سورة
اية:

وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { وما جعلنا أصحاب النار} أي خزانها { إلا ملائكة} أي زبانية غلاظاً شداداً، وذلك رد على مشركي قريش حين ذكر عدد الخزنة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فتغلبونهم، فقال اللّه تعالى: { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} أي شديدي الخلق لا يقاومون ولا يغالبون، وقد قيل: إن أبا الأشدين قال: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين، وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر إعجاباً منه بنفسه، وكان قد بلغ من القوة فيما يزعمون أنه كان يقف على جلد البقرة، ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتمزق الجلد، ولا يتزحزح عنه، قال السهيلي: وهو الذي دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى مصارعته، وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه النبي صلى اللّه عليه وسلم مراراً فلم يؤمن نسب ابن اسحاق خبر المصارعة إلى ركانة بن عبد يزيد، قال ابن كثير ولا منافاة بين ما ذكراه واللّه أعلم وقوله تعالى: { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} أي إنما ذكرنا عدتهم أنهم تسعة عشر اختباراً منا للناس، { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} أي يعلمون أن هذا الرسول حق، فإنه نطق بمطابقة ما بأيديهم من الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء قبله، وقوله تعالى: { ويزداد الذين آمنوا إيماناً} أي إلى إيمانهم بما يشهدون من صدق أخبار نبيهم صلى اللّه عليه وسلم، { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض} أي من المنافقين، { والكافرون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً} ؟ أي يقولون ما الحكمة في ذكر هذا ههنا؟ قال اللّه تعالى: { كذلك يضل اللّه من يشاء ويهدي من يشاء} وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وقوله تعالى: { وما يعلم جنود ربك إلا هو} أي ما يعلم عددهم وكثرتهم إلا هو تعالى، لئلا يتوهم أنهم تسعة عشر فقط، وقد ثبت في حديث الإسراء في صفة البيت المعمور الذي في السماء السابعة: (فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه آخر ما عليهم) ""أخرجه في الصحيحين"". وروى الإمام أحمد، عن أبي ذر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطّت السماء، وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد، لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً ولا تلذذتم بالنساء على الفرشات، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى اللّه تعالى) فقال أبو ذر: واللّه لوددت أني شجرة تعضد ""أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب""، وعن جابر بن عبد اللّه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ما في السماوات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف، إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً سبحانك ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لم نشرك بك شيئاً) ""أخرجه الحافظ الطبراني"". وعن ابن مسعود أنه قال: إن من السماوات سماء ما فيها موضع شبر إلا وعليه جبهة ملك أو قدماه قائم، ثم قرأ: { وإنا لنحن الصافون . وإنا لنحن المسبحون} ""أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة"". وروى محمد بن نصر، عن عباد بن منصور قال: سمعت عدي بن أرطأة وهو يخطبنا على منبر المدائن قال: سمعت رجلاً من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن للّه تعالى ملائكة ترعد فرائصهم من خيفته، ما منهم ملك تقطر منه دمعة من عينه إلا وقعت على ملك يصلي، وإن منهم ملائكة سجوداً منذ خلق السماوات والأرض لم يرفعوا رؤوسهم ولا يرفعونها إلى يوم القيامة، فإذا رفعوا رؤوسهم نظروا إلى وجه اللّه عزَّ وجلَّ قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك) ""أخرجه محمد بن نصر، قال ابن كثير: إسناده لا بأس به"". وقوله تعالى: { وما هي إلا ذكرى للبشر} أي النار التي وصفت { إلا ذكرى للبشر} ، ثم قال تعالى: { كلا والقمر . والليل إذ أدبر} أي ولّى { والصبح إذا أسفر} أي أشرق { إنها لإحدى الكبر} أي العظائم يعني النار، قاله ابن عباس ومجاهد، { نذيراً للبشر . لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} أي لمن شاء أن يقبل النذارة ويهتدي للحق، أو يتأخر عنها ويولي ويردها.

