سورة
اية:

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، وأنه الغني عما سواه، الحاكم في خلقه بالعدل، وخلق الخلق بالحق { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} أي يجازى كلاً بعمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشر، ثم فسر المحسنين بأنهم الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، أي لا يتعاطون المحرمات الكبائر، وإن وقع منهم بعض الصغائر فإنه يغفر لهم ويستر عليهم كما قال في الآية الأُخْرى: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً} ، وقال ههنا: { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} ، وهذا استثناء منقطع لأن اللمم من صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال. عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (إن اللّه تعالى كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنَّفْس تمنّى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) ""أخرجه الإمام أحمد ورواه الشيخان أيضاً"". وقال عبد الرحمن ابن نافع: سألت أبا هريرة عن قول اللّه: { إلا اللمم} ، قال: القُبْلة، والغمزة، والنظرة، والمباشرة، فإذا مس الختان الختان، فقد وجب الغسل وهو الزنا، وقال ابن عباس: { إلا اللمم} إلا ما سلف، وكذا قال زيد بن اسلم، وروى ابن جرير، عن مجاهد أنه قال في هذه الآية: { إلا اللمم} قال: الذي يلم بالذنب ثم يدعه، قال الشاعر: إن تغفر اللهم تغفر جماً * وأيّ عبد لك ما ألما؟ وعن الحسن في قول اللّه تعالى: { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} قال: اللمم من الزنا، أو السرقة، أو شرب الخمر ثم لا يعود، وروى ابن جرير، عن عطاء، عن ابن عباس: { إلا اللمم} يلم بها في الحين، قلت: الزنا؟ قال: الزنا ثم يتوب، وعنه قال: اللمم الذي يلم المرة، وقال السدي: قال أبو صالح: سئلت عن اللمم، فقلت: هو الرجل يصيب الذنب ثم يتوب، وأخبرت بذلك ابن عباس فقال: لقد أعانك عليها ملك كريم. وقوله تعالى: { إن ربك واسع المغفرة} أي رحمته وسعت كل شيء، ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها، كقوله تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه إن اللّه يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} . وقوله تعالى: { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} أي هو بصير بكم، عليم بأحوالكم وأفعالكم، حين أنشأ أباكم آدم من الأرض، واستخرج ذريته من صلبه أمثال الذر، ثم قسمهم فريقين: فريقاً للجنة وفريقاً للسعير، وكذا قوله: { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} قد كتب الملك الذي يوكل به رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد، وقوله تعالى: { فلا تزكوا أنفسكم} أي تمدحوها وتشكروها وتمنوا بأعمالكم { هو أعلم بمن اتقى} ، كما قال تعالى: { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} الآية. روى مسلم في صحيحه، عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي برة، فقالت لي زينب بنت أبي سلمة: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن هذا الاسم، وسميت برة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (لا تزكوا أنفسكم إن اللّه أعلم بأهل البر منكم) فقالوا: بم نسميها؟ قال: (سموها زينب) ""أخرجه مسلم في صحيحه"". وقد ثبت أيضاً، عن أبي بكرة قال: مدح رجل رجلاً عند النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (ويلك قطعت عنق صاحبك - مراراً - إذا كان أحدكم مادحاً صاحبه لا محالة فليقل أحسب فلاناً واللّه حسيبه، ولا أزكي على اللّه أحداً، أحسبه كذا وكذا إن كان يعلم ذلك) ""أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجة"". وروى الإمام أحمد، عن همام بن الحارث قال: جاء رجل إلى عثمان فأثنى عليه في وجهه، قال: فجعل المقداد بن الأسود يحثو في وجهه التراب، ويقول: أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا لقينا المداحين أن نحثو في وجوههم التراب ""أخرجه مسلم وأبو داود والإمام أحمد"".

