سورة
اية:

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

تفسير بن كثير

هذا بيان لإعجاز القرآن، وأنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور، ولا بسورة من مثله، لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته، واشتماله على المعاني العزيزة الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة، لا يكون إلا من عند اللّه، الذي لا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله وأقواله، فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين، ولهذا قال تعالى: { وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون اللّه} أي مثل هذا القرآن لا يكون إلا من عند اللّه ولا يشبه هذا كلام البشر، ولكن تصديق الذي بين يديه} أي من الكتب المتقدمة ومهيمناً عليه، ومبيناً لما وقع فيها من التحريف والتأويل والتبديل، وقوله: { وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين} أي وبيان الأحكام بياناً شافياً كافياً لا مرية فيه من اللّه رب العالمين، كما تقدم في الحديث (فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وفصل ما بينكم) أي خبر عما سلف وعما سيأتي، وحكم فيما بين الناس بالشرع الذي يحبه اللّه ويرضاه. وقوله: { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون اللّه إن كنتم صادقين} أي إن ادعيتم وافتريتم وشككتم في أن هذا من عند اللّه، وقلتم كذباً إن هذا من عند محمد، فمحمد بشر مثلكم وقد جاء فيما زعمتم بهذا القرآن فأتوا أنتم بسورة مثله، أي من جنس هذا القرآن، واستعينوا على ذلك بكل من قدرتم عليه من إنس وجان، وهذا هو المقام الثالث في التحدي، فإنه تعالى تحداهم ودعاهم إن كانوا صادقين في دعواهم أنه من عند محمد، فليعارضوه بنظير ما جاء، ولسيتعينوا بمن شاءوا، وأخبر أنهم لا يقدرون على ذلك ولا سبيل لهم إليه، فقال تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} ، ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه، فقال في أول سورة هود: { أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون اللّه إن كنتم صادقين} ، ثم تنازل إلى سورة، فقال في هذه السورة: { أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون اللّه إن كنتم صادقين} ، وكذا في سورة البقرة، وهي مدنية تحداهم بسورة منه، وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبداً فقال: { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار} الآية. هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى من هذا الباب، ولكن، جاءهم من اللّه ما لا قبل لأحد به؛ ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف من بلاغة هذا الكلام، وحلاوته وجزالته وطلاوته وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم الناس به وأفهمهم له وأشدهم له انقياداً. ولهذا جاء في الصحيح عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه اللّه إليَّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً) وقوله: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله} يقول: بل كذب هؤلاء بالقرآن ولم يفهموه ولا عرفوه { ولما يأتهم تأويله} أي ولم يحصلوا ما فيه من الهدى ودين الحق إلى حين تكذيبهم به جهلاً وسفهاً، { كذلك كذب الذين من قبلهم} أي من الأمم السالفة، { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} أي فانظر كيف أهلكناهم بتكذيبهم رسلنا ظلماً وعلواً وكفراً وعناداً، فاحذروا أيها المكذبون أن يصيبكم ما أصابهم، وقوله: { ومنهم من يؤمن به} الآية، أي ومن هؤلاء الذين بعثت إليهم يا محمد من يؤمن بهذا القرآن ويتبعك وينتفع بما أرسلت به، { ومنهم من لا يؤمن به} بل يموت على ذلك ويبعث عليه، { وربك أعلم بالمفسدين} أي وهو أعلم بمن يستحق الهداية فيهديه. ومن يستحق الضلالة فيضله، وهو العادل الذي لا يجور، بل يعطي كلا ما يستحقه تبارك وتعالى وتقدس.

