سورة
اية:

حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى هذا الذي أمرنا به من الطاعات في أداء المناسك وما يلقى عليها من الثواب الجزيل، { ومن يعظم حرمات اللّه} أي ومن يجتنب معاصيه ومحارمه، { فهو خير له عند ربه} أي فله على ذلك خير كثير وثواب جزيل، فكما فعل الطاعات ثواب كثير وأجر جزيل، كذلك على ترك المحرمات واجتناب المحظورات. قال مجاهد في قوله: { ذلك ومن يعظم حرمات اللّه} قال: الحرمات مكة والحج والعمرة وما نهى اللّه عنه من معاصيه كلها، وقوله: { وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} أي أحللنا لكم جميع الأنعام، وقوله: { إلا ما يتلى عليكم} أي من تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهِلَّ لغير اللّه به والمنخقة الآية، قال ذلك ابن جرير وحكاه عن قتادة، وقوله: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} ، أي اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وقرن الشرك باللّه بقول الزور، كقوله: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا باللّه ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على اللّه ما لا تعلمون} ومنه شهادة الزور. وفي الصحيحين عن أبي بكرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟) قلنا: بلى يا رسول اللّه، قال: (الإشراك باللّه وعقوق الوالدين - وكان متكئاً فجلس - فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور)؛ فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. وعن خريم بن فاتك الأسدي قال: صلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الصبح فلما انصرف قام قائماً، فقال: (عدلت شهادة الزور الإشراك باللّه عزَّ وجلَّ)، ثم تلا هذه الآية: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به} ""أخرجه الإمام أحمد في المسند""، وقوله: { حنفاء للّه} : أي مخلصين له الدين منحرفين عن الباطل قصداً إلى الحق، ولهذا قال: { غير مشركين به} ، ثم ضرب للمشرك مثلاً في ضلاله وهلاكه وبعده عن الهدى، فقال: { ومن يشرك باللّه فكأنما خر من السماء} أي سقط منها، { فتخطفه الطير} أي تقطعه الطيور في الهواء، { أو تهوي به الريح في مكان سحيق} أي بعيد، مهلك لمن هوى فيه، ولهذا جاء في حديث البراء: أن الكافر إذا توفته ملائكة الموت وصعدوا بروحه إلى السماء، فلا تفتح له أبواب السماء، بل تطرح روحه طرحاً من هناك، ثم قرأ هذه الآية: { فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} .

