَفَلَا تَعْتَبِرُونَ وَتَتَفَكَّرُونَ أَيّهَا النَّاس , فَتَعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لَكُمْ دُونه وَلِيّ وَلَا شَفِيع , فَتُفْرِدُوا لَهُ الْأُلُوهَةَ , وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ , وَتَخْلَعُوا مَا دُونَهُ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام} عرفهم كمال قدرته ليسمعوا القرآن ويتأملوه. ومعنى { خلق} أبدع وأوجد بعد العدم وبعد أن لم تكن شيئا. { في ستة أيام} من يوم الأحد إلى آخر يوم الجمعة. قال الحسن : من أيام الدنيا. وقال ابن عباس : إن اليوم من الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض مقداره ألف سنة من سني الدنيا. وقال الضحاك : في ستة آلاف سنة؛ أي في مدة ستة أيام من أيام الآخرة. { ثم استوى على العرش} تقدم. وذكرنا أقوال العلماء في ذلك مستوفى في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). وليست "ثم" للترتيب وإنما هي بمعنى الواو. { ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} أي ما للكافرين من ولي يمنع من عذابهم ولا شفيع. ويجوز الرفع على الموضع. { أفلا تتذكرون} في قدرته ومخلوقاته.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة السجدة الايات 2 - 4


سورة السجدة الايات 4 - 7

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يخبرنا الحق - تبارك وتعالى - أنه خلق السماوات والأرض وما بينهما لخدمة الإنسان، وهو المكرَّم الأول في هذا الكون، وجميع الأجناس في خدمته حيواناً ونباتاً وجماداً، فهو سيد في هذا الكون، لكن هل أخذ هذا السيد سيادته بذاته وبفعله؟ لا إنما أخذها بفضل الله عليه، فكان عليه أولاً أنْ يشكر مَنْ أعطاه هذه السيادة على غيره.

وهذا السيد عمره ومروره في الحياة عبور، فعمره فيها يطول أو يقصر ينتهي إلى الموت، في حين أن الجمادات التي تخدمه عمرها أطول من عمره، وهي خادمة له، فكان لزاماً عليه أنْ يتأمل هذه المسألة: كيف يكون عمر الخادم أطول وأبقى من عمر السيد المخدوم؟

إذن: لا بد أن لي عمراً آخر أطول من هذا، عمراً يناسب تكريم الله لي، ويناسب سيادتي في هذا الكون، إنها الآخرة حيث تندثر هذه المخلوقات التي خدمتني في الدنيا وأبقى أنا، لا أعيش مع الأسباب، إنما مع المسبب سبحانه، فلا أحتاج إلى الأسباب التي خدمتني في الدنيا، إنما أجد كل ما أشتهيه بين يديَّ دون تعب ودون سَعْى، وهذه ارتقاءات لا تكون إلا لمَنْ يطيع المرقى المعطي.

لذلك، الحق - سبحانه وتعالى - يلفتنا ويقول: صحيح أنت أيها الإنسان سيد هذا الكون وكل مخلوقاتي في خدمتك، لكن خَلْقها أكبر من خَلْقك:
{  لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ... }
[غافر: 57]

لماذا؟ لأن الناس أعماراً محددة، مهما طالت لا بُدَّ أن تنتهي إلى أجل، ثم إن هذه الأعمار لا تًسْلم لهم، إنما تنتابها الأغيار، فالغنيّ قد يفتقر، والصحيح قد يمرض، والقوي قد يضعف، أمّا الشمس والقمر والنجوم والكون كله فلا يتعرض لهذه الأغيار فما رأينا الشمس أو القمر أو النجوم أصابتها علة وانتهت كانتهاء الإنسان، ثم أنتَ لستَ مثلها في العظمة المستوعبة؛ لأن قصارى ما فيك أنك تخدم نفسك أو تخدم البيئة التي حولك، أمَّا هذه المخلوقات فتخدم الكون كله.

فإذا اقرَّ - حتى الكفار - بأن الله تعالى هو خالق السماء والأرض إذن: فهي دليل أول على وجود الحق تبارك وتعالى.

ومسألة خَلْق السماوات والأرض من الأشياء التي استأثر الله بعلمها وليس لأحد أنْ يقول: كيف خُلقت ولا حتى كيف خُلق الإنسان؛ لأن مسائل الخَلْق لم يشهدها أحد فيخبرنا بها؛ لذلك يقول تعالى:
{  مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً }
[الكهف: 51]

فسماهم الله مُضلِّين، والمضلّ هو الذي يجنح بك إلى طريق باطل، ويصرفك عن الحق، وقد رأينا فعلاً هؤلاء المضلِّين وسمعنا افتراءاتهم في مسألة خَلْق السماوات والأرض.