تفسير الجلالين

{ ولله ما في السماوات وما في الأرض } هو مالك لذلك، ومنه الضال والمهتدي يُضل من يشاء ويهدي من يشاء { ليجزي الذين أساءوا بما عملوا } من الشرك وغيره { ويجزي الذين أحسنوا } بالتوحيد وغيره من الطاعات { بالحسنى } الجنة وبيَّن المحسنين بقوله .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { وَلِلَّهِ } مُلْك { مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض } مِنْ شَيْء , وَهُوَ يُضِلّ مَنْ يَشَاء , وَهُوَ أَعْلَم بِهِمْ { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا } يَقُول : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ عَصَوْهُ مِنْ خَلْقه , فَأَسَاءُوا بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ , فَيُثِيبُهُمْ بِهَا النَّار { وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } يَقُول : وَلِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَطَاعُوهُ فَأَحْسَنُوا بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا بِالْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّة , فَيُثِيبُهُمْ بِهَا . وَقِيلَ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْل الشِّرْك وَالْإِيمَان . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25198 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش , قَالَ : قَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ فِي قَوْل اللَّه : { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا } الْمُؤْمِنُونَ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { وَلِلَّهِ } مُلْك { مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض } مِنْ شَيْء , وَهُوَ يُضِلّ مَنْ يَشَاء , وَهُوَ أَعْلَم بِهِمْ { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا } يَقُول : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ عَصَوْهُ مِنْ خَلْقه , فَأَسَاءُوا بِمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ , فَيُثِيبُهُمْ بِهَا النَّار { وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى } يَقُول : وَلِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَطَاعُوهُ فَأَحْسَنُوا بِطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا بِالْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّة , فَيُثِيبُهُمْ بِهَا . وَقِيلَ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْل الشِّرْك وَالْإِيمَان . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25198 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش , قَالَ : قَالَ زَيْد بْن أَسْلَمَ فِي قَوْل اللَّه : { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا } الْمُؤْمِنُونَ.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} اللام متعلقة بالمعنى الذي دل عليه { ولله ما في السموات وما في الأرض} كأنه قال : هو مالك ذلك يهدي من يشاء ويضل من يشاء ليجزي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. وقيل { لله ما في السموات وما في الأرض} معترض في الكلام؛ والمعنى : إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن آهتدى ليجزي. وقيل : هي لام العاقبة، أي ولله ما في السموات وما في الأرض؛ أي وعاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم مسيء ومحسن؛ فللمسيء السوءى وهي جهنم، وللمحسن الحسنى وهي الجنة. قوله تعالى { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش} هذا نعت للمحسنين؛ أي هم لا يرتكبون كبائر الإثم وهو الشرك؛ لأنه أكبر الآثام. وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي { كبير} على التوحيد وفسره ابن عباس بالشرك. { والفواحش} الزنى : وقال مقاتل { كبائر الإثم} كل ذنب ختم بالنار. { والفواحش} كل ذنب فيه الحد. وقد مضى في [النساء] القول في هذا. ثم استثنى استئناء منقطعا وهي: الثانية: فقال { إلا اللمم} وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه. وقد اختلف في معناها؛ فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي { اللمم} كل ما دون الزنى. وذكر مقاتل بن سليمان : أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار؛ كان له حانوت يبيع فيه تمرا، فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها : إن داخل الدكان ما هو خير من هذا، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله! ما من شيء يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع؛ فقال : (لعل زوجها غاز) فنزلت هذه الآية، وقد مضى في آخر [هود] وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري وحذيفة ومسروق : إن اللمم ما دون الوطء من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة. وروى مسروق عن عبدالله بن مسعود قال : زنى العينين النظر، وزنى اليدين البطش، وزنى الرجلين المشي، وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج؛ فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما. ""وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس"" قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنى العينين النظر وزنى اللسان النطق والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه). والمعنى : أن الفاحشة العظيمة والزنى التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج وغيره له حظ من الإثم. والله أعلم. وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه). خرجه مسلم. وقد ذكر الثعلبي حديث طاوس عن ابن عباس فذكر فيه الأذن واليد والرجل، وزاد فيه بعد العينين واللسان : (وزنى الشفتين القبلة). فهذا قول. وقال ابن عباس أيضا : هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب. قال : ألم تسمع النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : إن يغفر الله يغفر جما ** وأي عبد لك لا ألما رواه عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس. قال النحاس : هذا أصح ما قيل فيه وأجلها إسنادا. وروى شعبة عن منصور عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله عز وجل { إلا اللمم} قال : هو أن يلم العبد بالذنب ثم لا يعاوده؛ قال الشاعر : إن تغفر اللهم تغفر جما ** وأي عبد لك لا ألما وكذا قال مجاهد والحسن : هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده، ونحوه عن الزهري، قال : اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود، وأن