تفسير الجلالين

{ حنفاء لله } مسلمين عادلين عن كل دين سوى دينه { غير مشركين به } تأكيد لما قبله، وهما حالان من الواو { ومن يشرك بالله فكأنما خر } سقط { من السماء فتخطفه الطير } أي تأخذه بسرعة { أو تهوي به الريح } أي تسقطه { في مكان سحيق } بعيد فهو لا يرجى خلاصه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْر مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِك بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفهُ الطَّيْر أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اجْتَنِبُوا أَيّهَا النَّاس عِبَادَة الْأَوْثَان , وَقَوْل الشِّرْك , مُسْتَقِيمِينَ لِلَّهِ عَلَى إِخْلَاص التَّوْحِيد لَهُ , وَإِفْرَاد الطَّاعَة وَالْعِبَادَة لَهُ خَالِصًا دُون الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , غَيْر مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا مِنْ دُونه ; فَإِنَّهُ مَنْ يُشْرِك بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ دُونه فَمَثَله فِي بُعْده مِنَ الْهُدَى وَإِصَابَة الْحَقّ وَهَلَاكه وَذَهَابه عَنْ رَبّه , مَثَل مَنْ خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفهُ الطَّيْر فَهَلَكَ , أَوْ هَوَتْ بِهِ الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق , يَعْنِي مَنْ بَعِيد , مِنْ قَوْلهمْ : أَبْعَدَهُ اللَّه وَأَسْحَقَهُ , وَفِيهِ لُغَتَانِ : أَسْحَقَتْهُ الرِّيح وَسَحَقَتْهُ , وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّخْلَةِ الطَّوِيلَة : نَخْلَة سَحُوق ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : كَانَتْ لَنَا جَارَة فَأَزْعَجَهَا قَاذُورَة تَسْحَق النَّوَى قُدُمَا وَيُرْوَى : " تَسْتَحِقّ " . يَقُول : فَهَكَذَا مَثَل الْمُشْرِك بِاللَّهِ فِي بُعْده مِنْ رَبّه وَمِنْ إِصَابَة الْحَقّ , كَبُعْدِ هَذَا الْوَاقِع مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض , أَوْ كَهَلَاكِ مَنِ اخْتَطَفَتْهُ الطَّيْر مِنْهُمْ فِي الْهَوَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19012 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فِي بُعْده مِنَ الْهُدَى وَهَلَاكه ; { فَتَخْطَفهُ الطَّيْر أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19013 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { فِي مَكَان سَحِيق } قَالَ : بَعِيد . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقِيلَ : { فَتَخْطَفهُ الطَّيْر } وَقَدْ قِيلَ قَبْله : { فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء } وَخَرَّ فِعْل مَاضٍ , وَتَخْطَفهُ مُسْتَقْبَل , فَعَطَفَ بِالْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَاضِي , كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه } 22 25 وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ هُنَاكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْر مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِك بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفهُ الطَّيْر أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اجْتَنِبُوا أَيّهَا النَّاس عِبَادَة الْأَوْثَان , وَقَوْل الشِّرْك , مُسْتَقِيمِينَ لِلَّهِ عَلَى إِخْلَاص التَّوْحِيد لَهُ , وَإِفْرَاد الطَّاعَة وَالْعِبَادَة لَهُ خَالِصًا دُون الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , غَيْر مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا مِنْ دُونه ; فَإِنَّهُ مَنْ يُشْرِك بِاللَّهِ شَيْئًا مِنْ دُونه فَمَثَله فِي بُعْده مِنَ الْهُدَى وَإِصَابَة الْحَقّ وَهَلَاكه وَذَهَابه عَنْ رَبّه , مَثَل مَنْ خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفهُ الطَّيْر فَهَلَكَ , أَوْ هَوَتْ بِهِ الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق , يَعْنِي مَنْ بَعِيد , مِنْ قَوْلهمْ : أَبْعَدَهُ اللَّه وَأَسْحَقَهُ , وَفِيهِ لُغَتَانِ : أَسْحَقَتْهُ الرِّيح وَسَحَقَتْهُ , وَمِنْهُ قِيلَ لِلنَّخْلَةِ الطَّوِيلَة : نَخْلَة سَحُوق ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : كَانَتْ لَنَا جَارَة فَأَزْعَجَهَا قَاذُورَة تَسْحَق النَّوَى قُدُمَا وَيُرْوَى : " تَسْتَحِقّ " . يَقُول : فَهَكَذَا مَثَل الْمُشْرِك بِاللَّهِ فِي بُعْده مِنْ رَبّه وَمِنْ إِصَابَة الْحَقّ , كَبُعْدِ هَذَا الْوَاقِع مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْض , أَوْ كَهَلَاكِ مَنِ اخْتَطَفَتْهُ الطَّيْر مِنْهُمْ فِي الْهَوَاء . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19012 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِمَنْ أَشْرَكَ بِاللَّهِ فِي بُعْده مِنَ الْهُدَى وَهَلَاكه ; { فَتَخْطَفهُ الطَّيْر أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيح فِي مَكَان سَحِيق } . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 19013 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { فِي مَكَان سَحِيق } قَالَ : بَعِيد . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقِيلَ : { فَتَخْطَفهُ الطَّيْر } وَقَدْ قِيلَ قَبْله : { فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء } وَخَرَّ فِعْل مَاضٍ , وَتَخْطَفهُ مُسْتَقْبَل , فَعَطَفَ بِالْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَاضِي , كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه } 22 25 وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ هُنَاكَ .'

