سورة
اية:

ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى حين أي إلى مدة، وذلك بعد ما عرفوا براءته وظهرت الآيات، وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته وكأنهم - واللّه أعلم - إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهاماً أنه راودها عن نفسها وأنهم سجنوه على ذلك، ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج، حتى تبين براءته مما نسب إليه من الخيانة، فلما تقرر ذلك خرج وهو نقي العرض صلوات اللّه عليه وسلامه. وذكر السدي أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه ويبرأ عرضه فيفضحها.

تفسير الجلالين

{ ثم بدا } ظهر { لهم من بعد ما رأوا الآيات } الدالات على براءة يوسف أن يسجنوه دل على هذا { ليسجننه حتى } إلى { حين } ينقطع فيه كلام الناس فسجن .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ بَدَا لِلْعَزِيزِ زَوْج الْمَرْأَة الَّتِي رَاوَدَتْ يُوسُف عَنْ نَفْسه . وَقِيلَ : " بَدَا لَهُمْ " , وَهُوَ وَاحِد , لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَر بِاسْمِهِ وَيُقْصَد بِعَيْنِهِ , وَذَلِكَ نَظِير قَوْله : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاس إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ } وَقِيلَ : إِنَّ قَائِل ذَلِكَ كَانَ وَاحِدًا . وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْله : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ } فِي الرَّأْي الَّذِي كَانُوا رَأَوْهُ مِنْ تَرْك يُوسُف مُطْلَقًا , وَرَأَوْا أَنْ يَسْجُنُوهُ { مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } بِبَرَاءَتِهِ مِمَّا قَذَفَتْهُ بِهِ امْرَأَة الْعَزِيز , وَتِلْكَ الْآيَات كَانَتْ : قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر , وَخَمْشًا فِي الْوَجْه , وَقَطْع أَيْدِيهنَّ , كَمَا : 14732 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ نَصْر بْن عَوْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } قَالَ : كَانَ مِنَ الْآيَات قَدّ فِي الْقَمِيص وَخَمْش فِي الْوَجْه 14733 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي وَابْن نُمَيْر , عَنْ نَصْر , عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله . 14734 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا شَبَّابَة , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } قَالَ : قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } قَالَ : قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد ; قَالَ : وثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 14735 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } قَالَ : الْآيَات : حَزُّهُنَّ أَيْدِيَهُنَّ , وَقَدّ الْقَمِيص - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر 14736 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات لَيَسْجُنُنَّهُ } بِبَرَاءَتِهِ مِمَّا اُتُّهِمَ بِهِ مِنْ شَقِّ قَمِيصه مِنْ دُبُر , { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } 14737 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ : { مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } قَالَ : الْآيَات : الْقَمِيص , وَقَطْع الْأَيْدِي وَقَوْله : { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } يَقُول : لَيَسْجُنُنَّهُ إِلَى الْوَقْت الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ رَأْيهمْ . وَجَعَلَ اللَّه ذَلِكَ الْحَبْس لِيُوسُف فِيمَا ذُكِرَ عُقُوبَة لَهُ مِنْ هَمِّهِ بِالْمَرْأَةِ وَكَفَّارَةً لِخَطِيئَتِهِ . 14738 - حُدِّثْت عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ خَصِيف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس : { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } عَثَرَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ثَلَاث عَثَرَات : حِين هَمَّ بِهَا فَسُجِنَ , وَحِين قَالَ : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ وَأَنْسَاهُ الشَّيْطَان ذِكْر رَبّه , وَقَالَ لَهُمْ : { إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } فَ { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْل } وَذُكِرَ أَنَّ سَبَب حَبْسه فِي السِّجْن : كَانَ شَكْوَى امْرَأَة الْعَزِيز إِلَى زَوْجهَا أَمْره وَأَمْرهَا . كَمَا : 14739 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , عَنْ أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } قَالَ : قَالَتِ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا : إِنَّ هَذَا الْعَبْد الْعِبْرَانِيّ قَدْ فَضَحَنِي فِي النَّاس يَعْتَذِر إِلَيْهِمْ وَيُخْبِرهُمْ أَنِّي رَاوَدْته عَنْ نَفْسه , وَلَسْت أُطِيق أَنْ أَعْتَذِر بِعُذْرِي , فَإِمَّا أَنْ تَأْذَن لِي فَأَخْرُج فَأَعْتَذِر , وَإِمَّا أَنْ تَحْبِسَهُ كَمَا حَبَسْتنِي , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه دُخُول هَذِهِ اللَّام فِي : { لَيَسْجُنُنَّهُ } فَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ : دَخَلَتْ هَاهُنَا لِأَنَّهُ مَوْضِع يَقَع فِيهِ " أَيْ " , فَلَمَّا كَانَ حَرْف الِاسْتِفْهَام يَدْخُل فِيهِ دَخَلَتْهُ النُّون ; لِأَنَّ النُّون تَكُون فِي الِاسْتِفْهَام , تَقُول : بَدَا لَهُمْ أَيّهمْ يَأْخُذْنَ : أَيِ اسْتَبَانَ لَهُمْ . وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة , فَقَالَ : هَذَا يَمِين , وَلَيْسَ قَوْله : هَلْ تَقُومَن بِيَمِينٍ , وَلَتَقُومَنَّ , لَا يَكُون إِلَّا يَمِينًا . