سورة
اية:

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ۚ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ۖ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الغني عما سواه، الحاكم في خلقه بالعدل، وخلق الخلق بالحق { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} أي يجازى كلاً بعمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي لا يتعاطون المحرمات الكبائر، وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأُخْرى: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً} ، وقال ههنا: { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} ، وهذا استثناء منقطع لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال. عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن اللّه تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنَّفْس تمنّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) ""أخرجه الإمام أحمد ورواه الشيخان أيضاً"". وقال عبد الرحمن ابن نافع: سألت أبا هريرة عن قول اللّه: { إلا اللمم} ، قال: القُبْلة، والغمزة، والنظرة، والمباشرة، فإذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل وهو الزنا، وقال ابن عباس: { إلا اللمم} إلا ما سلف، وكذا قال زيد بن اسلم، وروى ابن جرير، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: { إلا اللمم} قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعه، قال الشاعر: إن تغفر اللهم تغفر جماً * وأيّ عبد لك ما ألما؟ وعن الحسن في قول اللّه تعالى: { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} قال: اللمم من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر ثم لا يعود، وروى ابن جرير، عن عطاء، عن ابن عباس: { إلا اللمم} يلم بها في الحين، قلت: الزنا؟ قال: الزنا ثم يتوب، وعنه قال: اللمم الذي يلم المرة، وقال السدي: قال أبو صالح: سئلت عن اللمم، فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب، وأخبرت بذلك ابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم. وقوله تعالى: { إن ربك واسع المغفرة} أي رحمته وسعت كل شيء، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها، كقوله تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إن اللّه يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} . وقوله تعالى: { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} أي هو بصير بكم، عليم بأحوالكم وأفعالكم، حين أنشأ أباكم آدم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر، ثم قسمهم فريقين: فريقاً للجنة وفريقاً للسعير، وكذا قوله: { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، وقوله تعالى: { فلا تزكوا أنفسكم} أي تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم { هو أعلم بمن اتقى} ، كما قال تعالى: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} الآية. روى مسلم في صحيحه، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت برة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا تزكوا أنفسكم إن اللّه أعلم بأهل البر منكم) فقالوا: بم نسميها؟ قال: (سموها زينب) ""أخرجه مسلم في صحيحه"". وقد ثبت أيضاً، عن أبي بكرة قال: مدح رجل رجلاً عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ويلك قطعت عنق صاحبك - مراراً - إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلاناً واللّه حسيبه، ولا أزكي على اللّه أحداً، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك) ""أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة"". وروى الإمام أحمد، عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه، قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب، ويقول: أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب ""أخرجه مسلم وأبو داود والإمام أحمد"".

