سورة
اية:

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى: أنه يدفع عن عباده الذين توكلوا عليه وأنابوا إليه، شر الأشرار وكيد الفجار، ويحفظهم ويكلؤهم وينصرهم، كما قال تعالى: { أليس اللّه بكاف عبده} ؟ وقال: { ومن يتوكل على اللّه فهو حسبه} ، وقوله: { إن اللّه لا يحب كل خوان كفور} أي لا يحب من عباده من اتصف بهذا، وهو الخيانة في العهود والمواثيق، لا يفي بما قال، والكفر: والجحد للنعم فلا يعترف بها.

تفسير الجلالين

{ إن الله يدافع عن الذين آمنوا } غوائل المشركين { إن الله لا يحب كل خوَّانِ } في أمانته { كفور } لنعمته، وهم المشركون المعنى أنه يعاقبهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يَدْفَع عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ خَوَّان كَفُور } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يَدْفَع غَائِلَة الْمُشْرِكِينَ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ خَوَّان يَخُون اللَّه فَيُخَالِف أَمْره وَنَهْيه وَيَعْصِيه وَيُطِيع الشَّيْطَان ; { كَفُور } يَقُول : جَحُود لِنِعَمِهِ عِنْده , لَا يَعْرِف لِمُنْعِمِهَا حَقّه فَيَشْكُرهُ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : إِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ دَفْع اللَّه كُفَّار قُرَيْش عَمَّنْ كَانَ بَيْن أَظْهُرهمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْل هِجْرَتهمْ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يَدْفَع عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ خَوَّان كَفُور } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يَدْفَع غَائِلَة الْمُشْرِكِينَ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ , إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ كُلّ خَوَّان يَخُون اللَّه فَيُخَالِف أَمْره وَنَهْيه وَيَعْصِيه وَيُطِيع الشَّيْطَان ; { كَفُور } يَقُول : جَحُود لِنِعَمِهِ عِنْده , لَا يَعْرِف لِمُنْعِمِهَا حَقّه فَيَشْكُرهُ عَلَيْهَا . وَقِيلَ : إِنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ دَفْع اللَّه كُفَّار قُرَيْش عَمَّنْ كَانَ بَيْن أَظْهُرهمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْل هِجْرَتهمْ.'

تفسير القرطبي

روي أنها نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة؛ أراد بعض مؤمني مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويغتال ويغدر ويحتال؛ فنزلت هذه الآية إلى قوله { كفور} . فوعد فيها سبحانه بالمدافعة ونهى أفصح نهي عن الخيانة والغدر. وقد مضى في { الأنفال} التشديد في الغدر؛ وأنه (ينصب للغادر لواء عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان). وقيل : المعنى يدفع عن المؤمنين بأن يديم توفيقهم حتى يتمكن الإيمان من قلوبهم، فلا تقدر الكفار على إمالتهم عن دينهم؛ وإن جرى إكراه فيعصمهم حتى لا يرتدوا بقلوبهم. وقيل : يدفع عن المؤمنين بإعلائهم بالحجة. ثم قتل كافر مؤمنا نادر، وإن فيدفع الله عن ذلك المؤمن بأن قبضه إلى رحمته. وقرأ نافع { يدافع} { ولولا دفاع} . وقرأ أبو عمرو وابن كثير { يدفع} { ولولا دفع} . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي { يدافع} { ولولا دفع الله} . ويدافع بمعنى يدفع؛ مثل عاقبت اللص، وعافاه الله؛ والمصدر دفعا. وحكى الزهراوي أن { دفاعا} مصدر دفع؛ كحسب حسابا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 38 - 40

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

صَدْر الآية: { إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ.. } [الحج: 38] يُشْعِرنا أن هناك معركة، والمعركة التي يدافع الله فيها لا بُدَّ أنها بين حق أنزله، وباطل يُواجهه، وقد تقدَّم قبل ذلك أن قال تبارك وتعالى:
{  هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ.. }
[الحج: 19].

وما دام هناك خصومة فلا بُدَّ أنْ تنشأ عنها معارك، هذه المعارك قد تأخذ صورة الألفاظ والمجادلة، وقد تأخذ صورة العنف والقوة والشراسة والالتحام المباشر بأدوات الحرب.

ومعركة النبي صلى الله عليه وسلم مع معارضيه من كفار مكة لم تقف عند حَدِّ المعركة الكلامية فحَسْب، فقد قالوا عنه - صلوات الله وسلامه عليه: ساحر، وكاهن، ومجنون، وشاعر، ومُفْتر.. إلخ ثم تطوَّر الأمر إلى إيذاء أصحابه وتعذيبهم، فكانوا يأتون رسول الله مَشْدوخين ومجروحين فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: " لم أومر بقتال، اصبروا اصبروا، صبراً صبراً.. ".

إلى أنْ زاد اعتداء الكفار وطََفَح الكَيْل منهم أَذن الله لرسوله بالقتال، فقال:
{  أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ }
[الحج: 39].

فقوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ.. } [الحج: 38] صيغة يدافع: مبالغة مِنْ يدفع، معنى يدفع يعني: شيئاً واحداً، أو مرة واحدة، وتنتهي المسألة، أمّا يدافع فتدل على مقابلة الفعل بمثله، فالله يدفعهم وهم يقابلون أيضاً بالمدافعة، فيحدث تدافع وتفاعل من الجانبين، وهذا لا يكون إلا في معركة.

والمعركة تعني: منتصر ومنهزم، لذلك الحق - تبارك وتعالى - يُطمئن المؤمنين أنه سيدخل المعركة في صفوفهم، وسيدافع عنهم.

فقوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ.. } [الحج: 38] أمر طبيعي؛ لأن الحق سبحانه ما كان ليُرسِل رسولاً، ويتركه لأهل الباطل يتغلَّبون عليه، وإلاّ فما جَدْوى الرسالة إذن؛ لذلك يُطمئِن الله تعالى رسوله ويُبشِّره، فيقول:
{  وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ }
[الصافات: 171 - 173].

وقال:
{  وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ.. }
[الحج: 40].

وقال:
{  إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ }
[محمد: 7].

فهذه كلها آيات تُطمئِن المؤمنين وتُبشِّرهم، وقد جاءتْ على مراحل لحكمة أرادها الحق سبحانه، فمنعهم عن القتال في البداية لحكمة، ثم جعل القتال فيما بينهم، وقبْل أنْ يأذنَ لهم في قتال أعدائهم لحكمة: هي أنْ يَبْلوا المؤمنين ويُمحِّصهم ليُخرِج من صفوفهم أهل الخَوَر والجُبْن، وضعيفي الإيمان الذين يعبدون الله على حَرْف، ولا يبقى بعد ذلك إلا قويُّ الإيمان ثابتُ العقيدة، الذي يحمل راية هذا الدين وينسَاح بها في بقاع الأرض؛ لأنها دعوة عالمية لكل زمان ولكل مكان إلى أنْ تقوم الساعة، ولما كانت هذه الدعوة بهذه المنزلة كان لا بُدَّ لها من رجال أقوياء يحملونها، وإلا لو استطاع الأعداءُ القضاءَ عليها فلن تقومَ لدين الله قائمة.إذن: كان لا بُدَّ أن يُصفِّي الحقُ سبحانه أهلَ الإيمان كما يُصفِّي الصائغُ الذهبَ، ويُخرِج خَبَثه حين يضعه في النار، كذلك كانت الفِتَن والابتلاءات لتصفية أهل الإيمان وتمييزهم، لكن بالقتال في صَفٍّ واحد.

ثم يقول سبحانه: { إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ } [الحج: 38] فكأن الحق - سبحانه وتعالى - أصبح طرفاً في المعركة، والخوَّان: صيغة مبالغة من خائن، وهو كثير الخيانة وكذلك كفور: صيغة مبالغة من كافر.

ومعنى الخيانة يقتضي أن هناك أمانةً خانها. نعم، هناك الأمانة الأولى، وهي أمانة التكليف التي قال الله فيها:
{  إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ.. }
[الأحزاب: 72] فلقد خانَ هذه الأمانة بعد أنْ رَضِي أنْ يكونَ أهْلاً لها.

وهناك أمانة قبل هذه، وهي العهد الذي أخذه الله على عباده، وهم في مرحلة الذَّرِّ:
{  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ.. }
[الأعراف: 172 - 173].

فإنْ قالوا: نعم هذه أمانة، لكنها بعيدة، ومَنْ مِنَّا يذكرها الآن؟

نقول: ألم تُقِرُّوا بأن الله خلقكم، وأوجدكم من عدم، وأمدكم من عُدم؟ كما قال سبحانه:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ.. }
[الزخرف: 87] كما أقرُّوا بخَلْق السماوات والأرض وما فيها من خيرات لله عز وجل، فكان وفاء هذا الإقرار أنْ يؤمنوا، لكنهم مع هذا كله كفروا، أليست هذه خيانة للأمانة عاصروها جميعاً وعايشوها وأسهموا فيها؟

والكَفُور: مَنْ كفر نِعَم الله وجَحَدها.

وما دام هناك الخوَّان والكفُور فلا بُدَّ للسماء أنْ تُؤيِّد رسولها، وأنْ تنصره في هذه المعركة أولاً، بأنْ تأذنَ له في القتال، ثم تأمره بأخذ العُدة والأسباب المؤدية للنصر، فإنْ عزَّتْ المسائل عليكم، فأنا معكم أؤيدكم بجنود من عندي.

وقد حدث هذا في بَدْء الدعوة، فأيَّد الله نبيه بجنود من عنده، بل أيَّده حتى بالكافر المعاند: ألم يكُن دليل رسول الله في الهجرة كافراً؟ ألم ينصره الله بالحمام وبالعنكبوت وهو في الغار؟ ألم ينصره بالأرض التي ساخَتْ تحت أقدام فرس " سُرَاقة " الذي خرج في طلبه؟

هذه جنود لم نَرها، ولم يُؤيَّد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعد أن استنفد أسبابه، ولو أراد سبحانه لَطوَّع لرسوله هؤلاء المعاندين، فما رفع أحد منهم رأسه بعناد لمحمد، إنما الحق - تبارك وتعالى - يريد أنْ يعطيه طواعية ويخضع له القوم، ألم يقُلْ سبحانه وتعالى:
{  إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ }
[الشعراء: 4].

وقلنا: إن الله تعالى يريد أنْ يُخضِع قلوب عباده لا قوالبهم، فلو أخضعهم الله بآية كونية طبيعية كالريح أو الصاعقة أو الخَسْف، أو غيره من الآيات التي أخذتْ أمثالهم من السابقين لقالوا: إنها آفاتٌ طبيعية جاءتنا، لكن جعل الله بين الفريقين هذه المواجهة، ثم يسَّر لحزبه وجنوده أسباب النصر.

قال سبحانه:
{  قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ }
[التوبة: 14].

ثم يقول الحق سبحانه: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ.. }

.


www.alro7.net