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : بَدَا لَهُمْ , بِمَعْنَى : الْقَوْل , وَالْقَوْل يَأْتِي بِكُلِّ : الْكَلَام بِالْقَسَمِ وَبِالِاسْتِفْهَامِ , فَلِذَلِكَ جَازَ : بَدَا لَهُمْ قَامَ زَيْد , وَبَدَا لَهُمْ لَيَقُومَنَّ . وَقِيلَ : إِنَّ الْحِين فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنِيٌّ بِهِ سَبْعُ سِنِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14740 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ دَاوُدَ , عَنْ عِكْرِمَة : { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } قَالَ : سَبْع سِنِينَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : ثُمَّ بَدَا لِلْعَزِيزِ زَوْج الْمَرْأَة الَّتِي رَاوَدَتْ يُوسُف عَنْ نَفْسه . وَقِيلَ : " بَدَا لَهُمْ " , وَهُوَ وَاحِد , لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَر بِاسْمِهِ وَيُقْصَد بِعَيْنِهِ , وَذَلِكَ نَظِير قَوْله : { الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاس إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ } وَقِيلَ : إِنَّ قَائِل ذَلِكَ كَانَ وَاحِدًا . وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْله : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ } فِي الرَّأْي الَّذِي كَانُوا رَأَوْهُ مِنْ تَرْك يُوسُف مُطْلَقًا , وَرَأَوْا أَنْ يَسْجُنُوهُ { مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } بِبَرَاءَتِهِ مِمَّا قَذَفَتْهُ بِهِ امْرَأَة الْعَزِيز , وَتِلْكَ الْآيَات كَانَتْ : قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر , وَخَمْشًا فِي الْوَجْه , وَقَطْع أَيْدِيهنَّ , كَمَا : 14732 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ نَصْر بْن عَوْف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } قَالَ : كَانَ مِنَ الْآيَات قَدّ فِي الْقَمِيص وَخَمْش فِي الْوَجْه 14733 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي وَابْن نُمَيْر , عَنْ نَصْر , عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله . 14734 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا شَبَّابَة , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } قَالَ : قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } قَالَ : قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد ; قَالَ : وثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ وَرْقَاء , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 14735 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } قَالَ : الْآيَات : حَزُّهُنَّ أَيْدِيَهُنَّ , وَقَدّ الْقَمِيص - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَدّ الْقَمِيص مِنْ دُبُر 14736 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنِ ابْن إِسْحَاق : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات لَيَسْجُنُنَّهُ } بِبَرَاءَتِهِ مِمَّا اُتُّهِمَ بِهِ مِنْ شَقِّ قَمِيصه مِنْ دُبُر , { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } 14737 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو , عَنْ أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ : { مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات } قَالَ : الْآيَات : الْقَمِيص , وَقَطْع الْأَيْدِي وَقَوْله : { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } يَقُول : لَيَسْجُنُنَّهُ إِلَى الْوَقْت الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ رَأْيهمْ . وَجَعَلَ اللَّه ذَلِكَ الْحَبْس لِيُوسُف فِيمَا ذُكِرَ عُقُوبَة لَهُ مِنْ هَمِّهِ بِالْمَرْأَةِ وَكَفَّارَةً لِخَطِيئَتِهِ . 14738 - حُدِّثْت عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ خَصِيف , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس : { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } عَثَرَ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَام ثَلَاث عَثَرَات : حِين هَمَّ بِهَا فَسُجِنَ , وَحِين قَالَ : { اُذْكُرْنِي عِنْد رَبّك } فَلَبِثَ فِي السِّجْن بِضْع سِنِينَ وَأَنْسَاهُ الشَّيْطَان ذِكْر رَبّه , وَقَالَ لَهُمْ : { إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } فَ { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْل } وَذُكِرَ أَنَّ سَبَب حَبْسه فِي السِّجْن : كَانَ شَكْوَى امْرَأَة الْعَزِيز إِلَى زَوْجهَا أَمْره وَأَمْرهَا . كَمَا : 14739 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , عَنْ أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } قَالَ : قَالَتِ الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا : إِنَّ هَذَا الْعَبْد الْعِبْرَانِيّ قَدْ فَضَحَنِي فِي النَّاس يَعْتَذِر إِلَيْهِمْ وَيُخْبِرهُمْ أَنِّي رَاوَدْته عَنْ نَفْسه , وَلَسْت أُطِيق أَنْ أَعْتَذِر بِعُذْرِي , فَإِمَّا أَنْ تَأْذَن لِي فَأَخْرُج فَأَعْتَذِر , وَإِمَّا أَنْ تَحْبِسَهُ كَمَا حَبَسْتنِي , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْد مَا رَأَوُا الْآيَات لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه دُخُول هَذِهِ اللَّام فِي : { لَيَسْجُنُنَّهُ } فَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ : دَخَلَتْ هَاهُنَا لِأَنَّهُ مَوْضِع يَقَع فِيهِ " أَيْ " , فَلَمَّا كَانَ حَرْف الِاسْتِفْهَام يَدْخُل فِيهِ دَخَلَتْهُ النُّون ; لِأَنَّ النُّون تَكُون فِي الِاسْتِفْهَام , تَقُول : بَدَا لَهُمْ أَيّهمْ يَأْخُذْنَ : أَيِ اسْتَبَانَ لَهُمْ . وَأَنْكَرَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة , فَقَالَ : هَذَا يَمِين , وَلَيْسَ قَوْله : هَلْ تَقُومَن بِيَمِينٍ , وَلَتَقُومَنَّ , لَا يَكُون إِلَّا يَمِينًا . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : بَدَا لَهُمْ , بِمَعْنَى : الْقَوْل , وَالْقَوْل يَأْتِي بِكُلِّ : الْكَلَام بِالْقَسَمِ وَبِالِاسْتِفْهَامِ , فَلِذَلِكَ جَازَ : بَدَا لَهُمْ قَامَ زَيْد , وَبَدَا لَهُمْ لَيَقُومَنَّ . وَقِيلَ : إِنَّ الْحِين فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنِيٌّ بِهِ سَبْعُ سِنِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14740 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ دَاوُدَ , عَنْ عِكْرِمَة : { لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِين } قَالَ : سَبْع سِنِينَ .'