تفسير الجلالين

{ الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا الَّلمَمَ } هو صغار الذنوب كالنظرة والقبلة واللمسة فهو استثناء منقطع والمعنى لكن اللمم يغفر باجتناب الكبائر { إن ربك واسع المغفرة } بذلك وبقبول التوبة، ونزل فيمن كان يقول: صلاتنا صيامنا حجنا: { هو أعلم } أي عالم { بكم إذ أنشأكم من الأرض } أي خلق آباكم آدم من التراب { وإذ أنتم أجنة } جمع جنين { في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم } لا تمدحوها على سبيل الإعجاب أما على سبيل الاعتراف بالنعمة فحسن { هو أعلم } أي عالم { بمن اتقى } .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم } يَقُول : الَّذِينَ يَبْتَعِدُونَ عَنْ كَبَائِر الْإِثْم الَّتِي نَهَى اللَّه عَنْهَا وَحَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ فَلَا يَقْرَبُونَهَا , وَذَلِكَ الشِّرْك بِاللَّهِ , وَمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي قَوْله : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } 4 31 وَقَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم } يَقُول : الَّذِينَ يَبْتَعِدُونَ عَنْ كَبَائِر الْإِثْم الَّتِي نَهَى اللَّه عَنْهَا وَحَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ فَلَا يَقْرَبُونَهَا , وَذَلِكَ الشِّرْك بِاللَّهِ , وَمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي قَوْله : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ } 4 31 ' وَقَوْله : { وَالْفَوَاحِش } وَهِيَ الزِّنَا وَمَا أَشْبَهَهُ , مِمَّا أَوْجَبَ اللَّه فِيهِ حَدًّا.وَقَوْله : { وَالْفَوَاحِش } وَهِيَ الزِّنَا وَمَا أَشْبَهَهُ , مِمَّا أَوْجَبَ اللَّه فِيهِ حَدًّا.' وَقَوْله : { إِلَّا اللَّمَم } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى " إِلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع , وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَام : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش , إِلَّا اللَّمَم الَّذِي أَلَمُّوا بِهِ مِنْ الْإِثْم وَالْفَوَاحِش فِي الْجَاهِلِيَّة قَبْل الْإِسْلَام , فَإِنَّ اللَّه قَدْ عَفَا لَهُمْ عَنْهُ , فَلَا يُؤَاخِذُهُمْ بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25199 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } يَقُول : إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ . 25200 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : الْمُشْرِكُونَ إِنَّمَا كَانُوا بِالْأَمْسِ يَعْمَلُونَ مَعْنَاهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { إِلَّا اللَّمَم } مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة. قَالَ : وَاللَّمَم : الَّذِي أَلَمُّوا بِهِ مِنْ تِلْكَ الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش فِي الْجَاهِلِيَّة قَبْل الْإِسْلَام , وَغَفَرَهَا لَهُمْ حِين أَسْلَمُوا . 25201 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنِ ابْن عَيَّاش , عَنِ ابْن عَوْن , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : سَأَلَ رَجُل زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ هَذِهِ الْآيَة { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } فَقَالَ : حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ . 25202 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش قَالَ : قَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ فِي قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : كَبَائِر الشِّرْك وَالْفَوَاحِش : الزِّنَى , تَرَكُوا ذَلِكَ حِين دَخَلُوا فِي الْإِسْلَام , فَغَفَرَ اللَّه لَهُمْ مَا كَانُوا أَلَمُّوا بِهِ وَأَصَابُوا مِنْ ذَلِكَ قَبْل الْإِسْلَام . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِمَّنْ يُوَجِّه تَأْوِيل " إِلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَى هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذَكَرْته عَنِ ابْن عَبَّاس يَقُول فِي تَأْوِيل ذَلِكَ : لَمْ يُؤْذَن لَهُمْ فِي اللَّمَم , وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْفَوَاحِش , وَلَا مِنْ كَبَائِر الْإِثْم , وَقَدْ يُسْتَثْنَى الشَّيْء مِنْ الشَّيْء , وَلَيْسَ مِنْهُ عَلَى ضَمِير قَدْ كَفَّ عَنْهُ فَمَجَازُهُ , إِلَّا أَنْ يُلِمَّ بِشَيْءٍ لَيْسَ مِنَ الْفَوَاحِش وَلَا مِنَ الْكَبَائِر , قَالَ : الشَّاعِر : وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ وَالْيَعَافِير : الظِّبَاء , وَالْعِيس : الْإِبِل وَلَيْسَا مِنَ النَّاس , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ بِهِ أَنِيس , غَيْر أَنَّ بِهِ ظِبَاءً وَإِبِلًا , وَقَالَ بَعْضهمْ : الْيَعْفُور مِنْ الظِّبَاء الْأَحْمَر , وَالْأَعْيَس : الْأَبْيَض. وَقَالَ بِنَحْوِ هَذَا الْقَوْل جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25203 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي الضُّحَى , أَنَّ ابْن مَسْعُود قَالَ : زِنَى الْعَيْنَيْنِ : النَّظَر , وَزِنَى الشَّفَتَيْنِ : التَّقْبِيل , وَزِنَى الْيَدَيْنِ : الْبَطْش , وَزِنَى الرِّجْلَيْنِ : الْمَشْي , وَيُصَدِّق ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ , فَإِنْ تَقَدَّمَ بِفَرْجِهِ كَانَ زَانِيًا , وَإِلَّا فَهُوَ اللَّمَم. 25204 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ : مَا رَأَيْت شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَى ابْن آدَم حَظَّهُ مِنْ الزِّنَى أَدْرَكَهُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ , فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَى اللِّسَان الْمَنْطِق , وَالنَّفْس تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي , وَالْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبهُ . 25205 -حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مَسْرُوق فِي قَوْله : { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : إِنْ تَقَدَّمَ كَانَ زِنًى , وَإِنْ تَأَخَّرَ كَانَ لَمَمًا . 25206 -حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : سَأَلْت الشَّعْبِيّ , عَنْ قَوْل اللَّه : { يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : هُوَ مَا دُون الزِّنَى , ثُمَّ ذَكَرَ لَنَا عَنِ ابْن مَسْعُود , قَالَ : زِنَى الْعَيْنَيْنِ , مَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ , وَزِنَى الْيَد : مَا لَمَسَتْ , وَزِنَى الرِّجْل : مَا مَشَتْ وَالتَّحْقِيق بِالْفَرْجِ . 25207 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مَعْمَر , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , قَالَ : ثنا وُهَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم بْن عَمْرو الْقَارِي , قَالَ : ثني عَبْد الرَّحْمَن بْن نَافِع الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن لُبَابَة الطَّائِفِيّ , قَالَ : سَأَلْت أَبَا هُرَيْرَة عَنْ قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : الْقُبْلَة , وَالْغَمْزَة , وَالنَّظْرَة وَالْمُبَاشَرَة , إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل , وَهُوَ الزِّنَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ اسْتِثْنَاء صَحِيح , وَمَعْنَى الْكَلَام : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم إِلَّا أَنْ يُلِمّ بِهَا ثُمَّ يَتُوب . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25208 - حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن عَبْد الْجَبَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن عَبَّاس { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : هُوَ الرَّجُل يُلِمّ بِالْفَاحِشَةِ ثُمَّ يَتُوب ; قَالَ : وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْد لَك لَا أَلَمَّا " حَدَّثَنِي ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : الَّذِي يُلِمّ بِالذَّنْبِ ثُمَّ يَدَعُهُ , وَقَالَ الشَّاعِر : إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا 25209 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع , قَالَ : ثنا يُونُس , عَنْ الْحَسَن , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , أَرَاهُ رَفَعَهُ : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : اللَّمَّة مِنْ الزِّنَى , ثُمَّ يَتُوب وَلَا يَعُود , وَاللَّمَّة مِنَ السَّرِقَة , ثُمَّ يَتُوب وَلَا يَعُود ; وَاللَّمَّة مِنْ شُرْب الْخَمْر , ثُمَّ يَتُوب وَلَا يَعُود , قَالَ : فَتِلْكَ الْإِلْمَام . 25210 -حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : اللَّمَّة مِنْ الزِّنَى أَوْ السَّرِقَة , أَوْ شُرْب الْخَمْر , ثُمَّ لَا يَعُود . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : اللَّمَّة مِنْ الزِّنَى , أَوْ السَّرِقَة , أَوْ شُرْب الْخَمْر ثُمَّ لَا يَعُود . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : قَدْ كَانَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : هَذَا الرَّجُل يُصِيب اللَّمَّة مِنْ الزِّنَا , وَاللَّمَّة مِنْ شُرْب الْخَمْر , فَيُخْفِيهَا فَيَتُوب مِنْهَا . 25211 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن عَبَّاس { إِلَّا اللَّمَم } يُلِمّ بِهَا فِي الْحِين , قُلْت الزِّنَى , قَالَ : الزِّنَى ثُمَّ يَتُوب . * - ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , قَالَ : قَالَ مَعْمَر : كَانَ الْحَسَن يَقُول فِي اللَّمَم : تَكُون اللَّمَّة مِنْ الرَّجُل : الْفَاحِشَة ثُمَّ يَتُوب . 25212 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , قَالَ : الزِّنَى ثُمَّ يَتُوب . * - قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ قَتَادَة , عَنِ الْحَسَن { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : أَنْ يَقَع الْوَقْعَة ثُمَّ يَنْتَهِي . 25213 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ : اللَّمَم : الَّذِي تُلِمّ الْمَرَّةَ . 25214 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْن أَيُّوب , عَنْ الْمُثَنَّى بْن الصَّبَّاح , عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب , أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص قَالَ : اللَّمَم : مَا دُون الشِّرْك. 25215 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا مُرَّةُ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْقَاسِم , فِي قَوْله : { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : اللَّمَّة يُلِمّ بِهَا مِنْ الذُّنُوب . * -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : الرَّجُل يُلِمّ بِالذَّنْبِ ثُمَّ يَنْزِع عَنْهُ. قَالَ : وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَهُمْ يَقُولُونَ : إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ وَجَّهَ مَعْنَى " إِلَّا " إِلَى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع : اللَّمَم : هُوَ دُون حَدّ الدُّنْيَا وَحَدّ الْآخِرَة , قَدْ تَجَاوَزَ اللَّه عَنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25216 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن الزُّبَيْر { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : مَا بَيْن الْحَدَّيْنِ , حَدّ الدُّنْيَا , وَعَذَاب الْآخِرَة . 25217 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , عَنِ الْحَكَم , عَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : اللَّمَم : مَا دُون الْحَدَّيْنِ : حَدّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . * - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم وَقَتَادَة , عَنِ ابْن عَبَّاس بِمِثْلِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : حَدّ الدُّنْيَا , وَحَدّ الْآخِرَة . * -حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَة , عَنِ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : اللَّمَم مَا دُون الْحَدَّيْنِ , حَدّ الدُّنْيَا وَحَدّ الْآخِرَة . 25218 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس قَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : كُلّ شَيْء بَيْن الْحَدَّيْنِ , حَدّ الدُّنْيَا وَحَدّ الْآخِرَة , تُكَفِّرهُ الصَّلَوَات , وَهُوَ اللَّمَم , وَهُوَ دُون كُلّ مُوجِب ; فَأَمَّا حَدّ الدُّنْيَا فَكُلّ حَدّ فَرَضَ اللَّه عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا ; وَأَمَّا حَدّ الْآخِرَة فَكُلّ شَيْء خَتَمَهُ اللَّه بِالنَّارِ , وَأَخَّرَ عُقُوبَتَهُ إِلَى الْآخِرَة . 25219 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : 34 { إِلَّا اللَّمَم } يَقُول : مَا بَيْن الْحَدَّيْنِ , كُلّ ذَنْب لَيْسَ فِيهِ حَدّ فِي الدُّنْيَا وَلَا عَذَاب فِي الْآخِرَة , فَهُوَ اللَّمَم . 25220 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } وَاللَّمَم : مَا كَانَ بَيْن الْحَدَّيْنِ لَمْ يَبْلُغ حَدّ الدُّنْيَا وَلَا حَدّ الْآخِرَة مُوجَبَة , قَدْ أَوْجَبَ اللَّه لِأَهْلِهَا النَّار , أَوْ فَاحِشَة يُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ فِي الدُّنْيَا . * - وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ بَعْضهمْ : اللَّمَم : مَا بَيْن الْحَدَّيْنِ : حَدّ الدُّنْيَا , وَحَدّ الْآخِرَة. * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَيَعْقُوب , قَالَا : ثنا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ قَتَادَة عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : اللَّمَم : مَا بَيْن الْحَدَّيْنِ : حَدّ الدُّنْيَا , وَحَدّ الْآخِرَة. 25221 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , قَالَ : قَالَ الضَّحَّاك { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : كُلّ شَيْء بَيْن حَدّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَهُوَ اللَّمَم يَغْفِرهُ اللَّه . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ " إِلَّا " بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع , وَوُجِّهَ مَعْنَى الْكَلَام إِلَى { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } بِمَا دُون كَبَائِر الْإِثْم , وَدُون الْفَوَاحِش الْمُوجِبَة لِلْحُدُودِ فِي الدُّنْيَا , وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة , فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْفُوّ لَهُمْ عَنْهُ , وَذَلِكَ عِنْدِي نَظِير قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } 4 31 فَوَعَدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر , الْعَفْو عَمَّا دُونهَا مِنَ السَّيِّئَات , وَهُوَ اللَّمَم الَّذِي قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ , وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ , وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَيُصَدِّق ذَلِكَ الْفَرْج أَوْ يُكَذِّبهُ , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا حَدّ فِيمَا دُون وُلُوج الْفَرْج فِي الْفَرْج , وَذَلِكَ هُوَ الْعَفْو مِنَ اللَّه فِي الدُّنْيَا عَنْ عُقُوبَة الْعَبْد عَلَيْهِ , وَاللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَكْرَم مِنْ أَنْ يَعُود فِيمَا قَدْ عَفَا عَنْهُ , كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّمَم فِي كَلَام الْعَرَب : الْمُقَارَبَة لِلشَّيْءِ , ذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَب تَقُول : ضَرَبَهُ مَا لَمَم الْقَتْل , يُرِيدُونَ ضَرْبًا مُقَارِبًا لِلْقَتْلِ . قَالَ : وَسَمِعْت مِنْ آخَر : أَلَمَّ يَفْعَلُ فِي مَعْنَى : كَادَ يَفْعَل .وَقَوْله : { إِلَّا اللَّمَم } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى " إِلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع , وَقَالُوا : مَعْنَى الْكَلَام : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش , إِلَّا اللَّمَم الَّذِي أَلَمُّوا بِهِ مِنْ الْإِثْم وَالْفَوَاحِش فِي الْجَاهِلِيَّة قَبْل الْإِسْلَام , فَإِنَّ اللَّه قَدْ عَفَا لَهُمْ عَنْهُ , فَلَا يُؤَاخِذُهُمْ بِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25199 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } يَقُول : إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ . 25200 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : الْمُشْرِكُونَ إِنَّمَا كَانُوا بِالْأَمْسِ يَعْمَلُونَ مَعْنَاهُ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { إِلَّا اللَّمَم } مَا كَانَ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة. قَالَ : وَاللَّمَم : الَّذِي أَلَمُّوا بِهِ مِنْ تِلْكَ الْكَبَائِر وَالْفَوَاحِش فِي الْجَاهِلِيَّة قَبْل الْإِسْلَام , وَغَفَرَهَا لَهُمْ حِين أَسْلَمُوا . 25201 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنِ ابْن عَيَّاش , عَنِ ابْن عَوْن , عَنْ مُحَمَّد , قَالَ : سَأَلَ رَجُل زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ هَذِهِ الْآيَة { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } فَقَالَ : حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ . 25202 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش قَالَ : قَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ فِي قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : كَبَائِر الشِّرْك وَالْفَوَاحِش : الزِّنَى , تَرَكُوا ذَلِكَ حِين دَخَلُوا فِي الْإِسْلَام , فَغَفَرَ اللَّه لَهُمْ مَا كَانُوا أَلَمُّوا بِهِ وَأَصَابُوا مِنْ ذَلِكَ قَبْل الْإِسْلَام . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعِلْم بِكَلَامِ الْعَرَب مِمَّنْ يُوَجِّه تَأْوِيل " إِلَّا " فِي هَذَا الْمَوْضِع إِلَى هَذَا الْوَجْه الَّذِي ذَكَرْته عَنِ ابْن عَبَّاس يَقُول فِي تَأْوِيل ذَلِكَ : لَمْ يُؤْذَن لَهُمْ فِي اللَّمَم , وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْفَوَاحِش , وَلَا مِنْ كَبَائِر الْإِثْم , وَقَدْ يُسْتَثْنَى الشَّيْء مِنْ الشَّيْء , وَلَيْسَ مِنْهُ عَلَى ضَمِير قَدْ كَفَّ عَنْهُ فَمَجَازُهُ , إِلَّا أَنْ يُلِمَّ بِشَيْءٍ لَيْسَ مِنَ الْفَوَاحِش وَلَا مِنَ الْكَبَائِر , قَالَ : الشَّاعِر : وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ وَالْيَعَافِير : الظِّبَاء , وَالْعِيس : الْإِبِل وَلَيْسَا مِنَ النَّاس , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ بِهِ أَنِيس , غَيْر أَنَّ بِهِ ظِبَاءً وَإِبِلًا , وَقَالَ بَعْضهمْ : الْيَعْفُور مِنْ الظِّبَاء الْأَحْمَر , وَالْأَعْيَس : الْأَبْيَض. وَقَالَ بِنَحْوِ هَذَا الْقَوْل جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25203 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ أَبِي الضُّحَى , أَنَّ ابْن مَسْعُود قَالَ : زِنَى الْعَيْنَيْنِ : النَّظَر , وَزِنَى الشَّفَتَيْنِ : التَّقْبِيل , وَزِنَى الْيَدَيْنِ : الْبَطْش , وَزِنَى الرِّجْلَيْنِ : الْمَشْي , وَيُصَدِّق ذَلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ , فَإِنْ تَقَدَّمَ بِفَرْجِهِ كَانَ زَانِيًا , وَإِلَّا فَهُوَ اللَّمَم. 25204 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ : مَا رَأَيْت شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَى ابْن آدَم حَظَّهُ مِنْ الزِّنَى أَدْرَكَهُ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ , فَزِنَى الْعَيْنَيْنِ النَّظَرُ وَزِنَى اللِّسَان الْمَنْطِق , وَالنَّفْس تَتَمَنَّى وَتَشْتَهِي , وَالْفَرْج يُصَدِّق ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبهُ . 25205 -حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِب , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنِ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مَسْرُوق فِي قَوْله : { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : إِنْ تَقَدَّمَ كَانَ زِنًى , وَإِنْ تَأَخَّرَ كَانَ لَمَمًا . 25206 -حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا مَنْصُور بْن عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : سَأَلْت الشَّعْبِيّ , عَنْ قَوْل اللَّه : { يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : هُوَ مَا دُون الزِّنَى , ثُمَّ ذَكَرَ لَنَا عَنِ ابْن مَسْعُود , قَالَ : زِنَى الْعَيْنَيْنِ , مَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ , وَزِنَى الْيَد : مَا لَمَسَتْ , وَزِنَى الرِّجْل : مَا مَشَتْ وَالتَّحْقِيق بِالْفَرْجِ . 25207 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن مَعْمَر , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , قَالَ : ثنا وُهَيْب , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم بْن عَمْرو الْقَارِي , قَالَ : ثني عَبْد الرَّحْمَن بْن نَافِع الَّذِي يُقَال لَهُ ابْن لُبَابَة الطَّائِفِيّ , قَالَ : سَأَلْت أَبَا هُرَيْرَة عَنْ قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : الْقُبْلَة , وَالْغَمْزَة , وَالنَّظْرَة وَالْمُبَاشَرَة , إِذَا مَسَّ الْخِتَانُ الْخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْل , وَهُوَ الزِّنَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ اسْتِثْنَاء صَحِيح , وَمَعْنَى الْكَلَام : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم إِلَّا أَنْ يُلِمّ بِهَا ثُمَّ يَتُوب . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25208 - حَدَّثَنِي سُلَيْمَان بْن عَبْد الْجَبَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّا بْن إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن عَبَّاس { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : هُوَ الرَّجُل يُلِمّ بِالْفَاحِشَةِ ثُمَّ يَتُوب ; قَالَ : وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْد لَك لَا أَلَمَّا " حَدَّثَنِي ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ ثنا شُعْبَة , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : الَّذِي يُلِمّ بِالذَّنْبِ ثُمَّ يَدَعُهُ , وَقَالَ الشَّاعِر : إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا 25209 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن بَزِيع , قَالَ : ثنا يُونُس , عَنْ الْحَسَن , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , أَرَاهُ رَفَعَهُ : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : اللَّمَّة مِنْ الزِّنَى , ثُمَّ يَتُوب وَلَا يَعُود , وَاللَّمَّة مِنَ السَّرِقَة , ثُمَّ يَتُوب وَلَا يَعُود ; وَاللَّمَّة مِنْ شُرْب الْخَمْر , ثُمَّ يَتُوب وَلَا يَعُود , قَالَ : فَتِلْكَ الْإِلْمَام . 25210 -حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : اللَّمَّة مِنْ الزِّنَى أَوْ السَّرِقَة , أَوْ شُرْب الْخَمْر , ثُمَّ لَا يَعُود . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ عَنْ عَوْف , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْل اللَّه : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : اللَّمَّة مِنْ الزِّنَى , أَوْ السَّرِقَة , أَوْ شُرْب الْخَمْر ثُمَّ لَا يَعُود . * - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنِ الْحَسَن , فِي قَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : قَدْ كَانَ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ : هَذَا الرَّجُل يُصِيب اللَّمَّة مِنْ الزِّنَا , وَاللَّمَّة مِنْ شُرْب الْخَمْر , فَيُخْفِيهَا فَيَتُوب مِنْهَا . 25211 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن عَبَّاس { إِلَّا اللَّمَم } يُلِمّ بِهَا فِي الْحِين , قُلْت الزِّنَى , قَالَ : الزِّنَى ثُمَّ يَتُوب . * - ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , قَالَ : قَالَ مَعْمَر : كَانَ الْحَسَن يَقُول فِي اللَّمَم : تَكُون اللَّمَّة مِنْ الرَّجُل : الْفَاحِشَة ثُمَّ يَتُوب . 25212 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ إِسْمَاعِيل , عَنْ أَبِي صَالِح , قَالَ : الزِّنَى ثُمَّ يَتُوب . * - قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ قَتَادَة , عَنِ الْحَسَن { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : أَنْ يَقَع الْوَقْعَة ثُمَّ يَنْتَهِي . 25213 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا ابْن عُيَيْنَة , عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن عَبَّاس قَالَ : اللَّمَم : الَّذِي تُلِمّ الْمَرَّةَ . 25214 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْن أَيُّوب , عَنْ الْمُثَنَّى بْن الصَّبَّاح , عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب , أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص قَالَ : اللَّمَم : مَا دُون الشِّرْك. 25215 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو عَامِر , قَالَ : ثنا مُرَّةُ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْقَاسِم , فِي قَوْله : { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : اللَّمَّة يُلِمّ بِهَا مِنْ الذُّنُوب . * -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : الرَّجُل يُلِمّ بِالذَّنْبِ ثُمَّ يَنْزِع عَنْهُ. قَالَ : وَكَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَهُمْ يَقُولُونَ : إِنْ تَغْفِرْ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَك لَا أَلَمَّا وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ وَجَّهَ مَعْنَى " إِلَّا " إِلَى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع : اللَّمَم : هُوَ دُون حَدّ الدُّنْيَا وَحَدّ الْآخِرَة , قَدْ تَجَاوَزَ اللَّه عَنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25216 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ عَطَاء , عَنِ ابْن الزُّبَيْر { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : مَا بَيْن الْحَدَّيْنِ , حَدّ الدُّنْيَا , وَعَذَاب الْآخِرَة . 25217 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , عَنْ شُعْبَة , عَنِ الْحَكَم , عَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : اللَّمَم : مَا دُون الْحَدَّيْنِ : حَدّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . * - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ شُعْبَة , عَنْ الْحَكَم وَقَتَادَة , عَنِ ابْن عَبَّاس بِمِثْلِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : حَدّ الدُّنْيَا , وَحَدّ الْآخِرَة . * -حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَة , عَنِ الْحَكَم بْن عُتَيْبَة , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : اللَّمَم مَا دُون الْحَدَّيْنِ , حَدّ الدُّنْيَا وَحَدّ الْآخِرَة . 25218 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس قَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : كُلّ شَيْء بَيْن الْحَدَّيْنِ , حَدّ الدُّنْيَا وَحَدّ الْآخِرَة , تُكَفِّرهُ الصَّلَوَات , وَهُوَ اللَّمَم , وَهُوَ دُون كُلّ مُوجِب ; فَأَمَّا حَدّ الدُّنْيَا فَكُلّ حَدّ فَرَضَ اللَّه عُقُوبَته فِي الدُّنْيَا ; وَأَمَّا حَدّ الْآخِرَة فَكُلّ شَيْء خَتَمَهُ اللَّه بِالنَّارِ , وَأَخَّرَ عُقُوبَتَهُ إِلَى الْآخِرَة . 