سورة
اية:

فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس في قوله تعالى: { سنفرغ لكم أيها الثقلان} قال: وعيد من اللّه تعالى للعباد، وليس باللّه شغل وهو فارغ، وقال قتادة: قد دنا من اللّه فراغ لخلقه، وقال ابن جريج: { سنفرغ لكم} أي سنقضي لكم، وقال البخاري: سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء، وهو معروف في كلام العرب، يقال: لأفرغنّ لك، وما به شغل يقول: لآخذنك على غرتك، وقوله تعالى: { أيها الثقلان} الثقلان: الإنس والجن كما جاء في الصحيح: (يسمعه كل شيء إلا الثقلين) وفي رواية: (إلا الإنس والجن) وفي حديث الصور: (الثقلان الإنس والجن) { فبأي آلاء ربكما تكذبان} ، ثم قال تعالى: { يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} أي لا تستطيعون هرباً من أمر اللّه وقدره، بل هو محيط بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر، الملائكة محدقة بالخلائق سبع صفوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب { إلا بسلطان} أي إلا بأمر اللّه، { يقول الإنسان يومئذ أين المفر} ، ولهذا قال تعالى: { يُرسلُ عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران} قال ابن عباس: الشواظ هو لهب النار، وعنه: الشواظ الدخان، وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع، وقال الضحّاك: { شواظ من نار} سيل من نار، وقوله تعالى: { ونحاس} قال ابن عباس: دخان النار، وقال ابن جرير: والعرب تسمي الدخان نحاساً. روى الطبراني عن الضحّاك أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن الشواظ فقال: هو اللهب الذي لا دخان معه، فسأله شاهداً على ذلك من اللغة، فأنشده بيت أمية بن أبي الصلت في حسان: ألا من مبلغ حسانَ عني ** مُغَلْغلة تدب إلى عكاظ أليس أبوك فينا كان قيناً ** لدى القينات فَسْلا في الحِفاظ يمانياً يظل يشد كيراً ** وينفخ دائباً لهب الشواظ معنى مغلغلة: أي رسالة، قين: أي عبد، فَسْل: أي ضعيف عابر . قال: صدقت، فما النحاس؟ قال: هو الدخان الذي لا لهب له، قال: فهل تعرفه العرب؟ قال: نعم أما سمعت نابغة بني ذبيان يقول: يضيء كضوء سراج السلي ** ـط لم يجعل اللّه فيه نحاساً ""رواه الطبراني عن الضحّاك عن نافع بن الأزرق"". وقال مجاهد: النحاس الصفر يذاب فيصب على رؤوسهم، والمعنى: لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة والزبانية بارسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا، ولهذا قال: { فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان} ؟

تفسير الجلالين

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } .

تفسير الطبري

فَبِأَيِّ نِعَم رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ مَعْشَر الثَّقَلَيْنِ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ مِنَ التَّسْوِيَة بَيْن جَمِيعِكُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى خِلَاف أَمْر أَرَادَهُ بِكُمْ تُكَذِّبَانِ .