سورة
اية:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى‏:‏ اذكر لقومك يا محمد في قصصك عليهم من قصة يوسف، إذ قال لأبيه - وأبوه هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام - كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري وأحمد عن ابن عمر رضي اللّه عنهما‏"‏، وعن أبي هريرة قال‏:‏ سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ أي الناس أكرم‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أكرمهم عند اللّه أتقاهم‏)‏، قالوا‏:‏ ليس عن هذا نسألك، قال‏:‏ ‏(‏فأكرم الناس يوسف نبي اللّه ابن نبي اللّه ابن نبي اللّه ابن خليل اللّه‏)‏، قالوا‏:‏ ليس عن هذا نسألك، قال‏:‏ ‏(‏فعن معادن العرب تسألوني‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا‏)‏ ‏"‏أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه‏"‏‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ رؤيا الأنبياء وحي، وقد تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام أن الأحد عشر كوكباً عبارة عن إخوته، وكانوا أحد عشر رجلاً سواه، والشمس والقمر عبارة عن أمه وأبيه روي هذا عن ابن عباس والضحاك وقتادة والثوري وعبد الرحمن بن أسلم وقد وقع تفسيرها بعد أربعين سنة على الأشهر ، ولما رآها يوسف قصها على أبيه يعقوب، فقال له أبوه‏:‏ وهذا أمر مشتت يجمعه اللّه من بعد‏.‏