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى { ثم بدا لهم} أي ظهر للعزيز وأهل مشورته { من بعد أن رأوا الآيات} أي علامات براءة يوسف - من قد القميص من دبر؛ وشهادة الشاهد، وحز الأيدي، وقلة صبرهن عن لقاء يوسف : أن يسجنوه كتمانا للقصة ألا تشيع في العامة، وللحيلولة بينه وبينها. وقيل : هي البركات التي كانت تنفتح عليهم ما دام يوسف فيهم؛ والأول أصح. قال مقاتل عن مجاهد عن ابن عباس في قوله { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات} قال : القميص من الآيات، وشهادة الشاهد من الآيات، وقطع الأيدي من الآيات، وإعظام النساء إياه من الآيات. وقيل : ألجأها الخجل من الناس، والوجل من اليأس إلى أن رضيت بالحجاب مكان خوف الذهاب، لتشتفي إذا منعت من نظره، قال : وما صبابة مشتاق على أمل ** من اللقاء كمشتاق بلا أمل أو كادته رجاء أن يمل حبسه فيبذل نفسه. الثانية: قوله تعالى { ليَسْجُنُنه} { يُسْجُنُنه} في موضع الفاعل؛ أي ظهر لهم أن يسجنوه؛ هذا قول سيبويه. قال المبرد : وهذا غلط؛ لا يكون الفاعل جملة، ولكن الفاعل ما دل عليه { بدا} وهو مصدر؛ أي بدا لهم بداء؛ فحذف لأن الفعل يدل عليه؛ كما قال الشاعر : وحقَّ لمن أبو موسى أبوه ** يوفِّقه الذي نصب الجبالا أي وحق الحق، فحذف. وقيل : المعنى ثم بدا لهم رأي لم يكونوا يعرفونه؛ وحذف هذا لأن في الكلام دليلا عليه، وحذف أيضا القول؛ أي قالوا : ليسجننه، واللام جواب ليمين مضمر؛ قاله الفراء، وهو فعل مذكر لا فعل مؤنث؛ ولو كان فعلا مؤنثا لكان يسجنانه؛ ويدل على هذا قوله { لهم} ولم يقل لهن، فكأنه أخبر عن النسوة وأعوانهن فغلب المذكر؛ قاله أبو علي. وقال السدي : كان سبب حبس يوسف أن امرأة العزيز شكت إليه أنه شهرها ونشر خبرها؛ فالضمير على هذا في { لهم} للملك. الثالثة: قوله تعالى { حتى حين} أي إلى مدة غير معلومة؛ قاله كثير من المفسرين. وقال ابن عباس : إلى انقطاع ما شاع في المدينة. وقال سعيد بن جبير : إلى ستة أشهر. وحكى الكيا أنه عَنَى ثلاثة عشر شهرا. عكرمة : تسع سنين. الكلبي : خمس سنين. مقاتل : سبع. وقد مضى في [البقرة] القول في الحين وما يرتبط به من الأحكام. وقال وهب : أقام في السجن اثنتي عشرة سنة. و { حتى} بمعنى إلى؛ كقوله { حتى مطلع الفجر} [القدر : 5]. وجعل الله الحبس تطهيرا ليوسف صلى الله عليه وسلم من همه بالمرأة. وكأن العزيز - وإن عرف براءة يوسف - أطاع المرأة في سجن يوسف. قال ابن عباس : عثر يوسف ثلاث عثرات : حين هم بها فسجن، وحين قال للفتى { اذكرني عند ربك} [يوسف : 42] فلبث في السجن بضع سنين، وحين قال لإخوته { إنكم لسارقون} [يوسف : 70] فقالوا { إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} . [يوسف : 77]. الرابعة: أكره يوسف عليه السلام على الفاحشة بالسجن، وأقام خمسة أعوام، وما رضي بذلك لعظيم منزلته وشريف قدره؛ ولو أكره رجل بالسجن على الزنى ما جاز له إجماعا. فإن أكره بالضرب فقد اختلف فيه العلماء، والصحيح أنه إذا كان فادحا فإنه يسقط عنه إثم الزنى وحده. وقد قال بعض علمائنا : إنه لا يسقط عنه الحد، وهو ضعيف؛ فإن الله تعالى لا يجمع على عبده العذابين، ولا يصرفه بين بلاءين؛ فإنه من أعظم الحرج في الدين. { وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج : 78]. وسيأتي بيان هذا في [النحل] إن شاء الله. وصبر يوسف، واستعاذ به من الكيد، فاستجاب له على ما تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 30 - 36

