سورة
اية:

كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

تفسير بن كثير

يحتج تعالى على المشركين باعترافهم بوحدانيته وربوبيته على وحدانية إلاهيته، فقال تعالى: { قل من يرزقكم من السماء والأرض} أي من ذا الذي ينزل من السماء ماء المطر، فيشق الأرض شقاً بقدرته ومشيئته، فيخرج منها { حبا وعنبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا} أإله مع اللّه؟ فسيقولون: اللّه { أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه} ؟ وقوله: { أمن يملك السمع والأبصار} أي الذي وهبكم هذه القوة السامعة، والقوة الباصرة، ولو شاء لذهب بها ولسلبكم إياها، كقوله تعالى: { قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار} الآية، وقال: { قل أرأيتم إن أخذ اللّه سمعكم وأبصاركم} الآية، وقوله: { ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} أي بقدرته العظيمة ومنته العميمة، وقوله: { ومن يدبر الأمر} أي من بيده ملكوت كل شيء، وهو المتصرف الحاكم الذي لا معقب لحكمه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فالملك كله العلوي والسفلي فقيرون إليه خاضعون لديه، { فسيقولون الله} أي وهم يعلمون ذلك ويعترفون به، { فقل أفلا تتقون} ؟ أي أفلا تخافون منه أن تعبدوا معه غيره بآرائكم وجهلكم؟ وقوله: { فذلكم اللّه ربكم الحق} الآية، أي فهذا الذي اعترفتم بأنه فاعل ذلك كله هو ربكم وإلهكم الحق الذي يستحق أن يفرد بالعبادة، { فماذا بعد الحق إلا الضلال} ؟ أي فكل معبود سواه باطل لا إله إلا هو واحد لا شريك له، { فأنى تصرفون} أي فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة ما سواه؟ وأنتم تعلمون أنه الرب الذي خلق كل شيء والمتصرف في كل شيء، وقوله: { كذلك حقت كلمة ربك على الذين فسقوا} أي كما كفر هؤلاء المشركون واستمروا على شركهم، وعبادتهم مع اللّه غيره مع أنهم يعترفون بأنه الخالق الرازق المتصرف في الملك وحده، الذي بعث رسله بتوحيده، فلهذا حقت عليهم كلمة اللّه أنهم أشقياء من ساكني النار، كقوله: { قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين} .

تفسير الجلالين

{ كذلك } كما صرف هؤلاء عن الإيمان { حقَّت كلمة ربِّك على الذين فسقوا } كفروا وهي (لأملأن جهنم) الآية، أو هي { أنهم لا يؤمنون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّك عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا قَدْ صُرِفَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْحَقّ إِلَى الضَّلَال , { كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَة رَبّك } يَقُول : وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَضَاؤُهُ وَحُكْمه فِي السَّابِق مِنْ عِلْمه , { عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا } فَخَرَجُوا مِنْ طَاعَة رَبّهمْ إِلَى مَعْصِيَته وَكَفَرُوا بِهِ ; { أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول : لَا يُصَدِّقُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه وَلَا بِنُبُوَّةِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّك عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا قَدْ صُرِفَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْحَقّ إِلَى الضَّلَال , { كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَة رَبّك } يَقُول : وَجَبَ عَلَيْهِمْ قَضَاؤُهُ وَحُكْمه فِي السَّابِق مِنْ عِلْمه , { عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا } فَخَرَجُوا مِنْ طَاعَة رَبّهمْ إِلَى مَعْصِيَته وَكَفَرُوا بِهِ ; { أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } يَقُول : لَا يُصَدِّقُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه وَلَا بِنُبُوَّةِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { كذلك حقت كلمة ربك} أي حكمه وقضاؤه وعلمه السابق. { على الذين فسقوا} أي خرجوا عن الطاعة وكفروا وكذبوا. { أنهم لا يؤمنون} أي لا يصدقون. وفي هذا أوفى دليل على القدرية. وقرأ نافع وابن عامر هنا وفي آخرها { كذلك حقت كلمات ربك} وفي سورة غافر بالجمع في الثلاثة. الباقون بالإفراد و { أن} في موضع نصب؛ أي بأنهم أو لأنهم. قال الزجاج : ويجوز أن تكون في موضع رفع على البدل من كلمات. قال الفراء : يجوز { إنهم} بالكسر على الاستئناف.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 31 - 35

