سورة
اية:

وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنهم أهل لأن يعذبهم، ولكنْ لم يوقع ذلك بهم لبركة مقام الرسول صلى اللّه عليه وسلم بين أظهرهم، ولهذا لما خرج من بين أظهرهم أوقع اللّه بهم بأسه يوم بدر فقتل صناديدهم، وأسر سراتهم، وأرشدهم تعالى إلى الاستغفار من الذنوب التي هم متلبسون بها من الشرك والفساد، قال قتادة والسدي: لم يكن القوم يستغفرون ولو كانوا يستغفرون ما عذبوا. قال ابن جرير عن عكرمة والحسن البصري قالا، قال في الأنفال: { وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان اللّه معذبهم وهم يستغفرون} فنسختها الآية التي تليها { وما لهم ألا يعذبهم اللّه - إلى قوله - فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} فقاتلوا بمكة فأصابهم فيها الجوع والضر، وقال ابن أبي حاتم عن ابن عباس: { وما كان اللّه معذبهم وهم يستغفرون} ، ثم استثنى أهل الشرك فقال: { وما لهم ألا يعذبهم اللّه وهم يصدون عن المسجد الحرام} ، وقوله: { وما لهم ألا يعذبهم اللّه وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي وكيف لا يعذبهم اللّه وهم يصدون عن المسجد الحرام أي الذي بمكة، يصدون المؤمنين الذين هم أهله عن الصلاة فيه والطواف به، ولهذا قال: { وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} أي هم ليسوا أهل المسجد الحرام وإنما أهله النبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه، كما قال تعالى: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد اللّه شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون إنما يعمر مساجد اللّه من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا اللّه فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} ، وقال تعالى: { وصد عن سبيل اللّه وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله} الآية، وقال الحافط ابن مردويه في تفسير هذه الآية عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من أوليائك؟ قال: (كل تقي)، وتلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم { إن أولياؤه إلا المتقون} . وقال الحاكم في مستدركه: جمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قريشاً فقال: (هل فيكم من غيركم؟) فقالوا: فينا ابن أختنا وفينا حليفنا وفينا مولانا، فقال: (حليفنا منا وابن أختنا منا ومولانا منا إن أوليائي منكم المتقون) وقال عروة والسدي في قوله تعالى: { إن أولياؤه إلا المتقون} قال: هم محمد صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضي اللّه عنهم، وقال مجاهد: هم المجاهدون من كانوا حيث كانوا، ثم ذكر تعالى ما كانوا يعتمدونه عند المسجد الحرام وما كانوا يعاملونه به، فقال: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} المكاء هو الصفير وهو قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة ، وزاد مجاهد: وكانوا يدخلون أصابعم في أفواههم. وقال السدي: المكاء هو الصفير على نحو طير أبيض يقال له المكاء ويكون بأرض الحجاز. عن ابن عباس قال: كانت قريش تطوف بالبيت عراة تصفر وتصفق، والمكاء الصفير، والتصدية التصفيق. وقال ابن جرير عن ابن عمر في قوله: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} قال: المكاء الصفير، والتصدية التصفيق، وعن ابن عمر أيضاً أنه قال: إنهم كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفقون ويصفرون، ويصنعون ذلك ليخلطوا بذلك على النبي صلى اللّه عليه وسلم صلاته، وقال الزهري: يستهزئون بالمؤمنين. وعن سعيد بن جبير { وتصدية} قال: صدهم الناس عن سبيل اللّه عزَّ وجلَّ، قوله: { فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} قال الضحّاك وابن جريج ومحمد بن إسحاق هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والسبي، واختاره ابن جرير عن مجاهد قال: عذاب أهل الإقرار بالسيف، وعذاب أهل التكذيب بالصيحة والزلزلة.