تفسير الجلالين

اذكر { إذ قال يوسف لأبيه } يعقوب { يا أبت } بالكسر دلالة على ياء الإضافة المحذوفة والفتح دلالة على ألف محذوفة قلبت عن الياء { إني رأيت } في المنام { أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم } تأكيد { لي ساجدين } جمع بالياء والنون للوصف بالسجود الذي هو من صفات العقلاء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِذْ قَالَ يُوسُف لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْت أَحَد عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ كُنْت يَا مُحَمَّد لَمِنَ الْغَافِلِينَ عَنْ نَبَإِ يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم , إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق : يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ; يَقُول : إِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي أَحَد عَشَرَ كَوْكَبًا . وَقِيلَ : إِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء كَانَتْ وَحْيًا . 14439 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } قَالَ : كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْيًا 14440 - وَحَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سِمَاك , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس : { إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } قَالَ : كَانَتْ الرُّؤْيَا فِيهِمْ وَحْيًا وَذَكَرَ أَنَّ الْأَحَد الْعَشَر الْكَوَاكِب الَّتِي رَآهَا فِي مَنَامه سَاجِدَة مَعَ الشَّمْس وَالْقَمَر , مَا : 14441 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَعِيد الْكِنْدِيّ , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن ظَهِير , عَنِ السُّدِّيّ , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِط , عَنْ جَابِر , قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ يُقَال لَهُ بُسْتَانَة الْيَهُودِيّ , فَقَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّد أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَوَاكِب الَّتِي رَآهَا يُوسُف سَاجِدَة لَهُ , مَا أَسْمَاؤُهَا ؟ قَالَ : فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ , وَنَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَائِيل وَأَخْبَرَهُ بِأَسْمَائِهَا . قَالَ : فَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ , فَقَالَ : " هَلْ أَنْتَ مُؤْمِن إِنْ أَخْبَرْتُك بِأَسْمَائِهَا ؟ " قَالَ : نَعَمْ , فَقَالَ : " جَرْبَان وَالطَّارِق , وَالذَّيَّال , وَذُو الْكَتِفَيْنِ , وَقَابِس , وَوَثَّاب وَعَمُودَان , وَالْفَلِيق , وَالْمُصْبَح , وَالضَّرُوح , وَدُو الْفَرْغ , وَالضِّيَاء , وَالنُّور " . فَقَالَ الْيَهُودِيّ : وَاَللَّه إِنَّهَا لَأَسْمَاؤُهَا . وَقَوْله : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } يَقُول : وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ فِي مَنَامِي سُجُودًا . وَقَالَ { سَاجِدِينَ } وَالْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر إِنَّمَا يُخْبَر عَنْهَا بِفَاعِلَةٍ وَفَاعِلَات , لَا بِالْوَاوِ وَالنُّون , إِنَّمَا هِيَ عَلَامَة جَمْع أَسْمَاء ذُكُور بَنِي آدَم أَوْ الْجِنّ أَوْ الْمَلَائِكَة . وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ السُّجُود مِنْ أَفْعَال مَنْ يُجْمَع أَسْمَاءُ ذُكُورهمْ بِالْيَاءِ وَالنُّون , أَوْ الْوَاو وَالنُّون , فَأَخْرَجَ جَمْع أَسْمَائِهَا مَخْرَج جَمْع أَسْمَاء مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ , كَمَا قِيلَ : { يَا أَيّهَا النَّمْل اُدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ } . وَقَالَ : " رَأَيْتهمْ " وَقَدْ قِيلَ : إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا , فَكَرَّرَ الْفِعْل , وَذَلِكَ عَلَى لُغَة مَنْ قَالَ : كَلَّمْت أَخَاك كَلَّمْته , تَوْكِيدًا لِلْفِعْلِ بِالتَّكْرِيرِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْكَوَاكِب الْأَحَد عَشَرَ كَانَتْ إِخْوَته , وَالشَّمْس وَالْقَمَر أَبَوَيْهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14442 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِذْ قَالَ يُوسُف لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } إِخْوَته أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا , وَالشَّمْس وَالْقَمَر , يَعْنِي بِذَلِكَ : أَبَوَيْهِ 14443 - حَدَّثَنِي الْحَرْث , قَالَ : ثني عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنِ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { إِنِّي رَأَيْت أَحَد عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر } الْآيَة , قَالَ : رَأَى أَبَوَيْهِ وَإِخْوَته سُجُودًا لَهُ . فَإِذَا قِيلَ لَهُ عَمَّنْ قَالَ إِنْ كَانَ حَقًّا , فَإِنَّ ابْن عَبَّاس