يسرق أويشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود. ودليل هذا التأويل قوله تعالى { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم} [آل عمران : 135] الآية. ثم قال { أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم} [آل عمران : 136] فضمن لهم المغفرة؛ كما قال عقيب اللمم { إن ربك واسع المغفرة} فعلى هذا التأويل يكون { إلا اللمم} استثناء متصل. قال عبدالله بن عمرو بن العاص : اللمم ما دون الشرك. وقيل : اللمم الذنب بين الحدين وهو ما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بعذاب في الآخرة تكفره الصلوات الخمس. قاله ابن زيد وعكرمة والضحاك وقتادة. ورواه العوفي والحكم بن عتيبة عن ابن عباس. وقال الكلبي : اللمم على وجهين : كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة؛ فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش. والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلم به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه. وعن ابن عباس أيضا وأبي هريرة وزيد بن ثابت : هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به. وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين : إنما كنتم بالأمس تعملون معنا فنزلت وقاله زيد بن أسلم وابنه؛ وهو كقوله تعالى { وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف} [النساء : 23]. وقيل : اللمم هو أن يأتي بذنب لم يكن له بعادة؛ قال نفطويه. قال : والعرب تقول ما يأتينا إلا لماما؛ أي في الحين بعد الحين. قال : ولا يكون أن يلم ولا يفعل، لأن العرب لا تقول ألم بنا إلا إذا فعل الإنسان لا إذا هم ولم يفعله. وفي الصحاح : وألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب، ويقال : هو مقاربة المعصية من غير مواقعة. وأنشد غير الجوهري : بزينب ألمم قبل أن يرحل الركب ** وقل إن تملينا فما ملك القلب أي أقرب. وقال عطاء بن أبي رباح : اللمم عادة النفس الحين بعد الحين. وقال سعيد بن المسيب : هو ما ألم على القلب؛ أي خطر. وقال محمد بن الحنفية : كل ما هممت به من خير أو شر فهو لمم. ودليل هذا التأويل قوله عليه الصلاة والسلام : (إن للشيطان لمة وللملك لمة) الحديث. وقد مضى في [البقرة] عند قوله تعالى { الشيطان يعدكم الفقر} . وقال أبو إسحاق الزجاج : أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه؛ يقال : ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه، ويقال : ما فعلته إلا لمما وإلماما؛ أي الحين بعد الحين. وإنما زيارتك إلمام، ومنه إلمام الخيال؛ قال الأعشى : ألمّ خيال من قتيلة بعدما ** وَهَى حبلها من حبلنا فتصرّما وقيل : إلا بمعنى الواو. وأنكر هذا الفراء وقال : المعنى إلا المتقارب من صغار الذنوب. وقيل : اللمم النظرة التي تكون فجأة. قلت : هذا فيه بعد إذ هو معفو عنه ابتداء غير مؤاخذ به؛ لأنه يقع من غير قصد واختيار، وقد مضى في [النور] بيانه. واللمم أيضا طرف من الجنون، ورجل ملموم أي به لمم. ويقال أيضا : أصابت فلانا لمة من الجن وهي المس والشيء القليل؛ قال الشاعر : فإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ** إلا كلمة حالم بخيال الثالثة: قوله تعالى { إن ربك واسع المغفرة} لمن تاب من ذنبه واستغفر؛ قاله ابن عباس. وقال أبو ميسرة عمرو بن شرحبيل وكان من أفاضل أصحاب ابن مسعود : رأيت في المنام كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة، فقلت : لمن هذه؟ فقالوا : لذي الكلاع وحوشب، وكانا ممن قتل بعضهم بعضا، فقلت : وكيف ذلك؟ فقالوا : إنهما لقيا الله فوجداه واسع المغفرة. فقال أبو خالد : بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثني عشر ألف بنت. { هو أعلم بكم} من أنفسكم { إذ أنشأكم من الأرض} يعني أباكم آدم من الطين وخرج اللفظ على الجمع. قال الترمذي أبو عبدالله : وليس هو كذلك عندنا، بل وقع الإنشاء على التربة التي رفعت من الأرض، وكنا جميعا في تلك التربة وفي تلك الطينة، ثم خرجت من الطينة المياه إلى الأصلاب مع ذرو النفوس على اختلاف هيئتها، ثم استخرجها من صلبها على اختلاف الهيئات؛ منهم كالدر يتلألأ، وبعضهم أنور من بعض، وبعضهم أسود كالحممة، وبعضهم أشد سوادا من بعض؛ فكان الإنشاء واقعا علينا وعليه. حدثنا عيسى بن حماد العسقلاني قال : حدثنا بشر بن بكر، قال : حدثنا الأوزاعي، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (عرض علي الأولون والآخرون بين يدي حجرتي هذه الليلة) فقال قائل : يا رسول الله! ومن مضى من الخلق؟ قال : (نعم عرض علي آدم فمن دونه فهل كان خلق أحد) قالوا : ومن في أصلاب الرجال وبطون الأمهات؟ قال : (نعم مثلوا في الطين فعرفتهم كما علم آدم الأسماء كلها). قلت : وقد تقدم في أول [الأنعام] أن كل إنسان يخلق من طين البقعة التي يدفن فيها. { وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} جمع جنين وهو الولد ما دام في البطن، سمي جنينا لاجتنابه واستتاره. قال عمرو بن كلثوم : هجان اللون لم تقرأ جنينا وقال مكحول : كنا أجنة في بطون أمهاتنا فسقط منا من سقط وكنا فيمن بقي، ثم صرنا رضعا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا يفعة فهلك منا من هلك، وكنا فيمن بقى ثم صرنا شبابا فهلك منا من هلك وكنا فيمن بقي، ثم صرنا شيوخا ـ لا أبالك ـ فما بعد هذا ننتظر؟!. وروى ابن لهيعة عن الحرث بن يزيد عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال : كانت اليهود تقول إذا هلك لهم صبي صغير : هو صديق؛ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (كذبت يهود ما من نسمة يخلقها الله في بطن أمه إلا أنه شقي أو سعيد) فأنزل الله تعالى عند ذلك هذه الآية { هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} إلى آخرها. ونحوه عن عائشة : (كان اليهود). بمثله. { فلا تزكوا أنفسكم} أي لا تمدحوها ولا تثنوا عليها، فإنه أبعد من الرياء وأقرب إلى الخشوع. { هو أعلم بمن اتقى} أي أخلص العمل واتقى عقوبة الله؛ عن الحسن وغيره. قال الحسن : قد علم الله سبحانه كل نفس ما هي عاملة، وما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة. وقد مضى في [النساء] الكلام في معنى هذه الآية عند قوله تعالى { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم} [النساء : 49] فتأمله هناك. وقال ابن عباس : ما من أحد من هذه الأمة أزكيه غير رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله تعالى أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النجم الايات 24 - 31

