سورة
اية:

وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

تفسير بن كثير

يخبرهما يوسف عليه السلام أنهما مهما رأيا في منامهما من حلم، فإنه عارف بتفسيره، ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه ولهذا قال: { لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} ، قال مجاهد، يقول: { لا يأتيكما طعام ترزقانه} في يومكما { إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما} ، وكذا قال السدي، وهذا إنما هو من تعليم اللّه إياي، لأني اجتنبت ملة الكافرين باللّه واليوم الآخر، فلا يرجون ثواباً ولا عقاباً في المعاد، { واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب} الآية، ويقول: هجرت طريق الكفر والشرك وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى واتبع طريق المرسلين وأعرض عن طريق الضالين، فإن اللّه يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلم، ويجعله إماماً يقتدى به في الخير وداعياً إلى سبيل الرشاد، { ما كان لنا أن نشرك باللّه من شيء ذلك من فضل اللّه علينا وعلى الناس} ، هذا التوحيد وهو الإقرار بأنه لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، { من فضل اللّه علينا} أي أوحاه إلينا وأمرنا به، { وعلى الناس} إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك، { ولكن أكثر الناس لا يشكرون} أي لا يعرفون نعمة اللّه عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل { بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار} .

تفسير الجلالين

{ واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان } ينبغي { لنا أن نشرك بالله من } زائدة { شيء } لعصمتنا { ذلك } التوحيد { من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس } وهم الكفار { لا يشكرون } الله فيشركون ثم صرح بدعائهما إلى الإيمان فقال .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّبَعْت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِك بِاللَّهِ مِنْ شَيْء ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاس وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَشْكُرُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعْت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب } وَاتَّبَعْت دِينهمْ لَا دِين أَهْل الشِّرْك . { مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِك بِاللَّهِ مِنْ شَيْء } يَقُول : مَا جَازَ لَنَا أَنْ نَجْعَل لِلَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَته وَطَاعَته , بَلِ الَّذِي عَلَيْنَا إِفْرَاده بِالْأُلُوهَةِ وَالْعِبَادَة . { ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْنَا } يَقُول : اتِّبَاعِي مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب عَلَى الْإِسْلَام , وَتَرْكِي { مِلَّة قَوْم لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } , مِنْ فَضْل اللَّه الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْنَا , فَأَنْعَمَ إِذْ أَكْرَمَنَا بِهِ . { وَعَلَى النَّاس } يَقُول : وَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ فَضْل اللَّه عَلَى النَّاس , إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ دُعَاة إِلَى تَوْحِيده وَطَاعَته . { وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَشْكُرُونَ } يَقُول : وَلَكِنْ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ لَا يَشْكُر ذَلِكَ مِنْ فَضْله عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَم مَنْ أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَلَا يَعْرِف الْمُتَفَضِّل بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14759 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْنَا } أَنْ جَعَلَنَا أَنْبِيَاء . { وَعَلَى النَّاس } يَقُول : أَنْ بَعَثَنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا 14760 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاس } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء كَانَ يَقُول : يَا رُبَّ شَاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرَ مُنْعِم عَلَيْهِ لَا يَدْرِي , وَرُبَّ حَامِل فِقْه غَيْر فَقِيهِ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّبَعْت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِك بِاللَّهِ مِنْ شَيْء ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاس وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَشْكُرُونَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَاتَّبَعْت مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب } وَاتَّبَعْت دِينهمْ لَا دِين أَهْل الشِّرْك . { مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِك بِاللَّهِ مِنْ شَيْء } يَقُول : مَا جَازَ لَنَا أَنْ نَجْعَل لِلَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَته وَطَاعَته , بَلِ الَّذِي عَلَيْنَا إِفْرَاده بِالْأُلُوهَةِ وَالْعِبَادَة . { ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْنَا } يَقُول : اتِّبَاعِي مِلَّة آبَائِي إِبْرَاهِيم وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب عَلَى الْإِسْلَام , وَتَرْكِي { مِلَّة قَوْم لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } , مِنْ فَضْل اللَّه الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْنَا , فَأَنْعَمَ إِذْ أَكْرَمَنَا بِهِ . { وَعَلَى النَّاس } يَقُول : وَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ فَضْل اللَّه عَلَى النَّاس , إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ دُعَاة إِلَى تَوْحِيده وَطَاعَته . { وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَشْكُرُونَ } يَقُول : وَلَكِنْ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ لَا يَشْكُر ذَلِكَ مِنْ فَضْله عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَم مَنْ أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ وَلَا يَعْرِف الْمُتَفَضِّل بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14759 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْنَا } أَنْ جَعَلَنَا أَنْبِيَاء . { وَعَلَى النَّاس } يَقُول : أَنْ بَعَثَنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا 14760 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ذَلِكَ مِنْ فَضْل اللَّه عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاس } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاء كَانَ يَقُول : يَا رُبَّ شَاكِرِ نِعْمَةٍ غَيْرَ مُنْعِم عَلَيْهِ لَا يَدْرِي , وَرُبَّ حَامِل فِقْه غَيْر فَقِيهِ '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ودخل معه السجن فتيان} و { فتيان} تثنية فتى؛ وهو من ذوات الياء، وقولهم : الفتو شاذ. قال وهب وغيره : حمل يوسف إلى السجن مقيدا على حمار، وطيف به (هذا جزاء من يعصي سيدته) وهو يقول : هذا أيسر من مقطعات النيران، وسرابيل القطران، وشراب الحميم، وأكل الزقوم. فلما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم؛ فجعل يقول لهم : اصبروا وأبشروا تؤجروا؛ فقالوا له : يا فتى ! ما أحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك، من أنت يا فتى؟ قال : أنا يوسف ابن صفي الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم. وقال ابن عباس : لما قالت المرأة لزوجها إن هذا العبد العبراني قد فضحني، وأنا أريد أن تسجنه، فسجنه في السجن؛ فكان يعزي فيه الحزين، ويعود فيه المريض، ويداوي فيه الجريح، ويصلي الليل كله، ويبكي حتى تبكي معه جدر البيوت وسقفها والأبواب، وطهر به السجن، واستأنس به أهل السجن؛ فكان إذا خرج الرجل من السجن رجع حتى يجلس في السجن مع يوسف، وأحبه صاحب السجن فوسع عليه فيه؛ ثم قال، له : يا يوسف! لقد أحببتك. حبا لم أحب شيئا حبك؛ فقال : أعوذ بالله من حبك، قال : ولم ذلك؟ فقال : أحبني أبي ففعل بي أخوتي ما فعلوه، وأحبتني سيدتي فنزل بي ما ترى، فكان في حبسه حتى غضب الملك على خبازه وصاحب شرابه، وذلك أن الملك عمر فيهم فملوه، فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه جميعا، فأجاب الخباز وأبى صاحب الشراب، فانطلق صاحب الشراب فأخبر الملك بذلك، فأمر الملك بحبسهما، فاستأنسا بيوسف، فذلك قوله { ودخل معه السجن فتيان} وقد قيل : إن الخباز وضع السم في الطعام، فلما حضر الطعام قال الساقي : أيها الملك! لا تأكل فإن الطعام مسموم. وقال الخباز : أيها الملك لا تشرب! فإن الشراب مسموم؛ فقال الملك للساقي : اشرب! فشرب فلم يضره، وقال للخباز : كل؛ فأبى، فجرب الطعام على حيوان فنفق مكانه، فحبسهما سنة، وبقيا في السجن تلك المدة مع يوسف. واسم الساقي منجا، والآخر مجلث؛ ذكره الثعلبي عن كعب. وقال النقاش : اسم أحدهما شرهم، والآخر سرهم؛ الأول، بالشين المعجمة. والآخر بالسين المهملة. وقال الطبري : الذي رأى أنه يعصر خمرا هو نبو، قال السهيلي : وذكر اسم الآخر ولم أقيده. وقال { فتيان} لأنهما كانا عبدين، والعبد يسمى فتى، صغيرا كان أو كبيرا؛ ذكره الماوردي. وقال القشيري : ولعل الفتى كان اسما للعبد في عرفهم؛ ولهذا قال { تراود فتاها عن نفسه} [يوسف : 30]. ويحتمل أن يكون الفتى اسما للخادم وإن لم يكن مملوكا. ويمكن أن يكون حبسهما مع حبس يوسف أو بعده أو قبله، غير أنهما دخلا معه البيت الذي كان