فَسَّرَهُ - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } قَالَ : الْكَوَاكِب : إِخْوَته , وَالشَّمْس وَالْقَمَر : أَبَوَاهُ 14444 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } إِخْوَته { وَالشَّمْس } أُمّه { وَالْقَمَر } أَبُوهُ 14445 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : قَالَ سُفْيَان : كَانَ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَته 14446 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك , قَوْله : { إِنِّي رَأَيْت أَحَد عَشَرَ كَوْكَبًا } هُمْ إِخْوَة يُوسُف { وَالشَّمْس وَالْقَمَر } هُمَا أَبَوَاهُ 14447 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْت أَحَد عَشَرَ كَوْكَبًا } الْآيَة , قَالَ : أَبَوَاهُ وَإِخْوَته . قَالَ : فَنَعَاهُ إِخْوَته وَكَانُوا أَنْبِيَاء , فَقَالُوا : مَا رَضِيَ أَنْ يَسْجُد لَهُ إِخْوَته حَتَّى سَجَدَ لَهُ أَبَوَاهُ حِين بَلَغَهُمْ وَرُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْكَوَاكِب إِخْوَته , وَالشَّمْس وَالْقَمَر : أَبُوهُ وَخَالَته , مِنْ وَجْه غَيْر مَحْمُود , فَكَرِهْت ذِكْره . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِذْ قَالَ يُوسُف لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْت أَحَد عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ كُنْت يَا مُحَمَّد لَمِنَ الْغَافِلِينَ عَنْ نَبَإِ يُوسُف بْن يَعْقُوب بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم , إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَعْقُوب بْن إِسْحَاق : يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا ; يَقُول : إِنِّي رَأَيْت فِي مَنَامِي أَحَد عَشَرَ كَوْكَبًا . وَقِيلَ : إِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء كَانَتْ وَحْيًا . 14439 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سِمَاك بْن حَرْب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } قَالَ : كَانَتْ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاء وَحْيًا 14440 - وَحَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ سِمَاك , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس : { إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } قَالَ : كَانَتْ الرُّؤْيَا فِيهِمْ وَحْيًا وَذَكَرَ أَنَّ الْأَحَد الْعَشَر الْكَوَاكِب الَّتِي رَآهَا فِي مَنَامه سَاجِدَة مَعَ الشَّمْس وَالْقَمَر , مَا : 14441 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَعِيد الْكِنْدِيّ , قَالَ : ثنا الْحَكَم بْن ظَهِير , عَنِ السُّدِّيّ , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِط , عَنْ جَابِر , قَالَ : أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ يُقَال لَهُ بُسْتَانَة الْيَهُودِيّ , فَقَالَ لَهُ : يَا مُحَمَّد أَخْبِرْنِي عَنِ الْكَوَاكِب الَّتِي رَآهَا يُوسُف سَاجِدَة لَهُ , مَا أَسْمَاؤُهَا ؟ قَالَ : فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ , وَنَزَلَ عَلَيْهِ جَبْرَائِيل وَأَخْبَرَهُ بِأَسْمَائِهَا . قَالَ : فَبَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِ , فَقَالَ : " هَلْ أَنْتَ مُؤْمِن إِنْ أَخْبَرْتُك بِأَسْمَائِهَا ؟ " قَالَ : نَعَمْ , فَقَالَ : " جَرْبَان وَالطَّارِق , وَالذَّيَّال , وَذُو الْكَتِفَيْنِ , وَقَابِس , وَوَثَّاب وَعَمُودَان , وَالْفَلِيق , وَالْمُصْبَح , وَالضَّرُوح , وَدُو الْفَرْغ , وَالضِّيَاء , وَالنُّور " . فَقَالَ الْيَهُودِيّ : وَاَللَّه إِنَّهَا لَأَسْمَاؤُهَا . وَقَوْله : { وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } يَقُول : وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ فِي مَنَامِي سُجُودًا . وَقَالَ { سَاجِدِينَ } وَالْكَوَاكِب وَالشَّمْس وَالْقَمَر إِنَّمَا يُخْبَر عَنْهَا بِفَاعِلَةٍ وَفَاعِلَات , لَا بِالْوَاوِ وَالنُّون , إِنَّمَا هِيَ عَلَامَة جَمْع أَسْمَاء ذُكُور بَنِي آدَم أَوْ الْجِنّ أَوْ الْمَلَائِكَة . وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ السُّجُود مِنْ أَفْعَال مَنْ يُجْمَع أَسْمَاءُ ذُكُورهمْ بِالْيَاءِ وَالنُّون , أَوْ الْوَاو وَالنُّون , فَأَخْرَجَ جَمْع أَسْمَائِهَا مَخْرَج جَمْع أَسْمَاء مَنْ يَفْعَل ذَلِكَ , كَمَا قِيلَ : { يَا أَيّهَا النَّمْل اُدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ } . وَقَالَ : " رَأَيْتهمْ " وَقَدْ قِيلَ : إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا , فَكَرَّرَ الْفِعْل , وَذَلِكَ عَلَى لُغَة مَنْ قَالَ : كَلَّمْت أَخَاك كَلَّمْته , تَوْكِيدًا لِلْفِعْلِ بِالتَّكْرِيرِ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْكَوَاكِب الْأَحَد عَشَرَ كَانَتْ إِخْوَته , وَالشَّمْس وَالْقَمَر أَبَوَيْهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14442 