سورة
اية:

ذَٰلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ۚ فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن حكمه في خلقه يوم القيامة فقال تعالى: { فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي آمنت قلوبهم وعملت جوارحهم الأعمال الصالحة، وهي الخالصة الموافقة للشرع { فيدخلهم ربهم في رحمته} وهي الجنة، كما ثبت في الصحيح أن اللّه تعالى قال للجنة أنت رحمتي أرحم بك من أشاء ""هذا جزء من حديث أخرجه الشيخان وأوله: (تحاجّت الجنة والنار فقالت النار: أورثت بالمتكبرين، وقالت الجنة: مالي لا يدخلني إلا سقط الناس وضعفاؤهم؟ فأوحى اللّه للجنة أنت رحمتي) ... الىآخره "" { ذلك هو الفوز المبين} أي البين الواضح، ثم قال تعالى { وأمّا الذين كفروا أفلم تكن آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم} ؟ أي يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً، أما قُرئت عليكم آيات اللّه تعالى، فاستكبرتم عن اتباعها وأعرضتم عن سماعها، وكنتم قوماً مجرمين في أفعالكم، مع ما اشتملت عليه قلوبكم من التكذيب؟ { وإذا قيل إن وعد اللّه حق والساعة لا ريب فيها} أي إذا قال لكم المؤمنون ذلك { قلتم ما ندري ما الساعة} أي لا نعرفها { إن نظن إلا ظناً} أي إن نتوهم وقوعها إلا توهماً أي مرجوحاً، ولهذا قال: { وما نحن مستيقنين} أي بمتحققين، قال اللّه تعالى: { وبدا لهم سيئات ما عملوا} أي وظهر لهم عقوبة أعمالهم السيئة { وحاق بهم} أي أحاط بهم { ما كانوا به يستهزئون} أي من العذاب والنكال، { وقيل اليوم ننساكم} أي نعاملكم معاملة الناسي لكم في نار جهنم، { كما نسيتم لقاء يومكم هذا} أي فلم تعملوا له لأنكم لم تصدقوا به { ومأواكم النار ومالكم من ناصرين} ، وقد ثبت في الصحيح أن اللّه تعالى يقول لبعض العبيد يوم القيامة: (ألم أزوجك؟ ألم أُكَرِّمْكَ؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ؟ فيقول: بلى يا رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقيّ؟ فيقول: لا، فيقول اللّه تعالى: { فاليوم أنساك كما نسيتني} )، قال اللّه تعالى: { ذلكم بأنكم اتخذتم آيات اللّه هزواً} أي إنما جازيناكم هذا الجزاء، لأنكم اتخذتم حجج اللّه عليكم سخرياً تسخرون وتستهزئون بها، { وغرتكم الحياة الدنيا} أي خدعتكم فاطمأننتم إليها فأصبحتم من الخاسرين، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { فاليوم لا يخرجون منها} أي من النار، { ولا هم يستعتبون} أي لا يطلب منهم العتبى، بل يعذبون بغير حساب ولا عتاب، كما تدخل طائفة من المؤمنين الجنة بغير عذاب ولا حساب. ثم لما ذكر تعالى حكمه في المؤمنين والكافرين قال { فللّه الحمد رب السماوات ورب الأرض} أي المالك لهما وما فيهما، ولهذا قال: { رب العالمين} ، ثم قال جلَّ وعلا: { وله الكبرياء في السماوات والأرض} ، قال مجاهد: يعني السلطان، أي هو العظيم الممجد الذي كل شيء خاضع لديه فقير إليه، وقد ورد في الحديث الصحيح: (يقول اللّه تعالى: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي فمن نازعني واحداً منهما أسكنته ناري) ""وفي رواية: فمن نازعني فيهما قصمته ولا أبالي، والحديث في صحيح مسلم""، وقوله تعالى: { وهو العزيز} أي الذي لا يغالب ولا يمانع، { الحكيم} في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، تعالى وتقدس لا إله إلا هو.

