سورة
اية:

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ

تفسير بن كثير

اشتملت هذه الآيات الكريمات، على جمل من الأحكام المحكمة، فقوله تعالى: { وأنحكوا الأيامى منكم} أمر بالتزويج، وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه، واحتجوا بظاهر قوله عليه السلام: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) ""أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود""، وقد جاء في السنن: (تزوجوا الولود، تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)، الأيامى جمع أيم، ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها، وللرجل الذي لا زوجة له، يقال: رجل أيم وامرأة أيم، وقوله تعالى: { إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله} الآية، قال ابن عباس: رغبهم اللّه في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد، ووعدهم عليه الغنى، فقال: { إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله} ، وقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه: أطيعوا اللّه فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، قال تعالى: { إن يكونوا فقراء يغنهم اللّه من فضله} ، وعن ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح، يقول اللّه تعالى: { إن يكونوا فقراء يغنيهم اللّه من فضله} ، وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ثلاثة حق على اللّه عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل اللّه) ""رواه أحمد والترمذي والنسائي""، وقد زوّج النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك الرجل الذي لا يجد عليه إلا إزاره ولم يقدر على خاتم من حديد، ومع هذا فزوجه بتلك المرأة، وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن، والمعهود من كرم اللّه تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله، وقوله تعالى: { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم اللّه من فضله} هذا أمر من اللّه تعالى لمن لا يجد تزويجاً بالتعفف عن الحرام، كما قال صلى اللّه عليه وسلم: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) وهذه الآية مطلقة والتي في سورة النساء أخص منها وهي قوله: { ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات} ، إلى قوله: { وأن تصبروا خير لكم} أي صبركم عن تزوج الإماء خير لكم لأن الولد يجيء رقيقاً { واللّه غفور رحيم} ، قال عكرمة في قوله: { وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا} قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السماوات والأرض حتى يغنيه اللّه. وقوله تعالى: { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانهم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} ""في اللباب: أخرج ابن السكن: عن عبد اللّه بن صبيح عن أبيه قال: كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزى فسألته الكتابة، فنزلت { والذين يبتغون ...} الآية""هذا أمر من اللّه تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم، بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب، يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه، وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب، لا أمر تحتم وإيجاب، قال الشعبي: إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه وكذا قال عطاء ومقاتل والحسن البصري وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذاً بظاهر هذا الأمر، وقال البخاري عن ابن جريج قلت لعطاء: أواجب علي إذا علمت له مالاً أن أكاتبه؟ قال: ما أراه إلا واجباً، وقال عمرو بن دينار، قلت لعطاء: أتأثره عن أحد؟ قال:لا، ثم أخبرني أن سيرين سأل أنساً المكاتبة، وكان كثير المال، فأبى، فانطلق إلى عمر رضي اللّه عنه، فقال: كاتبه، فأبى، فضربه بالدرة ويتلو عمر رضي اللّه عنه: { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} فكاتبه ""ذكره البخاري معلقاً""، وذهب الشافعي في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله عليه السلام: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس)، وقال مالك: الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع أحداً من الأئمة أكره أحداً على أن يكاتب عبده، وكذا قال الثوري وأبو حنيفة، وقوله تعالى: { إن علمتم فيهم خيرا} قال بعضهم: أمانة، وقال بعضهم: صدقاً، وقال بعضهم: مالاً، وقال بعضهم: حيلة وكسباً، وقوله تعالى: { وآتوهم من مال اللّه الذي آتاكم} اختلف المفسرون فيه، فقال بعضهم: معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها، وقال آخرون: بل المراد هو النصيب الذي فرض اللّه لهم من أموال الزكاة وهذا قول الحسن ومقاتل وعبد الرحمن بن زيد ابن أسلم واختاره ابن جرير وقال ابن عباس: أمر اللّه المؤمنين أن يعينوا في الرقاب، وقد تقدم الحديث: (ثلاثة حق على اللّه عونهم) فذكر منهم المكاتب يريد الأداء، والقول الأول أشهر. وعن ابن عباس في الآية { وآتوهم من مال اللّه الذي آتاكم} قال: ضعوا عنهم من مكاتبتهم، وقال محمد بن سيرين في الآية: كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته، وقوله تعالى: { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} الآية، كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى اللّه المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة في شأن عبد اللّه بن أبي بن سلول فإنه كان له إماء فكان يكرههن على البغاء طلباً لخراجهن، ورغبة في أولادهن، ورياسة منه فيما يزعم. ""ذكر الآثار الواردة في ذلك"" قال الحافظ البزار في مسنده: كانت جارية لعبد اللّه بن أبي بن سلول يقال لها معاذة يكرهها على الزنا فلما جاء الإسلام نزلت: { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} الآية، وقال الأعمش: نزلت في أمة لعبد اللّه بن أبي ابن سلول يقال لها مسيكة كان يكرهها على الفجور وكانت لا بأس بها فتأبى، فأنزل اللّه هذه الآية: { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} الآية، وروى النسائي عن جابر نحوه. وعن الزهري أن رجلاً من قريش أسر يوم بدر، وكان عند عبد اللّه بن أبي أسيراً وكانت لعبد اللّه بن أبي جارية يقال لها معاذة وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، وكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد اللّه بن أبي يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل من القرشي فيطلب فداء ولده، فقال تبارك وتعالى: { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} ، وقال السدي: أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد اللّه بن أبي بن سلول رأس المنافقين، وكانت له جارية تدعى معاذة وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له، فأقبلت الجارية إلى أبي بكر رضي اللّه عنه فشكت إليه ذلك، فذكره أبو بكر للنبي صلى اللّه عليه وسلم، فأمره بقبضها، فصاح عبد اللّه بن أبي من يعذرنا من محمد يغلبنا على مملوكتنا فأنزل اللّه فيهم هذا، وقول تعالى: { إن أردن تحصنا} هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وقوله تعالى: { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} أي من خراجهن ومهورهن وأولادهن، وقد نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن كسب الحجام، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وفي رواية: (مهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث، وثمن الكلب خبيث)، وقوله تعالى: { ومن يكرههنَّ فإن اللّه من بعد إكراههن غفور رحيم} أي لهن، كما تقدم في الحديث عن جابر. وقال ابن عباس: فإن فعلتم فإن اللّه لهن غفور رحيم، وإثمهن على من أكرههن؛ وقال أبو عبيد عن الحسن في هذه الآية { فإن اللّه من بعد إكرههن غفور رحيم} قال: لهن واللّه، لهن واللّه، وفي الحديث المرفوع عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). ولما فصل تبارك وتعالى هذه الأحكام وبينها قال تعالى: { ولقد أنزلنا إليكم آيات بينات} يعني القرآن فيه آيات واضحات مفسرات { ومثلا من الذين خلوا من قبلكم} أي خبراً عن الأمم الماضية وما حل بهم في مخالفتهم أوامر اللّه تعالى كما قال تعالى: { فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين} أي زاجراً عن ارتكاب المآثم والمحارم { وموعظة للمتقين} أي لمن اتقى اللّه وخافه، قال علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في صفة القرآن: فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، وهو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه اللّه، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله اللّه.