فيه. { قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله} { قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا} أي عنبا؛ كان يوسف قال لأهل السجن. إني أعبر الأحلام؛ فقال أحد الفتيين لصاحبه : تعال حتى نجرب هذا العبد العبراني؛ فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا؛ قاله ابن مسعود. وحكى الطبري أنهما سألاه عن علمه فقال : إني أعبر الرؤيا؛ فسألاه عن رؤياهما. قال ابن عباس ومجاهد : كانت رؤيا صدق رأياها وسألاه عنها؛ ولذلك صدق تأويلها. وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا). وقيل : إنها كانت رؤيا كذب سألاه عنها تجريبا؛ وهذا قول ابن مسعود والسدي. وقيل : إن المصلوب منهما كان كاذبا، والآخر صادقا؛ قاله أبو مجلز. وروى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : (من تحلم كاذبا كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرتين ولن يعقد بينهما). قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح وعن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (من كذب في حلمه كلف يوم القيامة عقد شعيرة). قال : حديث حسن. قال ابن عباس : لما رأيا رؤياهما أصبحا مكروبين؛ فقال لهما يوسف : ما لي أراكما مكروبين؟ قالا : يا سيدنا! إنا رأينا ما كرهنا؛ قال : فقصَّا علي، فقصا عليه؛ قالا : نبئنا بتأويل ما رأينا؛ وهذا يدل على أنها كانت رؤيا منام. { إنا نراك من المحسنين} فإحسانه، أنه كان يعود المرضى ويداويهم، ويعزي الحزاني؛ قال الضحاك : كان إذا مرض الرجل من أهل السجن قام به، وإذا ضاق وسع له، وإذا احتاج جمع له، وسأل له. وقيل { من المحسنين} أي العالمين الذين أحسنوا العلم، قال الفراء. وقال ابن إسحاق { من المحسنين} لنا إن فسرته، كما يقول : افعل كذا وأنت محسن. قال : فما رأيتما؟ قال الخباز : رأيت كأني اختبزت في ثلاثة تنانير، وجعلته في ثلاث سلال، فوضعته على رأسي فجاء الطير فأكل منه. وقال الآخر : رأيت كأني أخذت ثلاثة عناقيد من عنب أبيض، فعصرتهن في ثلاث أوان، ثم صفيته فسقيت الملك كعادتي فيما مضى، فذلك قوله { إني أراني أعصر خمرا} أي عنبا، بلغة عمان، قال الضحاك. وقرأ ابن مسعود { إني أراني أعصر عنبا} . وقال الأصمعي : أخبرني المعتمر بن سليمان أنه لقي أعرابيا ومعه عنب فقال له : ما معك؟ قال : خمر. وقيل : معنى. { أعصر خمرا} أي عنب خمر، فحذف المضاف. ويقال : خمرة وخمر وخمور، مثل تمرة وتمر وتمور. قال لهما يوسف‏ { ‏لا يأتيكما طعام ترزقانه‏} ‏ يعني لا يجيئكما غدا طعام من منزلكما ‏ { ‏إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما‏} ‏ لتعلما أني أعلم تأويل رؤياكما، فقالا‏:‏ افعل‏!‏ فقال لهما‏:‏ يجيئكما كذا وكذا، فكان على ما قال؛ وكان هذا من علم الغيب خُص به يوسف‏.‏ وبين أن الله خصه بهذا العلم لأنه ترك ملة قوم لا يؤمنون بالله، يعني دين الملك‏.‏ ومعنى الكلام عندي‏:‏ العلم بتأويل رؤياكما، والعلم بما يأتيكما من طعامكما والعلم بدين الله، فاسمعوا أولا ما يتعلق بالدين لتهتدوا، ولهذا لم يعبر لهما حتى دعاهما إلى الإسلام، فقال‏ { ‏يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ما تعبدون‏} الآية [‏يوسف‏:‏39‏]‏كلها، على ما يأتي‏.‏ وقيل‏:‏ علم أن أحدهما مقتول فدعاهما إلى الإسلام ليسعدا به‏.‏ وقيل‏:‏ إن يوسف كره أن يعبر لهما ما سألاه لما علمه من المكروه على أحدهما فأعرض عن سؤالهما، وأخذ في غيره فقال‏ { ‏لا يأتيكما طعام ترزقانه‏} ‏ في النوم { ‏إلا نبأتكما‏} ‏ بتفسيره في اليقظة، قاله السدي، فقالا له‏:‏ هذا من فعل العرافين والكهنة، فقال لهما يوسف عليه السلام‏:‏ ما أنا بكاهن، وإنما ذلك مما علمنيه ربي، إني لا أخبركما به تكهنا وتنجيما، بل هو بوحي من الله عز وجل‏.‏ وقال ابن جريج‏:‏ كان الملك إذا أراد قتل إنسان صنع له طعاما معروفا فأرسل به إليه، فالمعنى‏:‏ لا يأتيكما طعام ترزقانه في اليقظة، فعلى هذا ‏ { ‏ترزقانه‏} ‏ أي يجري عليكما من جهة الملك أو غيره‏.‏ ويحتمل يرزقكما الله‏.‏ قال الحسن‏:‏ كان يخبرهما بما غاب، كعيسى عليه السلام‏.‏ وقيل‏:‏ إنما دعاهما بذلك إلى الإسلام؛ وجعل المعجزة التي يستدلان بها إخبارهما بالغيوب‏.‏ قوله تعالى‏ { ‏واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب‏} ‏ لأنهم أنبياء على الحق‏.‏ ‏ { ‏ما كان لنا‏} ‏ أي ما ينبغي لنا‏.‏ { ‏أن نشرك بالله من شيء‏} { ‏من‏} ‏ للتأكيد، كقولك‏:‏ ما جاءني من أحد‏.‏ ‏ { ذلك من فضل الله علينا‏} ‏ إشارة إلى عصمته من الزنى‏.‏ { ‏وعلى الناس‏} ‏ أي على المؤمنين الذين عصمهم الله من الشرك‏.‏ وقيل‏ { ‏ذلك من فضل الله علينا‏} ‏ إذ جعلنا أنبياء، ‏ { ‏وعلى الناس‏} ‏ إذ جعلنا الرسل إليهم‏.‏ ‏ { ‏ولكن أكثر الناس لا يشكرون‏} ‏ على نعمة التوحيد والإيمان‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 36 - 45