تفسير الجلالين

{ أم } بل أ { يقولون افتراه } اختلقه محمد { قل فأتوا بسورة مثله } في الفصاحة والبلاغة على وجه الافتراء فإنكم عربيون فصحاء مثلي { وادعوا } للإعانة عليه { من استطعتم من دون الله } أي غيره { إن كنتم صادقين } في أنه افتراء فلم تقدروا على ذلك، قال تعالى .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ يَقُول هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ : اِفْتَرَى مُحَمَّد هَذَا الْقُرْآن مِنْ نَفْسه , فَاخْتَلَقَهُ وَافْتَعَلَهُ . قُلْ يَا مُحَمَّد لَهُمْ : إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ إِنِّي اِخْتَلَقْته وَافْتَرَيْته , فَإِنَّكُمْ مِثْلِي مِنْ الْعَرَب , وَلِسَانِي وَكَلَامِي مِثْل لِسَانكُمْ , فَجِيئُوا بِسُورَةٍ مِثْل هَذَا الْقُرْآن . وَالْهَاء فِي قَوْله " مِثْله " كِنَايَة عَنْ الْقُرْآن . وَقَدْ كَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ : قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْل سُورَته , ثُمَّ أُلْقِيَتْ " سُورَة " وَأُضِيف الْمِثْل إِلَى مَا كَانَ مُضَافًا إِلَيْهِ السُّورَة , كَمَا قِيلَ : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ } 12 82 يُرَاد بِهِ : وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَة . وَكَانَ بَعْضهمْ يُنْكِر ذَلِكَ مِنْ قَوْله وَيَزْعُم أَنَّ مَعْنَاهُ : فَأْتُوا بِقُرْآنٍ مِثْل هَذَا الْقُرْآن . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ السُّورَةَ إِنَّمَا هِيَ سُورَة مِنْ الْقُرْآن , وَهِيَ قُرْآن , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمِيع الْقُرْآن , فَقِيلَ لَهُمْ : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله } وَلَمْ يَقُلْ : " مِثْلهَا " , لِأَنَّ الْكِنَايَة أُخْرِجَتْ عَلَى الْمَعْنَى , أَعْنِي مَعْنَى السُّورَة , لَا عَلَى لَفْظهَا , لِأَنَّهَا لَوْ أُخْرِجَتْ عَلَى لَفْظهَا لَقِيلَ : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمْ يَقُول هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ : اِفْتَرَى مُحَمَّد هَذَا الْقُرْآن مِنْ نَفْسه , فَاخْتَلَقَهُ وَافْتَعَلَهُ . قُلْ يَا مُحَمَّد لَهُمْ : إِنْ كَانَ كَمَا تَقُولُونَ إِنِّي اِخْتَلَقْته وَافْتَرَيْته , فَإِنَّكُمْ مِثْلِي مِنْ الْعَرَب , وَلِسَانِي وَكَلَامِي مِثْل لِسَانكُمْ , فَجِيئُوا بِسُورَةٍ مِثْل هَذَا الْقُرْآن . وَالْهَاء فِي قَوْله " مِثْله " كِنَايَة عَنْ الْقُرْآن . وَقَدْ كَانَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة يَقُول : مَعْنَى ذَلِكَ : قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْل سُورَته , ثُمَّ أُلْقِيَتْ " سُورَة " وَأُضِيف الْمِثْل إِلَى مَا كَانَ مُضَافًا إِلَيْهِ السُّورَة , كَمَا قِيلَ : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ } 12 82 يُرَاد بِهِ : وَاسْأَلْ أَهْلَ الْقَرْيَة . وَكَانَ بَعْضهمْ يُنْكِر ذَلِكَ مِنْ قَوْله وَيَزْعُم أَنَّ مَعْنَاهُ : فَأْتُوا بِقُرْآنٍ مِثْل هَذَا الْقُرْآن . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ السُّورَةَ إِنَّمَا هِيَ سُورَة مِنْ الْقُرْآن , وَهِيَ قُرْآن , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمِيع الْقُرْآن , فَقِيلَ لَهُمْ : { فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْله } وَلَمْ يَقُلْ : " مِثْلهَا " , لِأَنَّ الْكِنَايَة أُخْرِجَتْ عَلَى الْمَعْنَى , أَعْنِي مَعْنَى السُّورَة , لَا عَلَى لَفْظهَا , لِأَنَّهَا لَوْ أُخْرِجَتْ عَلَى لَفْظهَا لَقِيلَ : فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلهَا .' يَقُول : وَادْعُوا أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلهَا مَنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تَدْعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَائِكُمْ وَشُرَكَائِكُمْيَقُول : وَادْعُوا أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلهَا مَنْ قَدَرْتُمْ أَنْ تَدْعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَوْلِيَائِكُمْ وَشُرَكَائِكُمْ' يَقُول : مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه , فَأَجْمِعُوا عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَهِدُوا , فَإِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله أَبَدًا .يَقُول : مِنْ عِنْد غَيْر اللَّه , فَأَجْمِعُوا عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَهِدُوا , فَإِنَّكُمْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله أَبَدًا .' وَقَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا اِفْتَرَاهُ , فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله مِنْ جَمِيع مَنْ يُعِينكُمْ عَلَى الْإِتْيَان بِهَا , فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّكُمْ كَذَبَة فِي زَعْمكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا اِفْتَرَاهُ ; لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَنْ يَعْدُوَ أَنْ يَكُونَ بَشَرًا مِثْلَكُمْ , فَإِذَا عَجَزَ الْجَمِيع مِنْ الْخَلْق أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله , فَالْوَاحِد مِنْهُمْ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِهِ أَعْجَز .وَقَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول : إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّ مُحَمَّدًا اِفْتَرَاهُ , فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله مِنْ جَمِيع مَنْ يُعِينكُمْ عَلَى الْإِتْيَان بِهَا , فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّكُمْ كَذَبَة فِي زَعْمكُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا اِفْتَرَاهُ ; لِأَنَّ مُحَمَّدًا لَنْ يَعْدُوَ أَنْ يَكُونَ بَشَرًا مِثْلَكُمْ , فَإِذَا عَجَزَ الْجَمِيع مِنْ الْخَلْق أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْله , فَالْوَاحِد مِنْهُمْ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِهِ أَعْجَز .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { أم يقولون افتراه} أم ههنا في موضع ألف الاستفهام لأنها اتصلت بما قبلها. وقيل: هي أم المنقطعة التي تقدر بمعنى بل والهمزة؛ كقوله تعالى: { الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه} [السجدة : 1، 2، 3] أي بل أيقولون افتراه. وقال أبو عبيدة : أم بمعنى الواو، مجازة : ويقولون افتراه. وقيل : الميم صلة، والتقدير : أيقولون افتراه، أي اختلق محمد القرآن من قبل نفسه، فهو استفهام معناه التقريع. { قل فأتوا بسورة مثله} ومعنى الكلام الاحتجاج، فإن الآية الأولى دلت على كون القرآن من عند الله؛ لأنه مصدق الذي بين يديه من الكتب وموافق لها من غير أن يتعلم محمد عليه السلام عن أحد. وهذه الآية إلزام بأن يأتوا بسورة مثله إن كان مفترى. وقد مضى القول في إعجاز القرآن، وأنه معجز في مقدمة الكتاب، والحمد لله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 35 - 39