فَبِأَيِّ نِعَم رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ مَعْشَر الثَّقَلَيْنِ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ مِنَ التَّسْوِيَة بَيْن جَمِيعِكُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى خِلَاف أَمْر أَرَادَهُ بِكُمْ تُكَذِّبَانِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: ‏ { ‏سنفرغ لكم أيها الثقلان‏} ‏ يقال‏:‏ فرغت من الشغل أفرغ فروغا وفراغا وتفرغت لكذا واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته‏.‏ والله تعالى ليس له شغل يفرغ منه، إنما المعنى سنقصد لمجازاتكم أو محاسبتكم، وهذا وعيد وتهديد لهم كما يقول القائل لمن يريد تهديده‏:‏ إذا أتفرغ لك أي أقصدك‏.‏ وفرغ بمعنى قصد، وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا لجرير‏:‏ ألان وقد فرغت إلى نمير ** فهذا حين كنت لها عذابا يريد وقد قصدت‏،‏ وقال أيضا وأنشده النحاس‏:‏ فرغت إلى العبد المقيد في الحجل ** وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بايع الأنصار ليلة العقبة، صاح الشيطان‏:‏ يا أهل الجباجب‏!‏ هذا مذمَّم يبايع بني قيلة على حربكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ‏ { ‏هذا إزب العقبة أما والله يا عدو لأتفرغن لك‏} ‏ أي أقصد إلى إبطال أمرك‏.‏ وهذا اختيار القتبي والكسائي وغيرهما‏.‏ وقيل‏:‏ إن الله تعالى وعد على التقوى وأوعد على الفجور، ثم قال: ‏ { ‏سنفرغ لكم‏} ‏ مما وعدناكم ونوصل كلا إلى ما وعدناه، أي أقسم ذلك وأتفرغ منه‏.‏ قال الحسن ومقاتل وابن زيد‏.‏ وقرأ عبد الله وأبي ‏ { ‏سنفرغ إليكم‏} ‏ وقرأ الأعمش وإبراهيم ‏ { ‏سيفرغ لكم‏} ‏ بضم الياء وفتح الراء على ما لم يسم فاعله‏.‏ وقرأ ابن شهاب والأعرج ‏ { ‏سنفرغ لكم‏} ‏ بفتح النون والراء، قال الكسائي‏:‏ هي لغة تميم يقولون فرغ يفرغ، وحكى أيضا فرغ يفرغ ورواهما هبيرة عن حفص عن عاصم‏.‏ وروى الجعفي عن أبي عمرو ‏ { ‏سيفرغ‏} ‏ بفتح الياء والراء، ورويت عن ابن هرمز‏.‏ وروي عن عيسى الثقفي ‏ { ‏سنفرغ لكم‏} ‏ بكسر النون وفتح الراء، وقرأ حمزة والكسائي ‏ { ‏سيفرغ لكم‏} ‏ بالياء‏.‏ الباقون بالنون وهي لغة تهامة‏.‏ والثقلان الجن والإنس، سميا بذلك لعظم شأنهما بالإضافة إلى ما في الأرض من غيرهما بسبب التكليف، وقيل‏:‏ سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياء وأمواتا، قال الله تعالى‏ { ‏وأخرجت الأرض أثقالها‏} [‏الزلزلة‏:‏ 2‏]‏ ومنه قولهم‏:‏ أعطه ثقله أي وزنه‏.‏ وقال بعض أهل المعاني‏:‏ كل شيء له قدر ووزن ينافس فيه فهو ثقل‏.‏ ومنه قيل لبيض النعام ثقل، لأن واجده وصائده يفرح به إذا ظفر به‏.‏ وقال جعفر الصادق‏:‏ سميا ثقلين، لأنهما مثقلان بالذنوب‏.‏ وقال: ‏ { ‏سنفرغ لكم‏} ‏ فجمع، ثم قال‏ { ‏أيه الثقلان‏} ‏ لأنهما فريقان وكل فريق جمع، وكذا قوله تعالى‏: { ‏يا معشر الجن والإنس إن استطعتم‏} ‏ ولم يقل إن استطعتما، لأنهما فريقان في حال الجمع، كقوله تعالى‏: { ‏فإذا هم فريقان يختصمون‏} ‏ [النمل‏:‏ 45‏]‏ و‏} ‏هذان خصمان اختصموا في ربهم‏} ‏ [الحج‏:‏ 19‏]‏ ولو قال‏:‏ سنفرغ لكما، وقال‏:‏ إن استطعتما لجاز‏.‏ وقرأ أهل الشام ‏ { ‏أيه الثقلان‏} ‏ بضم الهاء‏.‏ الباقون بفتحها وقد تقدم‏.