سورة
اية:

وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ

تفسير بن كثير

وهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في العرصات بشماله فحينئذ يندم غاية الندم، { فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه . ولم أدر ما حسابيه . يا ليتها كانت القاضية} قال الضحّاك: يعني موتة لا حياة بعدها، وقال قتادة: تمنّى الموت ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه، { ما أغنى عني ماليه . هلك عني سلطانيه} أي لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب اللّه وبأسه، بل خلص الأمر إليّ وحدي، فلا معين لي ولا مجير فعندها يقول اللّه عزَّ وجلَّ: { خذوه فغلوه . ثم الجحيم صلّوه} أي يأمر الزبانية أن تأخذه عنفاً من المحشر فتغله، أي تضع الأغلال في عنقه، ثم تورده إلى جهنم فتصليه إيّاها، أي تغمره فيها. عن المنهال بن عمرو قال: إذا قال اللّه تعالى: خذوه، ابتدره سبعون ألف ملك، إن الملك منهم ليقول: هكذا، فيلقي سبعين ألفاً في النار ""رواه ابن أبي حاتم""، وقال الفضيل بن عياض إذا قال الرب عزَّ وجلَّ { خذوه فغلوه} ابتدره سبعون ألف ملك أيهم يجعل الغل في عنقه، { ثم الجحيم صلوه} أي أغمروه فيها، وقوله تعالى: { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه} قال كعب الأحبار: كل حلقة منها قدر حديد الدنيا، وقال ابن عباس: بذراع الملك، وقال العوفي عن ابن عباس: يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه حتى لا يقوم على رجليه، روى الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن عمرو قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لو أن رضاضة مثل هذه - وأشار إلى جمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها) ""أخرجه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن"". وقوله تعالى: { إنه كان لا يؤمن باللّه العظيم . ولا يحض على طعام المسكين} أي لا يقوم بحق اللّه عليه من طاعته وعبادته، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم، فإن للّه على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئاً، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان والمعاونة على البر والتقوى، ولهذا أمر اللّه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وقبض النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول: (الصلاة، وما ملكت أيمانكم)، وقوله تعالى: { فليس له اليوم ههنا حميم . ولا طعام إلا من غسلين . لايأكله إلا الخاطئون} أي ليس له اليوم من ينقذه من عذاب اللّه تعالى، لا { حميم} وهو القريب، ولا { شفيع} يطاع، ولا طعام له ههنا { إلا من غسلين} قال قتادة: هو شر طعام أهل النار، وقال الضحّاك: هو شجرة في جهنم، وقال ابن عباس: ما أدري ما الغسلين؟ ولكني أظنه الزقوم ""أخرجه ابن أبي حاتم""، وقال عكرمة عنه: الغسلين: الدم والماء يسيل من لحومهم، وعنه الغسلين صديد أهل النار.

تفسير الجلالين

{ ولا طعام إلا من غسلين } صديد أهل النار أو شجر فيها.