تفسير القرطبي

فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى { ذلك} يحتمل أن يكون في موضع رفع بتقدير : فرضكم ذلك، أو الواجب ذلك. ويحتمل أن يكون في موضع نصب بتقدير : امتثلوا ذلك؛ ونحو هذه الإشارة البليغة قول زهير : هذا وليس كمن يعيا بخطته ** وسط الندي إذا ما قائل نطقا والحرمات المقصودة هنا هي أفعال الحج المشار إليها في قوله { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم} ويدخل في ذلك تعظيم المواضع؛ قاله ابن زيد وغيره. ويجمع ذلك أن تقول : الحرمات امتثال الأمر من فرائضه وسننه. وقوله { فهو خير له عند ربه} أي التعظيم خير له عند ربه من التهاون بشيء منها. وقيل : ذلك التعظيم خير من خيراته ينتفع به، وليست للتفضيل وإنما هي عدة بخير. الثانية: { وأحلت لكم الأنعام} أن تأكلوها؛ وهي الإبل والبقر والغنم. { إلا ما يتلى عليكم} أي في الكتاب من المحرمات؛ وهي الميتة والموقوذة وأخواتها. ولهذا اتصال بأمر الحج؛ فإن في الحج الذبح، فبين ما يحل ذبحه وأكل لحمه. وقيل { إلا ما يتلى عليكم} غير محلي الصيد وأنتم حرم. الثالثة: قوله تعالى { فاجتنبوا الرجس من الأوثان} الرجس : الشيء القذر. الوثن : التمثال من خشب أو حديد أو ذهب أو فضة ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها. والنصارى تنصب الصليب وتعبده وتعظمه فهو كالتمثال أيضا. وقال عدي بن حاتم : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من ذهب فقال : (ألق هذا الوثن عنك) أي الصليب؛ وأصله من وثن الشيء أي أقام في مقامه. وسمي الصنم وثنا لأنه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه. يريد اجتنبوا عبادة الأوثان، روي عن ابن عباس وابن جريج. وسماها رجسا لأنها سبب الرجز وهو العذاب. وقيل : وصفها بالرجس، والرجس النجس فهي نجسة حكما. وليست النجاسة وصفا ذاتيا للأعيان وإنما هي وصف شرعي من أحكام الإيمان، فلا تزال إلا بالإيمان كما لا تجوز الطهارة إلا بالماء. الرابعة: { من} في قوله { من الأوثان} قيل : إنها لبيان الجنس، فيقع نهيه عن رجس الأوثان فقط، ويبقى سائر الأرجاس نهيها في غير هذا الموضع. ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية؛ فكأنه نهاهم عن الرجس عاما ثم عين لهم مبدأه الذي منه يلحقهم؛ إذ عبادة الوثن جامعة لكل فساد ورجس. ومن قال إن { من} للتبعيض، قلب معنى الآية وأفسده. الخامسة: قوله تعالى: { واجتنبوا قول الزور} والزور : الباطل والكذب. وسمي زورا لأنه أميل عن الحق؛ ومنه { تزاور عن كهفهم} ، [الكهف : 17]، ومدينة زوراء؛ أي مائلة. وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور. وفي الخبر أنه عليه السلام قام خطيبا فقال : (عدلت شهادة الزور الشرك بالله) قالها مرتين أو ثلاثا. يعني أنها قد جمعت مع عبادة الوثن في النهي عنها. السادسة: هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور، وينبغي للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور أن يعزره وينادي عليه ليعرف لئلا يغتر بشهادته أحد. ويختلف الحكم في شهادته إذا تاب؛ فإن كان من أهل العدالة المشهور بها المبرز فيها لم تقبل؛ لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة؛ إذ لا يستطيع أن يفعل من القربات أكثر مما هو عليه. وإن كان دون ذلك فشمر في العبادة وزادت حاله في التقى قبل شهادته. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (إن من أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقول الزور). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت. السابعة: قوله تعالى { حنفاء لله} معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق. ولفظة { حنفاء} من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل. و { حنفاء} نصب على الحال. وقيل { حنفاء} حجاجا؛ وهذا تخصيص لا حجة معه. { ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء} أي هو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عن نفسه ضرا ولا عذابا؛ فهو بمنزلة من خر من السماء، فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه. ومعنى { فتخطفه الطير} أي تقطعه بمخالبها. وقيل : هذا عند خروج روحه وصعود الملائكة بها إلى سماء الدنيا، فلا يفتح لها فيرمى بها إلى الأرض؛ كما في حديث البراء، وقد ذكرناه في التذكرة. والسحيق : البعيد؛ ومنه قوله تعالى { فسحقا لأصحاب السعير} [الملك : 11]، وقوله عليه الصلاة والسلام : (فسحقا فسحقا).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 28 - 31


سورة الحج الايات 31 - 34

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

اكتفتْ الآية بذكر صفتين فقط من صفات كثيرة على وجه الإجمال، وهما حنفاء لله، غير مشركين به، وحنفاء: جمع حنيف، مأخوذة من حنيف الرِّجل يعني: تقوُّسها وعدم استقامتها، فيقال: فيه حَنَف أي: ميْل عن الاستقامة، وليس الوصف هنا بأنهم مُعْوجون، إنما المراد أن الاعوجاج عن الاعوجاج استقامة.

لذلك وُصِف إبراهيم - عليه السلام - بأنه
{  كَانَ حَنِيفاً.. }
[آل عمران: 67] يعني: مائلاً عن عبادة الأصنام.