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وبذلك أوضح يوسف عليه السلام أنه ترك مِلَّة القوم الذين لا يعبدون الله حَقَّ عبادته، ولا يؤمنون بالآخرة، واتبع ملة آبائه إبراهيم ثم إسحق ثم يعقوب، وهم مَنْ أرسلهم الله لهداية الخلق إلى التوحيد، وإلى الإيمان بالآخرة ثواباً بالجنة وعذاباً بالنار.

وذلك من فضل الله بإنزاله المنهج الهادي، وفضله سبحانه قد شمل آباء يوسف بشرف التبليغ عنه سبحانه؛ ولذلك ما كان لِمَنْ يعرف ذلك أنْ يشرك بالله، فالشرك بالله يعني اللجوء إلى آلهة متعددة.

يقول الحق سبحانه:
{  وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَـهٍ إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَـٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ }
[المؤمنون: 91].

فلو أن هناك آلهة غير الله سبحانه لصنع كلُّ إله شيئاً لا يقدر على صُنْعه الإله الآخر؛ ولأصبح الأمر صراعاً بين آلهة متنافرة.

ومن فضل الله ـ هكذا أوضح يوسف عليه السلام ـ أن أنزل منهجه على الأنبياء؛ ومنهم آباؤه إبراهيم وإسحق ويعقوب؛ لِيُبلغوا منهجه إلى خَلْقه، وهم لم يحبسوا هذا الفضل القادم من الله، بل أبلغوه للناس.

{ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ } [يوسف: 38].

وساعة تقرأ أو تسمع كلمة: { لاَ يَشْكُرُونَ } [يوسف: 38] اعلم أن الأمر الذي أنت بصدده هو في مقاييس العقل والفطرة السليمة يستحق الشكر، ولا شُكْر إلا على النعمة.

ولو فَطِنَ الناس لَشكروا الأنبياء والرسل على المنهج الذي بلَّغوه عن الله؛ لأنه يهديهم إلى حُسْن إدارة الدنيا، وفوق ذلك يهديهم إلى الجنة.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك ما واصله يوسف من حديثه للسجينين: { يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ.... }.


www.alro7.net