‏ مسألة‏:‏ هذه السورة و { الأحقاف} و‏ { ‏قل أوحي‏} ‏ دليل على أن الجن مخاطبون مكلفون مأمورون منهيون مثابون معاقبون كالإنس سواء، مؤمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، لا فرق بيننا وبينهم في شيء من ذلك‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏معشر الجن والإنس‏} ‏ ذكر ابن المبارك‏:‏ وأخبرنا جويبر عن الضحاك قال إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت بأهلها، فتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب، فينزلون إلى الأرض فيحيطون بالأرض ومن فيها، ثم يأمر الله السماء التي تليها كذلك فينزلون فيكونون صفا من خلف ذلك الصف، ثم السماء الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة، فينزل الملك الأعلى في بهائه وملكه ومجنبته اليسرى جهنم، فيسمعون زفيرها وشهيقها، فلا يأتون قطرا من أقطارها إلا وجدوا صفوفا من الملائكة، فذلك قوله تعالى‏: { ‏يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانقذوا لا تنقذون إلا بسلطان‏} ‏ والسلطان العذر‏.‏ وقال الضحاك أيضا‏:‏ بينما الناس في أسواقهم انفتحت السماء، ونزلت الملائكة، فتهرب الجن والإنس، فتحدق بهم الملائكة، فذلك قوله تعالى‏: { ‏لا تنقذون إلا بسلطان‏} ‏ ذكره النحاس‏.‏ قلت‏.‏ فعلى هذا يكون في الدنيا، وعلى ما ذكر ابن المبارك يكون في الآخرة‏.‏ وعن الضحاك أيضا‏:‏ إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات وما في الأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله تعالى‏.‏ وعنه أيضا أن معنى‏: { ‏لا تنفذون إلا بسلطان‏} ‏ لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم‏.‏ قتادة‏:‏ لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك‏.‏ وقيل‏:‏ لا تنفذون إلا إلى سلطان، الباء بمعنى إلى، كقوله تعالى: ‏ { ‏وقد أحسن بي‏} [‏يوسف‏:‏ 100‏]‏ أي إلى‏.‏ قال الشاعر‏:‏ أسيئي بنا أو أحسني لا ملولة ** لدينا ولا مقلية إن تقلت وقوله: ‏ { ‏فانفذوا‏} ‏ أمر تعجيز‏.‏ قوله تعالى: ‏ { ‏يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس‏} ‏ أي لو خرجتم أرسل عليكم شواظ من نار، وأخذكم العذاب المانع من النفوذ‏.‏ وقيل‏:‏ ليس هذا متعلقا بالنفوذ بل أخبر أنه يعاقب العصاة عذابا بالنار‏.‏ وقيل‏:‏ أي بآلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس عقوبة على ذلك التكذيب‏.‏ وقيل‏:‏ يحاط على الخلائق بالملائكة وبلسان من نار ثم ينادون ‏ { ‏يا معشر الجن والإنس‏} ‏، فتلك النار قوله: ‏ { ‏يرسل عليكما شواظ من نار‏} ‏ والشواظ في قول ابن عباس وغيره اللهب الذي لا دخان له‏.‏ والنحاس‏:‏ الدخان الذي لا لهب فيه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت يهجو حسان بن ثابت رضي الله عنه، كذا وقع في تفسير الثعلبي والماوردي ابن أبي الصلت، وفي الصحاح و الوقف والابتداء لابن الباري‏:‏ أمية بن خلف قال‏:‏ ألا من مبلغٍ حسان عني ** مغلغلة تدب إلى عكاظ أليس أبوك فينا كان قينا ** لدي القينات فسلا في الحفاظ يمانيا يظل يشد كيرا ** وينفح دائبا لهب الشواظ فأجابه حسان رضي الله عنه فقال‏:‏ هجوتك فاختضعت لها بذل ** بقافية تأجج كالشواظ وقال رؤبة‏:‏ إن لهم من وقعنا أقياظا ** ونار حرب تسعر الشواظا وقال مجاهد‏:‏ الشواظ اللهب الأخضر المنقطع من النار‏.