25219 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ يَزِيد , عَنْ عِكْرِمَة , فِي قَوْله : 34 { إِلَّا اللَّمَم } يَقُول : مَا بَيْن الْحَدَّيْنِ , كُلّ ذَنْب لَيْسَ فِيهِ حَدّ فِي الدُّنْيَا وَلَا عَذَاب فِي الْآخِرَة , فَهُوَ اللَّمَم . 25220 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } وَاللَّمَم : مَا كَانَ بَيْن الْحَدَّيْنِ لَمْ يَبْلُغ حَدّ الدُّنْيَا وَلَا حَدّ الْآخِرَة مُوجَبَة , قَدْ أَوْجَبَ اللَّه لِأَهْلِهَا النَّار , أَوْ فَاحِشَة يُقَام عَلَيْهِ الْحَدّ فِي الدُّنْيَا . * - وَحَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : قَالَ بَعْضهمْ : اللَّمَم : مَا بَيْن الْحَدَّيْنِ : حَدّ الدُّنْيَا , وَحَدّ الْآخِرَة. * - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَيَعْقُوب , قَالَا : ثنا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة , عَنْ قَتَادَة عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : اللَّمَم : مَا بَيْن الْحَدَّيْنِ : حَدّ الدُّنْيَا , وَحَدّ الْآخِرَة. 25221 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , قَالَ : قَالَ الضَّحَّاك { إِلَّا اللَّمَم } قَالَ : كُلّ شَيْء بَيْن حَدّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَهُوَ اللَّمَم يَغْفِرهُ اللَّه . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ " إِلَّا " بِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاء الْمُنْقَطِع , وَوُجِّهَ مَعْنَى الْكَلَام إِلَى { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش إِلَّا اللَّمَم } بِمَا دُون كَبَائِر الْإِثْم , وَدُون الْفَوَاحِش الْمُوجِبَة لِلْحُدُودِ فِي الدُّنْيَا , وَالْعَذَاب فِي الْآخِرَة , فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْفُوّ لَهُمْ عَنْهُ , وَذَلِكَ عِنْدِي نَظِير قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِر مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } 4 31 فَوَعَدَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر , الْعَفْو عَمَّا دُونهَا مِنَ السَّيِّئَات , وَهُوَ اللَّمَم الَّذِي قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ , وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ , وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ وَيُصَدِّق ذَلِكَ الْفَرْج أَوْ يُكَذِّبهُ , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا حَدّ فِيمَا دُون وُلُوج الْفَرْج فِي الْفَرْج , وَذَلِكَ هُوَ الْعَفْو مِنَ اللَّه فِي الدُّنْيَا عَنْ عُقُوبَة الْعَبْد عَلَيْهِ , وَاللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَكْرَم مِنْ أَنْ يَعُود فِيمَا قَدْ عَفَا عَنْهُ , كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّمَم فِي كَلَام الْعَرَب : الْمُقَارَبَة لِلشَّيْءِ , ذَكَرَ الْفَرَّاء أَنَّهُ سَمِعَ الْعَرَب تَقُول : ضَرَبَهُ مَا لَمَم الْقَتْل , يُرِيدُونَ ضَرْبًا مُقَارِبًا لِلْقَتْلِ . قَالَ : وَسَمِعْت مِنْ آخَر : أَلَمَّ يَفْعَلُ فِي مَعْنَى : كَادَ يَفْعَل .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ رَبّك وَاسِع الْمَغْفِرَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إِنَّ رَبّك } يَا مُحَمَّد { وَاسِع الْمَغْفِرَة } : وَاسِعٌ عَفْوُهُ لِلْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْ ذُنُوبهمُ الْفَوَاحِش وَكَبَائِر الْإِثْم , وَإِنَّمَا أَعْلَمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ هَذَا عِبَادَهُ أَنَّهُ يَغْفِر اللَّمَم بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الذُّنُوب لِمَنْ اجْتَنَبَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش . كَمَا : 25222 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { إِنَّ رَبّك وَاسِع الْمَغْفِرَة } قَدْ غَفَرَ ذَلِكَ لَهُمْ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ رَبّك وَاسِع الْمَغْفِرَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إِنَّ رَبّك } يَا مُحَمَّد { وَاسِع الْمَغْفِرَة } : وَاسِعٌ عَفْوُهُ لِلْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْ ذُنُوبهمُ الْفَوَاحِش وَكَبَائِر الْإِثْم , وَإِنَّمَا أَعْلَمَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ هَذَا عِبَادَهُ أَنَّهُ يَغْفِر اللَّمَم بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الذُّنُوب لِمَنْ اجْتَنَبَ كَبَائِر الْإِثْم وَالْفَوَاحِش . كَمَا : 25222 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { إِنَّ رَبّك وَاسِع الْمَغْفِرَة } قَدْ غَفَرَ ذَلِكَ لَهُمْ.' وَقَوْله : { هُوَ أَعْلَم بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : رَبّكُمْ أَعْلَم بِالْمُؤْمِنِ مِنْكُمْ مِنَ الْكَافِر , وَالْمُحْسِن مِنْكُمْ مِنَ الْمُسِيء , وَالْمُطِيع مِنَ الْعَاصِي , حِين ابْتَدَعَكُمْ مِنَ الْأَرْض , فَأَحْدَثَكُمْ مِنْهَا بِخَلْقِ أَبِيكُمْ آدَم مِنْهَا , وَحِين أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ , يَقُول : وَحِين أَنْتُمْ حَمْل لَمْ تُولَدُوا مِنْكُمْ , وَأَنْفُسكُمْ بَعْدَمَا صِرْتُمْ رِجَالًا وَنِسَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25223 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { هُوَ أَعْلَم بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْض } قَالَ : كَنَحْوِ قَوْله : { وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ } 6 117 25224 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْض } قَالَ : حِين خَلَقَ آدَم مِنْ الْأَرْض ثُمَّ خَلَقَكُمْ مِنْ آدَم , وَقَرَأَ { وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّة فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ } . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ مَعْنَى الْجَنِين , وَلِمَ قِيلَ لَهُ جَنِين , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .وَقَوْله : { هُوَ أَعْلَم بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : رَبّكُمْ أَعْلَم بِالْمُؤْمِنِ مِنْكُمْ مِنَ الْكَافِر , وَالْمُحْسِن مِنْكُمْ مِنَ الْمُسِيء , وَالْمُطِيع مِنَ الْعَاصِي , حِين ابْتَدَعَكُمْ مِنَ الْأَرْض , فَأَحْدَثَكُمْ مِنْهَا بِخَلْقِ أَبِيكُمْ آدَم مِنْهَا , وَحِين أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ , يَقُول : وَحِين أَنْتُمْ حَمْل لَمْ تُولَدُوا مِنْكُمْ , وَأَنْفُسكُمْ بَعْدَمَا صِرْتُمْ رِجَالًا وَنِسَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25223 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { هُوَ أَعْلَم بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْض } قَالَ : كَنَحْوِ قَوْله : { وَهُوَ أَعْلَم بِالْمُهْتَدِينَ } 6 117 25224 - وَحَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْض } قَالَ : حِين خَلَقَ آدَم مِنْ الْأَرْض ثُمَّ خَلَقَكُمْ مِنْ آدَم , وَقَرَأَ { وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّة فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ } . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ مَعْنَى الْجَنِين , وَلِمَ قِيلَ لَهُ جَنِين , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .' وَقَوْله : { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلَا تَشْهَدُوا لِأَنْفُسِكُمْ بِأَنَّهَا زَكِيَّة بَرِيئَة مِنْ الذُّنُوب وَالْمَعَاصِي . كَمَا : 25225 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , قَالَ : سَمِعْت زَيْد بْن أَسْلَمَ يَقُول { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } يَقُول : فَلَا تُبَرِّئُوهَا . وَقَوْله : { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلَا تَشْهَدُوا لِأَنْفُسِكُمْ بِأَنَّهَا زَكِيَّة بَرِيئَة مِنْ الذُّنُوب وَالْمَعَاصِي . كَمَا : 25225 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان , قَالَ : سَمِعْت زَيْد بْن أَسْلَمَ يَقُول { فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ } يَقُول : فَلَا تُبَرِّئُوهَا . ' وَقَوْله : { هُوَ أَعْلَم بِمَنِ اتَّقَى } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : رَبّك يَا مُحَمَّد أَعْلَم بِمَنْ خَافَ عُقُوبَة اللَّه فَاجْتَنَبَ مَعَاصِيَهُ مِنْ عِبَاده .وَقَوْله : { هُوَ أَعْلَم بِمَنِ اتَّقَى } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : رَبّك يَا مُحَمَّد أَعْلَم بِمَنْ خَافَ عُقُوبَة اللَّه فَاجْتَنَبَ مَعَاصِيَهُ مِنْ عِبَاده .