تفسير الجلالين

{ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبيَّنات } بفتح الياء وكسرها في هذه السورة، بيَّن فيها ما ذكر أو بينة { ومثلاً } خبرا عجيبا وهو خبر عائشة { من الذين خلوْا من قبلكم } أي من جنس أمثالهم أي أخبارهم العجيبة كخبر يوسف ومريم { وموعظة للمتقين } في قوله تعالى ( ولا تأخذكم بها رائفة في دين الله ) (لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون) الخ (ولولا إذ سمعتموه قلتم) الخ (يعظكم الله أن تعودوا) الخ وتخصيصها بالمتقين لأنهم المنتفعون بها .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَات مُبَيِّنَات } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس دَلَالَات وَعَلَامَات مُبَيِّنَات ; يَقُول : مُفَصِّلَات الْحَقّ مِنَ الْبَاطِل , وَمُوَضِّحَات ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ " مُبَيَّنَات " بِفَتْحِ الْيَاء : بِمَعْنَى مُفَصَّلَات , وَأَنَّ اللَّه فَصَّلَهُنَّ وَبَيَّنَهُنَّ لِعِبَادِهِ , فَهُنَّ مُفَصَّلَات مُبَيَّنَات . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : { مُبَيِّنَات } بِكَسْرِ الْيَاء , بِمَعْنَى أَنَّ الْآيَات هُنَّ تُبَيِّن الْحَقّ وَالصَّوَاب لِلنَّاسِ وَتَهْدِيهِمْ إِلَى الْحَقّ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ , وَقَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه إِذْ فَصَّلَهَا وَبَيَّنَهَا صَارَتْ مُبَيِّنَة بِنَفْسِهَا الْحَقّ لِمَنِ الْتَمَسَهُ مِنْ قِبَلهَا , وَإِذَا بَيَّنَتْ ذَلِكَ لِمَنِ الْتَمَسَهُ مِنْ قِبَلهَا فَيُبَيِّن اللَّه ذَلِكَ فِيهَا . فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب فِي قِرَاءَته الصَّوَاب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَات مُبَيِّنَات } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس دَلَالَات وَعَلَامَات مُبَيِّنَات ; يَقُول : مُفَصِّلَات الْحَقّ مِنَ الْبَاطِل , وَمُوَضِّحَات ذَلِكَ . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ " مُبَيَّنَات " بِفَتْحِ الْيَاء : بِمَعْنَى مُفَصَّلَات , وَأَنَّ اللَّه فَصَّلَهُنَّ وَبَيَّنَهُنَّ لِعِبَادِهِ , فَهُنَّ مُفَصَّلَات مُبَيَّنَات . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة : { مُبَيِّنَات } بِكَسْرِ الْيَاء , بِمَعْنَى أَنَّ الْآيَات هُنَّ تُبَيِّن الْحَقّ وَالصَّوَاب لِلنَّاسِ وَتَهْدِيهِمْ إِلَى الْحَقّ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ , وَقَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا عُلَمَاء مِنْ الْقُرَّاء , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه إِذْ فَصَّلَهَا وَبَيَّنَهَا صَارَتْ مُبَيِّنَة بِنَفْسِهَا الْحَقّ لِمَنِ الْتَمَسَهُ مِنْ قِبَلهَا , وَإِذَا بَيَّنَتْ ذَلِكَ لِمَنِ الْتَمَسَهُ مِنْ قِبَلهَا فَيُبَيِّن اللَّه ذَلِكَ فِيهَا . فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب فِي قِرَاءَته الصَّوَاب .' وَقَوْله : { وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلكُمْ } مِنْ الْأُمَم , وَمَوْعِظَة لِمَنِ اتَّقَى اللَّه , فَخَافَ عِقَابه وَخَشِيَ عَذَابه .وَقَوْله : { وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلكُمْ } مِنْ الْأُمَم , وَمَوْعِظَة لِمَنِ اتَّقَى اللَّه , فَخَافَ عِقَابه وَخَشِيَ عَذَابه .'

تفسير القرطبي

فيه أربع مسائل: الأولى:قوله { وليستعفف الذين} الخطاب لمن يملك أمر نفسه، لا لمن زمامه بيد غيره فإنه يقوده إلى ما يراه؛ كالمحجور - قولا واحدا - والأمة والعبد؛ على أحد قولي العلماء. الثانية: و { استعفف} وزنه استفعل؛ ومعناه طلب أن يكون عفيفا؛ فأمر الله تعالى بهذه الآية كل من تعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف. ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله؛ فيرزقه ما يتزوج به، أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق، أو تزول عنه شهوة النساء. و""روى النسائي عن أبي هريرة"" عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ثلاثة كلهم حق على الله عز وجل عونهم المجاهد في سبيل الله والناكح الذي يريد العفاف والمكاتب الذي يريد الأداء). الثالثة: قوله { لا يجدون نكاحا} أي طول نكاح؛ فحذف المضاف. وقيل : النكاح ها هنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة؛ كاللحاف اسم لما يلتحف به. واللباس اسم لما يلبس فعلى هذا لا حذف في الآية، قاله جماعة من المفسرين؛ وحملهم على هذا قوله { حتى يغنيهم الله من فضله} فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عدم المال الذي يتزوج به. وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف؛ وذلك ضعيف، بل الأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر، كما قدمناه، والله تعالى أعلم. الرابعة: من تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطول فالمستحب له أن يتزوج، وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم فإن الصوم له وجاء؛ كما جاء في الخبر الصحيح. ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له التخلي لعبادة الله تعالى. وفي الخبر (خيركم الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد). وقد تقدم جواز نكاح الإماء عند عدم الطول للحرة في - النساء - والحمد لله. ولما لم يجعل الله له من العفة والنكاح درجة دل على أن ما عداهما محرم ولا يدخل فيه ملك اليمين لأنه بنص آخر مباح وهو قوله { أو ما ملكت أيمانهم} فجاءت فيه زيادة ويبقى على التحريم الاستمناء ردا على أحمد. وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه وقد تقدم هذا في - المؤمنون - . قوله { والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} فيه ست عشرة مسألة: الأولى: قوله { والذين يبتغون الكتاب} { الذين} في موضع رفع. وعند الخليل وسيبويه في موضع نصب على إضمار فعل؛ لأن بعده أمرا. ولما جرى ذكر العبيد والإماء فيما سبق وصل به أن العبد إن طلب الكتاب فالمستحب كتابته؛ فربما يقصد بالكتابة أن يستقل ويكتسب ويتزوج إذا أراد، فيكون أعف له. قيل : نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبح - وقيل صبيح - طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا فأداها، وقتل بحنين في الحرب؛ ذكره القشيري وحكاه النقاش. وقال مكي : هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة. وعلى الجملة فإن الله تعالى أمر المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك وطلب المملوك الكتابة وعلم سيده منه خيرا. الثانية: الكتاب والمكاتبة سواء؛ مفاعلة مما لا تكون إلا بين اثنين، لأنها معاقدة بين السيد وعبده؛ يقال : كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة، كما يقال : قاتل قتالا ومقاتلة. فالكتاب في الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع. وقيل : الكتاب ها هنا هو الكتاب المعروف الذي يكتب فيه الشيء وذلك أنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا. فالمعنى يطلبون العتق الذي يكتب به الكتاب فيدفع إليهم. الثالثة: معنى المكاتبة في الشرع : هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما عليه؛ فإذا أداه فهو حر. ولها حالتان : الأولى : أن يطلبها العبد ويجيبه السيد؛ فهذا مطلق الآية وظاهرها. الثانية : أن يطلبها العبد ويأباها السيد؛ وفيها قولان : الأول : لعكرمة وعطاء ومسروق وعمرو بن دينار والضحاك بن مزاحم وجماعة أهل الظاهر أن ذلك واجب على السيد. وقال علماء الأمصار : لا يجب ذلك. وتعلق من أوجبها بمطلق الأمر، وأفعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل بغيره. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، واختاره الطبري. واحتج داود أيضا بأن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك الكتابة وهو مولاه فأبى أنس؛ فرفع عمر عليه الدرة، وتلا { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} ، فكاتبه أنس. قال داود : وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله. وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك، ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في الثمن. وكذلك لو قال له أعتقني أو دبرني أو زوجني لم يلزمه ذلك بإجماع، فكذلك الكتابة؛ لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراض. وقولهم : مطلق الأمر يقتضي الوجوب صحيح، لكن إذا عري عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب، وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه؛ فعلق الوجوب على أمر باطن وهو علم السيد بالخيرية. وإذا قال العبد : كاتبني؛ وقال السيد : لم أعلم فيك خيرا؛ وهو أمر باطن، فيرجع فيه إليه ويعول عليه. وهذا قوي في بابه. الرابعة: واختلف العلماء في قوله { خيرا} فقال ابن عباس وعطاء : المال. مجاهد : المال