‏ الضحاك‏:‏ هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب‏.‏ وقال سعيد بن جبير‏.‏ وقد قيل‏:‏ إن الشواظ النار والدخان جميعا، قاله عمرو وحكاه الأخفش عن بعض العرب‏.‏ وقرأ ابن كثير ‏ { ‏شواظ‏} ‏ بكسر الشين‏.‏ الباقون بالضم وهما لغتان، مثل صوار وصوار لقطيع البقر‏.‏ ‏ { ‏ونحاس‏} ‏ قراءة العامة ‏ { ‏ونحاس‏} ‏ بالرفع عطف على ‏ { ‏شواظ‏} ‏‏.‏ وقرأ ابن كثير وابن محيصن ومجاهد وأبو عمرو ‏ { ‏ونحاس‏} ‏ بالخفض عطفا على النار‏.‏ قال المهدوي‏:‏ من قال إن الشواظ النار والدخان جميعا فالجر في ‏ { ‏النحاس‏} ‏ على هذا بين‏.‏ فأما الجر على قول من جعل الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف كأنه قال‏: { ‏يرسل عليكما شواظ من نار‏} ‏ وشيء من نحاس، فشيء معطوف على شواظ، ومن نحاس جملة هي صفة لشيء، وحذف شيء، وحذفت من لتقدم ذكرها في ‏ { ‏من نار‏} ‏ كما حذفت على من قولهم‏:‏ على من تنزل أنزل أي عليه‏.‏ فيكون ‏ { ‏نحاس‏} ‏ على هذا مجرورا بمن المحذوفة‏.‏ وعن مجاهد وحميد وعكرمة وأبي العالية ‏ { ‏ونحاس‏} ‏ بكسر النون لغتان كالشواظ والشواظ‏.‏ والنحاس بالكسر أيضا الطبيعة والأصل، يقال‏:‏ فلان كريم النحاس والنحاس أيضا بالضم أي كريم النجار‏.‏ وعن مسلم بن جندب ‏ { ‏ونحس‏} ‏ بالرفع‏.‏ وعن حنظلة بن مرة بن النعمان الأنصاري ‏ { ‏ونحس‏} ‏ بالجر عطف على نار‏.‏ ويجوز أن يكون ‏ { ‏ونحاس‏} ‏ بالكسر جمع نحس كصعب وصعاب ‏ { ‏ونحس‏} ‏ بالرفع عطف على ‏ { ‏شواظ‏} ‏ وعن الحسن ‏ { ‏ونحس‏} ‏ بالضم فيهما جمع نحس‏.‏ ويجوز أن يكون أصله ونحوس فقصر بحذف واوه حسب ما تقدم عند قوله‏: { ‏وبالنجم هم يهتدون‏} ‏ [النحل‏:‏ 16‏]‏‏.‏ وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة ‏ { ‏ونُحُس‏} ‏ بفتح النون وضم الحاء وتشديد السين من حس يحس حسا إذا استأصل، ومنه قوله تعالى: ‏ { ‏إذ تحسونهم بإذنه‏} [‏آل عمران‏:‏ 152‏]‏ والمعنى ونقتل بالعذاب‏.‏ وعلى القراءة الأولى ‏ { ‏ونحاس‏} ‏ فهو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، قاله مجاهد وقتادة، وروي عن ابن عباس‏.‏ وعن ابن عباس أيضا وسعيد بن جبير أن النحاس الدخان الذي لا لهب فيه، وهو معنى قول الخليل، وهو معروف في كلام العرب بهذا المعنى، قال نابغة بني جعدة‏:‏ يضيء كضوء سراج السليط ** لم يجعل الله فيه نحاسا قال الأصمعي‏:‏ سمعت أعرابيا يقول السليط دهن السمسم بالشام ولا دخان فيه‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ هي خمسة أنهار من صفر مذاب، تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار‏.‏ وقال ابن مسعود‏:‏ النحاس المهل‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ هو دردي الزيت المغلي‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ هو النار التي لها ريح شديدة‏.‏ ‏ { ‏فلا تنتصران‏} ‏ أي لا ينصر بعضكم بعضا يعني الجن والإنس‏.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الرحمن الايات 24 - 78


www.alro7.net