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} اللام متعلقة بالمعنى الذي دل عليه { ولله ما في السموات وما في الأرض} كأنه قال : هو مالك ذلك يهدي من يشاء ويضل من يشاء ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وقيل { لله ما في السموات وما في الأرض} معترض في الكلام؛ والمعنى : إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن آهتدى ليجزي. وقيل : هي لام العاقبة، أي ولله ما في السموات وما في الأرض؛ أي وعاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم مسيء ومحسن؛ فللمسيء السوءى وهي جهنم، وللمحسن الحسنى وهي الجنة. قوله تعالى { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} هذا نعت للمحسنين؛ أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك؛ لأنه أكبر الآثام. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي { كبير} على التوحيد وفسره ابن عباس بالشرك. { والفواحش} الزنى : وقال مقاتل { كبائر الإثم} كل ذنب ختم بالنار. { والفواحش} كل ذنب فيه الحد. وقد مضى في [النساء] القول في هذا. ثم استثنى استئناء منقطعا وهي: الثانية: فقال { إلا اللمم} وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه. وقد اختلف في معناها؛ فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي { اللمم} كل ما دون الزنى. وذكر مقاتل بن سليمان : أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار؛ كان له حانوت يبيع فيه تمرا، فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها : إن داخل الدكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله! ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع؛ فقال : (لعل زوجها غاز) فنزلت هذه الآية، وقد مضى في آخر [هود] وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري وحذيفة ومسروق : إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة. وروى مسروق عن عبدالله بن مسعود قال : زنى العينين النظر، وزنى اليدين البطش، وزنى الرجلين المشي، وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج؛ فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما. ""وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس"" قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه). والمعنى : أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حظ من الإثم. والله أعلم. وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه). خرجه مسلم. وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ابن عباس فذكر فيه الأذن واليد والرجل، وزاد فيه بعد العينين واللسان : (وزنى الشفتين القبلة). فهذا قول. وقال ابن عباس أيضا : هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب. قال : ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : إن يغفر الله يغفر جما ** وأي عبد لك لا ألما رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس. قال النحاس : هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا. وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عز وجل { إلا اللمم} قال : هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده؛ قال الشاعر : إن تغفر اللهم تغفر جما ** وأي عبد لك لا ألما وكذا قال مجاهد والحسن : هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده، ونحوه عن الزهري، قال : اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود، وأن يسرق أويشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود. ودليل هذا التأويل قوله تعالى { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران : 135] الآية. ثم قال { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم} [آل عمران : 136] فضمن لهم المغفرة؛ كما قال عقيب اللمم { إن ربك واسع المغفرة} فعلى هذا التأويل يكون { إلا اللمم} استثناء متصل. قال عبدالله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك. وقيل : اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة. ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن ابن عباس. وقال الكلبي : اللمم على وجهين : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة؛ فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش. والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه. وعن ابن عباس أيضا وأبي هريرة وزيد بن ثابت : هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به. وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت وقاله زيد بن أسلم وابنه؛ وهو كقوله تعالى { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء : 23]. وقيل : اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة؛ قال نفطويه. قال : والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما؛ أي في الحين بعد الحين. قال : ولا يكون أن يلم ولا يفعل، لأن العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا هم ولم يفعله. وفي الصحاح : وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب، ويقال : هو مقاربة المعصية من غير مواقعة. وأنشد غير الجوهري : بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ** وقل إن تملينا فما ملك القلب أي أقرب. وقال عطاء بن أبي رباح : اللمم عادة النفس الحين بعد الحين. وقال سعيد بن المسيب : هو ما ألم على القلب؛ أي خطر. وقال محمد بن الحنفية : كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم. ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام : (إن للشيطان لمة وللملك لمة) الحديث. وقد مضى في [البقرة] عند قوله تعالى { الشيطان يعدكم الفقر} . وقال أبو إسحاق الزجاج : أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه؛ يقال : ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال : ما فعلته إلا لمما وإلماما؛ أي الحين بعد الحين. وإنما زيارتك إلمام، ومنه إلمام الخيال؛ قال الأعشى : ألمّ خيال من قتيلة بعدما ** وَهَى حبلها من حبلنا فتصرّما وقيل : إلا بمعنى الواو. وأنكر هذا الفراء وقال : المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب. وقيل : اللمم النظرة التي تكون فجأة. قلت : هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به؛ لأنه يقع من غير قصد واختيار، وقد مضى في [النور] بيانه. واللمم أيضا طرف من الجنون، ورجل ملموم أي به لمم. ويقال أيضا : أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشيء القليل؛ قال الشاعر : فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ** إلا كلمة حالم بخيال الثالثة: قوله تعالى { إن ربك واسع المغفرة} لمن تاب من ذنبه واستغفر؛ قاله ابن عباس. وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود : رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة، فقلت : لمن هذه؟ فقالوا : لذي الكلاع وحوشب، وكانا ممن قتل بعضهم بعضا، فقلت : وكيف ذلك؟ فقالوا : إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة. فقال أبو خالد : بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت. { هو أعلم بكم} من أنفسكم { إذ أنشأكم من الأرض} يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع. قال الترمذي أبو عبدالله : وليس هو كذلك عندنا، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض، وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات؛ منهم كالدر يتلألأ، وبعضهم أنور من بعض، وبعضهم أسود كالحممة، وبعضهم أشد سوادا من بعض؛ فكان الإنشاء واقعا علينا وعليه. حدثنا عيسى بن حماد العسقلاني قال : حدثنا بشر بن بكر، قال : حدثنا الأوزاعي، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عرض علي الأولون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة) فقال قائل : يا رسول الله! ومن مضى من الخلق؟ قال : (نعم عرض علي آدم فمن دونه فهل كان خلق أحد) قالوا : ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات؟ قال : (نعم مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها). قلت : وقد تقدم في أول [الأنعام] أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي يدفن فيها. { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينا لاجتنابه واستتاره. قال عمرو بن كلثوم : هجان اللون لم تقرأ جنينا وقال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي، ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقى ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شيوخا ـ لا أبالك ـ فما بعد هذا ننتظر؟!. وروى ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال : كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير : هو صديق؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد) فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} إلى آخرها. ونحوه عن عائشة : (كان اليهود). بمثله. { فلا تزكوا أنفسكم} أي لا تمدحوها ولا تثنوا عليها، فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع. { هو أعلم بمن اتقى} أي أخلص العمل واتقى عقوبة الله؛ عن الحسن وغيره. قال الحسن : قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة، وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة. وقد مضى في [النساء] الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} [النساء : 49] فتأمله هناك. وقال ابن عباس : ما من أحد من هذه الأمة أزكيه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النجم الايات 32 - 42