والأداء. والحسن والنخعي : الدين والأمانة. وقال مالك : سمعت بعض أهل العلم يقولون هو القوة على الاكتساب والأداء. وعن الليث نحوه، وهو قول الشافعي. وقال عبيدة السلماني : إقامة الصلاة والخير. قال الطحاوي : وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا لأن العبد مال لمولاه، فكيف يكون له مال. والمعنى عندنا : إن علمتم فيهم الدين والصدق، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم. وقال أبو عمر : من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالا، وإنما يقال : علمت فيه الخير والصلاح والأمانة؛ ولا يقال : علمت فيه المال، وإنما يقال علمت عنده المال. قلت : وحديث بريرة يرد قول من قال : إن الخير المال؛ على ما يأتي. الخامسة: اختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له؛ فكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول : أتأمرني أن آكل أوساخ الناس؛ ونحوه عن سلمان الفارسي. و روى حكيم بن حزام فقال : كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد : أما بعد فإنه مَن قِبَلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس. وكرهه الأوزاعي وأحمد وإسحاق. ورخص في ذلك مالك وأبو حنيفة والشافعي. وروي عن علي رضي الله عنه أن ابن التياح مؤذنه قال له : أكاتب وليس لي مال؟ قال نعم؛ ثم حض الناس على الصدقة عليّ؛ فأعطوني ما فضل عن مكاتبتي، فأتيت عليا فقال : اجعلها في الرقاب. وقد روي عن مالك كراهة ذلك، وأن الأمة التي لا حرفة لها يكره مكاتبتها لما يؤدي إليه من فسادها. والحجة في السنة لا فيما خالفها. روى الأئمة عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت علي بريرة فقالت : إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين كل سنة أوقية، فأعينيني.. .) الحديث. فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده وهو لا شيء معه؛ ألا ترى أن بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها، وذلك كان في أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئا؛ كذلك ذكره ابن شهاب عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا؛ ""أخرجه البخاري وأبو داود"". وفي هذا دليل على جواز كتابة الأمة، وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال، ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم هل لها كسب أو عمل واصب أو مال، ولو كان هذا واجبا لسأل عنه ليقع حكمه عليه؛ لأنه بعث مبينا معلما صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحديث ما يدل على أن من تأول في قوله { إن علمتم فيهم خيرا} أن المال الخير، ليس بالتأويل الجيد، وأن الخير المذكور هو القوة على الاكتساب مع الأمانة. والله أعلم. السادسة: الكتابة تكون بقليل المال وكثيره، وتكون على أنجم؛ لحديث بريرة. وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء والحمد لله. فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلا نجمت عليه بقدر سعايته وإن كره السيد. قال الشافعي : لا بد فيها من أجل؛ وأقلها ثلاثة أنجم. واختلفوا إذا وقعت على نجم واحد فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد. وقال الشافعي : لا تجوز على نجم واحد، ولا تجوز حالة البتة، وإنما ذلك عتق على صفة؛ كأنه قال : إذا أديت كذا وكذا فأنت حر وليست كتابة. قال ابن العربي : اختلف العلماء والسلف في الكتابة إذا كانت حالة على قولين، واختلف قول علمائنا كاختلافهم. والصحيح في النظر أن الكتابة مؤجلة؛ كما ورد بها الأثر في حديث بريرة حين كاتبت أهلها على تسع أواق في كل عام أوقية، وكما فعلت الصحابة؛ ولذلك سميت كتابة لأنها تكتب ويشهد عليها، فقد استوسق الاسم والأثر، وعضده المعنى؛ فإن المال إن جعله حالا وكان عند العبد شيء فهو مال مقاطعة وعقد مقاطعة لا عقد كتابة. وقال ابن خويزمنداد : إذا كاتبه على مال معجل كان عتقا على مال، ولم تكن كتابة. وأجاز غيره من أصحابنا الكتابة الحالة وسماها قطاعة، وهو القياس؛ لأن الأجل فيها إنما هو فسحة للعبد في التكسب. ألا ترى أنه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجل للمكاتب عتقه. وتجوز الكتابة الحالة؛ قاله الكوفيون. قلت : لم يرد عن مالك نص في الكتابة الحالة؛ والأصحاب يقولون : إنها جائزة، ويسمونها قطاعة. وأما قول الشافعي إنها لا تجوز على أقل من ثلاثة أنجم فليس بصحيح؛ لأنه لو كان صحيحا لجاز لغيره أن يقول : لا يجوز على أقل من خمسة نجوم؛ لأنها أقل النجوم التي كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في بريرة، وعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم وقضى فيها، فكان بصواب الحجة أولى. ""روى البخاري عن عائشة"" أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين...) الحديث. كذا قال الليث عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة : وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين. وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : جاءت بريرة فقالت : إني كاتبت أهلي على تسع أواق...) الحديث. وظاهر الروايتين تعارض، غير أن حديث هشام أولى لاتصاله وانقطاع حديث يونس؛ لقول البخاري : وقال الليث حدثني يونس؛ ولأن هشاما أثبت في حديث أبيه وجده من غيره، والله أعلم. السابعة: المكاتب عبد ما بقي عليه من مال الكتابة شيء؛ لقوله عليه السلام : (المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم). ""أخرج أبو داود عن عمرو بن شعيب"" عن أبيه عن جده. وروي عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (أيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد). وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود والطبري. وروي ذلك عن ابن عمر من وجوه، وعن زيد بن ثابت وعائشة وأم سلمة، لم يختلف عنهم في ذلك رضي الله عنهم. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال ابن المسيب والقاسم وسالم وعطاء. قال مالك : وكل من أدركنا ببلدنا يقول ذلك. وفيها قول آخر روي عن علي أنه إذا أدى الشطر فهو غريم؛ وبه قال النخعي. وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه، والإسناد عنه بأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، خير من الإسناد عنه بأن المكاتب إذا أدى الشطر فلا رق عليه؛ قال أبو عمر. وعن علي أيضا يعتق منه بقدر ما أدى. وعنه أيضا أن العتاقة تجري فيه بأول نجم يؤديه. وقال ابن مسعود : إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم؛ وهذا قول شريح. وعن ابن مسعود : لو كانت الكتابة مائتي دينار وقيمة العبد مائة دينار فأدى العبد المائة التي هي قيمته عتق؛ وهو قول النخعي أيضا. وقول سابع : إذا أدى الثلاثة الأرباع وبقي الربع فهو غريم ولا يعود عبدا قاله عطاء بن أبي رباح، رواه ابن جريج عنه. وحكي عن بعض السلف أنه بنفس عقد الكتابة حر، وهو غريم بالكتابة ولا يرجع إلى الرق أبدا. وهذا القول يرده حديث بريرة لصحته عن النبي صلى الله عليه وسلم. وفيه دليل واضح على أن المكاتب عبد، ولولا ذلك ما بيعت بريرة، ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيع ذلك؛ إذ من سنته المجمع عليها ألا يباع الحر. وكذلك كتابة سلمان وجويرية؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لجميعهم بالرق حتى أدوا الكتابة. وهي حجة للجمهور في أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء. وقد ناظر علي بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب؛ فقال لعلي : أكنت راجمه لو زنى، أو مجيزا شهادته لو شهد؟ فقال علي لا. فقال زيد : هو عبد ما بقي عليه شيء. وقد ""روى النسائي عن علي وابن عباس رضي الله عنهم"" عن رسول الله صلى الله عليه وسم أنه قال : (المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى ويقام عليه الحد بقدر ما أدى ويرث بقدر ما عتق منه). وإسناده صحيح. وهو حجة لما روي عن علي، ويعتضد بما"" رواه أبو داود عن نبهان مكاتب أم سلمة"" قال سمعت أم سلمة تقول : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه). وأخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح. إلا أنه يحتمل أن يكون خطابا مع زوجاته، أخذا بالاحتياط والورع في حقهن؛ كما قال لسودة : (احتجبي منه) مع أنه قد حكم بأخوتها له، وبقوله لعائشة وحفصة : (أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه) يعني ابن أم مكتوم، مع أنه قال لفاطمة بنت قيس : (اعتدي عند ابن أم مكتوم) وقد تقدم هذا المعنى. الثامنة: أجمع العلماء على أن المكاتب إذا حل عليه نجم من نجومه أو نجمان أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحال أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين. التاسعة: قال مالك : ليس للعبد أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر، وإن لم يظهر له مال فذلك إليه. وقال الأوزاعي : لا يمكن من تعجيز نفسه إذا كان قويا على الأداء. وقال الشافعي : له أن يعجز نفسه، علم له مال أو قوة على الكتابة أو لم يعلم؛ فإذا قال : قد عجزت وأبطلت الكتابة فذلك إليه. وقال مالك : إذا عجز المكاتب فكل ما قبضه منه سيده قبل العجز حل له، كان من كسبه أو من صدقة عليه. وأما ما أعين به على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى أو تحلل منه المكاتب. ولو أعانوه صدقة لا على فكاك رقبته فذلك إن عجز حل لسيده ولو تم به فكاكه وبقيت منه فضلة. فإن كان بمعنى الفكاك ردها إليهم بالحصص أو يحللونه منها. هذا كله مذهب مالك فيما ذكر ابن القاسم. وقال أكثر أهل العلم : إن ما قبضه السيد منه من كتابته، وما فضل بيده بعد عجزه من صدقة أو غيرها فهو لسيده، يطيب له أخذ ذلك كله. هذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابهما وأحمد بن حنبل، ورواية عن شريح. وقال الثوري : يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب؛ وهو قول مسروق والنخعي، ورواية عن شريح. وقالت طائفة : ما قبض منه السيد فهو له، وما فضل بيده بعد العجز فهو له دون سيده؛ وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك. وقال إسحاق : ما أعطي بحال الكتابة رد على أربابه. العاشرة: حديث بريرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمن أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابة تقدمت. واختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك. وقد ترجم البخاري (باب بيع المكاتب إذا رضي). وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضي المكاتب بالبيع ولو لم يكن عاجزا، ذهب ابن المنذر والداودي، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبدالبر، وبه قال ابن شهاب وأبو الزناد وربيعة غير أنهم قالوا : لأن رضاه بالبيع عجز منه. وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما : لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبا حتى يعجز، ولا يجوز بيع كتابته بحال؛ وهو قول الشافعي بمصر، وكان بالعراق يقول : بيعه جائز وأما بيع كتابته فغير جائزة. وأجاز