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا أيضاً أسلوب قصر بتقديم الخبر. أي: لله وحده.

وفي آية أخرى قال تعالى:
{  لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ... }
[الشورى: 49] فالسماوات والأرض عجيبة في ذاتها، والذي فيها أعجب { وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ.. } [النجم: 31] وقال
{  وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ... }
[النحل: 77].

فهذه مراحل ثلاث في مُلك الله، يملك سبحانه الظرف السماوات والأرض، ويملك المظروف أي: ما في السماوات وما في الأرض وكل منهما عجيب ويملك الأعجب من ذلك، وهو ما خفس عنا في ملكوت السماوات والأرض.

وهذا يعني أنك أيها الإنسان لا تزهد في الاستنباط، فالكون ملىء بما تعلمه وما لا تعلمه من الآيات والعجائب، وفيه عطاءات لا تتناهى ولا تنفد، ما دامت السماوات والأرض، فإذا نفدت العجائب والأسرار بنفاد الدنيا جاءت عجائب وأسرار الآخرة.

ثم يُبيِّن سبحانه أن هذه الملك في السماوات والأرض يترتب عليه الجزاء في الآخرة، لأن الملك ملكُ الله، والخَلْق خَلْق الله، والرسل رسل الله، والمنهج منهج الله، فأمامك أيها الإنسان الكون الفسيح وما فيه من آيات كونية تدل على قدرة الخالق سبحانه فاستدل بالخلق على الخالق.

ثم أرسل لك الرسل وأنزل الكتب وشرَّع الشرائع وبيَّن الحلال والحرام، وبيَّن الحدود، وبيَّن الجزاء، فلا بد أنْ ينتهي مُلْك السماوات والأرض إلى الجزاء، والجزاء لا بد وأنْ يكون من جنس العمل { لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى } [النجم: 31].

والآيات ثلاث كما قلنا: آيات كونية تدل على قدرة الله، وآيات معجزات تدل على صدق الرسول في البلاغ عن الله، وآيات الأحكام التي يضمها القرآن الكريم، فمَنْ لم يعتبر بهذه الآيات ولم يحسن استقبالها فقد أساء فيُجزى بإساءته.

ومن أحسن استقبالها يُجزى بإحسانه وكأنه حيا المكلِّف سبحانه وتعالى بالطاعة فيُحييه الله بأحسن منها { وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى } [النجم: 31] أي: بالأحسن مما قدَّموا، فإذا كنا قد أمرنا في الدنيا بأنْ نرد التحية بأحسن منها، فالله أوْلى بذلك.

وتأمل هنا اللياقة في التعبير والدقة في الأداء، فلم يقُلْ: ليجزي الذين أساءوا بالسوء، ولكن { بِمَا عَمِلُواْ... } [النجم: 31] فلم يواجههم بكلمة السوء، ولكن وضع أمامهم العمل الذي قدَّموه.

وفي هذا إشارة إلى عدل الله
{  وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَـٰكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
[آل عمران: 117]. ثم يقدم جزاء أهل السوء على جزاء أهل الإحسان، ليكون الجزاء بالحسنى هو آخر ما يباشر أسماعنا.

ثم تشرح الآيات وتُفصَّل القول في الذين أحسنوا، ما وجوه الإحسان في أعمالهم.


www.alro7.net