تفسير الجلالين

{ ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله } القرآن { هزواً وغرتكم الحياة الدنيا } حتى قلتم لا بعث ولا حساب { فاليوم لا يخرجون } بالبناء للفاعل وللمفعول { منها } من النار { ولا هم يستعتبون } لا يطلب منهم أن يرضوا ربهم بالتوبة والطاعة لأنها لا تنفع يومئذ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَات اللَّه هُزُوًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يُقَال لَهُمْ : هَذَا الَّذِي حَلَّ بِكُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه الْيَوْم { بِأَنَّكُمُ } فِي الدُّنْيَا { اتَّخَذْتُمْ آيَات اللَّه هُزُوًا } , وَهِيَ حُجَجه وَأَدِلَّته وَآي كِتَابه الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { هُزُوًا } يَعْنِي سُخْرِيَة تَسْخَرُونَ مِنْهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَات اللَّه هُزُوًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يُقَال لَهُمْ : هَذَا الَّذِي حَلَّ بِكُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه الْيَوْم { بِأَنَّكُمُ } فِي الدُّنْيَا { اتَّخَذْتُمْ آيَات اللَّه هُزُوًا } , وَهِيَ حُجَجه وَأَدِلَّته وَآي كِتَابه الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { هُزُوًا } يَعْنِي سُخْرِيَة تَسْخَرُونَ مِنْهَا .' { وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول : وَخَدَعَتْكُمْ زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا . فَآثَرْتُمُوهَا عَلَى الْعَمَل لِمَا يُنَجِّيكُمْ الْيَوْم مِنْ عَذَاب اللَّه . { وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول : وَخَدَعَتْكُمْ زِينَة الْحَيَاة الدُّنْيَا . فَآثَرْتُمُوهَا عَلَى الْعَمَل لِمَا يُنَجِّيكُمْ الْيَوْم مِنْ عَذَاب اللَّه .' يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { فَالْيَوْم لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا } مِنَ النَّار { وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } يَقُول : وَلَا هُمْ يُرَدُّونَ إِلَى الدُّنْيَا لِيَتُوبُوا وَيُرَاجِعُوا الْإِنَابَة مِمَّا عُوقِبُوا عَلَيْهِ .يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { فَالْيَوْم لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا } مِنَ النَّار { وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } يَقُول : وَلَا هُمْ يُرَدُّونَ إِلَى الدُّنْيَا لِيَتُوبُوا وَيُرَاجِعُوا الْإِنَابَة مِمَّا عُوقِبُوا عَلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله} يعني القرآن. { هزوا} لعبا. { وغرتكم الحياة الدنيا} أي خدعتكم بأباطيلها وزخارفها، فظننتم أن ليس ثم غيرها، وأن لا بعث. { فاليوم لا يخرجون منها} أي من النار. { ولا هم يستعتبون} يسترضون. وقرأ حمزة والكسائي { فاليوم لا يخرجون} بفتح الياء وضم الراء لقوله تعالى: { كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها} [السجدة : 20] الباقون بضم الياء وفتح الراء، لقوله تعالى: { ربنا أخرجنا} [فاطر : 37] ونحوه.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ ذَلِكُم... } [الجاثية: 35] أي: الذي نزل بكم وحاق بكم من العذاب، سببه أعمالكم السيئة في الدنيا، فهو جزاء وفاقٌ ولم نظلمهم مثقال ذرة { ذَلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُواً... } [الجاثية: 35] أي: مهزوءاً بها فهم أنكروها وكذَّبوا بها وسخروا منها.

وكلمة { هُزُواً... } [الجاثية: 35] مبالغة في الاستهزاء كما تقول: فلان عادل وفلان عدل. يعني: هو العدل نفسه.

{ وَغَرَّتْكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا... } [الجاثية: 35] أي: خدعتكم بزخرها وبهجتها وبهرجها فعملتم لها ونسيتم العمل للآخرة { فَٱلْيَوْمَ لاَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا... } [الجاثية: 35] أي: من النار.

{ وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } [الجاثية: 35] من الفعل عتب، والعتاب لا يكون إلا بين الأحبَّة، لذلك قالوا: ويبقى الود ما بقى العتاب، فإذا أسأتَ مثلاً إلى صديق لك فيأتي هو إليك ويُعاتبك، ويريد أنْ يسمع منك اعتذاراً و عذراً ليستديم مودتك، لأنه لا يريد القطيعة بينكما.

فيُقال: استعتب فلان فأعتبه. يعني: أزال سبب عتابه، وهذه الهمزة تسمى همزة الإزالة، قال الشاعر:
أمَّا العتَابُ فَبلأحبَّةِ أخْلَقُ   والحُبُّ يصلحُ بالعتَاب ويصْدُقُ
لذلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما عاد من الطائف بعد أنْ آذاه أهلها جلس يناجي ربه: إنْ لم يكُنْ بك عليَّ غضبٌ فلا أبالي، ولكنه تذكر فقال: لكن عافيتك هي أوسع لي، لك العتبى حتى ترضى.

يعني: لك عندي يا رب ما أزيل به عتباك، يعنى: لام على شيء ظنه تقصيراً.

إذن: أعتبه أزال عتابه، مثل: أعجم الحرف يعني أزال عُجْمته، وتعرفون أن الحروف العربية كانت تُكتب أولاً بدون نقط اعتماداً على المَلَكة العربية الصافية التي تستطيع أنْ تستشفّ الحرف المراد. فلما ضعُفَتْ هذه المَلَكة عند الناس احتاجوا إلى النقْط لفهم المعنى المراد.

فالحق سبحانه يقول عن هؤلاء { وَلاَ هُمْ يُسْتَعَتَبُونَ } [الجاثية: 35] لا يُقبل منهم عتاب، ولا يُقبل لهم عذرٌ، ولا يُقبل فيهم شفاعة، فإنْ طلبوا إرضاء الله تعالى بأيِّ وسيلة تُرد ولا تُقبل، حتى التوبة لأنها لا تفيد في هذا اليوم.


www.alro7.net