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله: { كَذَلِكَ } إشارة إلى ما تقدم من رزق الله تعالى للبشر جميعاً، ومن مِلْك السمع والبصر، ومن تدبير الأمر كله، ومن إخراج الحيّ من الميت، وإخراج الميت من الحي، ذلك هو الإله الحق سبحانه، وقد ثبت ذلك بسؤاله سبحانه وتعالى هذا السؤال الذي علم مُقدَّماً ألا إجابة له إلا بالاعتراف به إلهاً حقاً:
{  فَمَاذَا بَعْدَ ٱلْحَقِّ إِلاَّ ٱلضَّلاَلُ }
[يونس: 32].

ومثل هذه القضية تماماً قَوْلُ الحق سبحانه: { حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوۤاْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [يونس: 33].

لأنهم أساءوا الفهم في الوحدانية، وفي العقيدة، واستحقوا أن يُعذَّبوا؛ لأنهم صرفوا الحق إلى غير صاحب الحق.

وقد كان هذا خطاباً للموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بعضهم آمن بالله تعالى؛ ولذلك فالعذاب:إنما يحُلّ على مَنْ لم يؤمن.

وهذا القول متحقق فيمَنْ سبق في علم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، وكذلك حقَّتْ كلمة ربك على هؤلاء الذين فسقوا ولا ينتهون عن فسقهم وكفرهم، وإصرارهم على الانحراف بالعبودية لغير الله الأعلى والرَّبِّ الحق سبحانه وتعالى.

والدليل على العلم الأزليِّ لله سبحانه ما نقرأه في سورة البقرة:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ }
[البقرة: 6].

إذن: معلوم لله تعالى مَنْ يؤمن ومَنْ لا يؤمن، ومَنْ يستمر ويُصِرّ على كفره؛ هو الذي يَلْقَى العذاب، بعلم الله تعالى فيه أنه لن يؤمن.

ثم يذكر الحق بعد ذلك ما يمكن أن يُجادَلَ به الكافرون بمنطق أحوالهم، ففي ذوات نفوس غير المؤمنين بإله توجد نزعة فطرية لفعل الخير، وتوجيه غيرهم إليه، وهو موجود حتى في الأمم غير المؤمنة، فكل قوم يُوجِّهون إلى الخير بحسب معتقداتهم، فنجد بين الشعوب غير المؤمنة بإلهٍ حكماء وأطباء وعلماء، وهؤلاء يوجهون الناس إلى بعض الخير الذي يرونه.

ونجد الطفل الصغير يكتسب المعتقدات والعادات والاتجاهات من والديه، ومما يسمعه من توجيهاتهم، فنجده يبتعد عن النار مثلاً أو الكهرباء؛ لأنه ترسخت في ذهنه توجيهات ونصائح غيره؛ بل إنه يتعلم كيف يتعامل مع هذه الأشياء دون أن تصيبه بالضرر.

إذن: يوجد توجيه من الخلق إلى الخلق لجهات الخير، ألا نجد في الدول غير المؤمنة بإله مَنْ يرشد الناس إلى الطرق التي يمكن أن يسيروا فيها باتجاهين، والطرق التي عليهم أن يسيروا فيها باتجاه واحد؟

ألا يوجد مَنْ يدل الناس على المنحنيات الخطرة على الطرق، وكذلك يوجّههم إلى ضرورة خفض سرعة السيارات أمام مدارس الأطفال؟

نعم، يوجد في البلاد غير المؤمنة مَنْ يفعل ذلك.

إذن: فالتفكير في الخير لصالح الأمم أمر طبيعي غريزي موجود في كل المجتمعات، وإذ كان التوجيه للخير يحدث من الإنسان المساوي للإنسان، ألا يكون الله سبحانه هو الأحق بالتوجيه إلى الخير، وهو سبحانه الذي خلق الإنسان، وخلق له ما يقيم حياته على الأرض، ولذلك يقول الحق سبحانه: { قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ }


www.alro7.net