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِذْ قَالَ يُوسُف لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } إِخْوَته أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا , وَالشَّمْس وَالْقَمَر , يَعْنِي بِذَلِكَ : أَبَوَيْهِ 14443 - حَدَّثَنِي الْحَرْث , قَالَ : ثني عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنِ السُّدِّيّ , فِي قَوْله : { إِنِّي رَأَيْت أَحَد عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر } الْآيَة , قَالَ : رَأَى أَبَوَيْهِ وَإِخْوَته سُجُودًا لَهُ . فَإِذَا قِيلَ لَهُ عَمَّنْ قَالَ إِنْ كَانَ حَقًّا , فَإِنَّ ابْن عَبَّاس فَسَّرَهُ - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْس وَالْقَمَر رَأَيْتهمْ لِي سَاجِدِينَ } قَالَ : الْكَوَاكِب : إِخْوَته , وَالشَّمْس وَالْقَمَر : أَبَوَاهُ 14444 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَوْله : { إِنِّي رَأَيْت أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا } إِخْوَته { وَالشَّمْس } أُمّه { وَالْقَمَر } أَبُوهُ 14445 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : قَالَ سُفْيَان : كَانَ أَبَوَيْهِ وَإِخْوَته 14446 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك , قَوْله : { إِنِّي رَأَيْت أَحَد عَشَرَ كَوْكَبًا } هُمْ إِخْوَة يُوسُف { وَالشَّمْس وَالْقَمَر } هُمَا أَبَوَاهُ 14447 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْت أَحَد عَشَرَ كَوْكَبًا } الْآيَة , قَالَ : أَبَوَاهُ وَإِخْوَته . قَالَ : فَنَعَاهُ إِخْوَته وَكَانُوا أَنْبِيَاء , فَقَالُوا : مَا رَضِيَ أَنْ يَسْجُد لَهُ إِخْوَته حَتَّى سَجَدَ لَهُ أَبَوَاهُ حِين بَلَغَهُمْ وَرُوِيَ عَنِ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْكَوَاكِب إِخْوَته , وَالشَّمْس وَالْقَمَر : أَبُوهُ وَخَالَته , مِنْ وَجْه غَيْر مَحْمُود , فَكَرِهْت ذِكْره .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إذ قال يوسف} [إذ] في موضع نصب على الظرف؛ أي اذكر لهم حين قال يوسف. وقراءة العامة بضم السين. وقرأ طلحة بن مصرف "يؤسف" بالهمزة وكسر السين. وحكى أبو زيد "يؤسف" بالهمزة وفتح السين. ولم ينصرف لأنه أعجمي؛ وقيل : هو عربي. وسئل أبو الحسن الأقطع - وكان حكيما - عن "يوسف" فقال : الأسف في اللغة الحزن؛ والأسيف العبد، وقد اجتمعا في يوسف؛ فلذلك سمي يوسف. { لأبيه يا أبت} بكسر التاء قراءة أبي عمرو وعاصم ونافع وحمزة والكسائي، وهي عند البصريين علامة التأنيث أدخلت على الأب في النداء خاصة بدلا من ياء الإضافة، وقد تدخل علامة التأنيث على المذكر فيقال : رجل نُكحة وهُزأة؛ قال النحاس : إذا قلت { يا أبت} بكسر التاء فالتاء عند سيبويه بدل من ياء الإضافة؛ ولا يجوز على قوله الوقف إلا بالهاء، وله على قوله دلائل : منها - أن قولك "يا أبه" يؤدي عن معنى "يا أبي"؛ وأنه لا يقال { يا أبت} إلا في المعرفة؛ ولا يقال : جاءني أبت، ولا تستعمل العرب هذا إلا في النداء خاصة، ولا يقال { يا أبتي} لأن التاء بدل من الياء فلا يجمع بينهما. وزعم الفراء أنه إذا قال { يا أبت} فكسر دل على الياء لا غير؛ لأن الياء في النية. وزعم أبو إسحاق أن هذا خطأ، والحق ما قال، كيف تكون الياء في النية وليس يقال "يا أبتي"؟ وقرأ أبو جعفر والأعرج وعبدالله بن عامر "يا أبت" بفتح التاء؛ قال البصريون : أرادوا "يا أبتي" بالياء، ثم أبدلت الياء ألفا فصارت "يا أبتا" فحذفت الألف وبقيت الفتحة على التاء. وقيل : الأصل الكسر، ثم أبدل من الكسرة فتحة، كما يبدل من الياء ألف فيقال : يا غلاما أقبل. وأجاز الفراء "يا أبت" بضم التاء. { إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر} ليس بين النحويين اختلاف أنه يقال : جاءني أحد عشر، ورأيت ومررت بأحد عشر، وكذلك ثلاثة عشر وتسعة عشر وما بينهما؛ جعلوا الاسمين اسما واحدا وأعربوهما بأخف الحركات. قال السهيلي : أسماء هذه الكواكب جاء ذكرها مسندا؛ رواه الحارث بن أبي أسامة قال : جاء بستانة - وهو رجل من أهل الكتاب - فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأحد عشر كوكبا الذي رأى يوسف فقال : (الحرثان والطارق والذيال وقابس والمصبح والضروح وذو الكنفات وذو القرع والفليق ووثاب والعمودان؛ رآها يوسف عليه السلام تسجد له). قال ابن عباس وقتادة : الكواكب إخوته، والشمس أمه، والقمر أبوه. وقال قتادة أيضا : الشمس خالته، لأن أمه كانت قد ماتت، وكانت خالته تحت أبيه. { رأيتهم} توكيد. وقال { رأيتهم لي ساجدين} فجاء مذكرا؛ فالقول عند الخليل وسيبويه أنه لما أخبر عن هذه الأشياء بالطاعة والسجود وهما من أفعال من يعقل أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل. وقد تقدم هذا المعنى في قوله { وتراهم ينظرون إليك} [الأعراف : 198]. والعرب تجمع ما لا يعقل جمع من يعقل إذا أنزلوه منزلته، وإن كان خارجا عن الأصل.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 1 - 5