مالك بيع الكتابة؛ فإن أداها عتق وإلا كان رقيقا لمشتري الكتابة. ومنع من ذلك أبو حنيفة؛ لأنه بيع غرر. واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة. وقالت طائفة : يجوز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته؛ فإن أدى عتق وكان ولاؤه للذي ابتاعه، ولو عجز فهو عبد له. وبه قال النخعي وعطاء والليث وأحمد وأبو ثور. وقال الأوزاعي : لا يباع المكاتب إلا للعتق، ويكره أن يباع قبل عجزه؛ وهو قول أحمد وإسحاق. قال أبو عمر : في حديث بريرة إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع ولم يكن عاجزا عن أداء نجم قد حل عليه؛ بخلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز؛ لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم، ولا أخبرت بأن النجم قد حل عليها، ولا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم أعاجزة أنت أم هل حل عليك نجم. ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء ما قد حل لكان النبي صلى الله عليه وسلم قد سألها أعاجزة هي أم لا، وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه صلى الله عليه وسلم أنها عاجزة ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها. وفي حديث الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئا. ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح من حديث بريرة هذا، ولم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يعارضه، ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها. استدل من منع من بيع المكاتب بأمور : منها أن قالوا إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت، وأن قولها كاتبت أهلي معناه أنها راودتهم عليها، وقدروا مبلغها وأجلها ولم يعقدوها. وظاهر الأحاديث خلاف هذا إذا تؤمل مساقها. وقيل : إن بريرة عجزت عن الأداء فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة، وحينئذ صح البيع؛ إلا أن هذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق العبد والسيد عليه؛ لأن الحق لا يعدوهما، وهو المذهب المعروف. وقال سحنون : لا بد من السلطان؛ وهذا إنما خاف أن يتواطأ على ترك حق الله تعالى. ويدل على صحة أنها عجزت ما روي أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا؛ فقالت لها عائشة : ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك فعلت. فظاهر هذا أن جميع كتابتها أو بعضها استحق عليها؛ لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به، والله أعلم. هذه التأويلات أشبه ما لهم وفيها من الدخل ما بيناه. وقال ابن المنذر : ولا أعلم حجة لمن قال ليس له بيع المكاتب إلا أن يقول لعل بريرة عجزت. قال الشافعي : وأظهر معانيه أن لمالك المكاتب بيعه. الحادية عشرة: المكاتب إذا أدى كتابته عتق ولا يحتاج إلى ابتداء عتق من السيد. كذلك ولده الذين ولدوا في كتابته من أمته، يعتقون بعتقه ويرقون برقه؛ لأن ولد الإنسان من أمته بمثابته اعتبارا بالحر وكذلك ولد المكاتبة، فإن كان لهما ولد قبل الكتابة لم يدخل في الكتابة إلا بشرط. الثانيةعشرة: قوله { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} هذا أمر للسادة بإعانتهم في مال الكتابة إما بأن يعطوهم شيئا مما في أيديهم - أعني أيدي السادة - أو يحطوا عنهم شيئا من مال الكتابة. قال مالك : يوضع عن المكاتب من آخر كتابته. وقد وضع ابن عمر خمسة آلاف من خمسة وثلاثين ألفا. واستحسن علي رضي الله عنه أن يكون ذلك ربع الكتابة. قال الزهراوي : روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. واستحسن ابن مسعود والحسن بن أبي الحسن ثلثها. وقال قتادة : عشرها. ابن جبير : يسقط عنه شيئا، ولم يحده؛ وهو قول الشافعي، واستحسنه الثوري. قال الشافعي : والشيء أقل شيء يقع عليه اسم شيء، ويجبر عليه السيد ويحكم به الحاكم على الورثة إن مات السيد. ورأى مالك رحمه الله تعالى هذا الأمر على الندب، ولم ير لقدر الوضعية حدا. احتج الشافعي بمطلق الأمر في قوله { وآتوهم} ، ورأى أن عطف الواجب على الندب معلوم في القرآن ولسان العرب كما قال { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى} [النحل:90] وما كان مثله. قال ابن العربي : وذكره قبله إسماعيل بن إسحاق القاضي، جعل الشافعي الإيتاء واجبا، والكتابة غير واجبة؛ فجعل الأصل غير واجب والفرع واجبا، وهذا لا نظير له، فصارت دعوى محضة. فإن قيل : يكون ذلك كالنكاح لا يجب فإذا انعقد وجبت أحكامه، منها المتعة. قلنا : عندنا لا تجب المتعة فلا معنى لأصحاب الشافعي. وقد كاتب عثمان بن عفان عبده وحلف ألا يحطه...، في حديث طويل. قلت : وقد قال الحسن والنخعي وبريدة إنما الخطاب بقوله { وآتوهم} للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين، وأن يعينوهم في فكاك رقابهم. وقال زيد بن أسلم : إنما الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم؛ وهو الذي تضمنه قوله تعالى { وفي الرقاب} . وعلى هذين القولين فليس لسيد المكاتب أن يضع شيئا عن مكاتبه. ودليل هذا أنه لو أراد حط شيء من نجوم الكتابة لقال وضعوا عنهم كذا. الثالثة عشرة: إذا قلنا : إن المراد بالخطاب السادة فرأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أول نجومه، مبادرة إلى الخير خوفا ألا يدرك آخرها. ورأى مالك رحمه الله تعالى وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم. وعلة ذلك أنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد فرجع هو وماله إلى