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وبعد أن ظهرتْ العلامات الشاهدة على براءة يوسف عليه السلام أمام العزيز وأهل مشورته، وانكشف لهم انحرافُ امرأة العزيز وإصرارها على أن تُوقِع بيوسف في الفعل الفاضح معها، دون خجل أو خوف من الفضيحة.

لذلك رأى العزيز وأهل مشورته أن يُوضَع يوسف عليه السلام في السجن؛ ليكون في ذلك فَصْلٌ بينه وبينها؛ حتى تهدأ ضجة الفضيحة؛ وليظهر للناس أنه مسئول عن كل هذا السوء الذي ظهر في بيت العزيز.

كما أن كلمة: { لَيَسْجُنُنَّهُ } [يوسف: 35].

فيها نوع من استبقاء الحب الذي يُكِنُّه العزيز ليوسف، فهو لم يأمر بقتله أو نفيه بعيداً؛ بل احتفظ به بعيداً عن الزوجة المُصِرَّة على الخيانة، وعن المجتمع الذي يَلُوكُ تلك الوقائع.

والسجن ـ كما نعلم ـ هو حَبْس المسجون لتقييد حركته في الوجود؛ وهو إجراء يتخذه القاضي أو الحاكم كعقوبة يُراد بها إذلال المسجون، أو وقاية المجتمع من شرِّه.

ونعلم أن الإنسان لا يجتريء على الأحكام إلا حين يظن أو يعلم أن له قدرة؛ وله غلبة؛ فيعلن له القاضي أو الحاكم نهاية تلك الغلبة والقدرة، ويأمر بدخوله إلى السجن ويحرس تقييد حريته سَجَّان؛ وقد يتعرض للضرب أو الإهانة.

هذا هو السجن المتعارف عليه في العصور القديمة والحديثة، حين تعزل المسجون عن المجتمع، وقد يعطف عليه بعض من أبناء المجتمع، ويزوره بعضٌ من أقاربه؛ ومعهم المأكولات؛ والمطلوبات.

ولكن هناك سجن ديني أسسه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حين عزل المجتمع الإيماني عن السجين، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يُكلِّم أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن الخروج معه للقتال بحجج واهية؛ بل وتسامى هذا العزل إلى أن صار عَزْلاً عن الأهل، إلى أن أمر صلى الله عليه وسلم بإنهاء هذا العزل بعد أن تحقق الغرض منه.

وماذا عن حال يوسف في السجن؟

يقول الحق سبحانه: { وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ.... }.


www.alro7.net