سورة
اية:

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ

تفسير بن كثير

وهذا إبطال لدعواهم فيما أشركوا باللّه غيره، وعبدوا من الأصنام والأنداد، ‏ { ‏قل هل من شركائكم من يبدؤ الخلق ثم يعيده‏} ‏ أي من بدأ خلق هذه السماوات والأرض، ثم ينشئ ما فيهما من الخلائق، ويفرّق أجرام السماوات والأرض ويبدلهما بفناء ما فيهما ثم يعيد الخلق خلقاً جديداً ‏ { ‏قل اللّه‏} ‏ هو الذي يفعل هذا ويستقل به وحده لا شريك به، ‏ { ‏فأنى تؤفكون‏} ‏ أي فكيف تصرفون عن طريق الرشد إلى الباطل ‏ { ‏قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق‏؟‏ قل اللّه يهدي للحق‏} ‏ أي أنتم تعلمون أن شركاءكم لا تقدر على هداية ضال، وإنما يهدي الحيارى والضُلاّل، ويقلّب القلوب من الغيّ إلى الرشد اللّهُ رب العالمين، ‏ { ‏أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى‏} ‏ أي أفيتبع العبد الذي يهدى إلى الحق ويبصر بعد العمى، أم الذي لا يهدي إلى شيء إلا أن يهدى لعماه وبكمه، كما قال تعالى إخباراً عن إبراهيم أنه قال‏:‏ ‏ { ‏يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا‏} ‏‏.‏ وقوله تعالى: { فما لكم كيف تحكمون} أي فما بالكم يذهب بعقولكم، كيف سويتم بين اللّه وبين خلقه، وعدلتم هذا بهذا وعبدتم هذا وهذا؟ وهلا أفردتم الرب جلّ جلاله بالعبادة وحده، وأخلصتم إليه الدعوة والإنابة؟ ثم بين تعالى أنهم لا يتبعون في دينهم هذا دليلاً ولا برهاناً، وإنما هو ظنٌ منهم أي توهم وتخيل، وذلك لا يغني عنهم شيئاً، { إن اللّه عليم بما يفعلون} تهديد لهم ووعيد شديد لأنه تعالى أخبر أنه سيجازيهم على ذلك أتم الجزاء.

تفسير الجلالين

{ وما يتبع أكثرهم } في عبادة الأصنام { إلا ظنا } حيث قلدوا فيه آباءهم { إن الظن لا يُغني من الحق شيئا } فيما المطلوب منه العلم { إن الله عليم بما يفعلون } فيجازيهم عليه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { وَمَا يَتَّبِع أَكْثَرهمْ إِلَّا ظَنًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا يَتَّبِع أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا ظَنًّا , يَقُول : إِلَّا مَا لَا عِلْم لَهُمْ بِحَقِيقَتِهِ وَصِحَّته , بَلْ هُمْ مِنْهُ فِي شَكّ وَرِيبَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { وَمَا يَتَّبِع أَكْثَرهمْ إِلَّا ظَنًّا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا يَتَّبِع أَكْثَر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِلَّا ظَنًّا , يَقُول : إِلَّا مَا لَا عِلْم لَهُمْ بِحَقِيقَتِهِ وَصِحَّته , بَلْ هُمْ مِنْهُ فِي شَكّ وَرِيبَة .' يَقُول : إِنَّ الشَّكّ لَا يُغْنِي مِنْ الْيَقِين شَيْئًا , وَلَا يَقُوم فِي شَيْء مَقَامه , وَلَا يُنْتَفَع بِهِ حَيْثُ يُحْتَاج إِلَى الْيَقِين .يَقُول : إِنَّ الشَّكّ لَا يُغْنِي مِنْ الْيَقِين شَيْئًا , وَلَا يَقُوم فِي شَيْء مَقَامه , وَلَا يُنْتَفَع بِهِ حَيْثُ يُحْتَاج إِلَى الْيَقِين .' يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه ذُو عِلْم بِمَا يَفْعَل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ اِتِّبَاعهمْ الظَّنّ وَتَكْذِيبهمْ الْحَقّ الْيَقِين , وَهُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ , حَيْثُ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ ظَنّهمْ مِنْ اللَّه شَيْئًا .يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه ذُو عِلْم بِمَا يَفْعَل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ اِتِّبَاعهمْ الظَّنّ وَتَكْذِيبهمْ الْحَقّ الْيَقِين , وَهُوَ لَهُمْ بِالْمِرْصَادِ , حَيْثُ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ ظَنّهمْ مِنْ اللَّه شَيْئًا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا} يريد الرؤساء منهم؛ أي ما يتبعون إلا حدسا وتخريصا في أنها آلهة وأنها تشفع، ولا حجة معهم. وأما أتباعهم فيتبعونهم تقليدا. { إن الظن لا يغني من الحق شيئا} أي من عذاب الله؛ فالحق هو الله. وقيل { الحق} هنا اليقين؛ أي ليس الظن كاليقين. وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكتفى بالظن في العقائد. { إن الله عليم بما يفعلون} من الكفر والتكذيب، خرجت مخرج التهديد.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 35 - 39