تفسير الطبري

يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا لَهُ طَعَام كَمَا كَانَ لَا يَحُضّ فِي الدُّنْيَا عَلَى طَعَام الْمِسْكِين , إِلَّا طَعَام مِنْ غِسْلِين , وَذَلِكَ مَا يَسِيل مِنْ صَدِيد أَهْل النَّار . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : كُلّ جُرْح غَسَلْته فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْء فَهُوَ غِسْلِين , فِعْلِين مِنَ الْغُسْل مِنَ الْخُرَّاج وَالدُّبُر , وَزِيدَ فِيهِ الْيَاء وَالنُّون بِمَنْزِلَةِ عِفْرِين . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27001 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا طَعَام إِلَّا مِنْ غِسْلِين } صَدِيد أَهْل النَّار . 27002- حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله { وَلَا طَعَام إِلَّا مِنْ غِسْلِين } قَالَ : مَا يَخْرُج مِنْ لُحُومهمْ. 27003 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا طَعَام إِلَّا مِنْ غِسْلِين } شَرّ الطَّعَام وَأَخْبَثه وَأَبْشَعه . وَكَانَ ابْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 27004 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَا طَعَام إِلَّا مِنْ غِسْلِين } قَالَ : الْغِسْلِين وَالزَّقُّوم لَا يَعْلَم أَحَد مَا هُوَ . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا لَهُ طَعَام كَمَا كَانَ لَا يَحُضّ فِي الدُّنْيَا عَلَى طَعَام الْمِسْكِين , إِلَّا طَعَام مِنْ غِسْلِين , وَذَلِكَ مَا يَسِيل مِنْ صَدِيد أَهْل النَّار . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة مِنْ أَهْل الْبَصْرَة يَقُول : كُلّ جُرْح غَسَلْته فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْء فَهُوَ غِسْلِين , فِعْلِين مِنَ الْغُسْل مِنَ الْخُرَّاج وَالدُّبُر , وَزِيدَ فِيهِ الْيَاء وَالنُّون بِمَنْزِلَةِ عِفْرِين . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27001 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا طَعَام إِلَّا مِنْ غِسْلِين } صَدِيد أَهْل النَّار . 27002- حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله { وَلَا طَعَام إِلَّا مِنْ غِسْلِين } قَالَ : مَا يَخْرُج مِنْ لُحُومهمْ. 27003 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَا طَعَام إِلَّا مِنْ غِسْلِين } شَرّ الطَّعَام وَأَخْبَثه وَأَبْشَعه . وَكَانَ ابْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 27004 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَا طَعَام إِلَّا مِنْ غِسْلِين } قَالَ : الْغِسْلِين وَالزَّقُّوم لَا يَعْلَم أَحَد مَا هُوَ . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { فليس له اليوم هاهنا حميم} خبر { ليس} قوله { له} ولا يكون الخبر قوله { هاهنا} لأن المعنى يصير : ليس هاهنا طعام إلا من غسلين، ولا يصح ذلك؛ لأن ثم طعاما غيره. و { هاهنا} متعلق بما في { له} من معنى الفعل. والحميم هاهنا القريب. أي ليس له قريب يرق له ويدفع عنه. وهو مأخوذ من الحميم وهو الماء الحار؛ كأنه الصديق الذي يرق ويحترق قلبه له. والغسلين فعلين من الغسل؛ فكأنه ينغسل من أبدانهم، وهو صديد أهل النار السائل من جروحهم وفروجهم؛ عن ابن عباس. وقال الضحاك والربيع بن أنس : هو شجر يأكله أهل النار. والغِسل بالكسر: ما يغسل به الرأس من خطمي وغيره. الأخفش : ومنه الغسلين، وهو ما انغسل من لحوم أهل النار ودمائهم. وزيد فيه الياء والنون كما زيد في عفرين. وقال قتادة : هو شر الطعام وأبشعه. ابن زيد : لا يعلم ما هو ولا الزقوم. وقال في موضع آخر { ليس لهم طعام إلا من ضريع} [الغاشية : 6] يجوز أن يكون الضريع من الغسلين. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى فليس له اليوم هاهنا حميم إلا من غسلين. وقيل : في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى فليس له اليوم هاهنا حميم إلا من غسلين؛ ويكون الماء الحار. { ولا طعام} أي وليس لهم طعام ينتفعون به. { لا يأكله إلا الخاطئون} أي المذنبون. وقال ابن عباس : يعني المشركين. وقرئ { الخاطيون} بإبدال الهمزة ياء، و { الخاطون} بطرحها. وعن ابن عباس : ما الخاطون كلنا نخطو. وروى أبو الأسود الدؤلي : ما الخاطون؟ إنما هو الخاطئون. ما الصابون إنما هو الصابئون. ويجوز أن يراد الذي يتخطون الحق إلى الباطل ويتعدون حدود الله عز وجل.


www.alro7.net