تفسير الجلالين

{ وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } أي فلا يطاقون كما يتوهمون { وما جعلنا عدتهم } ذلك { إلا فتنة } ضلالا { للذين كفروا } بأن يقولوا لم كانوا تسعة عشر { ليستيقن } ليستبين { الذين أوتوا الكتاب } أي اليهود صدق النبي صلى الله عليه وسلم في كونهم تسعة عشر الموافق لما في كتابهم { ويزداد الذين آمنوا } من أهل الكتاب { إيمانا } تصديقا لموافقته ما أتي به النبي صلى الله عليه وسلم لما في كتابهم { ولا يرتاب الذين أُوتوا الكتاب والمؤمنون } من غيرهم في عدد الملائكة { وليقول الذين في قلوبهم مرض } شك بالمدينة { والكافرون } بمكة { ماذا أراد الله بهذا } العدد { مثلا } سموه لغرابته بذلك وأعرب حالا { كذلك } أي مثل إضلال منكر هذا العدد وهدى مصدقه { يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك } أي الملائكة في قوتهم وأعوانهم { إلا هو وما هي } أي سقر { إلا ذكرى للبشر } .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا جَعَلْنَا خَزَنَة النَّار إِلَّا مَلَائِكَة . يَقُول لِأَبِي جَهْل فِي قَوْله لِقُرَيْشٍ : أَمَا يَسْتَطِيع كُلّ عَشَرَة مِنْكُمْ أَنْ تَغْلِب مِنْهَا وَاحِدًا ؟ فَمَنْ ذَا يَغْلِب خَزَنَة النَّار وَهُمُ الْمَلَائِكَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27459- حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثنا ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة } قَالَ : مَا جَعَلْنَاهُمْ رِجَالًا , فَيَأْخُذ كُلّ رَجُل رَجُلًا كَمَا قَالَ هَذَا . وَقَوْله : { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا جَعَلْنَا خَزَنَة النَّار إِلَّا مَلَائِكَة . يَقُول لِأَبِي جَهْل فِي قَوْله لِقُرَيْشٍ : أَمَا يَسْتَطِيع كُلّ عَشَرَة مِنْكُمْ أَنْ تَغْلِب مِنْهَا وَاحِدًا ؟ فَمَنْ ذَا يَغْلِب خَزَنَة النَّار وَهُمُ الْمَلَائِكَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27459- حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : ثنا ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَاب النَّار إِلَّا مَلَائِكَة } قَالَ : مَا جَعَلْنَاهُمْ رِجَالًا , فَيَأْخُذ كُلّ رَجُل رَجُلًا كَمَا قَالَ هَذَا . ' وَقَوْله : { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتهمْ إِلَّا فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا } يَقُول : وَمَا جَعَلْنَا عِدَّة هَؤُلَاءِ الْخَزَنَة إِلَّا فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27460 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتهمْ إِلَّا فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا } إِلَّا بَلَاء . وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّه الْخَبَر عَنْ عِدَّة خَزَنَة جَهَنَّم فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا ; لِتَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ , وَقَوْل بَعْضهمْ لِأَصْحَابِهِ : أَنَا أَكْفِيكُمُوهُمْ . ذِكْر الْخَبَر عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : 27461 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { تِسْعَة عَشَر } قَالَ : جُعِلُوا فِتْنَة , قَالَ أَبُو الْأَشَدّ بْن الْجُمَحِيّ : لَا يَبْلُغُونَ رَتْوَتِي حَتَّى أُجْهِضهُمْ عَنْ جَهَنَّم . وَقَوْله : { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتهمْ إِلَّا فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا } يَقُول : وَمَا جَعَلْنَا عِدَّة هَؤُلَاءِ الْخَزَنَة إِلَّا فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27460 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتهمْ إِلَّا فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا } إِلَّا بَلَاء . وَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّه الْخَبَر عَنْ عِدَّة خَزَنَة جَهَنَّم فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا ; لِتَكْذِيبِهِمْ بِذَلِكَ , وَقَوْل بَعْضهمْ لِأَصْحَابِهِ : أَنَا أَكْفِيكُمُوهُمْ . ذِكْر الْخَبَر عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ : 27461 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { تِسْعَة عَشَر } قَالَ : جُعِلُوا فِتْنَة , قَالَ أَبُو الْأَشَدّ بْن الْجُمَحِيّ : لَا يَبْلُغُونَ رَتْوَتِي حَتَّى أُجْهِضهُمْ عَنْ جَهَنَّم . ' وَقَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لِيَسْتَيْقِن أَهْل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل حَقِيقَة مَا فِي كُتُبهمْ مِنَ الْخَبَر عَنْ عِدَّة خَزَنَة جَهَنَّم , إِذْ وَافَقَ ذَلِكَ مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27462 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَيَزْدَاد الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } قَالَ : وَإِنَّهَا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل تِسْعَة عَشَر , فَأَرَادَ اللَّه أَنْ يَسْتَيْقِن أَهْل الْكِتَاب , وَيَزْدَاد الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا . 27463 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } قَالَ : يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ عِدَّة خَزَنَة أَهْل النَّار . 27464 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } يُصَدِّق الْقُرْآن الْكُتُب الَّتِي كَانَتْ قَبْله فِيهَا كُلّهَا , التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل أَنَّ خَزَنَة النَّار تِسْعَة عَشَر . * -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } قَالَ : لِيَسْتَيْقِن أَهْل الْكِتَاب حِين وَافَقَ عِدَّة خَزَنَة النَّار مَا فِي كُتُبهمْ. 27465 - حُدِّثْنَا عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } قَالَ : عِدَّة خَزَنَة جَهَنَّم تِسْعَة عَشَر فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . وَكَانَ ابْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 27466 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } أَنَّك رَسُول اللَّه . وَقَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لِيَسْتَيْقِن أَهْل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل حَقِيقَة مَا فِي كُتُبهمْ مِنَ الْخَبَر عَنْ عِدَّة خَزَنَة جَهَنَّم , إِذْ وَافَقَ ذَلِكَ مَا أَنْزَلَ اللَّه فِي كِتَابه عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27462 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَيَزْدَاد الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } قَالَ : وَإِنَّهَا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل تِسْعَة عَشَر , فَأَرَادَ اللَّه أَنْ يَسْتَيْقِن أَهْل الْكِتَاب , وَيَزْدَاد الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا . 27463 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } قَالَ : يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ عِدَّة خَزَنَة أَهْل النَّار . 27464 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } يُصَدِّق الْقُرْآن الْكُتُب الَّتِي كَانَتْ قَبْله فِيهَا كُلّهَا , التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل أَنَّ خَزَنَة النَّار تِسْعَة عَشَر . * -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } قَالَ : لِيَسْتَيْقِن أَهْل الْكِتَاب حِين وَافَقَ عِدَّة خَزَنَة النَّار مَا فِي كُتُبهمْ. 27465 - حُدِّثْنَا عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } قَالَ : عِدَّة خَزَنَة جَهَنَّم تِسْعَة عَشَر فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل . وَكَانَ ابْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 27466 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { لِيَسْتَيْقِن الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب } أَنَّك رَسُول اللَّه . ' وَقَوْله : { وَيَزْدَاد الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَصْدِيقًا إِلَى تَصْدِيقهمْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ بِتَصْدِيقِهِمْ بِعِدَّةِ خَزَنَة جَهَنَّم .وَقَوْله : { وَيَزْدَاد الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ تَصْدِيقًا إِلَى تَصْدِيقهمْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ بِتَصْدِيقِهِمْ بِعِدَّةِ خَزَنَة جَهَنَّم .' وَقَوْله : { وَلَا يَرْتَاب الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَالْمُؤْمِنُونَ } يَقُول : وَلَا يَشُكّ أَهْل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فِي حَقِيقَة ذَلِكَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .وَقَوْله : { وَلَا يَرْتَاب الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب وَالْمُؤْمِنُونَ } يَقُول : وَلَا يَشُكّ أَهْل التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل فِي حَقِيقَة ذَلِكَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .' وَقَوْله : { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض وَالْكَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض النِّفَاق , وَالْكَافِرُونَ بِاللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش { مَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مَثَلًا } , كَمَا : 27467 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } أَيْ نِفَاق. 27468 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مَثَلًا } يَقُول : حَتَّى يُخَوِّفَنَا بِهَؤُلَاءِ التِّسْعَة عَشَر . وَقَوْله : { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض وَالْكَافِرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض النِّفَاق , وَالْكَافِرُونَ بِاللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْش { مَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مَثَلًا } , كَمَا : 27467 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض } أَيْ نِفَاق. 27468 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبهمْ مَرَض وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّه بِهَذَا مَثَلًا } يَقُول : حَتَّى يُخَوِّفَنَا بِهَؤُلَاءِ التِّسْعَة عَشَر . ' وَقَوْله : { كَذَلِكَ يُضِلّ اللَّه مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا أَضَلَّ اللَّه هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ الْقَائِلِينَ فِي خَبَر اللَّه عَنْ عِدَّة خَزَنَة جَهَنَّم : أَيّ شَيْء أَرَادَ اللَّه بِهَذَا الْخَبَر مِنْ الْمَثَل حَتَّى يُخَوِّفنَا بِذِكْرِ عِدَّتهمْ , وَيَهْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُونَ , فَازْدَادُوا بِتَصْدِيقِهِمْ إِلَى إِيمَانهمْ إِيمَانًا { كَذَلِكَ يُضِلّ اللَّه مَنْ يَشَاء } مِنْ خَلْقه فَيَخْذُلهُ عَنْ إِصَابَة الْحَقّ { وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء } مِنْهُمْ , فَيُوَفِّقهُ لِإِصَابَةِ الصَّوَاب .وَقَوْله : { كَذَلِكَ يُضِلّ اللَّه مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كَمَا أَضَلَّ اللَّه هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ الْقَائِلِينَ فِي خَبَر اللَّه عَنْ عِدَّة خَزَنَة جَهَنَّم : أَيّ شَيْء أَرَادَ اللَّه بِهَذَا الْخَبَر مِنْ الْمَثَل حَتَّى يُخَوِّفنَا بِذِكْرِ عِدَّتهمْ , وَيَهْتَدِي بِهِ الْمُؤْمِنُونَ , فَازْدَادُوا بِتَصْدِيقِهِمْ إِلَى إِيمَانهمْ إِيمَانًا { كَذَلِكَ يُضِلّ اللَّه مَنْ يَشَاء } مِنْ خَلْقه فَيَخْذُلهُ عَنْ إِصَابَة الْحَقّ { وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء } مِنْهُمْ , فَيُوَفِّقهُ لِإِصَابَةِ الصَّوَاب .' { وَمَا يَعْلَم جُنُود رَبّك } مِنْ كَثْرَتهمْ { إِلَّا هُوَ } يَعْنِي اللَّه , كَمَا : 27469 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا يَعْلَم جُنُود رَبّك إِلَّا هُوَ } أَيْ مِنْ كَثْرَتهمْ . { وَمَا يَعْلَم جُنُود رَبّك } مِنْ كَثْرَتهمْ { إِلَّا هُوَ } يَعْنِي اللَّه , كَمَا : 27469 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا يَعْلَم جُنُود رَبّك إِلَّا هُوَ } أَيْ مِنْ كَثْرَتهمْ . ' وَقَوْله : { وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا النَّار الَّتِي وَصَفْتهَا إِلَّا تَذْكِرَة ذُكِّرَ بِهَا الْبَشَر , وَهُمْ بَنُو آدَم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27470 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } يَعْنِي النَّار . 27471 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } قَالَ : النَّار. وَقَوْله : { وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَا النَّار الَّتِي وَصَفْتهَا إِلَّا تَذْكِرَة ذُكِّرَ بِهَا الْبَشَر , وَهُمْ بَنُو آدَم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 27470 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } يَعْنِي النَّار . 