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقول الحق سبحانه: { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً } [يونس: 36] يفيد أن بعضهم كان يتبع يقيناً؛ لأن مقابل الظن هو اليقين، فالنسب التي تحدث بين الأشياء تربط بين الموضوع والمحمول، أو المحكوم والمحكوم عليه، وهي نسب ذكرناها من قبل، ونذكِّر بها، فهناك شيء أنت تجزم به، وشيء لا تجزم به. وما تجزم به وتُدلِّل عليه هو علم يقين، أما ما لا تستيطع التدليل عليه فليس علم يقين، بل تقليد، كأن يقول الطفل:
{  قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ }
[الإخلاص: 1].

وهذا حق، لكن الطفل لا يستطيع أن يدلل عليه أو أن يقال شيء ومن يقوله جازم به، وهو غير واقع؛ فذلك هو الجهل.

والعلم هو القضية المجزوم بها، وهي واقعة وعليها دليل، على عكس الجهل الذي هو قضية مجزوم بها وليس عليها دليل.

والظن هو تساوي نسبتين في الإيجاب والسلب، بحيث لا تستطيع أن تجزم بأي منهما؛ لأنه إن رجحت كفة كانت قضية مرجوحة، والقضية المرجوحة هي شك أو ظن أو وهم. فالظن هو ترجيح النسب على بعضها. والشك هو تساوي الكفتين.

وقول الحق سبحانه: { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّاً } [يونس: 36] يبين لنا أن الذين كانوا يعارضون رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلوا ذلك إما عناداً ـ رغم علمهم بصدق ما يبلغ عنه، وإما أنهم يعاندون عن غير علم، مصداقاً لقول الحق سبحانه:
{  بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ }
[يونس: 39].

وكان الواحد منهم إذا تمعَّن في البلاغ عن الله تعالى والأدلة عليه، يعلن الإيمان، لكن منهم من تمعن في الأدلة وظل على عناده، والذين اتبعوا الظن إنما اتبعوا ما لا يغني من الحق شيئاً.

لذلك يبيّن لهم الحق سبحانه أنه عليم بخفايا نفوسهم، ويعلم إن كان إنكارهم للإيمان نابعاً من العناد أو من العجز عن استيعاب قضية الإيمان؛ لذلك يقول الحق سبحانه: { إِنَّ ٱللَّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } [يونس: 36].

إذن: فقد علم الله سبحانه أزلاً أن بعضهم في خبايا نفوسهم يوقنون بقيمة الإيمان، لكنهم يجحدونها، مصداقاً لقول الحق سبحانه:


{  قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ }
[الأنعام: 33].

إذن: فالحق سبحانه وتعالى عليم، ولا يخفى عليه أنهم كذَّبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وبعضهم لم يفهم قيمة الإيمان، ومن علم منهم قيمة الإيمان جحدها، عناداً واستكباراً.

يقول الحق سبحانه:
{  وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً }
[النمل: 14].

وبعد ذلك يقول الحق سبحانه: { وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ }


www.alro7.net