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

فمن صفات الذين أحسنوا أنهم { يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ ٱلإِثْمِ وَٱلْفَوَاحِشَ... } [النجم: 32] أي: يتركون بالكلية الكبائر من الذنوب ولا يقتربون من هذه المنطقة المحرمة { إِلاَّ ٱللَّمَمَ... } [النجم: 32] وهو صغائر الذنوب.

فكأنَّ الله تعالى من رحمته بخلقه تكفّل لنا بالصغائر أنْ يمحوها، وجعل لها (أستيكة) أي ممحاة تزيلها وهي الصلوات الخمس، شريطة أنْ نجتنب الكبائر.

وفي الحديث: " الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهنَّ إذا اجتُنِبَتْ الكبائر " فمَنْ فعل ذلك وسار على هذا المنهج كانت له الحسنى، وكان من أهل الإحسان.

إذن: الإثم والفواحش هىي الذنوب الكبيرة التي توعَّد الله مرتكبيها، والفواحش ما فَحُش من الكبائر وعظم، وقد جعل الله له عقوبة وحَداًّ.

أما ( اللمم) الذي استثناه الله وعفا عنه لهو لمم. يعني: صغائر هيِّنة لا يترتب عليها كبيرُ ضرر، وهذه آيضاً مشروطة بعدم الاجتراء عليها أو المبالغة فيها حتى تصير لك عادة.

وإذا عاملك الله تعالى بهذه المنطق فاستح منه سبحانه أنْ تتجرأ عليه ولو بالصغائر، لأن الصغيرة إذا أضيفت إلى الصغيرة وكان في الأمر مداومة وإصرار صارتْ كبيرة، ثم للعاقل أنْ ينظر في حَقِّ مَنْ هذه الصغيرة، إنها في حق الله، إذن: فاقصر.

قلنا: إن الكبائر جمع كبيرة ما توعد الله عليه بالعذاب في الآخرة، أو أقام عليه الحدَّ في الدنيا، وهذا فيما يتعلق بحقوق العباد، فالله سبحانه قدَّم حقَّ العباد على حقِّه تعالى، وجعل له القصاص العادل في الدنيا.

ألا ترون أن الله جعل أداء الدَّيْن مقدَّم على أداء فريضة الحج؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُصل على جنازة أحد الصحابة لأن عليه ديناً، وحثَّهم على قضاء دينه أولاً.

حتى أنهم قالوا في معنى " مَنْ حج فلزم يرفث لوم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ودلته أمه " قالوا: هذا فيما يتعلق بحقِّ الله، أما حقوق العباد فتظل كما هي، إلى أنْ يكون الأداء أو القصاص، ذلك يُحدِثُ الردع ولا يجترئ الناس على التعدِّي وانتهاك الحرمات.

وقد علّمنا رسول الله هذا الدرس في دعائه: " اللهم ما كان لك منها فاغفره لي، وما كان لعبادك فتحمله عني " يعني: إنْ لم أقدر على الوفاء به.

لذلك قلنا في السارق الذي أسرف على نفسه وتمادى في هذه الجريمة، ثم أراد أنْ يتوب ماذا يفعل؟ لا بدّ أنْ يجهد في إعادة الحقوق إلى أصحابها، فإذا لم يقدر يحسب جملة ما سلبه من خَلْق الله ويتصدّق به بنية صاحبه، وحين يعلم الله منه صدق التبوة، فقد يتحمل عنه هذه الحقوق رحمة به.

نلاحظ أن الآية عطفت { وَٱلْفَوَاحِشَ... } النجم: 32] على { ٱلإِثْمِ... } [النجم: 32] لأنها كلها كبائر، لكن الفواحش تضيف إلى الكبيرة صفة الفحش والقبح، فهي أعظم وأشدّ إثماً من الكبائر، لأنها منكر مستبشع.

وقد تكلم العلماء في الكبائر وربطوا بينها وبين الجوراح التي تُؤدَّي بها، فعمرو بن عبيد كان عالماً ورعاً يتجنب ما يفعله غيره من العلماء والشعراء من الدخول على الملوك والأمراء لنيْل عطاياهم، حتى قال فيه الشاعر، وذلك في العصر العباسي:
كلُّهُمْ طَالِبُ صَيْد   غَيْر عَمْرو بن عُبَيْد
عمرو بن عبيد وقف عند مسألة الكبائر هذه، وأراد أنْ يسأل عنها أعلم أهل زمانه بالكتاب والسنة، فلم يجد أعلم من سيدنا جعفر الصادق بن سيدنا محمد الباقر بن سيدنا علي زين العابدين بن سيدنا الحسين بن سيدنا علي بن أبي طالب من السيدة فاطمة الزهراء.

وكان جعفر الصادق كثير البحث في آيات القرآن واستيعاب أسراره والتفتيش عن كنوزه، وكان يستنبط المعاني ويأتي بالدليل عليها.