وقلنا: إن السماء لا تتدخَّل برسالة جديدة إلا حين يَعمُّ الفسادُ القومَ، ويستشري بينهم الضلال، وتنعدم أسباب الهداية، حيث لا واعظَ للإنسان لا من نفسه وضميره، ولا من دينه، ولا من مجتمعه وبيئته؛ ذلك لأن في النفس البشرية مناعةً للحق طبيعية، لكن تطمسها الشهوات، فإذا عُدِم هذا الواعظ وهذه المناعة في المجتمع تدخَّلَتْ السماء بنبي جديد، ورسالة جديدة، وإنذار جديد؛ لأن الفساد عَمَّ الجميع، ولم يَعُدْ أحد يعِظُ الآخر ويهديه.

وهذا المعنى الذي قال الله فيه:
{  كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ }
[المائدة: 79]

ومن هنا شهد الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أنها خير أمة أُخرِجَتْ للناس؛ لأن المناعة للحق فيها قائمة، ولها واعظ من نفسها يأمر بالخير، ويأخذ على يد المنحرف حتى يستقيم؛ لذلك قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم: " الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ".

والمعنى: الخير فِيَّ حصراً وفي أمتي نَثْراً، فرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع خصال الخير كله، وخَصه الله بالكمال، لكن مَنْ يُطيق الكمال المحمدي من أمته؟ لذلك نثر الله خصال الخير في جميع أمة محمد، فأخذ كلّ واحد منهم صفةً من صفاته، فكماله صلى الله عليه وسلم منثور في أمته: هذا كريم، وهذا شجاع، وهذا حليم.. إلخ.

ولما كان لأمة محمد هذا الدور كان هو خاتم الأنبياء؛ لأن أمته ستؤدي رسالته من بعده، فلا حاجة - إذن - لتدخل السماء برسالة جديدة إلى أن تقوم الساعة.

إذن نقول: الرسل لا تأتي إلا عند الاعوجاج، يأتون هم لِيُقوِّموا هذا الاعوجاج، ويميلون عنه إلى الاستقامة، هذا معنى الحنيف أو { حُنَفَآءَ للَّهِ.. } [الحج: 31].

وهذه الصفة هي مقياس الاستقامة على أوامر الله لا على أوامر البشر، فنحن لا نضع لأنفسنا أسبابَ الكمال ثم نقول: ينبغي أن يكون كذا وكذا، لا إنما الذي يضع أسباب الكمال للمخلوق هو الخالق.

والحق - سبحانه وتعالى - ليس مراده من الفعل أنْ يُفعل لذاته ولمجرد الفعل، إنما مراده من الفعل أنْ يُفعل لأنه أمر به، وقد أوضحنا هذه المسألة بالكافر الذي يفعل الخير وينفع الناس والمجتمع، لكن ليس من منطلق الدين وأمر الله، إنما من منطلق الإنسانية والمكانة الاجتماعية والمهابة والمنزلة بين الناس، ومثل هذا لا يجحفه الله حَقه، ولا يبخسه ثواب عمله، يعطيه لكن في الدنيا عملاً بقول الله تعالى:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً }
[الكهف: 30].

لكن لا حَظَّ لهؤلاء في ثواب الآخرة؛ لأنهم عملوا للمجتمع وللناس وللمنزلة، وقد أخذوا المقابل في الدنيا شُهْرة وصيتاً ذائعاً، ومكانة وتخليداً.

وفي الحديث القدسي يقول الحق سبحانه لهم: " لقد فعلْتَ ليُقال وقد قيل " وانتهت المسألة.

والحق - تبارك وتعالى - ضرب لنا عدة أمثلة لهؤلاء، فقال:
{  وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ.. }
[النور: 39].

فعمل الكافر كالسراب يتراءى له من بعيد، يظن من ورائه الخير، وهو ليس كذلك، حتى إذا ما عاين الأمر لم يجد شيئاً، وفُوجِئ بوجود إله عادل لم يكُنْ في باله يوم عمل ما عمل.

وفي آية أخرى يقول سبحانه:
{  مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيْءٍ.. }
[إبراهيم: 18].

وقال:
{  كَٱلَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْكَافِرِينَ.. }
[البقرة: 264].

وهل ينبت المطر شيئاً إذا نزل على الحجر الصَّلد الأملس؟ هكذا عمل الكافر، فمن أراد ثواب الآخرة فليحقق معنى { حُنَفَآءَ للَّهِ.. } [الحج: 31] ويعمل من منطلق أن الله أمر.

إذن: العمل لا يُفعَل؛ لأنه حسن في ذاته، إنما لأن الله أمرك به، بدليل أن الشارع سيأمرك بأمور لا تجد فيها حُسْناً، ومع ذلك عليك أنْ تلتزم بها لتحقق الانضباط الذي أراده منك الشارع الحكيم، وبعد ذلك سينكشف لك وجه الحُسْن في هذا العمل، وتعلم الحكمة منه.