إذن: خَلْق السماوات والأرض مسألة لا تُوخَذ إلا ممَّنْ خلق؛ لذلك قَصَّ لنا ربنا - تبارك وتعالى - قصة خَلْق آدم، وقصَّ لنا قصة خلق السماوات والأرض، لكن الخَلْق حدث وفعل، والفعل يحتاج إلى زمن تعالج فيه الحدث وتزاوله، والإشكال هنا في قوله تعالى { فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. } [السجدة: 4]. فهل الحدث بالنسبة لله تعالى يحتاج إلى زمن؟

الفِعْل من الإنسان يحتاج إلى علاج يستغرق زمناً، حيث نوزع جزيئات الفعل على جزئيات الزمن، أما في حقه تعالى فهو سبحانه يفعل بلا علاج للأمور، إنما يقول: للشيء كن فيكون، أما قوله تعالى: { فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. } [السجدة: 4] فقد أوضحناها بمثال، ولله المثل الأعلى.

قلنا: أنت حين تصنع الزبادي مثلاً تأتي بالحليب، ثم تضع عليه خميرة زبادي سبق إعداده، ثم تتركه في درجة حرارة معينة سبع أو ثماني ساعات بعدها تجد الحليب قد تحوَّل إلى زبادي، فهل تقول: إن صناعة الزبادي استغرقت مني سبعاً أو ثماني ساعات؟ لا، إنها استغرقتْ مجرد إعداد المواد اللازمة، ثم أخذت هذه المواد تتفاعل بعضها ببعض،ـ إلى أن تحولت إلى المادة الجديدة.

كذلك الحق - تبارك وتعالى - خلق السماوات والأرض بأمره (كُنْ)، فتفاعلت هذه الأشياء مُكوِّنه السماوات والأرض.

ومسألة خلق السماوات والأرض في ستة أيام عُولجت في سبع سور من القرآن، أربع منها تكلمْن عن خلق السماوات والأرض ولم تتعرض لما بينهما، وثلاث تعرضتْ لخَلْق السماوات والأرض وما بينهما، ففي الأعراف مثلاً، وفي يونس، وهود، والحديد. تعرضت الآيات لخلق السماوات والأرض فقط.

وفي الفرقان والسجدة وق. فتكلَّمتْ عن البينية، فكأن السماوات والأرض ظرف خُلق أولاً، ثم خُلِق المظروف في الظرف، وهذا هو الترتيب المنطقي أنْ تُعِدَّ الظرف أولاً، ثم تضع فيه المظروف.

وقوله تعالى: { فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. } [السجدة: 4] الله يخاطب بهذه الآيات العرب، واليوم له مدلول عند العرب مرتبط بحركة الشمس والقمر، فكيف يقول سبحانه { فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ.. } [السجدة: 4] ولم تخلق بعد لا الشمس ولا القمر؟

نقول: المعنى خلقها في زمن يساوي ستة أيام بتقديرنا نحن الآن، وإلا فاليوم عند الله تعالى يختلف عن يومنا، ألم يقل سبحانه وتعالى:
{  وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ }
[الحج: 47] أي: في الدنيا.

وقال عن اليوم في الآخرة:
{  تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ }
[المعارج: 4] فلله تعالى تقدير لليوم في الدنيا، ولليوم في الآخرة.

والحق سبحانه لم يُفصِّل لنا مسألة الخَلْق هذه إلا في سورة (فُصِّلَت) فهي التي فصَّلَتْ القول في خَلْق السماوات والأرض، وهذه من عجائب هذه السورة.

فقال تعالى:
{  قُلْ أَئنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ... }
[فصلت: 9-10] هذه ستة أيام.
{  ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ... }
[فصلت: 11-12] وهكذا يصبح المجموع ثمانية أيام.

إذن: كيف نُوفِّق بين ستة أيام في الإجمال، وثمانية أيام في التفصيل؟ قالوا: الأعداد يُحمل مُجْملها على مفصَّلها؛ لأن المفصَّل تستطيع أن تضم بعضه إلى بعض، أما المجمل فهو النهاية.

وأَعْد معي قراءة الآيات:
{  قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا... }
[فصلت: 9-10] وهذا كله من لوازم الأرض
{  فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ... }
[فصلت: 10] أي: أن هذه اللوازم تابعة لما قبلها.

فالمعنى: في تتمة أربعة أيام، فاليومان الأولان داخلان في الأربعة، كما لو قلت: سِرْتُ من القاهرة إلى طنطا في ساعة، وإلى الأسكندرية في ساعتين، فالساعة الأولى محسوبة من هاتين الساعتين.