السيد، فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة. وهذا قول عبدالله بن عمر وعلي. وقال مجاهد : يترك له من كل نجم. قال ابن العربي : والأقوى عندي أن يكون في آخرها؛ لأن الإسقاط أبدا إنما يكون في أخريات الديون. الرابعة عشرة: المكاتب إذا بيع للعتق رضا منه بعد الكتابة وقبض بائعه ثمنه لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئا، سواء باعه لعتق أو لغير عتق، وليس ذلك كالسيد يؤدي إليه مكاتب كتابته فيؤتيه منها أو يضع عنه من آخرها نجما أو ما شاء؛ على ما أمر الله به في كتابه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر موالي بريرة بإعطائها مما قبضوا شيئا، وإن كانوا قد باعوها للعتق. الخامسة عشرة: اختلفوا في صفة عقد الكتابة؛ فقال ابن خويزمنداد : صفتها أن يقول السيد لعبده كاتبتك على كذا وكذا من المال، في كذا وكذا نجما، إذا أديته فأنت حر. أو يقول له أد إلي ألفا في عشرة أنجم وأنت حر. فيقول العبد قد قبلت ونحو ذلك من الألفاظ؛ فمتى أداها عتق. وكذلك لو قال العبد كاتبني، فقال السيد قد فعلت، أو قد كاتبتك. قال ابن العربي : وهذا لا يلزم لأن لفظ القرآن لا يقتضيه والحال يشهد له؛ فإن ذكره فحسن، وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه. ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة، وقد ذكرنا من أصوله جملة، فيها لمن اقتصر عليها كفاية، والله الموفق للهداية. السادسة عشرة: في ميراث المكاتب؛ واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال [فمذهب مالك] أن المكاتب إذا هلك وترك مالا أكثر مما بقي عليه من كتابته وله ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم، ورثوا ما بقي من المال بعد قضاء كتابته؛ لأن حكمهم كحكمه، وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلف مالا، ولا يعتقون إلا بعتقه، ولو أدى عنهم ما رجع بذلك عليهم؛ لأنهم يعتقون عليه؛ فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله. والقول الثاني : أنه يؤدى عنه من مال جميع كتابته، وجعل كأنه قد مات حرا، ويرثه جميع ولده وسواء في ذلك من كان حرا قبل موته من ولده ومن كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته لأنهم قد استووا في الحرية كلهم حين تأدت عنهم كتابتهم. روي هذا القول عن علي وابن مسعود ومن التابعين عن عطاء والحسن وطاوس وإبراهيم، وبه قال فقهاء الكوفة سفيان الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حي، وإليه ذهب إسحاق. والقول الثالث : أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا، وكل ما يخلفه من المال فهو لسيده، ولا يرثه أحد من أولاده، لا الأحرار ولا الذين معه في كتابته؛ لأنه لما مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا وماله لسيده، فلا يصح عتقه بعد موته؛ لأنه محال أن يعتق عبد بعد موته، وعلى ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته أن يسعوا في باقي الكتابة، ويسقط عنهم منها قدر حصته، فإن أدوا عتقوا لأنهم كانوا فيها تبعا لأبيهم، وإن لم يؤدوا ذلك رقوا. هذا قول الشافعي، وبه قال أحمد بن حنبل، وهو قول عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعمر بن عبدالعزيز والزهري وقتادة. قوله { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا} روي عن جابر بن عبدالله وابن عباس رضي الله عنهم أن هذه الآية نزلت في عبدالله بن أبيّ، وكانت له جاريتان إحداهما تسمى معاذة والأخرى مسيكة، وكان يكرههما على الزنى ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين. ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي صلى الله عليه وسلم في زوجها. وفي صحيح مسلم عن جابر أن جارية لعبدالله بن أبيّ يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله عز وجل { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء - إلى قوله - غفور رحيم} . { إن أردن تحصنا} راجع إلى الفتيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون السيد مكرها، ويمكن أن ينهى عن الإكراه. وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزني. فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه. وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي فقال : إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه؛ فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصور إكراه، فحصلوه. وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين؛ فقال بعضهم قوله { إن أردن تحصنا} راجع إلى الأيامى، قال الزجاج والحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير؛ أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنا. وقال بعضهم : هذا الشرط في قوله { إن أردن} ملغى، ونحو ذلك مما يضعف والله الموفق. قوله { لتبتغوا عرض الحياة الدنيا} أي الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها والولد يسترق فيباع. وقيل : كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها. { ومن يكرههن} أي يقهرهن. { فإن الله من بعد إكراههن غفور} لهن { رحيم} بهن. وقرأ ابن مسعود وجابر بن عبدالله وابن جبير { لهن غفور} بزيادة لهن. وقد مضى الكلام في الإكراه في - النحل-والحمد لله. ثم عدد تعالى على المؤمنين نعمه فيما أنزل إليهم من الآيات المنيرات وفيها ضرب لهم من أمثال الماضين من الأمم ليقع التحفظ مما وقع أولئك فيه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النور الايات 33 - 36