سورة يونس الايات 38 - 43

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقد سبق هذا المجيء بالتحدي أسبابُ عجزهم عن النجاح في التحدي؛ لأن الآية السابقة تقرر أن الكتب السماوية السابقة تُصَدِّق نزول القرآن الكريم، وبينها وبين القرآن تصديق متبادل.

فهم مهزومون فيه قبل أن ينزل.

ويقول الحق سبحانه وتعالى: { قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ } [يونس: 38].

وقد جاء التحدي مرة بالكتاب في قول الحق سبحانه:


{  قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }
[الإسراء: 88].

ولم يستطيعوا، فنزلت درجة التحدي؛ وطالبهم أن يأتوا:
{  بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ }
[هود: 13].

فلم يستطيعوا الإتيان بعشر سور، فطالبهم أن يأتوا بسورة تقترب ـ ولو من بعيد ـ من أسلوب القرآن، فلم يستطيعوا
{  فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ }
[البقرة: 23].

فكيف ـ إذن ـ من بعد كل ذلك يدَّعون أن محمداً صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن، وهو صلى الله عليه وسلم لم تكن له صلة بالأساليب البلاغية أو الفصاحة؟!

لقد دعاكم أن تأتوا بكل الفصحاء والبلغاء ليفتروا، ولو سورة من مثله، ووضع شرطاً فقال: { وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ } [يونس: 38].

لأن الله سبحانه وتعالى هو القادر الوحيد على أن يُنزل قرآناً؛ لذلك دعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعوا الشركاء؛ وذلك حتى لا يقول الكفار وبعضهم من أهل اللجاجة: سندعوا الله؛ ولذلك يأتي القرآن بالاستنثاء { وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [يونس: 38]. وهم بطبيعة الحال غير صادقين في هذا التحدي.

والله ـ سبحانه وتعالى ـ حين يرسل رسولاً إلى قوم؛ ليعلِّمهم منهجه في حركة الحياة، إنما يريد سبحانه أن تؤدي حركة الحياة إلى الغاية المطلوبة من الإنسان الخليفة في الأرض؛ ولذلك يأتي الرسول من جنس المرسل إليهم؛ ليكون أسوة لهم؛ لأن الرسول إن جاء مَلَكاً لما صحَّت الأسوة، بل لا بد أن يكون بشراً.

والحق سبحانه لا يرسل أي رسول إلا ومعه بينة ودليل صدق على أنه رسول يبلِّغ عن الله تعالى.

والبينة لا بد أن تكون من جنس نبوغ القوم، فلا يأتي لهم بمعجزة في شيء لم يعرفوه ولم يألفوه؛ حتى لا يقولوا: لو تعلمنا هذا لجئنا بمثل ما جاء.

وقد جاء القرآن ليثبت عجزهم عما نبغوا فيه من صناعة الكلام؛ شعراً ونثراً وخطابة.

وكان القرآن هو معجزة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم فصحاء يعقدون للشعر أسواقاً، ويعلِّقون الفائز من هذا الشعر على جدران الكعبة شهرة له وشهادة به.

إذن: فهم أصحاب دراية بصناعة الكلام، وجاءت المعجزة مع الرسول صلى الله عليه وسلم من جنس ما نبغوا فيه؛ لتتحداهم.والتحدي يستدعي استجماع قوة الخصم؛ ليرد على هذا المتحدي، فإذا عجز مع التحدي، يصير العجز ملزماً.

وقد تحدى الحق سبحانه العرب جميعاً بالقرآن كله:
{  قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً }
[الإسراء: 88].

فلم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، فتدرَّج القرآن معهم في التحدي فطلب منهم ما هو أقل من ذلك، وهو أن يأتوا بعشر سور مثله في قوله تعالى:
{  قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ }
[هود: 13].

ثم تحداهم بالإتيان بمثل سورة من القرآن.

وعند التأمل نجد أن الأسلوب الذي جاء بطلب سورة كان على لونين: فمرة يقول: { بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ } [يونس: 38].

ومرة يقول:
{  بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ }
[البقرة: 23].

وكل من اللونين بليغ في موضعه فـ { بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ } [يونس: 38] تبين أن المثلية هنا محققة، أي: مثل ما جاء من سورة القرآن. وقوله:
{  بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ }
[البقرة: 23].

أي: سورة من مثل محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أنه لم يجلس إلى معلِّم، ولم يقرأ، ولا عُرف عنه أنه تكلم بالبلاغة في أي فترة من مراحل حياته قبل الرسالة.

وقال الحق سبحانه:
{  قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }
[يونس: 16].

إذن:
{  بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ }
[البقرة: 23].

أي: مثل محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يتعلم وكان أمياً، ولكن لماذا يأتي هذا اللون من التحدي؟

لأنهم قالوا عن القرآن:


{  أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ ٱكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً }
[الفرقان: 5].

بل واتهموه في قمة غفلتهم أنه يتعلم من رجل كان بمكة، فيلفتهم القرآن إلى أن الرجل ـ الذي قالوا إنه معلم للرسول صلى الله عليه وسلم ـ كان أعجمياً غير عربي، يقول الحق سبحانه:
{  لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }
[النحل: 103].

ويريد الحق سبحانه أن يصنفهم، فيقول بعد ذلك: { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ }


www.alro7.net