فالحق سبحانه خلق الأرض في يومين، وخلق ما يلزمها في تتمة الأربعة الأيام، فالزمن تتمة للزمن؛ لأن الحدث يُتمِّم الحدث، إذن: المحصلة النهائية ستة أيام، وليس هناك خلاف بين الآيات
{  وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً }
[النساء: 82] ومن العجيب أن يأتي هذا التفصيل في (فَصِّلت).

وقوله تعالى: { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ.. } [السجدة: 4] الحق - سبحانه - تبارك وتعالى - يخاطب الخَلْق بما يُقرِّب الأشياء إلى أذهانهم؛ لأن الملوك أو أصحاب الولاية في الأرض لا يستقرون على كراسيهم إلا بعد أنْ يستتبَّ لهم الأمر.

فمعنى { ٱسْتَوَىٰ.. } [السجدة: 4] صعد وجلس واستقر، كل هذه المعاني تناسب الآية، لكن في إطار قول الحق سبحانه وتعالى
{  لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ... }
[الشورى: 11]

فكما أن لله تعالى وجوداً ليس كوجودك، وسَمْعاً ليس كسمعك، وفعلاً ليس كفِعْلك، فكذلك له سبحانه استواء، لكن ليس كاستوائك، وإذا دخلت حجرة الجلوس مثلاً عند شيخ البلد وعند العمدة والمحافظ ورئيس الجمهورية ستجد مستويات متباينة، كلٌّ على حسب ما يناسبه، فإذا كان البشر يتفاوتون في الشيء الواحد، فهل نُسوِّى بينا وبين الخالق عز وجل؟

فالمعنى إذن { ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ.. } [السجدة: 4] استتبَّ له أمر الخَلْق، { مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ.. } [السجدة: 4] الوليُّ: مَنْ يليك، ويكون قريباً منك، وإليه تفزع في الأحداث، فهو ملجؤك الأول. والشفيع: الذي يشفع لك عند مَنْ يملك أمرك، فالوليُّ هو الذي ينصرك بنفسه، أمَّا الشفيع فهو يتوسط لك عند مَنْ ينصرك، فليس لك وليٌّ ولا شفيع من دون الله عز وجل.

لذلك يقول سبحانه:
{  وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلْضُّرُّ فِي ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ... }
[الإسراء: 67] فلا أحد ينجيكم، ولا أحدَ يُسعفكم إلا الله { أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ } [السجدة: 4]

كأن هذه المسألة يجب أنْ تكون على بالك دائماً، فلا تغفل عن الله؛ لأنك ابْنُ أغيار، والأحداث تتناوبك، فلا يستقرّ بك حال، فأنت بين الغِنَى والفقر، والصحة والمرض، والقوة والضعف.لذلك تذكَّر دائماً أنه لا وليَّ ولا نصير لك إى الله، وإذا استحضرتَ ذلك دائماً اطمأنَّ قلبك، ولم لا وأنت تستند إلى ولَّ وإلى نصير لا يخذلك أبداً، ولا يتخلى عنك لحظة، فإذا خالط هذا الشعورُ قلبَك أقبلتَ على الأحداث بجسارة، وإذا أقبلتَ على الحدث بجسارة لم يأخذ الحدث من قوتك شيئاً؛ لأن الذي يخاف الأحداث يُضعِف قوته الفاعلة.

فمثلاً صاحب العيال الذي يخاف الموت فيتركهم صغاراً لا عائلَ لهم لو راجع نفسه لقال لها: وَلِمَ الخوفُ على العيال من بعدي، فهل أنا خلقتهُم، أم لهم خالق يرعاهم ويجعل لهم من المجتمع الإيماني آباءً متعددين؟ لو قال لنفسه ذلك ما اهتم لأمرهم، وصَدَق الذي قال مادحاً: أنتَ طِرْتَ باليُتْم إلى حَدِّ الكَمالِ

وقال آخر:
قَال ذُو الآبَاءِ لَيْتِى لاَ أبَا لِي   
ولَم لا؟ وقد كفل الإسلام للأيتام أنْ يعيشوا في ظل المجتمع المسلم أفضل مما يعيش مَنْ له أب وأم.

إذن: فالإنسان حينما يعلم أن له سنداً من ألوهية قادرة وربوبية لا تُسلمه يستقبل الحوادث بقوة، ويقين، ورضا، وإيمان بأنه لن يُسْلَم أبداً ما دام له إيمان برب، وكلمة رب هذه ستأتي على باله قَسْراً في وقت الشدة، حين يخذله الناس وتُعْييه الأسباب، فلا يجد إلا الله - حتى ولو كان كافراً لقال في الشدة: يارب.

وقوله تعالى: { مِّن دُونِهِ.. } [السجدة: 4] يعني: لا يوجد غيره، وإنْ وُجِد غَيْرٌ فبتحنين الله للغير عليك، فالخير أيّاً كان فمردُّه إلى الله.

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ... }.


www.alro7.net