ومن ذلك قوله: عجبتُ لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى:
{  حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ }
[آل عمران: 173] فإني سمعتُ بعقبها يقول:
{  فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ... }
[آل عمران: 174].

وعجبت لمن اغتمّ ولم يفزع إلى قوله تعالى:
{  لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ }
[الأنبياء: 87] فإني سمعتُ الله بعقبها يقول:
{  فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذٰلِكَ نُنجِـي ٱلْمُؤْمِنِينَ }
[الأنبياء: 88].

وعجبتُ لمن مُكرَ به ولم يفزع إلى قوله تعالى:
{  وَأُفَوِّضُ أَمْرِيۤ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌ بِٱلْعِبَادِ }
[غافر: 44] فإني سمعتُ الله بعقبها يقول:
{  فَوقَاهُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَـرُواْ... }
[غافر: 45].

وعجبتُ لمن طلب الدنيا ولم يفزع إلى قوله تعالى:
{  مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ... }
[الكهف: 39] فإني سمعتُ الله بعقبها يقول:
{  فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ... }
[الكهف: 40].

فهذه (روشتة) وضعها سيدنا جعفر، أخذها بالدليل من كتاب الله وتشمل كلَّ ما يطرأ على العبد من أحوال. وراح عمرو بن عبيد يسأل سيدنا جعفر عن الكبائر، كل كبيرة بحسب الجارحة التي تؤديها.

فقال: القلب مطلوب منه ألاَّ يشرك بالله، وألاّ ييأس من رَوْح الله، وألا يأمن مكر الله. ثم أتى بالدليل من كتاب الله على كل واحدة، ففي مسألة الشرك
{  إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ... }
[النساء: 48] وفي اليأس من روح الله
{  قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ... }
[الزمر: 53] وهكذا.

وكبائر اللسان: شهادة الزور
{  وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً }
[الفرقان: 72] وقذْف المحصنات المؤمنات الغافلات، واليمين الغموس وهو الحلف على شيء مضى وتعمد مخالفة الواقع، كذلك من كبائر اللسان السحر.

أما الباطن فيتعلق بها شُرب الخمر والعياذ بالله، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. والفرج يتعلَّق به الزنا.واليدان السرقة والقتل. والرِّجْلان الفرار من الزحف. ولكل من هذه الكبائر دليلها الواضح من كتاب الله.

ومن الكبائر ترك الصلاة وهي كبيرة، يشترك فيها جوارح كثيرة، وتَرْكها كبيرة لأنها فُرضَت كما قلنا من الله مباشرة لرسوله، فهي لا تسقط عن المسلم بحال، لذلك قُلْنا عنها أنها ركنٌ من اركان الإسلام، وكذلك هي ركن من أركان المسلم، لأنها ملازمة له لا تسقط عنه.

أما اللمم فهو ما دون الكبائر من الذنوب، وتُسمَّى الصغائر مثل النظرة، لذلك قالوا: لك الأولى وليس لك الثانية، ولأن النظرة الأولى طرأتْ عليك وبها تتعرَّف على الأشخاص.

أما النظرة الثانية ففيها قصد للتمادي، وهذا يجرُّنا إلى النظرة المحرمة، فالذي يطيل النظرة الأولى ليقول أنها الأولى التي رخص فيها عليه أنْ يحذر، لأن المراقب للنظرة هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

وحتى النظرة الأولى في الواقع ليست لك، لكنك معذور فيها، لأنها طرأتْ عليك، فهي تلقائية ليس فيها قصد.

وكذلك من الصغائر الضربة الخفيفة التي لا تؤذي، أو أنْ تعيب على غيرك صفة من صفاته، أو خُلْقاً من خُلقة، إلى غير هذا من الأمور، لذلك سماها الله (اللمم)، وهذا السجل سرعان ما يُغفر بالاستغفار وفعل الطاعات اليومية.

لذلك يقول الحق سبحانه بعدها: { إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ ٱلْمَغْفِرَةِ... } [النجم: 32]. نعم واسع المغفرة. أي: كثير المغفرة، لأنه تعالى خلق الإنسان ويعلم مناطق الضعف فيه، لما كلَّفه لم يُضيِّق عليه ولم يشقّ عليه، بل كلّفه على قدر الاستطاعة، ولم يكلفه إلا بعد سِنِّ البلوغ، فيظل يرتع في الكون دون تكليف أكثر من عشر سنوات.

ثم بعد أنْ يكلِّف يتحمل عنه الصغائر، ويُبيِّن له عاقبة الكبائر حتى لا يقربها، وهذه رحمة من الله بعبده، لذلك قال في موضع آخر:
{  وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ... }
[المائدة: 15] فالله واسع المغفرة، كثير العفو، سبقتْ رحمته غضبه، وسبق عفوه عقابه.

ثم تأتي التوبة الكبيرة:
{  حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَٰلِحاً تَرْضَٰهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِيۤ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }
[الأحقاف: 15].

لذلك الذي يعصي ربه عز وجل بعد سنِّ الأربعين يكون (بايخ)، نعم لأنه وصل لِلسنِّ التي لا عذر له في أنْ يتجرأ على الله بالمعصية فإذا ما بلغ المسلم في الإسلام الكِبَر والشيخوخة استحى الله أنْ يعذبه، وقد شاب في الإسلام.

وقوله سبحانه وتعالى: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ... } [النجم: 32] نعم النشاة الأولى للإنسان لا يعلمها إلا الله
{  مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ... }
[الكهف: 51].

ومعنى { أَنشَأَكُمْ... } [النجم: 32] خلقكم بداية من طين الأرض، والمراد خلق آدم عليه السلام وما دُمْنا من الأرض نشأة وهي البداية والأم، فالابن متعلق بأمه ومردّه إليها.ثم يذكر سبحانه طَوْراً آخر من أطوار الخلق { وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ... } [النجم: 32] فإذا كان أدم خُلِق من طين الأرض فنسلُه جاء من التزاوج الذي تنشأ عنه الأجنة في بطون الأمهات.

{ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ... } [النجم: 32] تزكية النفس يعني: مدحها وادعاء الصلاح { هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ } [النجم: 32] أي: أن الله تعالى أعلم بخفيِّ الأمور وحقيقتها، أعلم بكم من ساسكم لرأسكم، ولا يخفى عليه منكم شيء، فلا مجال إذن لتزكية النفس.

حتى في حالة مدح الآخرين والثناء عليهم علّمنا أنْ نقول: ولا نُزكي على الله أحداً، لأن الله تعالى هو الذي يُزكِّي، وهو أعلم بأهل الطاعة وبأهل التقوى الحقيقية.

ثم يقول الحق سبحانه: { أَفَرَأَيْتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ } [النجم: 33].

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ...} الآية. [32].
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، قال: أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، قال: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، قال: حدَّثنا أحمد بن سعد، قال: حدَّثنا ابن وهب، قال: أخبرني ابن لَهيعَة، عن الحارث بن يزيد، عن ثابت بن الحارث الأنصاري، قال:
كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير: هو صدِّيق. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها الله تعالى في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد، وأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية: { هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} إلى آخرها.


www.alro7.net