تفسير الجلالين

{ ومالهم أ } ن { لا يعذبهم الله } بالسيف بعد خروجك والمستضعفين وعلى القول الأول هي ناسخة لما قبلها وقد عذَّبهم الله ببدر وغيره { وهم يصدُّون } يمنعون النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين { عن المسجد الحرام } أن يطوفوا به { وما كانوا أولياءه } كما زعموا { إن } ما { أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن لا ولاية لهم عليه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبهُمْ اللَّه وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَلَّا يُعَذِّبهُمْ اللَّه وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , وَلَمْ يَكُونُوا أَوْلِيَاء اللَّه { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ } يَقُول : مَا أَوْلِيَاء اللَّه إِلَّا الْمُتَّقُونَ , يَعْنِي : الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّه بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12434 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحَمْد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } هُمْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 12435 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 12436 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْهُ , وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة عِنْده , أَيْ : أَنْتَ يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ آمَنَ بِك . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبهُمْ اللَّه وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرهمْ لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَلَّا يُعَذِّبهُمْ اللَّه وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام , وَلَمْ يَكُونُوا أَوْلِيَاء اللَّه { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ } يَقُول : مَا أَوْلِيَاء اللَّه إِلَّا الْمُتَّقُونَ , يَعْنِي : الَّذِينَ يَتَّقُونَ اللَّه بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12434 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحَمْد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } هُمْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 12435 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 12436 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنْهُ , وَيُقِيمُونَ الصَّلَاة عِنْده , أَيْ : أَنْتَ يَعْنِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ آمَنَ بِك . ' يَقُول : وَلَكِنَّ أَكْثَر الْمُشْرِكِينَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ أَوْلِيَاء اللَّه الْمُتَّقُونَ , بَلْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاء اللَّه .يَقُول : وَلَكِنَّ أَكْثَر الْمُشْرِكِينَ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ أَوْلِيَاء اللَّه الْمُتَّقُونَ , بَلْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاء اللَّه .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله} المعنى : وما يمنعهم من أن يعذبوا. أي إنهم مستحقون العذاب لما ارتكبوا من القبائح والأسباب، ولكن لكل أجل كتاب؛ فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم. وفي ذلك نزلت { سأل سائل بعذاب واقع} [المعارج : 1] وقال الأخفش : إن { أن} زائدة. قال النحاس : لو كان كما قال لرفع { يعذبهم} . { ولكن أكثرهم لا يعلمون} أي إن المتقين أولياؤه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 30 - 36

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهنا نتساءل: أي شيء يمنعهم من أن يعذبهم الله؟. إن تعذيبهم هو عدالة؛ لأنهم فعلوا ما يستحقون عليه التعذيب. لقد صدوا الرسول والمسلمين عن زيارة المسجد الحرام؛ لأنهم ظنوا أن لهم الولاية عليه، رغم أن منهم من سمع خبر أبرهة الأشرم حين جاء بالأفيال ليهدم الكعبة. واستولى أبرهة الأشرم على مائة من الإبل كانت لسيد قريش عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه عبد المطلب وقال له: إنك قد أصبت لي مائة بعير فأرجو أن تردها إليّ. فقال أبرهة الأشرم: جئت لأهدم بيتكم، وبيت آبائكم، ثم لا تكلمني فيه وتكلمني في مائة من الإبل أصبتها منك؟ فقال عبد المطلب: أنا رب هذه الإبل، أما البيت فله رب يحميه.

وهذه كلمة لا يقولها إلا واثق من أن للبيت الحرام ربّاً يحميه.

وجاءت طير أبابيل ترمي بحجارة من جهنم فجعلته هو وجيشه كعصف مأكول.

إذن فكيف تصد قريش محمداً والمؤمنين معه عن البيت الحرام، وهم بإقرار سيدهم قديماً يعلمون أنَّ للبيت ربّاً يحميه، فكيف تكون لكم على البيت ولاية؟ وكان عليهم أن يعلموا أن ولاية أمر بيت الله باختيار الله ولا تكون إلاَّ للمتقين، ولم تكن قريش من المتقين.

وحيثيَّات التعذيب إذن هي صدهم عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه. لماذا؟

{ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ ٱلْمُتَّقُونَ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } [الأنفال: 34].

وإذا كان أكثرهم لا يعلم، فأقلهم يعلم علم اليقين حقيقة البيت الحرام، فقداسة هذا البيت التي تعلمها الأقلية ونسيتها الأكثرية من كفار قريش هو قول الحق تبارك وتعالى على لسان سيدنا إبراهيم:
{  رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُمْ مِّنَ ٱلثَّمَرَاتِ }
[إبراهيم: 37].

لقد جعلهم الله عز وجل في هذا المكان ليقيموا الصلاة؛ لأنه سبحانه وتعالى يحب أن يعبد في الأرض ولو بواحد في هذا المكان، ولتظل عبادته دائمة. ومهما علت فئة من البشر مثل قريش فهي بصدها عن البيت الحرام قد اتبعت أهواءها، وسبحانه يحقق ما يريد، فهزم قريشا ونصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعادت للكعبة حرمتها وصارت مكانا للعبادة لله بصفة مستمرة.

وإننا نجد تشريعات الحق سبحانه في أوقات الصلاة، فالصبح عند قوم هو ظهر عند قوم آخرين، والظهر عند قوم هو صبح عند قوم آخرين، والعصر عند قوم هو صبح أو ظهر أو مغرب أو عشاء عند أقوام آخرين، وهكذا نجد كل أجزاء النهار مشغولة بأوقات الاتجاه إلى الله، وهناك في كل لحظة من يتجه إلى بيت الله الحرام بصلاة ما في ميقاتها، ولا تخلو بقعة في الأرض من قول: " الله أكبر " ، وقد تم بناء البيت الحرام من أجل هذه الصلاة.

لكن قريشاً حولت الصلاة من خضوع وخشوع وعبادة لله تعالى واستحضار لعظمته وجلاله إلى ما يقول عنه الحق سبحانه وتعالى: { وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ ٱلْبَيْتِ إِلاَّ مُكَآءً وَتَصْدِيَةً... }


www.alro7.net