27471 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } قَالَ : النَّار. '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { عليها تسعة عشر} أي على سقر تسعه عشر من الملائكة يلقون فيها أهلها. ثم قيل : على جملة النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها؛ مالك وثمانية عشر ملكا. ويحتمل أن تكون التسعة عشر نقيبا، ويحتمل أن يكون تسعة عشر ملكا بأعيانهم. وعلى هذا أكثر المفسرين. الثعلبي : ولا ينكر هذا، فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلائق كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلائق. وقال ابن جريج : نعت النبي صلى الله عليه وسلم خزنة جهنم فقال : [فكأن أعينهم البرق، وكأن أفواههم الصياصي، يجرون أشعارهم، لأحدهم من القوة مثل قوة الثقلين، يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل، فيرميهم في النار، ويرمي فوقهم الجبل]. قلت : وذكر ابن المبارك قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس، عن رجل من بني تميم قال : كنا عند أبي العوام، فقرأ هذه الآية { وما أدراك ما سقر. لا تبقى ولا تذر. لواحة للبشر. عليها تسعة عشر} فقال ما تسعة عشر؟ تسعة عشر ألف ملك، أو تسعة عشر ملكا؟ قال : قلت : لا بل تسعة عشر ملكا. فقال : وأنى تعلم ذلك؟ فقلت : لقول الله عز وجل { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا} قال : صدقت هم تسعة عشر ملكا، بيد كل ملك منهم مرزبة لها شعبتان، فيضرب الضربة فيهوي بها في النار سبعين ألفا. وعن عمرو بن دينار : كل واحد منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. خرج الترمذي عن جابر بن عبدالله. قال : قال ناس من اليهود لأناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قالوا : لا ندري حتى نسأل نبينا. فجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد غُلب أصحابك اليوم؛ فقال : (وماذا غلبوا)؟ قال : سألهم يهود : هل يعلم نبيكم عدد خزنة جهنم؟ قال : (فماذا قالوا) قال : قالوا لا ندري حتى نسأل نبينا. قال : (أفغلب قوم سئلوا عما لا يعلمون، فقالوا لا نعلم حتى نسأل نبينا؟ لكنهم قد سألوا نبيهم فقالوا أرنا الله جهرة، علي بأعداء الله! إني سائلهم عن تربة الجنة وهي الدرمك). فلما جاؤوا قالوا : يا أبا القاسم كم عدد خزنة جهنم؟ قال : (هكذا وهكذا) في مرة عشرة وفي مرة تسعة. قالوا : نعم. قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : (ما تربة الجنة) قال : فسكتوا هنيهة ثم قالوا : أخبزة يا أبا القاسم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الخبز من الدرمك). قال أبو عيسى : هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث مجالد عن الشعبي عن جابر. وذكر ابن وهب قال : حدثنا عبدالرحمن بن زيد، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خزنة جهنم : [ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب]. وقال ابن عباس : ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة، وقوة الواحد منهم أن يضرب بالمقمع فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم. قلت : والصحيح إن شاء الله أن هؤلاء التسعة عشر، هم الرؤساء والنقباء، وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها؛ كما قال الله تعالى { وما يعلم جنود ربك إلا هو} وقد ثبت في الصحيح عن عبدالله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها). وقال ابن عباس وقتادة والضحاك : لما نزل { عليها تسعة عشر} قال أبو جهل لقريش : ثكلتكم أمهاتكم! أسمع بن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر، وأنتم الدهم - أي العدد - والشجعان، فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم! قال السدي : فقال أبو الأسود بن كلدة الجمحي : لا يهولنكم التسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة من الملائكة، وبمنكبي الأيسر التسعة، ثم تمرون إلى الجنة؛ يقولها مستهزئا. في رواية : أن الحرث بن كلدة قال أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني أنتم اثنين. وقيل : إن أبا جهل قال أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم، ثم تخرجون من النار؟ فنزل قوله تعالى { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة} أي لم نجعلهم رجالا فتتعاطون مغالبتهم. وقيل : جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المعذبين من الجن والإنس، فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرأفة والرقة، ولا يستروحون إليهم؛ ولأنهم أقوم خلق الله بحق الله وبالغضب له، فتؤمن هوادتهم؛ ولأنهم أشد خلق الله بأسا وأقواهم بطشا. { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة} أي بلية. وروي عن ابن عباس من غير وجه قال : ضلالة للذين كفروا، يريد أبا جهل وذويه. وقيل : إلا عذابا، كما قال تعالى { يوم هم على النار يفتنون. ذوقوا فتنتكم} [الذاريات : 14]. أي جعلنا ذلك سبب كفرهم وسبب العذاب. وفي { تسعة عشر} سبع قراءات : قراءة العامة { تسعة عشر} . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وطلحة بن سليمان { تسعة عشر} بإسكان العين. وعن ابن عباس { تسعة عشر} بضم الهاء. وعن أنس بن مالك { تسعة وعشر} وعنه أيضا { تسعة وعشر} . وعنه أيضا { تسعة أعشر} ذكرها المهدوي وقال : من قرأ { تسعة عشر} أسكن العين لتوالي الحركات. ومن قرأ { تسعة وعشر} جاء به على الأصل قبل التركيب، وعطف عشرا على تسعة، وحذف التنوين لكثرة الاستعمال، وأسكن الراء من عشر على نية السكوت عليها. ومن قرأ { تسعة عشر} فكأنه من التداخل؛ كأنه أراد العطف وترك التركيب، فرفع هاء التأنيث، ثم راجع البناء وأسكن. وأما { تسعة أعشر} : فغير معروف، وقد أنكرها أبو حاتم. وكذلك { تسعة وعشر} لأنها محمولة على { تسعة أعشر} والواو بدل من الهمزة، وليس لذلك وجه عند النحويين. الزمخشري : وقرئ { تسعة أعشر} جمع عشير، مثل يمين وأيمن. قوله تعالى { ليستيقن الذين أوتوا الكتاب} أي ليوقن الذين أعطوا التوراة والإنجيل أن عدة خزنة جهنم موافقة لما عندهم؛ قال ابن عباس وقتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم. ثم يحتمل أنه يريد الذين آمنوا منهم كعبدالله بن سلام. ويحتمل أنه يريد الكل. ويزداد الذين آمنوا إيمانا { بذلك؛ لأنهم كلما صدقوا بما في كتاب الله آمنوا، ثم ازدادوا إيمانا لتصديقهم بعدد خزنة جهنم. { ولا يرتاب} أي ولا يشك { الذين أوتوا الكتاب} أي أعطوا الكتاب { والمؤمنون} أي المصدقون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر. { وليقول الذين في قلوبهم مرض} أي في صدورهم شك ونفاق من منافقي أهل المدينة، الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة ولم يكن بمكة نفاق وإنما نجم بالمدينة. وقيل : المعنى؛ أي وليقول المنافقون الذين ينجمون في مستقبل الزمان بعد الهجرة. { والكافرون} أي اليهود والنصارى { ماذا أراد الله بهذا مثلا} يعني بعدد خزنة جهنم. وقال الحسين بن الفضل : السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق؛ فالمرض في هذه الآية الخلاف و { الكافرون} أي مشركو العرب. وعلى القول الأول أكثر المفسرين. ويجوز أن يراد بالمرض : الشك والارتياب؛ لأن أهل مكة كان أكثرهم شاكين، وبعضهم قاطعين بالكذب وقوله تعالى إخبارا عنهم { ماذا أراد الله} أي ما أراد { بهذا} العدد الذي ذكره حديثا، أي ما هذا من الحديث. قال الليث : المثل الحديث؛ ومنه { مثل الجنة التي وعد المتقون} أي حديثها والخبر عنها { كذلك} أي كإضلال الله أبا جهل وأصحابه المنكرين لخزنة جهنم { يضل الله} أي يخزي ويعمي { من يشاء ويهدي} أي ويرشد { من يشاء} كإرشاد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل { كذلك يضل الله} عن الجنة { من يشاء ويهدي} إليها من يشاء { وما يعلم جنود ربك إلا هو} أي وما يدري عدد ملائكة ربك الذين خلقهم لتعذيب أهل النار { إلا هو} أي إلا الله جل ثناؤه وهذا جواب لأبي جهل حين قال : أما لمحمد من الجنود إلا تسعة عشر! وعن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم غنائم حنين، فأتاه جبريل فجلس عنده، فأتى ملك فقال : إن ربك يأمرك بكذا وكذا، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون شيطانا، فقال : (يا جبريل أتعرفه)؟ فقال : هو ملك وما كل ملائكة ربك أعرف. وقال الأوزاعي : قال موسى يا رب من في السماء؟ قال ملائكتي. قال كم عدتهم يا رب؟ قال : اثني عشر سبطا. قال : كم عدة كل سبط؟ قال : عدد التراب ذكرهما الثعلبي. وفي الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته لله ساجدا). قوله تعالى { وما هي إلا ذكرى للبشر} يعني الدلائل والحجج والقرآن. وقيل { وما هي} أي وما هذه النار التي هي سقر { إلا ذكري} أي عظة { للبشر} أي للخلق. وقيل : نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة. قال الزجاج. وقيل : أي ما هذه العدة { إلا ذكري للبشر} أي ليتذكروا ويعلموا كمال قدرة الله تعالى، وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار؛ فالكناية على هذا في قوله تعالى { وما هي} ترجع إلى الجنود؛ لأنه أقرب مذكور.


www.alro7.net