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهكذا تبدأ قصة يوسف، حين يقول لأبيه يعقوب عليهما السلام " يا أبت " ، وأصل الكلمة " يا أبي " ، ونجد في اللغة العربية كلمات " أبي " و " أبتِ " و " أبتَاهُ " و " أَبَة " وكلها تؤدي معنى الأبوة، وإن كان لكل منها مَلْحظ لغوي.

ويستمر يوسف في قوله:

{ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [يوسف: 4].

وكلنا رأينا الشمس والقمر؛ كُلٌّ في وقت ظهوره؛ لكن حلُم يوسف يُبيِّن أنه رآهما معاً، وكلنا رأينا الكواكب متناثرة في السماء آلافاً لا حَصْرَ لها، فكيف يرى يوسف أحد عشر كوكباً فقط؟

لا بُدَّ أنهم اتصفوا بصفات خاصة ميَّزتهم عن غيرهم من الكواكب الأخرى؛ وأنه قام بعدِّهِم.

ورؤيا يوسف عليه السلام تبيِّن أنه رآهم شمساً وقمراً وأحد عشر كوكباً؛ ثم رآهم بعد ذلك ساجدين.

وهذا يعني أنه رآهم أولاً بصفاتهم التي نرى بها الشمس والقمر والنجوم بدون سجود؛ ثم رآهم وهم ساجدون له؛ بملامح الخضوع لأمر من الله، ولذلك تكررت كلمة " رأيت " وهو ليس تكراراً، بل لإيضاح الأمر.

ونجد أن كلمة: { سَاجِدِينَ } [يوسف: 4] وهي جمع مذكر سالم؛ ولا يُجمع جَمْع المذكر السالم إلا إذا كان المفرد عاقلاً، والعقل يتميز بقدرة الاختيار بين البدائل؛ والعاقل المؤمن هو مَنْ يجعل اختياراته في الدنيا في إطار منهج الدين، وأسْمَى ما في الخضوع للدين هو السجود لله.

ومَنْ سجدوا ليوسف إنما سجدوا بأمر من الله، فَهُم إذن يعقلون أمر الحق سبحانه وتعالى.

مثلهم في ذلك مَثَلْ ما جاء في قول الحق سبحانه:
{  إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ }
[الانشقاق: 1-2] هذه السماء تعقل أمر ربها الذي بناها.

وقال عنها أنها بلا فُرُوجٍ:
{  أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ }
[ق: 6] وهي أيضاً تسمع أمر ربها، مصداقاً لقوله سبحانه:
{  وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ }
[الانشقاق: 2].

أي: أنها امتلكت حاسة السمع؛ لأن " أذنت " من الأذن؛ وكأنها بمجرد سماعها لأمر الله؛ تنفعل وتنشق.

وهكذا نجد أن كل عَالَم من عوالم الكون أُمَم مثل أمة البشر، ويتفاهم الإنسان مع غيره من البشر ممَّن يشتركون معه في اللغة، وقد يتفاهم مع البشر أمثاله ممن لا يعرف لغتهم بالإشارة، أو من خلال مُترجم، أو من خلال تعلُّم اللغة نفسها.

ولكن الإنسان لا يفهم لغة الجماد، أو لغة النبات، أو لغة الحيوان؛ إلا إذا أنعم الله على عبد بأن يفهم عن الجماد، أو أن يفهم الجماد عنه.

والمثل: هو تسبيح الجبال مع داود، ويُشكِّل تسبيحه مع تسبيحها " جُوقة " من الانسجام مُكَوَّن من إنسان مُسبِّح؛ هو أعلى الكائنات، والمُردِّد للتسبيح هي الجبال، وهي من الجماد أدنى الكائنات.ونحن نعلم أن كل الكائنات تُسبِّح، لكننا لا نفقه تسبيحها، ولكن الحق سبحانه يختار من عباده مَنْ يُعلِّمه مَنْطِق الكائنات الأخرى، مثلما قال سبحانه عن سليمان:
{  وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ.. }
[النمل: 16] وهكذا عَلِمْنا أن للطير منطقاً. وعلَّم الحقُّ سبحانه سليمان لغة النمل؛ لأننا نقرأ قول الحق:
{  حَتَّىٰ إِذَآ أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يٰأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّالِحِينَ }
[النمل: 18-19].

إذن: فلكُلِّ أُمَّة من الكائنات لغة، وهي تفهم عن خالقها، أو مَنْ أراد له الله سبحانه وتعالى أن يفهم عنها، وبهذا نعلم أن الشمس والقمر والنجوم حين سجدتْ بأمر ربها ليوسف في رؤياه؛ إنما فهمتْ عن أمر ربها.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { قَالَ يٰبُنَيَّ... }.


www.alro7.net