خذ مثلاً موقف الإسلام من اليتيم، وقد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على رعايته وإكرامه وكفالته حتى أنه قال: " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى " فكافل اليتيم قرين لرسول الله في الجنة.

ففي هذا الموقف حِكَم كثيرة، قد لا يعلمها كثير من الناس؛ لأن اليتيم فقد أباه وهو صغير، ونظر فلم يَجِدْ له أباً، في حين يتمتع رفاقه بأحضان آبائهم، فإذا لم يجد هذا الصغير حناناً من كل الناس كأنهم آباؤه لتربّي عنده شعور بالسُّخْط على الله والاعتراض على القدر الذي حرمه دون غيره من حنان الأب ورعايته.

لذلك يريد الإسلام أن ينشأ اليتيم نشأة سويّة في المجتمع، لا يسخط على الله، ولا يسخط على الناس؛ لأنهم جميعاً عاملوه كأنه ولد لهم.

وهناك ملحظ آخر: حين ترى مكانة اليتيم، وكيف يرعاه المجتمع وينهض به يطمئن قلبك إنْ فاجأك الموت وأولادك صغار، هذه مناعات يجعلها الإسلام في المجتمع: مناعة في نفس اليتيم، ومناعة فيمَنْ يرعاه ويكفله.وكفالة اليتيم وإكرامه لا بُدَّ أنْ تتم في إطار { حُنَفَآءَ للَّهِ.. } [الحج: 31] فيكون عملك لله خالصاً، دون نظر إلى شيء آخر من متاع الدنيا، كالذي يسعى للوصاية على اليتيم لينتفع بماله، أو أن له مطمعاً في أمه.. إلخ فهذا عمله كالذي قُلْنا: (كسراب بقيعة) أو كرماد اشتدت به الريح أو كحجر أملس صَلْد لا ينبت شيئاً.

فإنْ حاول الإنسان إخلاص النية لله في مثل هذا العمل فإنه لا يأمن أنْ يخالطه شيء، كما جاء في الحديث الشريف: " اللهم إني أستغفرك من كل عمل أردت به وجهك فخالطني فيه ما ليس لك ".

الصفة الثانية التي وصف الله بها عباده المؤمنين: { غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ.. } [الحج: 31] فالشرك أمر عظيم؛ لأن الحق - تبارك وتعالى - كما قال في الحديث القدسي - أغنى الشركاء عن الشرك، فكيف تلجأ إلى غير الله والله موجود؟

لذلك يقول سبحانه في الحديث القدسي: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَنْ عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشِرْكه ".

ويعطينا الحق سبحانه بعدها صورة توضيحية لعاقبة الشرك: { وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخْطَفُهُ ٱلطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ.. } [الحج: 31].

خرَّ: يعني سقط من السماء لا يُمسكه شيء، ومنه قوله تعالى:
{  فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ.. }
[النحل: 26].

وفي الإنسان جمادية؛ لأن قانون الجاذبية يتحكم فيه، فإنْ صَعِد إلى أعلى لا بُدَّ أنْ يعود إلى الأرض بفعل هذه الجاذبية، لا يملك أنْ يُمسِك نفسه مُعلَّقاً في الهواء، فهذا أمر لا يملكه وخارج عن استطاعته، وفي الإنسان نباتية تتمثل في النمو، وفيه حيوانية تتمثل في الغرائز، وفيه إنسانية تتمثل في العقل والتفكير والاختيار بين البدائل، وبهذه كُرِّم عن سائر الأجناس.

وتلحظ أن (خرَّ) ترتبط بارتفاع بعيد { خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ.. } [الحج: 31] بحيث لا تستطيع قوة أنْ تحميه، أو تمنعه لا بذاته ولا بغيره، وقبل أنْ يصل إلى الأرض تتخطفه الطير، فإنْ لم تتخطفه تهوي به الريح في مكان بعيد وتتلاعب به، فهو هالك هالك لا محالةَ، ولو كانت واحدة من هذه الثلاث لكانت كافية.

وعلى العاقل أنْ يتأمل مغزى هذا التصوير القرآني فيحذر هذا المصير، فهذه حال مَنْ أشرك بالله، فإنْ أخذتَ الصورة على أنها تشبيه حالة بحالة، فها هي الصورة أمامك واضحة، وإنْ أردتَ تفسيراً آخر يُوضِّح أجزاءها: فالسماء هي الإسلام، والطير هي الشهوات، والريح هي ريح الشيطان، يتلاعب به هنا وهناك. فأيُّ ضياع بعد هذا؟ ومَنْ ذا الذي ينقذه من هذا المصير؟

ثم يقول سبحانه: { ذٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ ٱللَّهِ.. }

.


www.alro7.net