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

المعنى: لا عذر لكم؛ لأن الله تعالى قد أنزل إليكم الآيات الواضحة التي تضمن لكم شرف الحياة وطهارتها ونقاء نسل الخليفة لله في الأرض، وهذه الآيات ما تركتْ شيئاً من أقضية الحياة إلا تناولتْه وأنزلتْ الحكم فيه، وقد نلتمس لكم العذر لو أن في حياتكم مسألة أو قضية ما لم يتناولها التشريع ولم ينظمها.

لذلك يقول سيدنا الإمام علي - رضي الله عنه - عن القرآن: فيه حكم ما بينكم، وخبر ما قبلكم، ونبأ ما بعدكم، هو الفَصْل ليس بالهَزْل، مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومَنْ ابتغى الهدى في غيره أضله الله.

ولا يزال الزمان يُثبِت صِدْق هذه المقولة، وانظر هنا وهناك لتجد مصارع الآراء والمذاهب والأحزاب والدول التي قامت لتناقض الإسلام، سواء كانت رأسمالية شرسة أو شيوعية شرسة. إلخ. كلها انهارت على مَرْأىً ومَسْمع من الجميع.

نعم، مَنْ تركه من جبار قصمه الله، ومَنْ ابتغى الهدى في غيره أضلَّه الله، لأنه خالقك، وهو أعلم بما يُصلحك، فلا يليق بك - إذن - أن تأخذ خَلْق الله لك ثم تتكبر عليه وتضع لنفسك قانوناً من عندك أنت.

وسبق أنْ قُلْنا: إن الآيات تطلق على ثلاثة إطلاقات: الآيات الكونية التي تلفتك إلى الصانع المبدع عز وجل، وعلى المعجزات التي تأتي لتثبت صِدْق الرسول في البلاغ عن الله، وتُطلق على الآيات الحاملة للأحكام وهي آيات القرآن الكريم، وفي القرآن هذا كله.

وقوله تعالى: { وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ } [النور: 34].

أي: جعلنا لكم موعظة وعبرة بالأمم السابقة عليكم، والتي بلغت شأوها في الحضارة، ومع ذلك لم تملك مُقوِّمات البقاء، ولم تصنع لنفسها المناعة التي تصونها فانهارت، ولم يبق منهم إلا آثار كالتي نراها الآن لقدماء المصريين، وقد بلغوا من الحضارة منزلةً أدهشت العالم المتقدم الحديث، فيأتون الآن متعجبين: كيف فعل قدماء المصريين هذه الحضارة؟

وكان أعظم من حضارة الفراعنة حضارة عاد التي قال الله عنها:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلْمِرْصَادِ }
[الفجر: 6 - 14] يعني: لن يفلت من المخالفين أحد، ولن ينجو من عذاب الله كافر.

والمثَل كذلك في مسألة الزنا وقَذْف المحصنات العفيفات، كحادثة الإفك التي سبق الكلام عنها، وأنها كانت مَثَلاً وعِبرةً، كذلك كانت قصة السيدة مريم مثلاً وقد اتهمها قومها، وقالوا:
{  يٰأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً }
[مريم: 28].

وكذلك كانت قصة يوسف عليه السلام وامرأة العزيز، وكلها مسائل تتعلق بالشرف، ولم تَخْلُ من رَمْي العفيفات المحصنات، أو العفيف الطاهر يوسف بن يعقوب عليهما السلام.

وهذه الآيات مبينات للوجود الأعلى في آيات الكون، مُبينات لصِدْق المبلِّغ عن الله في المعجزات، مُبيِّنات للأحكام التي تنظم حركة الحياة في آيات القرآن، ثم أريناهم عاقبة الأمم السابقة سواء مَنْ أقبل منهم على الله بالطاعة، أو مَنْ أعرض عنه بالمعصية، ولا يستفيد من هذه المواعظ والعِبَر إلا المتقون الذين يخافون الله وتثمر فيهم الموعظة.


www.alro7.net